صراع السموّ والسطوة: قراءة في فلسفة -قوة الحق- مقابل -حق القوة-


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 00:44
المحور: قضايا ثقافية     

مدخل سياقي:
اقتبس بنيامين نتنياهو عن المؤرخ الشهير ويل ديورانت قوله: "إن التاريخ يثبت أن المسيح ليست له أفضلية على جنكيز خان"، مشيراً إلى أن القوة والنفوذ والقدرة على "القسوة" هي العوامل التي تسمح للشر بالانتصار على الخير، وللعدوان بأن يهزم الاعتدال. وأضاف نتنياهو: "في هذا العالم، لا يكفي أن تكون أخلاقياً، ولا يكفي أن تكون عادلاً، ولا يكفي أن تكون على حق".
هذا الطرح يتسق بعمق مع الرؤية اللاهوتية التي تشير إلى أن "الشيطان هو رئيس هذا العالم"، وأن "العالم قد وُضع في الشرير". إنه يتحدث عن واقع مادي مرير علينا مقاومته؛ مقاومة قانون القوة الغاشمة بالقوة التي تنتصر للخير. فالمقصود هنا هو جعل "يسوع" رمزاً للأخلاقيات السامية، و"جنكيز خان" رمزاً للقوة الغاشمة، وضرورة مواجهة الأخيرة بقوة أشد لمنع استشراء الشر. إن الرجلين (ديورانت ونتنياهو) لم يقصدا إهانة المسيح، بل على العكس، جعلا منه رمزاً للسمو الأخلاقي الذي يحتاج إلى "درع" يحميه.
أولاً: رمزية الشخصيات (النموذج الأخلاقي ضد الواقعية الخام)
في هذا السياق، لا يتم استحضار الأسماء كشخصيات تاريخية بقدر ما يتم استحضارهم كـ نماذج إرشادية (Paradigms):
• يسوع: يمثل "النموذج الأخلاقي" المطلق، يجسد الحق والعدل وما يجب أن يكون عليه العالم في حالته المثالية.
• جنكيز خان: يمثل "الواقعية الدموية" وقانون الغاب، حيث البقاء للأقوى والأكثر قدرة على فرض إرادته بالبطش.
عندما يقول ديورانت إن التاريخ لا يمنح أفضلية للمسيح على خان، فهو لا يتحدث عن "القيمة الأخلاقية" (التي تميل كفتها للمسيح قطعاً)، بل يتحدث عن "النتائج الميدانية". التاريخ يخبرنا بمرارة أن "الخير الأعزل" قد يُسحق تحت أقدام "الشر المسلح" إذا لم يمتلك أدوات الردع.
ثانياً: التقاطع مع المفهوم اللاهوتي لـ "رئيس العالم"
من المثير للتأمل أن هذا التحليل السياسي يلتقي مع نصوص دينية عميقة. فقول المسيح إن "الشيطان هو رئيس هذا العالم" اعتراف صريح بأن المنظومة المادية التي تحكم الأرض غالباً ما تتبع قوانين القوة والمكر والشر.
هذا الاعتراف بوجود "عالم وُضع في الشرير" لا يعني الاستسلام لهذا الواقع، بل يعني إدراك طبيعة "قواعد الاشتباك". المقاومة هنا لا يمكن أن تكتفي بالوعظ الأخلاقي، بل يجب أن تتحول إلى قوة فعلية قادرة على لجم التوحش.
ثالثاً: فلسفة "الأخلاق المسلحة"
تقوم هذه الرؤية على مبدأ أن "الحق الذي لا يحميه سلاح هو حق ضائع". المنطق هنا يرى أن مواجهة منهج "جنكيز خان" بوداعة مطلقة قد تؤدي إلى إبادة أصحاب الحق أنفسهم، ومن ثم اختفاء الأخلاق من الأرض.
لذا، تصبح القوة هنا وسيلة "وظيفية" لحماية القيم السامية. هي ضرورة تاريخية لضمان أن يكون للحق "أنياب" تمنع الافتراس، لكي لا يظل العدل مجرد فكرة جميلة في كتب التاريخ بينما يسود الظلم على الأرض.
رابعاً: إشكالية الفهم المتعسف
إن الفشل في فهم هذا الكلام ينبع من الخلط بين "التقدير القيمي" و "التوصيف الواقعي".
• التقدير: هو الإيمان بأن السمو الأخلاقي هو الغاية النهائية للبشرية.
• التوصيف: هو إدراك أن الواقع لا يحترم هذا السمو تلقائياً، بل يجب انتزاع هذا الاحترام عبر امتلاك القوة.

خاتمة:
إن الحديث عن "قسوة التاريخ" وتساوي المسيح وخان في ميزان القوة المادية ليس تقليلاً من شأن الرموز الروحية، بل هو دعوة لليقظة. إنها محاولة لترجمة السمو الأخلاقي إلى واقع ملموس لا يُهزم، إيماناً بأن القوة الغاشمة لا تُكسر إلا بقوة أعظم منها تنحاز للخير والعدل. ففي عالم "رئيسه الشيطان"، لا بد للحق من درع وسيف لكي يبقى حياً.