الفردوسي ودوره المحوري في سياق التاريخ الثقافي الإيراني
حميد كوره جي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8536 - 2025 / 11 / 24 - 11:08
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
الفردوسي وملحمته "الشاهنامه" يمثلان منعطفاً حضارياً فارقاً في تاريخ الهوية الثقافية الإيرانية، حيث يُعدّ أبو القاسم الفردوسي منطلقاً محورياً في ترسيخ الهوية القومية الإيرانية وسط تحديات عصره. ملحمته الخالدة، الشاهنامه، التي أُلّفت في القرن العاشر الميلادي، شكلت أعمدة أساسية ليس فقط للأدب الفارسي، ولكن لصياغة هوية جماعية في فترة تحول سياسي واجتماعي عميقة.
في القرن العاشر، كانت اللغة الفارسية الدَرِية في قمة تطورها، بعد أن انفصلت عن جذورها البهلوية واستطاعت أن تحتفظ بخصائصها النحوية الأصيلة وشخصيتها الثقافية الفريدة. هذا التطور للغة جاء متزامناً مع التأثير الكبير للغة العربية في مفرداتها، نتيجة كون العربية لسان العلم والدين والثقافة في ذلك الزمن. ومع ذلك، الفارسية لم تكن مهددة بالاختفاء أو التآكل في موطنها الأصلي، بل حافظت على مكانتها كشريان الحياة اليومية والتعبير الوطني بين سكان الهضبة الإيرانية، بخلاف عدة مناطق أخرى مثل العراق والشام حيث انتشرت اللغات السامية ذات الجذور الآرامية وكانت أكثر عرضة للتعريب.
على الصعيد السياسي، كانت التحولات أكثر إثارة للجدل، حيث صعدت سلالات تركية كالغزنويين والسلاجقة إلى قمة السلطة وأصبحت مهيمنة على المشهد الإيراني. في ظل هذه المشاهد المتغيرة، جاء الفردوسي ملتحفاً بأدوات الشعر والرمزية ليقدم الشاهنامه كدعامة فكرية وتراثية تهدف إلى تعزيز الهوية الإيرانية. هذه الملحمة ركزت على استعادة أمجاد التراث الملكي الإيراني القديم المعروف بالنظام الخسروي وأبرزت الهوية الفارسية النابعة من هذا الإرث الغني، مدعومة بمضامين وطنية واضحة تهدف إلى وحدة النخب الناطقة بالفارسية في مواجهة الطبقة الحاكمة الجديدة من الأتراك.
الشاهنامه لم تكن مجرد عمل أدبي، بل كانت نافذة رحبة لإحياء القيم الثقافية الإيرانية داخل سياق سياسي حيث اعتنقت السلالات التركية الإسلام السني. هؤلاء الحكام وجدوا في تبني الثقافة الفارسية أساساً لشرعيتهم وقبولهم محلياً، مما سمح لهم بنقل الفارسية من لغة محلية حيوية إلى رمز ثقافي للحضارة والرقي، دون أن تتعارض مع تأثير العربية المجاور.
التصور القومي الحديث الذي يصور الفردوسي كبطلٍ "أنقذ" اللغة الفارسية من التأثير العربي هو مبالغة استندت إلى روايات لاحقة، متجاهلة أن الفارسية آنذاك استفادت بشكل كبير من مكانة العربية العالمية. إن عبقرية الفردوسي تكمن، في جوهرها، في نجاحه في تحويل اللغة الفارسية إلى معيار ثقافي فذ وهُوية متماسكة للشعب الإيراني، مبرهناً على أن مركزية الثقافة يمكن أن تظل حجر الزاوية حتى في ظل السيطرة السياسية والعسكرية الأجنبية. وبالتالي، فإن الفردوسي لم يكن فقط شاعراً عظيماً، بل مفكراً استراتيجياً خدم قضايا شعبه وثقافته بطريقة فريدة خلّدتها الشاه نامة إلى الأبد.
التوليفة التركية-الفارسية تتجلى كواحدة من أبرز الأمثلة على التفاعل الحضاري العميق والتداخل الثقافي بين الشعوب، وذلك عبر العلاقة الطويلة والمعقدة التي ربطت بين الثقافة الفارسية والبلاطات التركية، بدءًا من عهد السلاجقة وصولًا إلى الدولة الصفوية. يمكن اعتبار هذا النموذج التاريخي المعروف بـ "التوليفة التركية-الفارسية" مثالًا يُبرز كيف تتكامل الهويات المختلفة ضمن إطار سياسي وثقافي مشترك.
السلالات التركية التي حكمت الأراضي الإيرانية أدركت على نحو مبكر أهمية التبني الجزئي للهوية الفارسية لضمان الشرعية السياسية وتعزيز الاستقرار الداخلي. كانت اللغة الفارسية آنذاك تجسد عمقًا ثقافيًا فريدًا، حيث تربعت على عرش الشعر والأدب وساهمت في صياغة التاريخ وإدارة الدول من خلال استخدامها في كتابة الدواوين الحكومية والمؤلفات الإدارية. في الوقت نفسه، احتفظت اللغة التركية بدورها كلغة أساسية للجيش وقيادة العمليات العسكرية، أي أنها كانت لغة "أهل السيف"، أما العربية فظلت مرتبطة بالدين والعلوم الفقهية. وفيما يتعلق بالإدارة والدواوين، كان الإيرانيون المعروفون بـ "أهل القلم" هم المحرك الأساسي لتلك الآلية، مما عزز دور الفارسية كلغة للبيروقراطية والإدارة المدنية.
اعتمدت السلالات الحاكمة على عناصر مأخوذة من النموذج الإيراني القديم المعروف بـ "الخسروانية"، وهو نموذج ملكية استُمدّت شرعيته من الأعمال الأدبية العظيمة مثل الشاه نامة لفردوسي. ولعل أبرز ما يميز هذا التبني هو التوافق بين الطابع التركي في القيادة العسكرية والجذور الفارسية للنظام الإداري والثقافي.
نموذجان بارزان يعكسان هذه التوليفة هما السلاجقة والصفويون:
1. السلاجقة (من القرن الحادي عشر إلى القرن الرابع عشر الميلادي): يُعد حكم السلاجقة المثال الأكثر وضوحًا للتوازن بين القوة العسكرية والثقافة البيروقراطية الفارسية. فقد بسطوا نفوذهم اعتمادًا على القوة العسكرية، ولكن نجاحهم كحكام دوليًّا ارتكز على النظام الإداري المتأثر إلى حد بعيد بالإرث العباسي الفارسي. ويمكن القول إن الوزير نظام الملك كان العقل المدبر وراء هذا التحول البنيوي، إذ قام من خلال كتابه "سياست نامه" بتقديم رؤية أدبية وسياسية ساعدت السلاجقة على تبني تقاليد الملكية الفارسية التي حولتهم من زعماء عسكريين إلى ملوك يحملون السمات التقليدية لشاهنشاهات حقيقيين، مع رعايتهم المشهودة للثقافة الفارسية التي ازدهرت تحت حكمهم.
2. الصفويون (من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر الميلادي): تفوق الصفويون في بناء توليفة أكثر تعقيدًا وشمولية من التقاليد التركية والفارسية عبر إضافة بعد ديني قوي يدعمه التشيع الاثني عشري كعنصر رئيسي لهويتهم. استندت الدولة الصفوية إلى ثلاث ركائز متكاملة: القوة العسكرية التي شكلتها القوات التركية مثل القزلباش، الإدارة البيروقراطية التي أوكلت إلى النخب الفارسية، والشرعية الدينية التي استمدوها من العلماء الشيعة العرب مما منحهم بعدًا روحانيًا عميقًا. هذه العناصر الثلاثة ساعدت في تعزيز الهوية الوطنية الإيرانية ضمن إطار مذهبي متين أسهم في صياغة إيران بهويتها المميزة التي نعرفها اليوم.
تظهر هذه التوليفة التركية-الفارسية كغاية في الأهمية لفهم كيف يمكن للتنوع الثقافي والإثني أن يتحول إلى مصدر قوة وتكامل بدلاً من كونه نقطة صراع وتفكك، إذ أنها قدمت نموذجًا لكيفية إدارة الاختلاف بروح من التوافق والسعي نحو الغايات المشتركة.
لقد كانت العلاقة التاريخية بين القوة العسكرية التركية والثقافة الفارسية تجسد مثالًا بارزًا على التكامل بين قوتين متكاملتين في مختلف المجالات. إذ لعب الفرس الدور الحيوي في تشكيل "روح" الدولة من خلال بناء قواعدها الإدارية والشرعية، بينما جلب الأتراك القوة العسكرية والقدرة السياسية التي أسهمت في بروز هذه الدول كإمبراطوريات متفوقة وقوية على مر العصور. ونتيجة لهذا التحالف المثمر، لم تقتصر إنجازات هذه الإمبراطوريات على القوة السياسية، بل امتدت لتشمل الازدهار الثقافي والفني الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من إرث المنطقة. وكان الفردوسي بمثابة الركيزة الثقافية الأساسية لهذه الحضارة المشتركة، حيث عبر بشعره عن الهوية الفارسية الأصيلة ومنحها صدى خالدًا في وجه التحولات السياسية والتحديات العسكرية.
وفي سياق تعزيز الهوية الثقافية أمام موجات الضغط السياسي والعسكري، يعتبر دور الفردوسي نموذجًا للبصيرة الأدبية التي قاومت السيف بالقلم. إن استخدامه لقوة الكلمة لدعم الإرث الفارسي وترسيخ هويته في مواجهة النفوذ التركي يُعد مدرسةً فكرية بحد ذاته. هذا الأمر يجد صدىً واضحًا فيما عبّر عنه الشاعر صائب التبريزي، أحد أبرز شعراء العصر الصفوي، الذي أعطى للأدب والحكمة مكانة توازن بين زوال السلطة ومتطلبات الدوام الثقافي.
ظهر ذلك جليًا في بيته الشعري الذي يحتفي بدور القلم في عالم الزوال:
سرگشته سيف تيز تو، محتاج قلم نيست..... حاجت به قلم هست، كه در مُلك بقا نيست
"سيفك البتار قد يصبح مرتبكًا إذا استغنى عن القلم، لكن القلم لا غنى عنه، لأن المُلك مهما كان عظيمًا فإن استمراره ليس بالأمر المضمون."
هذه الكلمات تلخّص فلسفة التسامي الثقافي الذي يعلو فوق المادية الزائلة، مما يعكس رؤيةً أدبية عميقة استلهمت من الصراعات التاريخية والحاجات المستمرة للهوية والديمومة الفكرية.