|
|
رسالة من غير منتمي “للوطد”: في أزمة اليسار التونسي بين التشرذم، إعادة الاختراع، وإعادة وصل السياسة بزمنها الاجتماعي.
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 04:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إنّ أزمة الوطنيّين الديمقراطيّين في تونس لا يمكن اختزالها في تشرذم تنظيميّ أو في خلافات بين قيادات وأشخاص، بل هي جزء من أزمة أعمق أصابت مجمل اليسار التونسي والعربي، وهي أزمة تتعلّق بالسؤال التاريخي نفسه: كيف يتحوّل المشروع الثوري من فكرةٍ إلى قوّة اجتماعيّة منظّمة؟ لقد خرج الوطنيّون الديمقراطيّون من رحم النضال ضدّ الاستبداد والتبعيّة والإمبرياليّة والصهيونيّة، وحملوا لعقود راية الدولة الوطنيّة الديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة. لكنّ التحوّلات التي شهدها العالم منذ انهيار المعسكر "الاشتراكي" ، ثمّ التحوّلات التي عرفتها تونس بعد 2011، وضعتهم أمام واقع جديد لم يمتلكوا دائما الأدوات النظريّة والتنظيميّة الكافية لفهمه والتفاعل معه. ومن المفارقات أنّ التيّار الذي كان يدعو إلى وحدة الشعب وتوحيد نضالات الكادحين وجد نفسه أسير انقسامات متتالية. فكلّ اختلاف فكري أو تكتيكي تحوّل إلى إطار جديد، ثمّ إلى تنظيم جديد، ثمّ إلى سرديّة جديدة للشرعيّة الثوريّة. وهكذا تفتّت الجسد إلى أجزاء صغيرة، "أوطاد" ، وكلّ "وطد" أصبح يرى نفسه الامتداد الأصدق للتاريخ النضالي. غير أنّ الأزمة ليست أزمة الوطنيّين الديمقراطيّين وحدهم. فاليسار التونسي عموما عانى من نزعة مزمنة إلى تحويل الخلاف السياسي إلى قطيعة وجوديّة. بدل إدارة التناقضات داخل فضاء مشترك، جرى التعامل معها باعتبارها معارك هويّة بين "خطّ صحيح" و"خطّ منحرف". وكانت النتيجة أنّ طاقة هائلة استُنزفت في الصراعات الداخليّة بينما كانت قوى رأس المال والبيروقراطيّة والشعبويّة تعيد تشكيل المجال السياسي والاجتماعي. كما أنّ اليسار، بمختلف مكوّناته، واجه صعوبة في تجديد أدواته الخطابيّة. فاللغة التي كانت تعبّئ الجماهير في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لم تعد كافية لفهم اقتصاد المنصّات الرقميّة، والعمل الهشّ، والهجرة، والتغيّرات الثقافيّة العميقة داخل المجتمع. ولمّا تأخّر التجديد الفكري، توسّعت المسافة بين التنظيمات اليساريّة وبين قطاعات واسعة من الشباب. ثمّة أيضا مفارقة أخرى: فكلّما ضعفت القاعدة الاجتماعيّة الفعليّة لليسار، ازداد التنافس على الرموز والتاريخ والذاكرة. وكأنّ الماضي تحوّل إلى مجال تعويض عن العجز في الحاضر. فبدل السؤال: كيف ننظّم العمال والعاطلين والفلاحين والشباب اليوم؟ أصبح السؤال أحيانا: من الأوفى لتراث الأمس؟ إنّ التشرذم ليس سبب الأزمة فقط، بل هو أيضا أحد أعراضها. فالانقسام المتكرّر يكشف غالبا عن عجز أعمق في إنتاج مشروع جامع قادر على استيعاب الاختلافات وتحويلها إلى مصدر قوّة لا إلى سبب للتفكّك. لذلك فإنّ مستقبل الوطنيّين الديمقراطيّين، بل ومستقبل اليسار التونسي برمّته، لا يتوقّف على إعادة تجميع الهياكل فحسب، بل على إعادة بناء المعنى. أي بناء مشروع يربط الديمقراطيّة بالعدالة الاجتماعيّة، والسيادة الوطنيّة بالتحرّر الاقتصادي، والحريّات الفرديّة بالنضال الجماعي، ويستعيد الصلة العضويّة مع الفئات الشعبيّة لا بوصفها جمهورا انتخابيّا، بل بوصفها الفاعل التاريخي الحقيقي لأيّ تغيير. فالأجساد الممزّقة يمكن أن تلتئم تنظيميّا، أمّا الأفكار التي تفقد قدرتها على إنتاج الأمل فتبقى عاجزة حتّى لو توحّدت كلّ هياكلها تحت راية واحدة. والرهان الحقيقي اليوم ليس في جمع الشظايا فقط، بل في اكتشاف النار التي كانت تجعل تلك الشظايا جسدا واحدا. و ثمّة جانب آخر من أزمة الوطنيّين الديمقراطيّين واليسار في تونس قلّما يُناقش بالقدر الكافي، وهو تحوّل التنظيم عند كثير من المناضلين من وسيلة للتغيير إلى غاية في حدّ ذاته. فحين يضعف الحضور في المجتمع، يتضخّم الحضور داخل التنظيم، وحين تتراجع القدرة على التأثير في الواقع، يصبح الصراع على المواقع الداخليّة بديلا عن الصراع ضدّ البنى التي تنتج الظلم والتبعيّة. ولعلّ أحد أخطر ما واجهه اليسار خلال العقود الأخيرة هو انتقال مركز الثقل من ساحات العمل والإنتاج والأحياء الشعبيّة إلى فضاءات النخب السياسية والثقافية. فالتنظيم الذي كان يقاس بمدى تجذّره في المصانع والحقول والجامعات، أصبح يقاس أحيانا بقدرته على الظهور الإعلامي أو حضوره في دوائر النقاش المغلقة. وهنا نشأ نوع من الانفصال الصامت بين الخطاب ومن يُفترض أنّ الخطاب موجّه إليهم. كما أنّ الوطنيّين الديمقراطيّين وجدوا أنفسهم أمام معضلة لم تحسم بالكامل: كيف يمكن الجمع بين إرث الحركة الوطنية وأسئلة المجتمع الجديدة؟ فالقضايا التي صاغت وجدان أجيال سابقة لم تعد وحدها تشكّل مركز اهتمام الأجيال الصاعدة. لقد برزت موضوعات تتعلّق بالهجرة والبيئة والتكنولوجيا والتحوّلات الثقافية وأنماط العمل الجديدة، بينما ظلّت أجزاء من الخطاب السياسي تدور حول خرائط صراعات لم تعد كما كانت. ومن المفارقات أنّ اليسار الذي لطالما انتقد الشخصنة وقع هو نفسه في أسرها بدرجات متفاوتة. فقد أصبحت بعض الأسماء أكبر من النقاش حول الأفكار، وأحيانا أكبر من التنظيمات ذاتها. وعندما تتحوّل الرموز إلى مراكز جذب أو نفور، يفقد الحوار السياسي طابعه البرنامجي ويصبح أقرب إلى الاصطفاف حول الأشخاص. ثمّة كذلك مشكلة تتعلّق بعلاقة اليسار بالزمن. فاليسار بطبيعته مشروع للمستقبل، لكنّ جزءا منه صار يعيش داخل ذاكرة الهزائم والانكسارات أكثر ممّا يعيش داخل احتمالات الغد. وبدلا من تحويل التجارب السابقة إلى معرفة نقدية، تحوّلت أحيانا إلى جدار نفسي يحجب إمكانيات التجديد والمغامرة الفكرية والتنظيمية. إنّ الحركات السياسية لا تموت عندما تخسر الانتخابات أو تتعرّض للقمع فقط، بل قد تبدأ في الأفول حين تصبح عاجزة عن طرح أسئلة جديدة. فالتاريخ لا يعاقب من يخطئ بقدر ما يعاقب من يتوقّف عن البحث. وحين يفقد التيار السياسي فضوله تجاه المجتمع، يفقد المجتمع فضوله تجاهه أيضا. لهذا تبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى ما هو أبعد من المصالحة بين المجموعات والتيارات. الحاجة هي إلى مصالحة مع الواقع نفسه؛ مع تونس التي تغيّرت، ومع أجيال لم تعش المعارك القديمة، ومع أشكال جديدة من الاستغلال والتهميش لم تعد تشبه كثيرا ما كان سائدا قبل عقود. فالأفكار التي لا تعبر الجسر نحو الزمن الجديد تظلّ واقفة على ضفاف الماضي، مهما كانت نبيلة أو ثورية في أصلها. و من هنا يمكن القول إنّ واحدة من أكثر المحطّات حساسيّة في تاريخ الوطنيّين الديمقراطيّين تمثّلت في محاولة الانتقال من منطق "المجمّع" إلى منطق "الحزب". فالمجمّع، بحكم نشأته وظروف عمله السرّي وشبه السرّي و تنقّبه، كان إطارا يجمع مناضلين حول أرضيّة فكريّة وسياسية مشتركة، لكنّه لم يكن بالضرورة مؤهّلا، بصيغته القديمة، لخوض معارك السياسة الجماهيريّة المفتوحة. لقد أدرك شكري بلعيد، إلى جانب عدد من رفاقه، أنّ التحوّلات التي عرفتها تونس منذ أواخر التسعينيات ثمّ مع بدايات الألفية الجديدة تفرض مراجعة عميقة لأشكال التنظيم. فالسؤال لم يعد كيف نحافظ على وجود الحلقة، بل كيف نبني أداة سياسية قادرة على مخاطبة المجتمع بأسره. ولم يكن الأمر بالنسبة إليه مجرّد تعديل هيكلي، بل انتقالا من ثقافة سياسية إلى أخرى؛ من ثقافة الإطار المغلق إلى ثقافة الحزب المفتوح على مختلف الطاقات اليسارية والديمقراطية. في ذلك السياق، خاض بلعيد ورفاقه نقاشات وصراعات فكرية وتنظيمية معقّدة. فقد كان هناك من يرى أنّ أيّ توسّع سريع قد يؤدّي إلى تمييع الهوية الفكرية للمجمّع، بينما كان الاتجاه الدافع نحو التحوّل يعتبر أنّ الانغلاق نفسه أصبح خطرا يهدّد مستقبل المشروع. وكان جوهر الخلاف يدور حول سؤال بالغ الأهمية: هل تُصان الأفكار بالحفاظ على الأسوار أم بقدرتها على الانتشار والتجذّر داخل المجتمع؟ ولم تكن المقاومة لهذا التحوّل نابعة فقط من اختلافات نظرية. ففي كلّ تنظيم سياسي طويل العمر تتكوّن عادات وثقافات داخلية وآليات عمل تصبح جزءا من هوية المناضلين أنفسهم. ولذلك بدا الانتقال نحو بناء حزب أوسع، بالنسبة إلى بعض الأطراف، وكأنّه مغادرة لأرض مألوفة نحو فضاء غير مضمون النتائج. غير أنّ الرهان الذي دافع عنه بلعيد كان يقوم على فكرة أساسية مفادها أنّ اليسار لا يستطيع البقاء مجموعة من الجزر المعزولة. فقد كانت تونس تضمّ طيفا واسعا من المناضلين النقابيين والحقوقيين والتقدميين والديمقراطيين الذين يتقاطعون في قضايا كبرى دون أن تجمعهم أداة سياسية جامعة. ومن هنا برزت فكرة بناء إطار قادر على تجاوز الانقسامات التاريخية الصغيرة وصياغة مشروع يساري ذي وزن وطني. وكانت أهمية هذا التوجّه أنّه لم ينظر إلى الحزب بوصفه تجميعا حسابيا للتنظيمات، بل باعتباره فضاء جديدا يعيد إنتاج السياسة نفسها. فالمطلوب لم يكن فقط توحيد الهياكل، بل إعادة تعريف العلاقة بين الفكر والممارسة، وبين النخبة والشارع، وبين النضال الديمقراطي والنضال الاجتماعي. وقد كشفت تلك المرحلة عن معضلة صاحبت أجزاء واسعة من اليسار العربي: التردّد بين المحافظة على "النقاء التنظيمي" وبين خوض مغامرة البناء الواسع. فكلّ مشروع وحدوي يقتضي قدرا من المرونة، وكلّ مرونة كانت تُقابل أحيانا بالخوف من الذوبان أو التنازل. وهكذا تحوّلت بعض النقاشات إلى معارك حقيقية حول طبيعة التنظيم ودوره التاريخي. ومهما اختلفت التقييمات اللاحقة لتلك التجربة، فإنّها مثّلت محاولة جديّة للخروج من أفق الحلقة المغلقة نحو أفق الفاعل السياسي الوطني. وكان أحد رهاناتها الأساسية أن يصبح الوطنيّون الديمقراطيّون نواة ضمن مشروع يساري أوسع من حدودهم التنظيمية، مشروع قادر على جمع طاقات متفرّقة ظلّت لعقود تتقاسم الأهداف نفسها دون أن تنجح دائما في بناء البيت السياسي الذي يتّسع لها جميعا. لقد كان الصراع، في جوهره، صراعا بين رؤيتين للعمل السياسي: رؤية ترى التنظيم حصنا يجب حمايته من التغيير، ورؤية تعتبره أداة يجب تطويرها باستمرار لكي تظلّ قادرة على التدخّل في التاريخ. وبين هاتين الرؤيتين دارت معارك فكرية وتنظيمية تركت أثرها العميق في مسار الوطنيّين الديمقراطيّين وفي مجمل التجربة اليسارية التونسية. و إذا نظرنا إلى تجربة الجبهة الشعبية من زاوية تاريخية أوسع، فإنّ أهمّ ما حملته لم يكن مجرّد تحالف انتخابي أو جبهة احتجاجية، بل إمكانيّة تاريخية نادرة للخروج من أرخبيل اليسار المتناثر نحو قارّة سياسية واحدة. فقد كانت الفكرة، لدى بعض أبرز مهندسي المشروع، أن تتحوّل الجبهة تدريجيا من فضاء تنسيق بين الأحزاب والتنظيمات إلى مختبر اندماج سياسي وفكري وتنظيمي، ينتهي بولادة حزب يساري كبير يتجاوز الحدود القديمة التي رسمتها عقود الانشقاقات. و كان الرهان يقوم على مبدأ بسيط وعميق في الآن نفسه: لقد استنفدت الأحزاب الصغيرة معظم طاقتها التاريخية، ولم يعد ممكنا مواجهة سلطة المال والإدارة والإعلام والتنظيمات الكبرى عبر تشكيلات تعيش داخل حدودها الخاصة. وكان المطلوب أن تذوب الرايات الصغيرة داخل أفق أوسع، لا أن تبقى متجاورة مثل جزر متقاربة تفصل بينها مياه الشكوك القديمة. في هذا التصوّر لم تكن الجبهة الشعبية غاية، بل مرحلة انتقالية. جسر بين ذاكرة اليسار المجزّأة ومستقبله الممكن. وكان النجاح الحقيقي للجبهة لن يتحقّق يوم ترتفع نتائجها الانتخابية فقط، بل يوم تصبح الأحزاب المكوّنة لها أقلّ أهمية من المشروع الجامع الذي يتشكّل فوقها. غير أنّ ما حدث لاحقا كشف عن إحدى أعمق المعضلات التي عرفها اليسار التونسي. فبدلا من أن تصبح الجبهة إطارا لتجاوز الذوات التنظيمية، تحوّلت أحيانا إلى ساحة تدافع بين هذه الذوات نفسها. وعوض أن تنصهر الهياكل القديمة داخل مشروع جديد، راحت تدافع عن حدودها الخاصة وكأنّها تدافع عن دول مستقلّة. هنا برزت الزعاماتية و الخطّية بوصفهما أحد العوائق الكبرى. فالتنظيم الصغير يستطيع أن يعيش طويلا حول اسم أو مجموعة أسماء، أمّا الحزب التاريخي الكبير فلا يمكن أن يبنى إلا على المؤسّسات والأفكار والبرامج. لذلك كان الانتقال من منطق الزعيم إلى منطق المشروع شرطا لازما لأيّ عملية توحيد حقيقية. لكنّ هذا الانتقال ظلّ ناقصا ومتعثّرا. كما ظهرت نزعة أخرى لا تقلّ خطورة: الخوف من النجاح نفسه. إذ إنّ ولادة حزب يساري كبير كانت تعني بالضرورة نهاية مواقع ورموز ومراكز نفوذ اعتادت العمل داخل فضاءات ضيّقة يمكن السيطرة عليها. ولذلك قاومت بعض البُنى القديمة، بوعي أو من دونه، كلّ ما كان يدفع نحو تجاوزها التاريخي. ولعلّ المأساة الكبرى أنّ اليسار، الذي قضى عقودا ينتقد عبادة الفرد في تجارب الآخرين، لم ينج هو نفسه دائما من أمراض التقديس السياسي. فحين تصبح الأسماء أهمّ من المشروع، يصبح الخلاف حول الأشخاص أكبر من النقاش حول المجتمع، ويتحوّل التاريخ إلى حلبة تنافس على الإرث بدل أن يكون فضاءً لبناء المستقبل. ومن هنا يمكن فهم شعور كثير من المناضلين بأنّ مشروع اليسار الكبير لم يُهزم فقط من خصومه الخارجيين، بل تعرّض أيضا لعملية استنزاف من داخله. ليس بالضرورة عبر مؤامرات صريحة، بل عبر تراكم الحسابات الضيّقة، والحذر المفرط، وسوء تقدير اللحظة التاريخية، والعجز عن إدراك أنّ بعض الفرص لا تمرّ إلا مرّة واحدة. لقد كان ممكنا للجبهة الشعبية أن تكون رحم ولادة جديدة، وأن تتحوّل إلى مدرسة اندماج سياسي تخرج منها قوة يسارية واسعة الجذور، متعدّدة الروافد، قادرة على تجاوز تاريخ الانقسامات. لكنّ التاريخ لا يمنح الفرص إلى الأبد. ففي لحظات معيّنة يصبح التردّد نفسه شكلا من أشكال القرار، وتصبح المحافظة على الموجود سببا مباشرا في ضياع الممكن. وهكذا بقي الحلم معلّقا بين ما كان قائما وما كان يمكن أن يكون: بين أحزاب تخشى الذوبان، وحزب كبير لم يولد بعد، وبين طاقة تاريخية هائلة لم تنجح في العثور على الشكل التنظيمي الذي يليق بها. وفي مثل هذه اللحظات لا تكون الخسارة خسارة تنظيم بعينه، بل خسارة أفق كامل كان قادرا على إعادة رسم المشهد السياسي والاجتماعي برمّته. ولعلّ ما يزيد من مأساوية تلك التجربة أنّها تزامنت مع اغتيال شكري بلعيد، أحد أبرز الأصوات الدافعة نحو تجاوز التشرذم التاريخي لليسار التونسي. فبالنسبة إلى عدد واسع من المناضلين الذين عاشوا تلك المرحلة من الداخل، لم يكن الاغتيال مجرّد استهداف لقيادي سياسي أو لمحام ومناضل معارض، بل بدا وكأنّه استهداف لمسار كامل كان بصدد التشكّل. فالجبهة الشعبية، في نظر هؤلاء، لم تكن مجرّد تحالف ظرفي أو تجميع انتخابي ، بل كانت النواة الأولى لمشروع أكبر بكثير: مشروع إعادة تركيب اليسار التونسي على أسس جديدة، تتجاوز الانقسامات العقائدية والتنظيمية التي تراكمت عبر عقود طويلة. وكان الرهان أن تتحوّل الجبهة، مع الزمن، من فضاء تنسيق بين أحزاب متجاورة إلى فضاء اندماج سياسي حقيقي، تذوب فيه الهياكل القديمة تدريجيا لتنبثق منه قوة يسارية وطنية كبرى تمتلك من الامتداد الاجتماعي والسياسي ما يسمح لها بأن تصبح أحد الأقطاب الرئيسية في البلاد. ومن هذه الزاوية تحديدا، اكتسب اغتيال شكري بلعيد دلالة تتجاوز شخصه. إذ شعر كثيرون أنّ الرصاص الذي أوقف الرجل استهدف أيضا الإمكانية التاريخية التي كان يجسّدها. فالرجل لم يكن مجرّد ناطق باسم تنظيم أو ممثّل لحزب بعينه، بل كان أحد أبرز الساعين إلى بناء الجسور بين مكوّنات اليسار الديمقراطي والوطني والتقدمي، وإلى نقلها من مرحلة التعايش الحذر إلى مرحلة المشروع المشترك. لقد كان من الممكن أن تتعثّر تلك التجربة لأسباب موضوعية عديدة، وكان من الممكن أيضا أن تنجح أو أن تفشل. لكنّ المؤكّد أنّ الاغتيال أحدث فراغا سياسيا وتنظيميا هائلا في لحظة كانت تحتاج إلى شخصيات تمتلك القدرة على جمع الخيوط المتفرّقة وإدارة التناقضات داخل المشروع الواحد. ثمّ جاءت السنوات اللاحقة لتكشف أنّ الخطر على مشروع اليسار الكبير لم يكن خارجيا فقط. فبينما كانت الصدمة لا تزال حيّة، عادت أمراض قديمة لتطفو على السطح: الزعاماتية، وحسابات الأجهزة، والتنافس على المواقع، والتمسّك بالهويات التنظيمية الضيّقة. وكأنّ بعض المكوّنات اختارت، بوعي أو بدونه، حماية حدودها الخاصة بدل المغامرة ببناء أفق أرحب. وهكذا وجد المشروع نفسه بين فكّي كماشة: من جهة ضربة قاسية أفقدته أحد أبرز محرّكاته، ومن جهة أخرى عجز داخلي عن استكمال عملية التحوّل التاريخي التي كانت مطروحة. فبدل أن تذوب التنظيمات القديمة داخل مشروع جامع، عاد المشروع الجامع نفسه أسيرا للتوازنات القديمة. ولذلك يرى كثير من المناضلين اليوم أنّ الخسارة لم تكن خسارة شخص أو تنظيم أو تحالف انتخابي فحسب، بل خسارة فرصة تاريخية نادرة لإعادة بناء اليسار التونسي على أسس جديدة. فرصة كان يمكن أن تفتح الباب أمام ولادة حزب يساري كبير، متجذّر في المجتمع، وقادر على تغيير موازين القوى السياسية والاجتماعية. وهو ما يجعل الحديث عن تلك المرحلة، إلى اليوم، حديثا عن مستقبل لم يولد بقدر ما هو حديث عن ماض انقضى. و ثمّة اليوم، رغم كلّ ما يبدو من تفتّت، محاولات جنينيّة لإعادة جمع خيوط ما يسمّى بالخط الوطني الديمقراطي داخل تونس. وهي محاولات لا تأتي من فراغ، بل من إدراك متأخّر نسبيا بأنّ الانقسام الطويل لم ينتج سوى إضعاف القدرة على التأثير، وتحويل اليسار إلى شظايا متجاورة أكثر منه كتلة تاريخية قادرة على الفعل. هذه المحاولات لا تتحرّك في شكل واحد، بل تتجلّى في مبادرات تنسيقية، لقاءات دورية، ومحاولات لإعادة بناء أرضية سياسية مشتركة حول قضايا كبرى: العدالة الاجتماعية، السيادة الوطنية، مقاومة التفاوت الطبقي، والدفاع عن الحقوق والحريات. غير أنّ ما يبدو على الورق تقاربا، يصطدم في الواقع بشبكة كثيفة من العوائق. فمن الداخل، ما تزال البنية النفسية والسياسية للتشرذم حاضرة بقوة. هناك خوف متراكم من الذوبان داخل الآخر، وذاكرة طويلة من الانشقاقات تجعل أي خطوة نحو الوحدة محمّلة بالريبة. كما أنّ بعض الفاعلين ما زالوا ينظرون إلى التنظيم بوصفه مساحة نفوذ لا مجرّد أداة نضال، ما يجعل فكرة الاندماج تُقرأ أحيانا كتهديد للمواقع لا كتوسيع للأفق. وتبرز أيضا ظاهرة دقيقة وخطيرة في آن: تحوّل بعض من يتحدّثون باسم "الخط" إلى فاعلين يشتغلون بمنطق شخصي أو فئوي، حيث تستعمل اللغة المشتركة كغطاء لمشاريع ذاتية. فبدل أن تكون المرجعية الفكرية أداة توحيد، تتحوّل أحيانا إلى رأسمال رمزي يُدار في سوق التوازنات الصغيرة. وهنا يصبح "الخط الوطني الديمقراطي" شعارا أكثر منه مشروعا حيّا، وتغدو الدعوة إلى الوحدة وسيلة تفاوض لا أفق تحوّل. أمّا من الخارج، فالعوائق ليست أقل تعقيدا. فالمجال السياسي العام في تونس اليوم لا يشجّع على بروز كتل أيديولوجية كبيرة متماسكة، بل يميل إلى تفتيت الفاعلين وإعادة توزيعهم داخل مشهد شديد السيولة. كما أنّ ضغط الواقع الاجتماعي والاقتصادي، وتحوّل الأولويات اليومية لدى قطاعات واسعة من الشعب، يجعل من الصعب على أي مشروع سياسي طويل النفس أن يفرض إيقاعه بسهولة. إلى جانب ذلك، هناك أيضاًد أثر البيئة الإعلامية والسياسية التي تميل إلى تبسيط التناقضات وتضخيم الخلافات الداخلية، ما يساهم في إعادة إنتاج صورة اليسار كجزر متنازعة أكثر من كونه مشروعا قابلا لإعادة التركيب. وفي مثل هذا السياق، تصبح كل خطوة نحو الوحدة عرضة للتأويل والتشكيك والتفكيك قبل أن تكتمل. ومع ذلك، فإنّ ما يميّز هذه المرحلة ليس غياب الإمكانية، بل بقاء الحاجة. فكلّما اشتدّ التفتّت، برزت بشكل أوضح ضرورة إعادة بناء حدّ أدنى من الوحدة السياسية. ليس بالمعنى التنظيمي الصارم، بل بالمعنى الاستراتيجي: أي القدرة على التقاء الفاعلين حول قضايا كبرى تتجاوز الحسابات الضيقة. إنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا لم تنجح الوحدة إلى الآن؟ بل أيضا: ما الشكل الممكن للوحدة في زمن تغيّرت فيه البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية نفسها؟ فربما لم تعد الوحدة تعني ذوبانا كاملا في إطار واحد، بقدر ما تعني بناء كتلة تاريخية مرنة، قادرة على التنسيق العميق دون إلغاء التعدّد. لكنّ هذا الأفق، بدوره، يظلّ مرهونا بقدرة الفاعلين على تجاوز منطق "التمثيل باسم الخط" إلى منطق "الالتزام بالمشروع". فحين يصبح الكلام باسم المشروع غاية في حد ذاته، يفقد المشروع معناه، وتتحوّل اللغة المشتركة إلى واجهة تخفي خلفها تناقضات لا تحلّ بل تدار. وهكذا تبدو اللحظة الراهنة معلّقة بين احتمالين: إمّا أن تنجح هذه المحاولات الجنينية في تحويل نفسها إلى مسار تراكمي حقيقي يعيد بناء الثقة بين مكوّنات الخط الوطني الديمقراطي، أو أن تبقى مجرّد موجة جديدة من اللقاءات التي تُستهلك داخل نفس الدائرة القديمة من التردّد والانقسام وإعادة إنتاج الشكوك. و في العمق، لم تعد أزمة الخط الوطني الديمقراطي في تونس أزمة اصطفافات فقط، بل أزمة أدوات. فجزء كبير من الخطاب السياسي ما يزال يتحرّك داخل زمن قديم، بينما المجتمع نفسه انتقل إلى إيقاع مختلف تماما: إيقاع سريع، متشظّ، متحوّل، تهيمن عليه هشاشة العمل، اقتصاد المنصّات، وتقلّب المزاج الاجتماعي تحت ضغط المعيشة اليومية. من هنا تصبح مسألة تغيير الخطاب شرطا للبقاء السياسي. فخطاب صيغ في سياقات تعبئة تقليدية لم يعد قادرا وحده على اختراق فضاء عام تحكمه وسائل التواصل، وتعيد فيه الصور القصيرة والانفعالات السريعة تشكيل الوعي أكثر من التحليل الطويل. لم يعد الناس ينتظرون البيان السياسي بقدر ما يتفاعلون مع الإشارة، والرمز، والموقف المكثف. لكن تغيير الخطاب لا يعني التخلي عن الجوهر، بل إعادة صياغته بما يتيح له أن يُسمَع. فالقضايا الكبرى نفسها — العدالة الاجتماعية، السيادة الوطنية، مقاومة التفاوت — لم تفقد راهنيتها، لكن طريقة تقديمها هي التي تحتاج إلى تفكيك وإعادة تركيب. اللغة التي كانت تُخاطب "الطبقة" وحدها، يجب أن تتسع اليوم لتخاطب أشكالا جديدة من الهشاشة: العامل غير المستقر، الشاب المهمّش رقميا، والفاعل الاجتماعي الذي يعيش بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي. إلى جانب الخطاب، تبرز مسألة أكثر حساسية: آليات النضال. فالنموذج التقليدي القائم على التنظيم الهرمي الصارم، والانتظار الطويل للفرص السياسية الكبرى، لم يعد كافيا وحده. الواقع الحالي يفرض أشكالا أكثر مرونة: شبكات، مبادرات، تدخلات سريعة، وتحركات قادرة على التكيّف مع لحظات سياسية قصيرة العمر. لم يعد الصراع السياسي خطا مستقيما، بل سلسلة من الموجات المتقطعة التي تتطلب يقظة دائمة وقدرة على التدخل في الوقت المناسب. وهنا يصبح "حسن احتساب الزمن السياسي" مسألة مركزية. فالتاريخ لا يتحرك بإيقاع ثابت، بل في لحظات انفجار وتراكم وصمت. كثير من المشاريع السياسية لا تفشل لأنها بلا أفكار، بل لأنها تأتي متأخرة أو مبكرة عن لحظتها. الفارق بين الفعل المؤثر والفعل الرمزي أحيانا هو فارق التوقيت لا المضمون. كما أنّ الزمن الاجتماعي في تونس اليوم لم يعد يسمح بالانتظار الطويل لبناء القواعد كما في السابق. فالتغيرات الاقتصادية والمعيشية سريعة وعنيفة، تجعل المزاج الاجتماعي متقلبا، وتجعل الثقة السياسية قابلة للانكسار أو التحول في فترات قصيرة جدا. وهذا يفرض على أي مشروع تقدمي أن يكون أكثر التصاقا باليومي، لا بمعنى الشعبوية، بل بمعنى القدرة على تحويل القضايا الكبرى إلى استجابات ملموسة ومباشرة. في هذا السياق، يصبح التحدي الحقيقي أمام الخط الوطني الديمقراطي ليس فقط كيف يتوحد، بل كيف يعيد تعريف نفسه داخل زمن جديد. فالتنظيم الذي لا يقرأ الزمن يتحول إلى أثر من زمن سابق، والخطاب الذي لا يواكب التحولات يتحول إلى ذاكرة أكثر منه قوة فاعلة. إنّ جوهر المسألة اليوم هو الانتقال من منطق "تكرار الأدوات القديمة" إلى منطق "اختراع أدوات مناسبة للواقع". ومن منطق انتظار التاريخ إلى منطق التدخل فيه بذكاء، في اللحظة التي يكون فيها قابلا للتشكيل. و امتدادا لما سبق حول أزمة التشتّت، وتحوّل الجبهة إلى فضاء متنازع عليه بدل أن تكون مسار اندماج، ثم مسألة الخطاب والزمن السياسي، تبرز اليوم مسألة التنظيم كالعقدة الأعمق التي تعيد إنتاج كلّ الاختلالات السابقة. فجزء من الإشكال في الخط الوطني الديمقراطي لم يكن فقط في تباين الرؤى، بل في العجز عن تحويل هذا التباين إلى شكل تنظيمي حيّ، مرن، وقابل للتطوّر. إذ ظلّ التنظيم، في كثير من الحالات، أسير تصور كلاسيكي جامد، يقوم على هياكل ثابتة، وحدود صارمة بين الداخل والخارج، وعلى مركزية ثقيلة لا تتماشى مع واقع اجتماعي وسياسي أصبح سريع التحول ومفتوح التكوين. وفي هذا السياق، لا يمكن فهم المأزق التنظيمي دون استحضار الإرث التاريخي الذي تشكّل عبره جزء كبير من اليسار، وخاصة النموذج اللينيني في التنظيم الحزبي. هذا النموذج، الذي ولد في سياقات صراع حادّ وقمع سياسي شديد، قدّم إجابات عملية لمرحلة تاريخية معينة، لكنه لم يكن يوما نصّا مغلقا أو "قانونا نهائيا" للتنظيم السياسي. بل هو، في جوهره، اجتهاد تاريخي داخل مسار أوسع من الفكر الماركسي الجدلي. غير أنّ ما حدث لاحقا هو نوع من التجميد غير النقدي لهذا النموذج، وكأنّه الصيغة الوحيدة الممكنة للعمل السياسي المنظّم. وهنا بالضبط يبدأ التكلّس: حين تتحوّل الأداة إلى عقيدة، وحين يصبح الشكل التنظيمي أسبق من الواقع الذي يفترض أن يخدمه. في الواقع التونسي اليوم، يبدو هذا التكلّس أكثر وضوحا. فالمجتمع لم يعد قابلا للاحتواء داخل بنى حزبية عمودية صلبة فقط، بل أصبح فضاء مركّبا من شبكات اجتماعية، فئات هشة، أشكال عمل غير مستقرة، ووعي سياسي يتشكّل بسرعة ويتحوّل بسرعة أكبر. هذا التحول يجعل من الضروري التفكير في تنظيم لا يقوم على الهرم وحده، بل على التداخل بين المركز والشبكة، بين الاستمرارية والمرونة، وبين القيادة والتداول. إنّ الإشكال لم يعد: أي تنظيم نريد؟ بمعنى هندسي ثابت، بل: كيف يمكن للتنظيم أن يبقى قادرا على التجدّد دون أن يفقد هويته؟ وكيف يمكن أن يتحوّل من جهاز مغلق إلى عملية مفتوحة لإنتاج الفعل السياسي؟ ومن هذه الزاوية، تصبح الجدلية الماركسية نفسها مفتاحا لفهم المسألة، لا بوصفها منظومة مكتملة، بل بوصفها منهجا يرى الواقع في حركة دائمة. فإذا كان المجتمع في تغيّر مستمر، فإنّ أدوات تغييره لا يمكن أن تبقى ثابتة. وكل محاولة لتجميد التنظيم هي في النهاية شكل من أشكال الانفصال عن التاريخ نفسه. وبالربط مع التجارب السابقة، يمكن القول إنّ جزءا من تعثّر مشاريع التوحيد لم يكن فقط نتيجة الخلافات السياسية، بل نتيجة غياب تصور تنظيمي قادر على استيعاب التعدد دون أن يحوله إلى انقسام. فبدل أن يكون التنظيم إطارا لإدارة الاختلاف داخل مشروع واحد، تحوّل في كثير من الأحيان إلى ساحة لإعادة إنتاج نفس الانقسامات بأشكال جديدة. لهذا، فإنّ أي محاولة جادة لإعادة بناء الخط الوطني الديمقراطي اليوم لا يمكن أن تنجح دون ثورة هادئة في مفهوم التنظيم ذاته: الانتقال من التنظيم كهيكل مغلق إلى التنظيم كحركة مستمرة، ومن منطق التمركز حول الشكل إلى منطق التمركز حول الفعل، ومن تقديس النموذج إلى اختبار النماذج وفق قدرتها على الاستجابة للواقع. ففي النهاية، التنظيم الذي لا يتكيّف مع زمنه لا يتقدّم عليه، بل يتخلّف عنه، مهما بدا متماسكاً من الداخل. و في امتداد النقاش حول التنظيم، الخطاب، والزمن السياسي، تبرز مسألة الشبيبة كأحد أكثر المفاصل حساسية في أي مشروع يساري أو وطني ديمقراطي. فهي ليست فقط قاعدة بشرية محتملة، بل فضاء تتشكّل فيه اللغة السياسية نفسها: كيف يُفهم الصراع، وكيف تُبنى المواقف، وكيف يُنظر إلى الاختلاف. الإشكال الأساسي اليوم أنّ جزءا من الخطاب السياسي الموجّه إلى الشبيبة ما يزال أسير ثنائية حادّة: "معي أو ضدي"، وهي ثنائية تُنتج بسرعة مناخات تخوين متبادل، وتحوّل الخلافات السياسية إلى أحكام قيمية نهائية. هذا النمط لا يضعف فقط إمكانيات التوحيد، بل يُفرغ السياسة نفسها من بعدها التراكمي، أي القدرة على بناء التقاطعات التدريجية بدل القطيعات المطلقة. في المقابل، تفرض المرحلة ضرورة إعادة تأهيل سياسي وفكري للشبيبة داخل اليسار، لا بمعنى التلقين الأيديولوجي، بل بمعنى تزويدها بأدوات قراءة معقّدة للواقع. يسار اليوم لم يعد يُقاس بحدة الشعارات، بل بقدرته على فهم التداخل بين الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وعلى إدراك أن الفاعل السياسي ليس كتلة صافية، بل مجموعة تناقضات قابلة للإدارة. ومن هنا تأتي أهمية ما يمكن تسميته بـ"مفاهيم اليسار الحديث": ليس باعتبارها قطيعة مع التراث، بل باعتبارها تطويرا له. مفاهيم مثل العمل الشبكي، الديمقراطية الداخلية، إدارة الاختلاف، التحليل الطبقي المحدث، وفهم الاقتصاد غير المستقر، كلها أدوات تسمح للشبيبة بأن تتحرك داخل واقع أكثر تعقيدا من النماذج الكلاسيكية. وفي هذا السياق، يصبح "التسليح" الحقيقي للشبيبة تسليحا معرفيا وأخلاقيا في آن واحد: معرفيا عبر امتلاك أدوات تحليل الواقع دون تبسيط مخلّ، وأخلاقيا عبر رفض تحويل الاختلاف إلى إقصاء، أو الخصومة السياسية إلى عداء دائم. فالقوة السياسية لا تنبع من إلغاء الآخر داخل نفس العائلة الفكرية، بل من القدرة على تحويل التعدد داخلها إلى طاقة دفع بدل أن يكون سبب تفكك. كما أنّ إحدى الإشكاليات المركزية في التجارب السابقة هي الميل إلى استنزاف الطاقات الشابة في صراعات داخلية مبكرة، تجعل المناضل الشاب يدخل السياسة عبر باب الشك المتبادل بدل باب البناء المشترك. وهذا ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى فقدان مبكر للإيمان بإمكانية العمل الجماعي. لهذا فإنّ إعادة ترتيب الأولويات تصبح ضرورية: التركيز على ما يقرّب لا ما يفرّق، ليس شعارا أخلاقيا فقط، بل خيارا استراتيجيا. فكل لحظة سياسية تُستهلك في تضخيم نقاط الاختلاف الثانوية هي لحظة تُستقطع من إمكانية بناء مشروع مشترك. والعكس صحيح: كل تقاطع يُبنى بوعي، ولو كان جزئيا، يراكم أرضية فعل سياسي أكثر استقرارا. إنّ التحدي الحقيقي أمام الشبيبة اليوم هو الخروج من منطق "الهوية المغلقة" إلى منطق "الانتماء المفتوح": انتماء لا يلغي الاختلافات، لكنه يضعها داخل إطار أوسع من الهدف المشترك. فليس المطلوب أن يتشابه الجميع، بل أن يتمكن المختلفون من العمل داخل نفس الأفق دون تحويل الاختلاف إلى قطيعة. وبهذا المعنى، تصبح الشبيبة ليست فقط موضوعا للسياسة، بل أحد أهم مختبراتها. ففي طريقة اشتغالها، ونقاشاتها، وحدود صراعاتها، تتحدد ملامح السياسة القادمة أكثر مما تتحدد في النصوص أو الشعارات. و في سياق البحث عن أدوات جديدة للنضال، يبرز خيار الخروج المنتظم إلى الشارع بوصفه محاولة لإعادة وصل السياسة بالحياة اليومية، بعد سنوات من انكماش الفعل الحزبي داخل البيانات والمكاتب والاجتماعات المغلقة. فالفكرة هنا لا تتعلق فقط بالاحتجاج، بل بإعادة تعريف الفضاء العمومي نفسه كمساحة نقاش وإنتاج رأي جماعي حيّ. تأتي "الخيمات الشعبية" في هذا الإطار كصيغة ممكنة لهذا الانفتاح. فهي ليست مجرد شكل رمزي للاحتجاج، بل آلية دائمة للتواجد السياسي في قلب المجتمع، حيث لا يُختزل الفعل في لحظة غضب عابرة، بل يتحول إلى ممارسة مستمرة للنقاش، الاستماع، والتفاعل المباشر مع الناس. الخيمة هنا ليست منصة خطاب من أعلى، بل فضاء أفقي تتجاور فيه الأصوات بدل أن تُصاغ فيه المواقف سلفا. واحدة من أهم نقاط القوة في هذا التصور هي إمكانية تخصيص كل خيمة لمحور واحد محدد: غلاء المعيشة، الصحة العمومية، البطالة، التعليم، الهجرة، أو غيرها من القضايا التي تمسّ الحياة اليومية مباشرة. هذا التخصيص يمنع التشتت، ويحوّل النقاش من عموميات خطابية إلى قضايا ملموسة يمكن للناس أن يلمسوها في تفاصيل حياتهم اليومية. كما يسمح بتراكم معرفة ميدانية حقيقية حول كل ملف، بدل الاكتفاء بالتحليل النظري البعيد عن الواقع. إلى جانب النقاش، يمكن أن تتحول هذه الخيمات إلى فضاءات لـ"الفعل المدني المباشر" مثل إمضاء العرائض الوطنية، جمع التوقيعات، توثيق الشهادات، أو صياغة مطالب قابلة للتحويل إلى مبادرات سياسية أو نقابية. بهذا المعنى، تصبح الخيمة حلقة وصل بين الشارع والمؤسسات، بين الصوت الفردي والتعبير الجماعي المنظّم. لكن الأهم في هذا الشكل من العمل هو كسر المسافة التقليدية بين الفاعل السياسي والمواطن. فبدل أن يُنظر إلى السياسة كجهاز منفصل ينتج خطابه في الأعلى ثم ينزل به إلى الناس، يتم إعادة إدخال السياسة إلى المجال اليومي نفسه: إلى الساحات، الأحياء، الجامعات، والمناطق المهمّشة. وهذا ما يعيد الاعتبار لفكرة أن السياسة ليست مهنة، بل علاقة اجتماعية حيّة. كما أن هذا الشكل من الحضور المستمر في الشارع ينسجم مع طبيعة الزمن السياسي الحالي، الذي لم يعد يسمح بالاعتماد على لحظات تعبئة كبرى متباعدة فقط. فالمجتمع اليوم يتفاعل مع الاستمرارية، مع الحضور المتكرر، ومع الإحساس بأن هناك من يصغي فعلا لا من يظهر فقط عند المناسبات السياسية. ومع ذلك، فإن نجاح هذا النموذج مرتبط بشروط أساسية، أهمها تجنّب تحويل الخيمات إلى طقوس شكلية أو فضاءات صراع داخلي. فالقيمة الأساسية هنا ليست في الشكل، بل في القدرة على تحويله إلى أداة تنظيم حقيقي للإنصات والتعبئة والتراكم. كما أن الحفاظ على محور واحد لكل خيمة يمنع التشتت ويعطي للنقاش عمقا يسمح ببناء مواقف أكثر صلابة ووضوحا. في النهاية، يمكن النظر إلى هذا التصور كجزء من انتقال أوسع: من السياسة الموسمية إلى السياسة اليومية، ومن التنظيم المغلق إلى الحضور المفتوح، ومن الخطاب المركزي إلى الفعل الميداني المتعدد. وهو انتقال لا يهدف إلى استبدال الأدوات القديمة كليا، بل إلى إعادة توازن بينها وبين أدوات أكثر التصاقا بزمن المجتمع الراهن. في المحصّلة، لا تبدو أزمة الخط الوطني الديمقراطي في تونس مجرّد تراكم تعثّرات تنظيمية أو خلافات ظرفية أو سوء تقدير في محطات مفصلية، بل هي في جوهرها أزمة تحوّل تاريخي لم يكتمل: تحوّل من حركة سياسية تشكّلت في شروط صراع محدّدة إلى مشروع يفترض أن يعيد تعريف نفسه داخل مجتمع تغيّر في بنيته، وإيقاعه، وطرق اشتغاله، وحتى في شكل وعيه السياسي اليومي. إنّ كل ما طُرح من إشكالات حول التشرذم، أو الجبهة، أو التنظيم، أو الخطاب، أو الزمن السياسي، أو علاقة الشبيبة بالفعل السياسي، أو البحث عن أشكال جديدة للحضور في الشارع، لا يشكّل موضوعات منفصلة، بل حلقات في سؤال واحد أكبر: كيف يمكن لفكرة سياسية أن تبقى حيّة عندما تتغيّر الأرض التي كانت تتحرك فوقها؟ وكيف يمكن لمشروع نشأ في زمن معيّن أن يعيد اختراع أدواته دون أن يفقد معناه أو يتحوّل إلى مجرد أثر من الماضي؟ الجواب، إذا كان له أن يُصاغ، لا يمكن أن يكون في شكل وصفة جاهزة أو نموذج نهائي، لأنّ جوهر السياسة نفسها يقوم على عدم اكتمالها. فكل مشروع سياسي حيّ هو مشروع في حالة إعادة تشكيل دائمة، يُقاس بقدرته على تعديل أدواته بقدر ما يُقاس بقدرته على الحفاظ على بوصلة قيمه الأساسية. ومن هنا فإنّ التحدي الحقيقي ليس في استعادة شكل قديم للوحدة، ولا في استنساخ تجارب تاريخية مهما كانت رمزيتها، بل في بناء قدرة مستمرة على التكيّف دون التفكك، وعلى الاختلاف دون الانهيار، وعلى التعدد دون التنازع المدمر. إنّ التجربة التونسية، بما فيها من محاولات اندماج، وانكسارات، ومشاريع لم تكتمل، تكشف أنّ السياسة لا تُهزم فقط في لحظات الصدام الكبرى، بل أيضاً في التفاصيل البطيئة: في طريقة إدارة الاختلاف، في فهم الزمن، في العلاقة مع المجتمع، وفي القدرة على تحويل الفكرة إلى ممارسة يومية قابلة للاستمرار. وفي هذا المعنى، يصبح السؤال التنظيمي ليس سؤال شكل، بل سؤال حياة أو موت سياسيين لأي مشروع يريد أن يتجاوز حدود الرمزية إلى حدود الفعل. كما أنّ التحوّلات الاجتماعية العميقة التي يعيشها المجتمع التونسي اليوم تفرض على كل فاعل سياسي إعادة النظر في أدواته دون تعالٍ نظري أو قطيعة مع الإرث، بل عبر إدراك بسيط وعميق في آن واحد: أن المجتمع لم يعد ينتظر السياسة، بل أصبح يختبرها يوميا ويقيسها بمدى قربها من واقعه المباشر. وهذا يفرض على أي مشروع تقدمي أن يعيد التفكير في معنى الحضور، لا بوصفه وجودا خطابيا أو موسميا، بل بوصفه علاقة مستمرة مع الناس، مع همومهم، ومع تفاصيل حياتهم. وفي قلب هذا التحوّل، تظلّ مسألة الشبيبة ذات دلالة خاصة، لأنها ليست فقط امتدادا جيليا، بل هي مؤشر على قدرة المشروع على تجديد نفسه. فالمشاريع السياسية التي تفشل في مخاطبة الأجيال الجديدة لا تفقد فقط جمهورها، بل تفقد قدرتها على إنتاج المستقبل. لذلك فإنّ أي رهان على الاستمرارية يمرّ حتما عبر إعادة بناء علاقة مختلفة مع الشباب، علاقة تقوم على الفهم، والإنصات، وإعادة تعريف أدوات العمل السياسي بما يسمح لهم بأن يكونوا فاعلين لا مجرد ملتحقين. أما في ما يخصّ الفعل في الشارع، فإنه لم يعد مجرد لحظة احتجاجية معزولة، بل يمكن أن يتحول إلى امتداد يومي للسياسة نفسها، حيث يصبح الفضاء العام مجالا مفتوحا للنقاش والتعبير وتراكم المطالب، بدل أن يبقى فقط ساحة مواجهة ظرفية. بهذا المعنى، تعود السياسة إلى مكانها الأول: الحياة الاجتماعية نفسها، لا كخطاب فوقها، بل كجزء منها. في نهاية المطاف، ما يفرض نفسه ليس فقط إعادة بناء تنظيم أو صياغة خطاب أو ابتكار أدوات، بل إعادة بناء العلاقة بين الفكرة والواقع، بين المشروع والزمن، بين الفاعل السياسي والمجتمع. فكل مشروع لا ينجح في تجديد هذه العلاقة محكوم عليه، مهما كانت قوته الرمزية أو تاريخه، بأن يتحول إلى ذاكرة أكثر منه قوة تغيير. وهكذا، لا تُقاس راهنية أي خط سياسي بقدر ما يكرّر ذاته، بل بقدر ما ينجح في مغادرة ذاته القديمة كلما تغيّر العالم من حوله، دون أن يفقد القدرة على حمل معناه الأساسي: أن السياسة، في جوهرها، ليست دفاعا عن الماضي ولا إدارة للحاضر فقط، بل محاولة دائمة لفتح احتمال المستقبل.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة
...
-
التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة
...
-
من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية
...
-
تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار الت
...
-
حِينَ يَنْهَضُ الْهَامِشُ لِيَكْتُبَ مَرْكَزَهُ بِالْمَاءِ و
...
-
بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -
-
بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
-
حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال
...
-
السلطة وإعادة الإنتاج.
-
هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
-
حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.
-
الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
-
من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
-
حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
-
أمن الملاحة أم أمن الإمبريالية؟
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
-
الإمبريالية والفقر كأداة: بين اشتراكية العزلة ورأسمالية التب
...
-
في تفكيك المعمار الخفيّ للهيمنة: من اقتصاد السيطرة إلى أنثرو
...
-
الطبيعة الطبقية للديمقراطية
المزيد.....
-
علماء يكتشفون كائنات دقيقة حيّة داخل مومياء -أوتزي- المكتشف
...
-
بريطانيا تعترض ناقلة نفط تابعة لـ-أسطول الظل- الروسي لأول مر
...
-
للمرة الرابعة.. إسرائيل تنفذ ضربات في بيروت ردا على هجمات حز
...
-
تحليل لـCNN: متشددون في إيران يصعّدون لرفض الاتفاق.. فهل تكو
...
-
سباق اللحظات الأخيرة بدأ.. ترامب يؤكد توقيع الاتفاق الأحد وإ
...
-
-على من دفعوا نحو بريكست أن يخفضوا رؤوسهم خجلاً- – في الإندب
...
-
بين تفاؤل ترامب وتحفظ طهران.. ساعات حاسمة للاتفاق المرتقب
-
ستارمر يعلن احتجاز ناقلة نفط تابعة لما يسمى بـ-أسطول الظل- ا
...
-
الإعلام العبري: الجيش المصري ينقل خبراته القتالية لتركيا وسل
...
-
هرتصوغ خلال استقباله رئيس أرض الصومال: نريد الاستقرار في الق
...
المزيد.....
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|