أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سعيد مضيه - للثقافة دور مركزي في السيطرة الامبريالية وفي التحرر الاجتماعي والوطني















المزيد.....

للثقافة دور مركزي في السيطرة الامبريالية وفي التحرر الاجتماعي والوطني


سعيد مضيه

الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 11:19
المحور: قضايا ثقافية
    


"ترعرعنا، نحن المثقفين العرب، على الإيمان بالمثل التي ينادي بها الغرب دون تساؤل او تمحيص؛ فنمت فينا عملية تمويهنا وصرنا نرى الواقع من خلال الفكرالمثالي الغربي"(يناقضه فكر واقعي في الغرب لم نعرفه ولم ينقل الينا)"، يستخلص هشام شرابي تجربته الثرية.

جرى الاتصال مع الغرب من موقع ضعف وتخلف فرضت حياله علاقة تبعية؛ فقد اوصلت السياسة العثمانية في الاقتصاد قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج الى مأزق حاد على جميع المستويات؛ فأنماط الإنتاج السائدة معيقة لتطور القوى المنتجة، واضيفت الى العوائق البنيوية أشكال تعسفية من فرض الضرائب وطرق جبايتها؛ واستمرت المصادرة والبلص والسخرة والخاوة والرشوة والفساد بشكل منظم لصالح سلطوية طفيلية تعيش حياة البذخ والترف.
في حلقة سابقة حول تشخيص ثقافة التخلف في المجتمع العربي التقط عالم الاجتماع، الأكاديمي الراحل هشام شرابي، مظاهر التمويه في الثقاقة الموروثة والمستوردة من الغرب الامبريالي. الثقافتان تتآلفان وتتساندان في إشاعة الوعي الزائف او الوهم، ومنها وهْمُ أن الإنسان، في حضارة الغرب ونظرياته ومثله، هو القيمة الأساسية، مما تفضحه الممارسات السائدة. من ثم النقل عن الغرب يديم التخلف، كما أوضحت تجربة حقبة تزيد عن قرن ونصف القرن؛ النقل تناول القشور والمظاهر الخادعة. من ثم فخلع سيطرة الغرب الحضارية تكمل عملية التحرر السياسي، دعا هشام شرابي.
جوهر امبريالية الغرب، كما التقطه شرابي، في مؤلفه "البنية الأبوية.. إشكالية تخلف المجتمع الأبوي"، هو "الإرهاب نظاما عقلانيا للقمع والسيطرة اختراع أوروبي جرى تطبيقه أساسا على كل الشعوب غير الأوروبية" (البنية الأبوية:90). فحيث تصادم الأوروبيون والسكان الأصليون كان الإرهاب ينزل بالمستعمَر، على غرار ما حصل في فلسطين. فما أكثر عمليات الإبادة الجماعية التي اقترفتها دول الغرب في بلدان الجنوب! مع تأسيس الدولة عمدت إسرائيل الى انتهاج أساليب استعمارية مألوفة؛ استخدمت القوة وانتزعت الممتلكات من أصحابها. "اعتبر المستوطنون الفرنسيون والإيطاليون والصهيونيون ان سكان البلاد الأصليين عثرة في وجه المشروع الاستعماري، فتعاملوا معهم على انهم مستعمَرون، دون الالتفات الى الحقوق الإنسانية او القوانين الدولية"(84). في بلدان أخرى اكتفوا بالسيطرة غير المباشرة، وبإخضاع الاقتصاد الوطني للمصالح الامبريالية، بمساعدة السلطة الأبوية.


يقدم شرابي الدليل على عنصرية الغرب المجافية للعلم في ما عرضه هاوارد بليس، رئيس الجامعة الأميركية –بيروت، في شهادة امام لجنة السلام الدولية في مؤتمر فرسايل(1917): "كانوا –العرب- عرقا مضطهدا لزمن طويل يعانون من الخجل وحب الإطراء وغياب الصراحة ... يفتقرون الى التوازن ويتحمسون وتبرد همتهم بسرعة ولا يتمتعون برؤية سياسية منصفة، وهم لا يقرون بسهولة بمحدودية حقوقهم. لذلك يجب التقرب منهم بتعاطف وصرامة وصبر".
شأن المستشرقين المنحازين للنظم الامبريالية يخالف الأكاديمي، بليس، منهجية العلوم، ويهيل مطاعنه ضد العرب شذوذا يستحيل تقويمه؛ أما شرابي ومنهجيته العلمية، فعلى العكس، يعرض الجذور الاجتماعية التاريخية للتخلف الثقافي والاجتماعي. البحث العلمي يكشف عن عوامل غير دائمة، وغير عضوية تسبب الخواص السلبية؛ هي نتاج قمع النظام الأبوي وسلطويته، باتت الإطاحة به ضرورة المرحلة، كي تخرج الجماهير العربية الى انوار الحضارة وتغذ السير نحو مشارف التقدم والديمقراطية.
الامبريالية، إذ تسيطر على النظام الأبوي، تشجع الاقتصاد والثقافة الاستهلاكيين. نظم الاقتصاد الإنتاجي في الغرب توجب الاهتمام بالبحوث والتنمية العلمية، بينما نمط الاقتصاد التابع، والقائم على الاستيراد، لا يعير اهتماما بالبحوث العلمية؛ من ثم تظل المعارف والشهادات العلمية مصدر نفوذ اجتماعي وسياسي، وليست وسائل إنتاج.
رافق الاستقلال صنف من الاستعمار الثقافي غير مباشر، لكنه أوسع انتشارا، استمد هيمنته من اختراق الثقافة الغربية للنخبة الأبوية الجديدة، مضافا إليها سيطرة وسائل الإعلام الغربية وشيوع قيم المجتمع الاستهلاكي وحاجاته. عوامل ثقافية -اقتصادية وسياسية يرتكز عليها الاستعمار الجديد. ركز شرابي على الهيمنة الثقافية المخفية وعاد اليها مرارا في مؤلفه؛ يقصد بذلك تأكيد شرورها عوامل وهن وعطب فكري ينبغي الخلاص منه.


موروث ثقافي لا يوفر المناعة

كان من عوامل تغلغل ثقافة الامبريالية انها وجدت الحاضنة في الثقافة الإقطاعية البرجوازية [تعبيراستخدمه شرابي فترة ثم أقلع عنه] ، ثقافة لا عقلانية تتستر على العجز وتغري بالتهرب من المسئولية. التمويه الذي يتعرض له الأطفال في سنواتهم الأولى يترك تأثيرا على حياة الأجيال؛ والضرر الذي تغرسه التربية في البيت والمدرسة يصعب تشخيصه وإبراز معالمه؛ من ثم يتعذر إصلاحه وتجاوزه. ورد في حلقة سابقة تجليات التربية القاصرة في ترسيخ قيم مبتذلة وسلوكيات منحرفة ذكّرنا بها هشام شرابي في مؤلفه "مقدمات لدراسة المجتمع العربي"، رصد عناصرها مشتركة بين المجتمعات العربية كافة؛ حيث مرت بنفس ظروف السلطوية الأبوية. يمكن للباحث الاجتماعي او المناضل السياسي ان يفسر من خلالها الكثير من المواقف المبهمة لدى الأفراد او الجماعات الذين يتعامل معهم. كل من هذه السمات والخصال ثغرة نفذت وتنفذ عبرها ثقافة الامبريالية ونسختها الجديدة، الليبرالية الجديدة، تفرخ جراثيمها في المجتمع الضحية، ومنها المجتمعات العربية كافة. التمعن في المظاهر التالية يدلنا على أن جذر المشاكل السياسية المعيقة لتطور النشاط الوطني الديمقراطي عامل ثقافي في الأساس، تتم مكافحته بثقافة مضادة ذات طابع علمي وديمقراطي:

1-تدرب العائلة الطفل على المسايرة التي كثيرا ما تفرز نقيضها؛ المجاملة تكبت المشاعر لتتوتر في النفوس ضغائن. الاستغابة يتعلمها الطفل عن الوالدين تفضح في وعيه الغض نوعية الستار الاجتماعي الذي يختبئ الجميع خلفه. يصادفنا القول "هذا حكي في حكي، ونقيضها " كلمته لا تكون كلمتين".
يشب الطفل جاهلا النقد والحوار؛ يجد التعويض في السلوك القائم على إبراز الذات . يكبر الطفل ويتعلم ان يكون متحفظا والا يتخذ موقفا حاسما في أي موضوع. من الشائع في اللقاءات الاجتماعية ان يتبارى المتكلمون في إبراز الذات، وأن يقاطع بعضهم بعضا. إن العدوانية في هذه الحالة تنبع من حاجة الفرد الى توكيد ذاته. ومع الزمن يشعر الفرد بالرفعة إذا حط من شعور الآخرين بإذلالهم أو الاستهزاء بهم او التقليل من قيمتهم.
2-وتدرب العائلة الطفل على الاتكالية والعجز والتهرب. يتعلم الطفل باكرا ان روح الاقتحام لا تجدي نفعا وأن روح الخضوع تنال المكافأة. يحترم الطفل ذويه بدافع الاتكالية وربما الخوف؛ ومع الآخرين لا يبدي الاحترام. ومن ثم ينشأ الطفل مغتربا عن المجتمع يضمر الريب وسوء الظن. يسهل التحريض ضد الغريب المجهول؛ هو موقف نفسي وأحد انماط السلوك المفضي الى دعم العلاقة العشائرية والطائفية.
3-الفردية والذاتية تتعمقان في النفسية الاجتماعية؛ يتخذ الشاب من عدم اقتناعه بخطة ما أو مقترح مبررا للفكاك. وإذا ذهبنا بموقف كهذا الى حدوده القصوى وجدنا له تعبيرا في القول المأثور "فخار يطفش بعضه" ، "يصطفلوا"؛ وتلك جذور تنبت منها الانشقاقات والتشرذم والتشظي في صفوف اليسار والحركة الوطنية، بينما القوى اللاوطنية تنضبط بضغط الامبريالية.
4- يجهل الطفل المواجهة والنقد، يعتاد التستر، إذ يعتريه الخجل ان عرف الآخرون او شاهدون ما ارتكبه من عمل سيء. لا تنمو معه عادة الندم او الاعتذار او النقد. كل ما في الأمر ان يتعود الشاب الحيطة وإخفاء السلوك المعيب.
5-التعليم النظري وإغفال التعليم العملي طبع الثقافة العربية ثقافة قولية. بالنسبة الى الانتقاد والتهجم نجد الفرد مهتما بكل ما في المجتمع من قضايا، نجد ان التزام الفرد بحياة المجتمع هو في حده الأدنى. شعور الفرد بعدم الفاعلية يضعف لديه الالتزام والمسئولية، يسهم في زيادة المشاركة الكلامية غير الفاعلة؛ حتى ان ارادة العمل او الممارسة تصاب بالانحلال ويصبح التلفظ بالأقوال هو الممارسة بعينها.
6-أخطر اشكال الشعور بالعجز هو الجبرية؛ فهي في جوهرها نوع من عدم التبصر وعجز عن التهيئة للمستقبل. في المجتمع الأبوي تنعدم السيطرة على المستقبل، نظرا لانعدام السيطرة على الحاضر وعدم السيطرة على نواميس حركته. تفترض العقلية الأبوية بشكل اساس ان العقل البشري في حد ذاته، عاجز عن الفهم وانه لا يستطيع ان يدرك ما في صنائع الله من أسرار. كذلك تبدو مظاهر الفقر الاقتصادي والجهل والمرض والتعاسة كلها في منظور النظام أمور اخلاقية دينية. تتصل الجبرية ب "العقلانية السحرية"؛ يصعب التغلب على مشاكل الحياة اليومية بالعقلانية، فيتحول الاعتماد الى العامل اللاعقلي ييسر مواجهة الواقع ويجعله مقبولا يقحم نفسه بشكل من الأشكال في مختلف صنوف التبرير. العقلانية السحرية تلازم الأفراد بغض النظر عن المستوى العلمي. ومهما كان مستوى ثقافة الفرد فهو يبقى تحت تأثير بنية التعليم الأولى وصدماته، بحيث يكون ميل العالم وحامل الدكتوراه الى العقلانية السحرية مساويا لميل اي فرد آخر في المجتمع.
ضمن إصلاحات الصين التي راكمت قدراتها الاقتصادية، جرى الركيز على الدراسة في الصفوف الابتدائية وتفضيل تربية مرحلة الطفولة المبكرة، بحيث منح معلمو الصفوف الابتدائية نفس مكانة وراتب الباحثين الجامعيين.
7-- للمتعلم وضع خاص في المجتمع الأبوي؛ التعلم لا يغير اسس تركيبة الشخصية ولكن المتعلم يطالب لنفسه مكانة خاصة لمجرد انه "متعلم". ومن نتيجة ذلك ان العادات الذهنية التقليدية والسلوكية القديمة تكتسب مكانة خاصة لصدورها عن " المتعلمين". كلما ازداد المثقف الأبوي علما أصبح اقل قدرة على القيام بالمهمات الاجتماعية وازداد انانية؛ والقواعد والقيم التي يمثلونها في حياتهم العملية هي القواعد والقيم التي يمثلها النظام القائم في تركيبته وإيديولوجيته التي ترفض التغيير الجذري.
في حياته العملية يلائم المتعلم او المثقف في النظام الأبوي نفسه مع التركيبة الاجتماعية، يهيئه لتمثيل دور المتعاون مع النظام. التضحية، وبنوع خاص التضحية الذاتية، هي مفهوم غريب عن الشخصية الأبوية، دائما ينتهي الى تبرير ذاته وتبرير سلوكه المناقض لأقواله ومعتقداته.
في المجتمع العربي احتل التبرير محل النقد؛ فتميز الفكر العربي المعاصر بتجاهل المعرفة العلمية (معرفة الذات والنقد الذاتي)؛ وبالنتيجة الاحتفاء بالوهم والعاطفة، ونبذ العقل وحقائق العلم. الفلسفة والعلوم تبقى وسيلة تمويه وكبت ما دام شكلها مستوردا تعرض وتعلم في المدارس والجامعات كما تعرض السلع المستوردة وتشترى دون إدراك لماهيتها والنهج الذي اتبع في صنعها.

الثقافة الأبوية

تزامن الاستعمار الحديث مع رسوخ مناهج الثورة العلمية التقانية وثورة المعلومات، وسّعت الهوة بين بلدان الغرب الامبريالية والبلدان النامية. غدت "ادبيات الاستعمار أشد وقعا من الاحتلال العسكري؛ بخلاف الاستعمار السياسي القديم فقد فرض الاستعمار الحديث سيطرته بتحويل المستعمَر من كائن يثق بنفسه ومتمكن مما يقوم به الى مخلوق لا يؤمن إلا بقدرة الآخرين. [90]. الإرهاب المادي ظاهرة منظورة يمكن التحوط منها أو مقومتها أو التغلب على آثارها؛ اما الاستعمار الحديث فآثاره غير منظورة ويصعب الفكاك منها. ندرة البحوث العلمية احد مثالب الاستعمار الثقافي، يسفر عنه الوهم على نطاق شعبي ان السلع الاستهلاكية، خاصة الكماليات حصيلة عقلية غريبة ليس لهم منها نصيب. والحقيقة ان منتجات الصناعة الألية ليست سوى ثمرة البحوث العلمية على عناصر الطبيعة واستيعاب علوم طبيعية وتقانيها. وها هي إيران تكشف زيف الوهم.
نظم التربية لم تدخل العلم مكونا في الإنتاج وقاعدة للتفكير؛ لم تتم تنمية البحث والاستنتاج، إنما الذي تكاثر هو الحفظ والنقل وتخزين المعلومات. وأخطر من هذا كله ان المنتجين المحليين، مزارعين وحرفيين لا يشكلون نخبة المجتمع، ولا قوته الملهمة للتطور والتقدم. يتعزز النزوع للتعلق بنموذج من التطور تقرره النخب الفوقية." التغيير الاجتماعي لا يحصل إلا بالسيطرة من فوق، أي ليس بثورة الجماهير، بل من خلال القيادة "الحكيمة" . الخبراء والمثقفون وحدهم المؤهلون لإجراء التحديث وتنفيذ التغيير ...كيف يمكن إذن شرح الحقيقة بأن العرب ما زالوا يستوردون العلم والتقانة (التكنولوجيا) بعد مرور قرن ونصف من انفتاحهم على العلوم الغربية"[100]. وما يصدره الغرب من علوم وتقانة هو ما تجاوزه التطور العلمي وغدا متخلفا.
يولّد الكبت وتعليمه التلقيني عجزا في القدرات الذهنية تغيب التفكير النقدي وتطلق الانفعالية بدون كوابح عقلانية. هدر العقل نتيجة الكبت والقمع والتحريم والتكفير يطلق توترات نفسية وعصاب ذهني تعظم فاعليتهما في ظروف القهر والهدر، تحيل طيب المشاعر سود الضغائن. امتدادات الكبت الذي يغيب الصراحة والنقد الوجاهي والمجادلة الفكرية، يسري في ثنايا الروح، يتفرع اختلالات وانحرافات سلوكية تتسم بالنزق، تزرع الوجدان الجمعي شكوكا متبادلة، تقبع في الروح قنابل موقوتة تتفجر لأتفه الأسباب فتنا واضطرابات(البنية الأبوية: 93). قد يفلت طفل من العائلة من الوصاية والكبت، نظرا لظروف عائلية او طبع في الأم أو الأب او كليهما؛ فيشب الطفل معتمدا على النفس، مبادرا ومبدعا. حنان الأم وهدوؤها وسعة صدرها ينمي شخصية ديمقراطية تنحو للحوار واحترام الرأي الآخر. لكن الفظاظة والانفعالية والمعاملة العشوائية يتخللها الزجر والكبت والتعنيف تنتج الانحرفات السلوكية.
أخذ الباحث بمقولة غرامشي القائلة ان "القهر اللاقسري"- وهو قهر الحاجة في ظروف العجز حيال الطبيعة يتجلى مع استيراد السلع المتطورة من الغرب - يعادل الإقرار الطوعي بالعرقية الذاتية ، وهو أشد خطرًا من القهر المادي الموظف من قبل السلطة، إذ الأخير ملموس ومدرك ومرفوض لذلك- نقول ان "القهر اللاقسري للاستعمار الثقافي يمكن النظر إليه على أنه السياق الأوسع الذي تنهض فيه ثقافة المستعمِر طامسة لثقافة المستعمَر"(البنية الأبوية:94) . هذا التلاقي في ظرف غير موات يولد القناعة بتفوق الآخر، ومن ثم الرضوخ الطوعي لهيمنته. وتتجلى خطورته في إدخاله في طيات المنهاج التعليمي في المدرسة والجامعة. ومثال صارخ إدخال زيوف الفكر الاستشراقي بصدد تاريخ فلسطين القديم في المناهج المدرسية بدون نقد او تمحيص.

يولد الكبت وتعليمه التلقيني عجزا في القدرات الذهنية تغيب التفكير النقدي وتطلق الانفعالية بدون كوابح عقلانية. توترات نفسية وعصاب ذهني يولدها القهر والكبت.
يطلق الباحث على هذا الاستعمار الثقافي "عقدة الخواجا، شاهدا على النقص في الثقافة المحلية مقابل تفوق كل ما هو اوروبي. لذلك، على كل من أراد الجودة والقوة والمقدرة والصدق ان يتمثل بالأوروبيين. وقد تجسد هذا المنحى معرفة وممارسة في قيام معظم الأقطار العربية بتبني أنظمة تربوية كان للمبشرين الأوائل اليد الطولى في إرسائها." (البنية الأبوية:96) نجم عن استيراد الوسائل التربوية ظاهرة بالفكر رصدها مصطفى حجازي في مؤلفه الأحدث، " الإنسان المهدور"، أطلق عليها تسمية "اضطراب منهجية التفكير"، حيث يتم التعامل مع الواقع "بغير تخطيط ولا دراية؛ بغياب التفكير المنهجي يراوح الفكر عند مستوى الملاحظة الساذجة والتفكير الانطباعي، ويعجز التفكير المتخلف عن تركيب المعطيات وتوليفها."(الإنسان المهدور :61)


في ضوء واقع الوهن المدعم بالغفلة والانصياع التام لمرشدات الدعاية الامبريالية فإن "الثورة الثقافية (او الاستقلال الثقافي) تكتسب معناها الأصيل، إذ انها تشير الى نضال أضنى من الصراع السياسي واطول مدى.(البنية الأبوية: 101) التغيير الثقافي الثوري سيرورة واعية وهادفة تنطلق من الإدراك بأن "فرض نموذج التدريب المتبع الى خلق مثقفين وخبراء يميلون الى الولايات المتحدة ومؤسساتها السياسية والاقتصادية"[102] حيلة مخادعة وشرك تورطت فيه أجيال من التربويين العرب.
العدوان الثقافي للامبريالية يحتم الرد عليها بثقافة وطنية ديمقراطية. الثقافة ميدان صراع، يطرد الجيد الرديئ. الثقافة تلعب دورا مقررا في حياة مجتمعاتنا ربما يفوق تأثير السياسة. والنشاط الاقتصادي الاستهلاكي غير المنتج، يفرز ثقافته ويرسخها في الوعي الاجتماعي بقوة رهيبة؛ العملية تتم بأشكال عفوية لا يعيها الجمهور المتلقي، الى أن يقول شرابي: "ان عوامل التخلف العقلي والقحط العاطفي والشلل الفكري التي احدثها الإرهاب الاستعماري ليست واضحة للعيان وضوح آثار الاستغلال الاقتصادي، إلا أنها قد تكون أكثر تدميرا على المدى البعيد."(البنية الأبوية: 91).

هكذا يتضح ان مشاكل المجتمعات العربية ثقافية في الأساس ، الأمر الذي يفرض على المثقفين الثوريين وفصائل التغيير الاجتماعي انتهاج دروب البحث وابتكار ثقافة تحرر اجتماعي علمية الطابع والمنهجية.



#سعيد_مضيه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سبيطة وصعبة .. التحولات الاشتراكية تعترضها إعاقات وضغوط
- بسيطة لكن صعبة .. التحولات الاشتراكية تعترضها إعاقات وضغوط
- هشام شرابي يقدم للجمهور العربي تجربة ناجحة في التحرر الذاتي
- إدمان تزييف التاريخ والأرض فصم صلة الإسرائليين بالواقع
- هشام شرابي يكشف إحدى قضايا التخلف الاجتماعي
- انتهى عهد الهيمنة المطلقة للولايات المتحدة لكنها قد تنزل كوا ...
- تعود الذكرى والذاكرة مثقوبة..إذ تغيب المراجعة النقدية ؟
- هزال على وهن-أنيميا مجتمعية: التربية في النظام الأبوي-2
- هزال على وهن-أنيميا مجتمعية: التربية في النظام الأبوي-1
- بالهدر تقوض الأنظمة الأبوية مجتمعات المنطقة -2
- ترمب يمارس دبلوماسية الحواة السحرية
- الأتظمة الأبوية تقوض مجتمعاتها بالهدر
- جهل ام تواطؤ؟
- البابا ليو يتحدى النظام الدولي الراهن
- الدينوالصراعات الاجتماعية
- الوهن الاجتماعي الموروث
- الفاشية تطارد أساتذة وطلاب جامعيين يدافعون عن الشعب الفلسطين ...
- لتتصعد المقاومة الى حركة تحرر وطني لشعوب المنطقة
- مصير مشترك
- ترمب قطب المسيحة الصهيونية وعراب الفاشية الدولية الجديدة


المزيد.....




- شاهد.. عواصف شديدة تُلحق دماراً واسعاً في الغرب الأوسط الأمر ...
- إعلام إيراني: أمريكا تستهدف سفينة بضائع كانت متجهة من عُمان ...
- إيران تحذّر دولًا إقليمية وتؤكد وضع هذه الدول بـ-صف المعتدين ...
- تصعيد إقليمي جديد.. تبادل ضربات بين واشنطن وطهران وغارات مكث ...
- هل يخرج التصعيد عن السيطرة؟ تحذيرات من مواجهة أمريكية إيراني ...
- من الركام إلى الجدران.. سكان غزة يطحنون الإسمنت المتحجر لإعا ...
- مجلس السلام يستبعد نزع السلاح في غزة.. وملف إعادة الإعمار -م ...
- بقيمة 350 مليون دولار.. إسرائيل تصوّت على تمويل 61 بؤرة استي ...
- الأردن والبحرين يعلنان اعتراض وتدمير صواريخ إيرانية
- طهران: وقف النار -منعدم الجدوى- وسنعمل على ضرب مصادر الهجمات ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سعيد مضيه - للثقافة دور مركزي في السيطرة الامبريالية وفي التحرر الاجتماعي والوطني