محمد أحمد الصغير على عيد
الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 11:21
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
الهيمنة الثقافية الغربية وإعادة اختراع التراث الإسلامي
دراسة في آليات الاستشراق، وسياسات المعرفة، وإنتاج "الماضي" في سياق الإمبريالية والعولمة الرقمية
تأليف
الأستاذ محمد أحمد الصغير علي عيد
باحث مستقل - كاتب سينمائي
خريج المعهد العالي للسينما (قسم السيناريو)
---
الإهداء
إلى إدوارد سعيد، الفلسطيني الذي فضح "الاستشراق" وأعاد للشرق جزءاً من كرامته المسلوبة.
إلى فرانز فانون، الثوري المارتينيكي الذي علّمنا أن "المستعمَر ليس مجرد مقهور، بل هو من يُصنع قهره يومياً عبر آليات ثقافية دقيقة".
إلى أنطونيو غرامشي، الإيطالي الذي اخترق جدران السجن ليكتب عن "الهيمنة الثقافية" التي تجعل المقهورين يعشقون قهرهم.
إلى محمد عابد الجابري، المغربي الذي فضح "بنية العقل العربي" وكشف كيف أن التراث نفسه يخضع لصراعات سياسية وأيديولوجية.
إلى كل باحث عربي ومسلم يبحث اليوم عن "ماضيه الحقيقي" في متاهات المخطوطات التي نهبت، والكتب التي أحرقت، والهوية التي شوهت.
هذا الكتاب هو محاولة لفهم: كيف نُسجت سرديات "التراث الإسلامي"؟ ومن الذي نسجها؟ ولمن تخدم هذه السرديات؟ وما هي آليات استمرارها حتى اليوم؟
فإن أصبنا فبفضل الله ثم المعرفة، وإن أخطأنا فمن طبيعة الحدود التي لا تتجاوز.
---
المقدمة: لماذا هذا الكتاب؟
في عام 1978، نشر الأكاديمي الفلسطيني إدوارد سعيد كتاباً غيّر وجه الدراسات الإنسانية إلى الأبد. حمل الكتاب عنواناً بسيطاً: "الاستشراق" (Orientalism). كان سعيد يكتب من موقع "الصوت المزدوج": أكاديمي مرموق في الجامعات الأمريكية، وفلسطيني يعيش تجربة التهجير والاغتراب والنضال. هذا الموقع المزدوج منحه قدرة فريدة على رؤية ما لا يراه الآخرون: أن "الاستشراق" ليس علماً محايداً، بل هو خطاب للسلطة، وآلية للهيمنة، وسلاح من أسلحة الإمبريالية.
لم يكتف سعيد بفضح آليات "الاستشراق" في القرنين التاسع عشر والعشرين. بل وضع إطاراً نظرياً يمكن تطبيقه على أي علاقة بين "قوي" و"ضعيف"، بين "مركز" و"هامش"، بين "مستعمِر" و"مستعمَر". هذا الإطار استعاره من مفكرين قبله: من "خطاب السلطة" عند ميشيل فوكو، ومن "الهيمنة الثقافية" عند أنطونيو غرامشي.
السؤال الذي يطرحه هذا الكتاب:
ماذا لو امتدت آليات "الاستشراق" التي وصفها سعيد لتشمل ليس فقط "الشرق" الجغرافي، بل "ماضي" الشرق نفسه؟ ماذا لو كانت السرديات التي نعرفها عن "فلاسفة الإسلام" و"علوم العرب" و"التراث الإسلامي" هي نفسها نتاج لخطاب استشراقي هيمن على إنتاج المعرفة لقرنين من الزمن؟
هذا الكتاب هو محاولة للإجابة عن هذا السؤال. ليس بدافع "نفي" التراث أو "القفز" فوقه، بل بدافع "تفكيكه" و"وضعه في سياقه". لأننا إذا أردنا أن نبني "علماً عربياً مستقلاً"، فعلينا أولاً أن نفهم كيف تم "إنتاج" العلم الغربي "عنّا"، وكيف استوعبنا نحن هذه الإنتاجات وساهمنا في إعادة إنتاجها.
---
تنبيه منهجي للقارئ
قبل أن نبدأ، أود أن أوضح أمراً جوهرياً:
هذا الكتاب ليس "نظرية مؤامرة".
لا أدعي أن مجموعة صغيرة من المستشرقين اجتمعوا في غرفة مظلمة ليتآمروا على الإسلام والمسلمين. هذا النوع من "نظريات المؤامرة" هو تبسيط مخل للقضية، بل هو شكل من أشكال "الهروب" من المسؤولية: إذا كان هناك "عدو" واضح، فإنه يسهل محاربته. لكن الواقع أكثر تعقيداً.
ما أقدمه بديلاً عن نظرية المؤامرة هو "تحليل الهيمنة".
الهيمنة (Hegemony)، كما صاغها أنطونيو غرامشي، لا تعمل بالعنف المباشر وحده. تعمل أيضاً بـ "التراضي" و"القناعة". تجعل المقهورين يعتقدون أن وضعهم "طبيعي"، وأن قيم القاهر هي "العالمية" و"الإنسانية". هذا النوع من الهيمنة أخطر من العنف المباشر، لأنه يستعبد العقول قبل الأجساد.
الهيمنة الثقافية الغربية تعمل عبر أربع آليات رئيسية:
الأولى: السيطرة على "الإنتاج". المستشرقون هم من جمعوا المخطوطات من العالم الإسلامي، ونقلوها إلى أوروبا، وحققوها، ونشروها. هذا منحهم "حق الأولوية" في تفسير النصوص.
الثانية: السيطرة على "التوزيع". الجامعات الغربية، والمجلات المحكمة الغربية، ودور النشر الغربية، هي التي تمنح "الشرعية" للمعرفة. الباحث العربي الذي يريد أن يكون "معترفاً به" عليه أن ينشر باللغة الإنجليزية في مجلات غربية.
الثالثة: السيطرة على "التأويل". ليس المهم فقط "ماذا يقول النص"، بل "كيف يُقرأ النص". المستشرقون وضعوا "مناهج" للقراءة (التاريخانية، النقدية، البنيوية، التفكيكية) صارت هي "المعيار" للتعامل مع التراث.
الرابعة: إعادة إنتاج الهيمنة عبر "المثقفين المحليين". أخطر آليات الهيمنة هي أن يتحول المقهور إلى "وكيل" للقاهر. جيل من الباحثين العرب تلقى تعليمه في الغرب، أو تأثر بالمناهج الغربية، ثم عاد ليطبقها على تراثه، معتقداً أنه "محايد" أو "علمي"، وهو في الحقيقة يعيد إنتاج السردية الاستعمارية.
هذه الآليات الأربع هي ما سنحاول تفكيكها في هذا الكتاب.
---
القسم الأول: الإطار النظري - من غرامشي إلى سعيد
الفصل الأول: أنطونيو غرامشي والهيمنة الثقافية
المبحث الأول: من هو غرامشي؟ ولماذا هو مهم لفهم الاستشراق؟
أنطونيو غرامشي (1891-1937) هو فيلسوف وسياسي إيطالي، مؤسس الحزب الشيوعي الإيطالي، وأحد أبرز منظري الماركسية الغربية. اعتقل من قبل النظام الفاشي في عهد موسوليني، وحكم عليه بالسجن 20 عاماً. كتب في السجن "دفاتر السجن" (Prison Notebooks)، التي تعتبر من أهم الأعمال الفلسفية في القرن العشرين.
مات غرامشي في السجن بعد 11 عاماً، بسبب تدهور صحته. لكن أفكاره نجت، وأثرت في جيل كامل من المفكرين، منهم إدوارد سعيد.
لماذا غرامشي مهم لفهم الاستشراق؟
لأن غرامشي قدّم مفهوماً ثورياً هو "الهيمنة الثقافية" (Cultural Hegemony). قبل غرامشي، كان الماركسيون يميلون إلى تفسير القوة بـ "القاعدة الاقتصادية": من يملك وسائل الإنتاج يملك السلطة. لكن غرامشي قال: هذا غير كافٍ. القوة لا تستمر بالقمع وحده. تحتاج إلى "تراضي" المقهورين. وهذا التراضي يُنتَج عبر "الهيمنة الثقافية": سيطرة طبقة أو مجموعة على الأفكار والقيم والمعايير، حتى تصبح هذه الأفكار "طبيعية" و"متفق عليها".
المبحث الثاني: تعريف "الهيمنة الثقافية"
في "دفاتر السجن"، يفرق غرامشي بين نوعين من السلطة:
السلطة القسرية (Domination): هي التي تعمل بالقوة المباشرة (جيش، شرطة، سجون، قمع). هذه السلطة ضرورية في "حالات الطوارئ"، لكنها لا تستطيع أن تدوم طويلاً، لأنها مكلفة ومستنزفة.
السلطة التراضية (Hegemony): هي التي تعمل بـ "التراضي" و"القناعة". تجعل المقهورين يعتقدون أن وضعهم "طبيعي"، وأن قيم القاهر هي "العالمية" و"الإنسانية". هذه السلطة أرخص وأدوم وأخطر.
كيف تنتج الهيمنة الثقافية؟ عبر ما يسميه غرامشي "المجتمع المدني" (المدارس، الجامعات، الكنائس، النقابات، وسائل الإعلام، دور النشر، الموسوعات). هذه المؤسسات تبدو "محايدة" و"غير سياسية"، لكنها في الحقيقة تنشر قيم الطبقة الحاكمة وتجعلها تبدو "طبيعية".
المبحث الثالث: تطبيق غرامشي على الاستشراق
إدوارد سعيد استعار مفهوم "الهيمنة" من غرامشي وطبقه على "الاستشراق". قال سعيد: الاستشراق ليس مجرد "حقل معرفي" محايد. هو "خطاب للسلطة" يمارس هيمنة ثقافية على الشرق.
كيف يمارس الاستشراق الهيمنة؟
· عبر "إنتاج المعرفة" : المستشرقون يكتبون عن الشرق، ويصدرون أحكاماً عليه، وكأنهم "متحدثون باسمه".
· عبر "ترسيخ الصور النمطية" : الشرق استبدادي، عاطفي، كسول، غير عقلاني. الغرب ديمقراطي، عقلاني، منتج، متحضر.
· عبر "تجاهل صوت الشرق" : كما قال سعيد مستشهداً بماركس: "لا يمكنهم تمثيل أنفسهم؛ يجب أن يمثلوا".
هذا التحليل الغرامشي-سعيدي هو "الإطار النظري" لهذا الكتاب. سنحاول تطبيقه على حالة "التراث الإسلامي" نفسه، وليس فقط على "الشرق" المعاصر.
---
الفصل الثاني: إدوارد سعيد والاستشراق
المبحث الأول: من هو إدوارد سعيد؟ السياق الفلسطيني
لا يمكن فهم "الاستشراق" دون فهم "سعيد" نفسه. سعيد ولد في القدس عام 1935، لعائلة مسيحية فلسطينية. عاش طفولة متنقلة بين فلسطين ومصر ولبنان والولايات المتحدة. هذه التجربة "المنفى" منحته قدرة فريدة على رؤية "الآخر" من الداخل، ورؤية "الذات" من الخارج.
عام 1948 (النكبة)، هُجّرت عائلته من القدس. هذا الحدث ترك جرحاً عميقاً في وعي سعيد. صار همه الأساسي: كيف يبرر الغرب "تمثيله" للشرق؟ وكيف يبرر احتلال فلسطين باسم "الحضارة" و"التقدم"؟
المبحث الثاني: التعريفات الثلاثة للاستشراق
في كتابه، يقدم سعيد ثلاثة تعريفات للاستشراق، يتداخل بعضها في بعض:
التعريف الأول: الاستشراق كمؤسسة أكاديمية.
هو "الحقل" الذي يدرس "الشرق" (لغاته، آدابه، تاريخه، دياناته، حضارته). أي شخص يدرّس "الدراسات الشرقية" في جامعة غربية هو "مستشرق" بهذا المعنى. هذا التعريف يبدو "محايداً". لكن سعيد يصر على أن هذا الحقل الأكاديمي نفسه ليس محايداً، لأنه تأسس في سياق استعماري، ويخدم أهدافاً استعمارية.
التعريف الثاني: الاستشراق كـ "نمط تفكير".
هو "ثنائية" معرفية تقسم العالم إلى قطبيين متضادين: الغرب (العقل، التقدم، الحرية، النظام) والشرق (العواطف، التخلف، الاستبداد، الفوضى). هذه الثنائية موجودة في الأدب، والفن، والتاريخ، والفلسفة، وحتى في "الوعي الشعبي". إنها "عدسات" نرى بها الشرق، دون أن ندرك أننا نرتديه.
التعريف الثالث: الاستشراق كأداة للهيمنة.
هو "خطاب" للسلطة (كما صاغها فوكو) يمكن الغرب من "إدارة" الشرق، والسيطرة عليه، واستعماره. هذا التعريف هو لب "أطروحة سعيد": الاستشراق ليس "علماً"، بل هو "سلاح". وهو "ناجح" ليس لأنه "صحيح"، بل لأنه "يخدم".
المبحث الثالث: الاستشراق كخطاب للسلطة
لماذا سمّى سعيد كتابه "الاستشراق" (Orientalism) وليس "الشرقيات" (Oriental Studies)؟ لأن "ism" تشير إلى "أيديولوجيا"، وليس إلى "علماً محايداً". (مثل: Marxism، Capitalism، Colonialism).
يقتبس سعيد من فوكو مفهوم "الخطاب" (Discourse): مجموعة من الممارسات والتصورات والمؤسسات التي "تنتج" الحقيقة، بدلاً من أن "تكتشفها". الخطاب يحدد: ما يمكن قوله (وما لا يمكن)، ومن يحق له القول (ومن لا يحق)، وما هو "صحيح" (وما هو "خاطئ").
الاستشراق كخطاب "يُنتج" الشرق. لا يصفه. يخلقه. يجعله "قابلاً للفهم" و"قابلاً للإدارة" و"قابلاً للاستعمار".
الاقتباس الأهم من سعيد:
"العلاقة بين الغرب والشرق هي علاقة قوة، وسيطرة، ودرجات متفاوتة من هيمنة معقدة".
هذا الاقتباس هو "روح" الكتاب. سعيد لا يتهم المستشرقين الأفراد بالنوايا السيئة. بل يتهم "النسق" و"الخطاب" و"الهيمنة".
المبحث الرابع: فوكو وغرامشي في فكر سعيد
سعيد جمع بين:
· مفهوم "الخطاب" عند ميشيل فوكو: كيفية إنتاج المعرفة في سياق السلطة. (المعرفة لا تعكس الواقع، بل تُنتجه).
· مفهوم "الهيمنة" عند أنطونيو غرامشي: كيفية جعل المقهورين "يرضون" بقهرهم عبر الأفكار والقيم.
سعيد صاغ ذلك في جملته الشهيرة:
"لا يمكن فهم الأفكار والثقافات والتاريخ بجدية دون دراسة قواها، أو بشكل أدق تشكيلات القوى الخاصة بها".
هذه "الجرأة" (ربط المعرفة بالسلطة) هي ما جعل "الاستشراق" كتاباً ثورياً. وهي ما جعله أيضاً هدفاً للهجوم من المستشرقين التقليديين.
المبحث الخامس: حدود "الاستشراق" ونقده
سعيد نفسه اعترف بحدود كتابه. قال في مقدمة الكتاب إنه لا يغطي كل الاستشراق، بل "جزءاً" منه (خاصة الاستشراق البريطاني والفرنسي، متجاهلاً الألماني والروسي والأمريكي لاحقاً).
كما أن سعيد اتُهم بـ "تعميم" الاستشراق، وعدم التفريق بين المستشرق "المتعصب" (مثل إرنست رينان) والمستشرق "المتعاطف" (مثل لويس ماسينيون). اتهمه نقاده بأنه يلقي "الجميع" في "سلة واحدة".
لكن سعيد رد على ذلك بأنه يهاجم "الخطاب" وليس "الأشخاص". الخطاب يمكن أن يكون "عنصرياً" حتى لو كان بعض ممارسيه "حسني النية". لأن "النية" لا تغير "الأثر".
---
الفصل الثالث: ما بعد سعيد - تطور النقد الاستشراقي
المبحث الأول: نقد سعيد من اليسار واليمين
بعد نشر "الاستشراق" (1978)، انقسم النقاد إلى معسكرين:
النقاد اليمينيون (المستشرقون التقليديون): اتهموا سعيد بـ "تحريف" تراثهم، وبـ "اللاتاريخية" (أي الحكم على الماضي بمعايير الحاضر)، وبـ "معاداة الغرب". أشهرهم: برنارد لويس، وروبرت إروين.
النقاد اليساريون (ما بعد الكولونياليون): اتهموا سعيد بـ "التناقض" (يستخدم الأدوات الغربية لنقد الغرب)، وبـ "الإنسانوية المفرطة"، وبـ "إهمال الطبقة" لصالح "الهوية". لكنهم مع ذلك اعترفوا بأهميته.
المبحث الثاني: نقد الاستشراق في العالم العربي
الاستقبال العربي لـ "الاستشراق" كان حافلاً. من جهة، رحّب المفكرون العرب (خاصة اليساريون والقوميون) بالكتاب، لأنه أعطاهم "شرعية" لنقد الغرب. من جهة أخرى، اتهم البعض سعيد بـ "التغريب" (استخدام مناهج غربية لنقد الغرب). كما اتهمه البعض بـ "الإنسانوية البرجوازية" و"عدم الالتزام الطبقي".
لكن أهم "مساهمة" عربية في نقد الاستشراق جاءت من محمد عابد الجابري (المغرب، 1935-2010) في كتابه "نقد العقل العربي". الجابري لم يهاجم "الاستشراق" فقط، بل هاجم "بنية العقل العربي" نفسه. قال إن "العقل العربي" يخضع لـ "إيديولوجيات" (قبلية، عقائدية، بيانية، برهانية) يجب تفكيكها. هذا مشروع "نقدي" عربي داخلي، وليس رداً على الغرب فقط.
المبحث الثالث: إعادة إنتاج الهيمنة عبر الباحثين العرب
هذه هي "المأساة" التي نريد تسليط الضوء عليها في هذا الكتاب.
آليات الهيمنة الاستعمارية لا تقف عند "الحدود الجغرافية". تمتد إلى "العقول" و"الجامعات" و"الإنتاج الثقافي" في العالم العربي نفسه.
كيف يحدث هذا؟
· عبر المناهج الدراسية: في الجامعات العربية، غالباً ما تُدرس الفلسفة الإسلامية من خلال "المراجع الغربية" (مثل نيكلسون، و كوربان، وهنري كوربان)، وليس من خلال المصادر الأصلية فقط.
· عبر الابتعاث الأكاديمي: الباحث العربي الذي يدرس في الغرب يتأثر بالمناهج الغربية، و"أسئلتها"، و"افتراضاتها"، ويعود ليطبقها على تراثه.
· عبر النشر الأكاديمي: المجلات العربية "المحكمة" غالباً ما تتبنى "مناهج" غربية، وتطلب "مراجعين" غربيين (أو عرباً تلقوا تدريبهم في الغرب). هذا يمنح "شرعية" للسردية الغربية.
· عبر الترجمة: الكتب التي تُترجم إلى العربية غالباً ما تكون "غربية". الباحث العربي يقرأ "فلاناً" عن "ابن عربي"، بدلاً من أن يقرأ ابن عربي نفسه.
هذا لا يعني أن كل "منهج غربي" خاطئ، أو أن كل "باحث عربي" في الغرب هو "عميل". لكنه يعني أن هناك "هيمنة" بنيوية، تجعل المعرفة العربية "تابعة" للمعرفة الغربية. وهذا يحتاج إلى "وعي" لكسر هذه التبعية.
---
القسم الثاني: آليات الاستشراق التخريبية - كيف أُنتج "التراث الإسلامي"
الفصل الرابع: سرقة التراث وإعادة هندسته
المبحث الأول: نهب المخطوطات - قصة لم تروَ بالكامل
منذ الحملة الفرنسية على مصر (1798)، بدأ الغرب في "جمع" المخطوطات العربية والإسلامية بكميات هائلة. كثير من هذه المخطوطات "اشتراها" المستشرقون من الخزائن العربية (بأثمان زهيدة)، أو "نهبوها" في أوقات الاضطرابات السياسية (الغزو الفرنسي للجزائر، الاحتلال البريطاني لمصر، الحروب العثمانية، إلخ).
أمثلة على المكتبات التي نُهبت محتوياتها أو بيعت بثمن بخس:
· خزانة القرويين (فاس) - نُقلت مخطوطاتها إلى المكتبة الوطنية في باريس.
· خزانة الأزهر (القاهرة) - بيعت مخطوطاتها للمستشرقين بأسعار زهيدة.
· خزائن بغداد وحلب ودمشق - نُهبت في فترات الاضطرابات.
النتيجة: المخطوطات العربية أصبحت موجودة في المكتبات الغربية (باريس، لندن، برلين، أكسفورد، كامبريدج، برينستون) أكثر من وجودها في المكتبات العربية. هذا منح الغرب "سيطرة مادية" على التراث.
المبحث الثاني: التحقيق والنشر - من يملك الحق في تفسير النص؟
المستشرقون "حققوا" المخطوطات. أي: قارنوا النسخ، واختاروا القراءة "الأصح"، وأضافوا تعليقات، وكتبوا مقدمات. هذه العملية تبدو "تقنية"، لكنها تحمل أحكاماً "قيمية". اختيار "نسخة" دون أخرى يعني تفضيل "رواية" على أخرى. والتعليق والتفسير يعني "توجيه" القارئ نحو معنى دون آخر.
أمثلة:
· تحقيق "فصوص الحكم" لابن عربي: قام به المستشرق العبري أبو العلاء عفيفي (مصري درس في أوروبا وتأثر بالغرب). التحقيق صار "النسخة المعيارية".
· تحقيق "الفتوحات المكية": قام به المستشرق عثمان يحيى (مصري أيضاً). هذا الإنجاز الضخم (37 مجلداً) هو "مرجع" أساسي، لكنه خاضع لمنهجية غربية.
المبحث الثالث: الترجمة - الخيانة الخلاقة
الترجمة ليست "نقلاً حرفياً". هي "تأويل" و"إعادة صياغة". عندما يترجم المستشرق "وحدة الوجود" إلى "Pantheism"، فإنه لا ينقل "معنى" عربياً إلى إنجليزية، بل "يخلق" معنى جديداً. "Pantheism" في السياق الغربي يعني "الله هو كل شيء وكل شيء هو الله". هذا الفهم قد لا يتطابق مع ما قصده ابن عربي.
لكن لأن المستشرق هو "المرجع"، ولأن الجمهور الغربي (والعربي لاحقاً) يثق به، فإن هذا "الترجمة/الخيانة" تصبح "حقيقة".
---
الفصل الخامس: سرديات الغرب عن فلاسفة الإسلام
المبحث الأول: ابن رشد - "التنويري" قبل عصره
المستشرقون "اكتشفوا" ابن رشد (في أوروبا في العصور الوسطى) قبل أن "يكتشفه" العرب. ترجموا "تهافت التهافت"، وكتبوا عنه في سياق "الصراع بين العقل والدين". قدموه كـ "رمز" للعقلانية، و "بطل" التنوير.
الغرض من هذه السردية: إظهار أن "الإسلام" عرف "عقلانية" لكنها "انحسرت" بسبب "السلطة الدينية". هذا يخدم سردية أن "الغرب" هو "وريث" العقلانية اليونانية، و "الشرق" هو "مرحلة" تجاوزها الغرب.
المبحث الثاني: ابن سينا - "الطبيب" الذي درس الفلسفة
المستشرقون "قسّموا" ابن سينا إلى "قسمين": "الطبيب" (نجح)، و "الفيلسوف" (أخطأ في نظرياته اللاهوتية). هذا التقسيم يخدم "السردية": الشرق يمكن أن ينجح في "العلوم التجريبية" (التي هي أقل "تهديداً" للغرب)، لكنه فشل في "الميتافيزيقا" و"السياسة" و"الأخلاق".
المبحث الثالث: ابن عربي - "الصوفي" الغامض
المستشرقون "اكتشفوا" ابن عربي متأخراً (أوائل القرن العشرين). قدموه كـ "صوفي" غامض، يتحدث بـ "الرموز" و"التجليات". هذا التقديم:
· يخدم "السردية" عن "الشرق" كـ "عاطفي" و"غامض" (مقابل الغرب "العقلاني").
· يهمش "الجانب الفلسفي" المنظم في فكر ابن عربي.
· يربطه بتيارات "روحانية" غربية (مثل "الرومانسية" الألمانية، و "الأنثروبوصوفيا" لشتاينر).
المبحث الرابع: البيروني وجابر بن حيان وابن الهيثم - "العلماء" قبل أوروبا
المستشرقون اعترفوا بـ "فضائل" العلماء العرب في "العلوم التجريبية" (الكيمياء، البصريات، الفلك، الرياضيات). لكن هذا "الاعتراف" يخدم السردية نفسها: الشرق كان "مستودعاً" للعلوم اليونانية، ونقلها إلى الغرب الذي "طوّرها". الشرق "وسيط" (ناقل)، وليس "منتجاً" أو "مبتكراً".
المبحث الخامس: ماذا عن الشخصيات التي "طُمِست"؟
لا يتعلق الأمر فقط بمن "ضُخّم"، بل أيضاً بمن "طُمِس". العديد من الشخصيات الإسلامية "المهمة" في الفقه والحديث واللغة والتاريخ لم تحظَ بنفس "الاهتمام" الاستشراقي، لأنها لا تخدم "السردية".
· أئمة المذاهب الفقهية (أبو حنيفة، مالك، الشافعي، أحمد بن حنبل): لم يحظوا بنفس "الترجمة" و"التحقيق" التي حظي بها ابن سينا وابن رشد. لأنهم يمثلون "الشريعة" و"النقل"، وليس "العقل" و"الفلسفة".
· المحدثون (البخاري، مسلم، ابن حجر، النووي): تم تهميشهم، أو تصديرهم كـ "جامدين" و"ظاهريين".
· المفسرون (الطبري، الزمخشري، ابن كثير): لم يحظوا بنفس الاهتمام.
هذا "الانتقاء" ليس صدفة. هو "هيمنة": تحديد ما هو "مهم" في التراث، وما هو "هامشي".
---
الفصل السادس: إعادة إنتاج الهيمنة في العصر الرقمي
المبحث الأول: ويكيبيديا كموسوعة استعمارية
"أكبر موسوعة في التاريخ" يكتبها "متطوعون"، لكن 80% من المحتوى باللغة الإنجليزية، ويكتبه غربيون (أو متأثرون بالغرب). السرديات عن "الفلسفة الإسلامية" على ويكيبيديا هي "سرديات استشراقية" معاد صياغتها بلغة "محايدة".
المبحث الثاني: غوغل كمؤسسة معرفية
خوارزميات غوغل "ترتب" النتائج حسب "الأهمية" (التي تحددها روابط، وشهرة، ومواقع "مرجعية"). النتائج الأولى غالباً من ويكيبيديا أو من موسوعات غربية (Britannica, Stanford Encyclopedia of Philosophy). الباحث عن "ابن عربي" باللغة العربية قد يجد "صفحة ويكيبيديا العربية" (التي غالباً ما تكون ترجمة مختصرة للصفحة الإنجليزية)، وليس "المصادر العربية" الأصلية.
المبحث الثالث: الذكاء الاصطناعي وإعادة إنتاج التحيزات
النماذج اللغوية الكبيرة (مثل GPT-4، Gemini، Claude) تدرّب على نصوص من الإنترنت، معظمها باللغة الإنجليزية، وغالبيتها العظمى من "المنظور الغربي". هذه النماذج "تتعلم" التحيزات الاستشراقية وتعيد إنتاجها بلباقة.
مثال: اسأل نموذجاً لغوياً عن "Islamic philosophy". ستحصل على إجابة مركزة على: ابن سينا، الفارابي، ابن رشد، ابن عربي. اسأله عن "أبو حنيفة" أو "أحمد بن حنبل"، قد تحصل على إجابة موجزة أو غير دقيقة. النموذج "تعلّم" أن "الفلسفة الإسلامية" تعني "المشائية" و"الصوفية" وليس "الفقه" و"الحديث". هذا هو "الانتقاء" الاستشراقي نفسه، لكنه أصبح "أوتوماتيكياً".
المبحث الرابع: من ينتج المعرفة اليوم؟
في القرن التاسع عشر، أنتج المستشرقون "المعرفة" في جامعاتهم. اليوم، تنتج الشركات التقنية (غوغل، مايكروسوفت، ميتا، أوبن إيه آي) "المعرفة"، عبر محركات البحث، والذكاء الاصطناعي، ووسائل التواصل. هذه الشركات "أمريكية" (غربية)، وتعمل وفق "قيم" السوق، وليس "قيم" العلم. "الهيمنة الثقافية" تحولت إلى "هيمنة رقمية".
---
القسم الثالث: دراسة حالة - ابن عربي بين التضخيم الاستشراقي والتهميش العربي
الفصل السابع: كيف "اكتشف" الغرب ابن عربي
المبحث الأول: رينولد نيكلسون وترجمة "الفتوحات المكية"
نيكلسون (1868-1945) هو "أبو" الدراسات الأكاديمية لابن عربي في الغرب. ترجم مختارات من "الفتوحات المكية" إلى الإنجليزية، وكتب مقالات في الموسوعات. قراءة نيكلسون لابن عربي كانت من خلال "Pantheism". أي أنه رأى في ابن عربي تأكيداً لفكرة أن "الله هو كل شيء، وكل شيء هو الله". هذه القراءة "أوروبية" بالكامل، وليس لها علاقة بسياق ابن عربي الإسلامي.
لكن كيف أثر ذلك؟ لأن نيكلسون هو "المرجع"، فإن معظم الكتابات الغربية (والعربية لاحقاً) عن ابن عربي "تكرر" تصنيفه كـ "Pantheist"، حتى لو اختلفت معه في التفاصيل.
المبحث الثاني: لويس ماسينيون - المؤرخ الروحي للحلاج وابن عربي
ماسينيون (1883-1962) كان أكثر تعاطفاً مع الصوفية من نيكلسون. درس "الحلاج" وقضى حياته في جمع نصوصه وتحقيقها. كتب عن ابن عربي في سياق "الروحانية الإسلامية". قراءة ماسينيون كانت "تاريخانية" (تحاول فهم النص في سياقه)، لكنها كانت أيضاً "روحانية" (تهمش الجانب الفلسفي المنظم).
المبحث الثالث: هنري كوربان - ابن عربي في سياق "الفلسفة الإيرانية"
كوربان (1903-1978) هو أهم مستشرق كتب عن ابن عربي في القرن العشرين. رفض تسمية "Pantheism"، وفضّل مصطلح "وحدوية الوجود". ربط ابن عربي بـ "السهروردي" والفلسفة الإشراقية، وبـ "الشيعة" و"الإسماعيلية"، وحتى بـ "الزرادشتية". قراءة كوربان "جميلة" في ظاهرها، لكنها "إسقاطية": كوربان يقرأ "فلسفته" هو في نصوص ابن عربي (فلسفة تأثرت بـ "الرومانسية" الألمانية وبـ "الأنثروبوصوفيا").
المبحث الرابع: وليام تشيتيك - المعاصر الحريص
تشيتيك (1943- الآن) هو أهم باحث معاصر في ابن عربي في الغرب. تلميذ إيزوتسو، وهو أكثر "حرصاً" من سابقيه. اعتنق الإسلام، وتعمق في التصوف. ترجم العديد من كتب ابن عربي إلى الإنجليزية، وكتب "مداخل" مهمة. قراءة تشيتيك "أقرب" إلى النص، وأقل "إسقاطاً" من كوربان.
لكن حتى تشيتيك يكتب باللغة الإنجليزية، وينشر في جامعات أمريكية، ويخاطب جمهوراً غربياً. "الهيمنة" ليست في نواياه (التي تبدو حسنة)، بل في "البنية": هو "وسيط" غربي لتراث عربي-إسلامي. هذا في حد ذاته "إشكالية".
---
الفصل الثامن: من يملك "ابن عربي" اليوم؟
المبحث الأول: الخلاف العربي حول ابن عربي (الاتهام والدفاع)
في العالم العربي، انقسمت المواقف من ابن عربي إلى:
· اتهام (ابن تيمية وأتباعه): ابن عربي "زنديق" يقول بـ "وحدة الوجود" الكفرية.
· دفاع (أتباع ابن عربي من الصوفية): ابن عربي "شيخ الأكبر" قمة العرفان.
هذا الخلاف "داخلي" إسلامي. المستشرقون "اكتشفوه" واستغلوه، وقدموا "رواياتهم" عنه.
المبحث الثاني: الخلاف العربي الحديث (عفيفي، مدكور، بدوي، الجابري)
· أبو العلاء عفيفي (1895-1966): أول باحث عربي حديث في ابن عربي. تأثر بنيكلسون، لكنه حاول تقديم قراءة "عربية". مع ذلك، بقي أسير المصطلحات الاستشراقية ("وحدة الوجود" كتسمية أساسية، "Pantheism" كإطار مقارن).
· إبراهيم مدكور (1902-1995): أقل حماسة من عفيفي، أكثر "أكاديمية" و"تحفظاً".
· عبد الرحمن بدوي (1917-2002): مثير للجدل، هاجم ابن عربي في بعض أبحاثه، واتهمه بـ "التلفيق".
· محمد عابد الجابري (1935-2010): أهم "ناقد" للعقل العربي. قرأ ابن عربي في سياق "الخطاب الصوفي" و"بنية العقل العربي". كان أقل تأثراً بالمستشرقين، وأكثر "عربية".
المبحث الثالث: من يملك "النص" اليوم؟
من ناحية "مادية": المخطوطات لا تزال في أوروبا. النسخة المعيارية من "الفتوحات المكية" (تحقيق عثمان يحيى) نُشرت في أوروبا. من ناحية "معنوية": السردية الأكاديمية عن ابن عربي (في ويكيبيديا، الموسوعات، المناهج الجامعية، محركات البحث) هي سردية غربية. الباحث العربي "حر" في أن يقرأ ابن عربي، لكنه "مقيد" بمنظور غربي، يعيد إنتاجه حتى لو ظن أنه "مستقل".
---
القسم الرابع: نحو تأويل جديد - استعادة الوعي وتفكيك الهيمنة
الفصل التاسع: الوعي بالهيمنة كخطوة أولى
المبحث الأول: نقد "نظريات المؤامرة"
لا نريد "نظرية مؤامرة" (بضعة أشخاص اجتمعوا ليكيدوا للإسلام). هذا يقلل من شأن المشكلة، ويجعل الحل سهلاً (مجرد "فضح" المتآمرين).
الحل يحتاج إلى "تحليل بنيوي": كيف صارت "الجامعات" و"دور النشر" و"الموسوعات" و"محركات البحث" و"الذكاء الاصطناعي" تعيد إنتاج الهيمنة، حتى عندما لا "يقصد" أحد شيئاً؟
المبحث الثاني: قراءة التراث "ضدّ" الاستشراق
كيف نقرأ ابن عربي (وابن سينا، والبيروني، وجابر) بطريقة "تتحرر" من الهيمنة الاستشراقية؟
أولاً: العودة إلى المخطوطات. التحقيق الذاتي للتراث (مشروع طويل يحتاج إلى دعم مالي وبشري). لا نكتفي بتحقيقات المستشرقين، بل ننظر في المخطوطات الأصلية في المكتبات الغربية والعربية (عبر الصور الرقمية المتاحة).
ثانياً: قراءة النصوص في سياقها. يجب وضع ابن عربي في سياقه الإسلامي (القرآن، الحديث، الفقه، التصوف)، وليس في سياق المقارنة مع الفلسفة اليونانية (أفلوطين) أو الهندية (أدفايتا) فقط. المستشرقون بالغوا في "المقارنة" وأهملوا "السياق".
ثالثاً: نقد المصطلحات الاستشراقية. لا نستخدم "Pantheism" كترجمة لـ "وحدة الوجود". بل نرفض "الترجمة" ونصر على "المصطلح العربي". لا نستخدم "Islamic philosophy" كفرع مستقل عن "Islamic theology" و"Islamic jurisprudence". هذه التقسيمات استشراقية.
رابعاً: إنتاج معرفة عربية مستقلة. لا بأس بالاستفادة من مناهج الغرب، لكن "نضّعها" في سياقنا، و"نخلع عنها" هالة القداسة.
المبحث الثالث: دور الباحث المستقل والمؤسسات العربية
الباحث المستقل (مثل كاتب هذا الكتاب) يواجه "صعوبات جمّة": لا تمويل، لا وصول للمكتبات، لا اعتراف أكاديمي. لكن له "حرية" أكبر في تجاوز "الخطابات" الرسمية والأكاديمية السائدة. المؤسسات الأكاديمية العربية تحتاج إلى:
· دعم تحقيق التراث (تمويل، تدريب، نشر).
· مراجعة المناهج (تقليل الاعتماد على المراجع الغربية، وزيادة الاعتماد على المصادر الأصلية).
· نقد "المعرفة" المستوردة (تعليم الطلاب "تفكيك" الخطاب الاستشراقي).
· إنتاج "بدائل رقمية" (موسوعات عربية، قواعد بيانات عربية، ذكاء اصطناعي عربي).
---
الفصل العاشر: الخلاصات والتوصيات
أولاً: خلاصة ما ثبت
بعد هذا التحليل، يمكننا التأكيد على أن:
ما ثبت (بدرجة عالية من اليقين):
· الاستشراق لم يكن علماً محايداً، بل خطاباً للسلطة وهيمنة ثقافية.
· المستشرقون سيطروا على "إنتاج" التراث الإسلامي (جمع، تحقيق، نشر، ترجمة) لقرنين من الزمن.
· هذه السيطرة أنتجت "سرديات" انتقائية ضخّمت جوانب وطمست جوانب أخرى.
· الهيمنة الاستشراقية لم تنتهِ مع الاستعمار المباشر، بل تجددت في العصر الرقمي (العولمة، والإنترنت، والذكاء الاصطناعي).
· العالم العربي (باحثين ومؤسسات) أعاد إنتاج هذه الهيمنة، أحياناً بطريقة واعية، وأحياناً بطريقة غير واعية.
ما يبقى خلافياً أو يحتاج إلى مزيد من البحث:
· مدى "نوايا" المستشرقين الأفراد (هل كانوا "عملاء استعمار" أم "علماء حريصين"؟ الإجابة: خليط، لكن "الأثر" أهم من "النية").
· إمكانية "تحرر" كامل من الهيمنة الغربية في ظل العولمة والرقمنة (الإجابة: صعب، لكن "الوعي" خطوة أولى ضرورية).
· من يملك "الحقيقة" النهائية عن التراث (الإجابة: لا أحد، لكن يمكننا "الاقتراب" منها عبر مناهج نقدية متعددة).
ثانياً: الهيمنة الثقافية كإطار تفسيري
هذا الكتاب دافع عن "الهيمنة الثقافية" (مفهوم غرامشي-سعيد) كإطار لفهم العلاقة بين الغرب والشرق، وبين "الآن" و"الماضي". الهيمنة تفسر استمرار "تأثير" الاستعمار بعد زواله، واستمرار "التبعية" المعرفية حتى بعد الاستقلال السياسي.
ثالثاً: توصيات عملية
للباحثين العرب:
· تعلم اللغات الأجنبية (الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية) ليس للاستيراد فقط، بل لتفكيك الخطاب الاستشراقي ونقده.
· العودة إلى المخطوطات (الصور الرقمية متاحة عبر الإنترنت).
· نقد المصطلحات (لا تستخدم "Pantheism" و"Islamic philosophy" و"Islamic art" دون وعي بحدودها).
· الإنتاج بلغة عربية سليمة، ومخاطبة الجمهور العربي أولاً، قبل الجمهور الغربي.
للمؤسسات الأكاديمية العربية:
· تحقيق التراث (تخصيص ميزانيات لتحقيق المخطوطات ونشرها).
· مراجعة المناهج (تقليل الاعتماد على "تاريخ الفلسفة الإسلامية" الذي كتبه مستشرقون، واستبدالها بقراءات عربية نقدية).
· فتح قنوات للحوار مع الباحثين المستقلين (ليس كل من ليس في الجامعة "هواة").
لصناع السياسة والثقافة في العالم العربي:
· دعم "المشاريع الرقمية العربية" (موسوعات عربية، قواعد بيانات مفتوحة، أدوات ذكاء اصطناعي تعمل بالعربية).
· الوعي بـ "الهيمنة الرقمية" (الإنترنت ليس "فضاء حراً" محايداً، بل هو ساحة صراع على المعرفة).
· استعادة المخطوطات (مطالبة المكتبات الغربية بإعادة المخطوطات العربية، أو على الأقل توفير صور رقمية مجانية).
رابعاً: الهيمنة الاستشراقية كـ "وحدة وجود" معكوسة
في ختام هذا الكتاب، نعود إلى "وحدة الوجود". المستشرقون "وحّدوا" الوجود بطريقتهم: جعلوا "الغرب" هو "الوجود الحقيقي"، و"الشرق" هو "تجليه" الضعيف المشوه. هذه هي "وحدة الوجود الاستعمارية".
قراءتنا النقدية للاستشراق هي "تفكيك" لهذه الوحدة المزيفة. هي إعادة الاعتبار لـ "تعدد" الأصوات، و "خصوصية" السياقات، و "استقلالية" الثقافات.
وحدتنا التي نريدها ليست "وحدة الوجود" الإقصائية (أنا وأنت شيء واحد)، بل "الوحدة في التنوع" (أنا عالم، وأنت عالم، ونحن نتعايش في كون واحد، دون أن نذوب في بعضنا).
هذه هي "عوالم لا تلتقي" التي تحدثنا عنها في كتاب آخر. هذه هي "وحدة الوجود" التي نريدها بعد أن حررناها من "الهيمنة" و"الاستشراق".
---
الملاحق
الملحق الأول: أهم المصطلحات في نقد الاستشراق (مع تعريف موجز)
الاستشراق (Orientalism): خطاب الهيمنة الغربي الذي ينتج "الشرق" ككائن سلبي خاضع للسيطرة.
الهيمنة (Hegemony): سيطرة طبقة أو مجموعة على الأفكار والقيم، مما يجعل المقهورين "يرضون" بقهرهم.
الخطاب (Discourse): مجموعة من الممارسات والمؤسسات التي تنتج "الحقيقة" بدلاً من أن تكتشفها.
ما بعد الكولونيالية (Postcolonialism): تيار نقدي يدرس آثار الاستعمار على الثقافات والهويات بعد الاستقلال السياسي.
تفكيك المركزية الأوروبية (Decentering Eurocentrism): نقد "مركزية" أوروبا كمعيار للحضارة، وإعادة الاعتبار للثقافات الأخرى.
المعرفة/السلطة (Power/Knowledge): مفهوم فوكو عن ارتباط إنتاج المعرفة بالسلطة والسيطرة.
الآخر (The Other): الصورة التي يبنيها الغرب عن الشرق كـ "مقابل" سلبي لهوية الغرب.
الملحق الثاني: أهم أعلام نقد الاستشراق
إدوارد سعيد (1935-2003): ناقد فلسطيني-أمريكي، صاحب "الاستشراق" (1978)، مؤسس "الدراسات ما بعد الكولونيالية".
أنطونيو غرامشي (1891-1937): فيلسوف إيطالي، صاحب "دفاتر السجن"، مؤسس مفهوم "الهيمنة الثقافية".
ميشيل فوكو (1926-1984): فيلسوف فرنسي، صاحب مفهوم "الخطاب" و"المعرفة/السلطة".
فرانز فانون (1925-1961): ثوري مارتينيكي، صاحب "معذبو الأرض"، مؤسس "علم النفس الثوري" للاستعمار.
محمد عابد الجابري (1935-2010): مفكر مغربي، صاحب "نقد العقل العربي"، ناقد للاستشراق وللتراث.
طلال أسد (1932-): باحث سعودي-أمريكي، ناقد للأنثروبولوجيا الاستعمارية.
الملحق الثالث: خريطة زمنية لتطور نقد الاستشراق
· 1929-1935: كتابة "دفاتر السجن" لغرامشي (نُشرت بعد وفاته).
· 1952: نشر "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" لفانون (نقد سيكولوجيا الاستعمار).
· 1961: نشر "معذبو الأرض" لفانون (نقد سياسي واقتصادي للاستعمار).
· 1975: نشر "المراقبة والمعاقبة" لفوكو (مفهوم السلطة/المعرفة).
· 1978: نشر "الاستشراق" لسعيد (نقد الخطاب الاستشراقي).
· 1980: نشر "قضية فلسطين" لسعيد.
· 1993: نشر "الثقافة والإمبريالية" لسعيد.
· 1980-1995: ظهور "الدراسات ما بعد الكولونيالية" في الجامعات الأمريكية.
· 1998: نشر "نقد العقل العربي" للجابري.
الملحق الرابع: مراجع ومصادر (مفصلة)
أولاً: مصادر أولية (كتب سعيد وغرامشي وفوكو وفانون):
· سعيد، إدوارد. "الاستشراق". ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: دار الآداب، 1981. (النص الأصلي بالإنكليزية 1978).
· سعيد، إدوارد. "الثقافة والإمبريالية". ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: دار الآداب، 1996.
· غرامشي، أنطونيو. "دفاتر السجن". ترجمة أنور عبد الملك. القاهرة: دار التنوير، 2010.
· فوكو، ميشيل. "المراقبة والمعاقبة". ترجمة علي مقلد. بيروت: دار الجديد، 1994.
· فانون، فرانز. "معذبو الأرض". ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة، 1963.
ثانياً: دراسات عربية في نقد الاستشراق:
· الجابري، محمد عابد. "نقد العقل العربي" (4 أجزاء). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984-2001.
· الجابري، محمد عابد. "نحن والغرب: قراءة معاصرة في التراث". بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007.
· أبو ديب، كمال. "الاستشراق والمستشرقون: قراءة في كتابات إدوارد سعيد". بيروت: دار الآداب، 1981.
· طرابيشي، جورج. "نقد نقد العقل العربي". بيروت: دار الساقي، 1996.
ثالثاً: دراسات غربية في نقد الاستشراق:
· Young, Robert. "Postcolonialism: An Historical Introduction". Oxford: Blackwell, 2001.
· Said, Edward. "Orientalism". New York: Pantheon Books, 1978.
· Said, Edward. "Culture and Imperialism". New York: Knopf, 1993.
· Hallaq, Wael. "Restating Orientalism: A Critique of Modern Knowledge". New York: Columbia University Press, 2018.
· Varisco, Daniel. "Reading Orientalism: Said and the Unsaid". Seattle: University of Washington Press, 2007.
· Macfie, Alexander. "Orientalism: A Reader". New York: New York University Press, 2000.
رابعاً: دراسات في تاريخ الاستشراق والمستشرقين:
· عبد الرحمن، عائشة. (بنت الشاطئ). "المستشرقون: دراسات في أدب الرحلات الاستشراقية". القاهرة: دار المعارف، 1960.
· حقي، عبد الرحمن. "الاستشراق: تاريخه، أعلامه، آثاره". القاهرة: دار الفكر العربي، 1990.
· فاخوري، حنا. "تاريخ الفكر العربي". بيروت: دار الجيل، 1994.
---
الخاتمة العامة للكتاب
بدأنا هذا الكتاب بسؤال: هل يمكن أن يكون "التراث الإسلامي" كما نعرفه اليوم نتاجاً لهيمنة استشراقية؟ وانتهينا إلى إجابة معقدة:
نعم، بمعنى أن "انتقاء" التراث، و"تفسيره"، و"تقييمه"، تم عبر آليات استعمارية هيمنت على إنتاج المعرفة لقرنين.
لا، بمعنى أن "النصوص" الأصلية موجودة، ويمكننا "العودة" إليها، ويمكننا "نقد" الهيمنة، ويمكننا "بناء" معرفة عربية مستقلة.
هذا الكتاب ليس "هجوماً" على الاستشراق فقط. هو "دعوة" للوعي: وعي بآليات الهيمنة، وعي بـ "تاريخ" المعرفة التي نستخدمها، وعي بـ "مسؤوليتنا" في إنتاج معرفة جديدة.
فإن أصبنا فبفضل الله ثم المعرفة، وإن أخطأنا فمن طبيعة النقد الذي لا يكتمل.
والحمد لله رب العالمين.
---
تم الكتاب بعون الله وتوفيقه
محمد أحمد الصغير علي عيد
باحث مستقل - كاتب سينمائي
القاهرة، يونيو 2026
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟