|
|
لماذا فشلت الوصفة البلشفية للاشتراكية
لبيب سلطان
أستاذ جامعي متقاعد ، باحث ليبرالي مستقل
(Labib Sultan)
الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 14:03
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
للموضوع يطلع علينا ماركسيونا العرب بين الحين والاخرى بأن الدواء الانقاذي والعلاج الوافي الشافي لداء التخلف في منطقتنا هو "اكسير الاشتراكية البلشفة " بتحويل ملكية المرافق الانتاجية والخدمية وادارة عملها الى الدولة طارحينها انها الوصفة والرواية الساحرة الباهرة التي ستقضي على التخلف وتقيم مجتمع العدالة وتتحول بلداننا لواحة من التقدم الاقتصادي والرفاه العام خالية من الاستغلال الطبقي والاستبداد السلطوي وتتم ممارسة الحريات والديمقراطية الحقيقية تحت ظل الاشتراكية وقيادة حزب طبقي حقيقي بديلا لديمقراطية المجتمع والفكر البرجوازي الرأسمالي الليبرالي النيوليبرالي اللعين المزيفة. وصفة ساحرة دون شك لاقامة الجنة على الارض ولكن سهولتها هي دائها ايضا فمجرد تحويل ملكية وسائل الانتاج من الرأسماليين الى الدولة الاشتراكية بقيادة حزب ثوري ماركسي لينيني حقيقي تقام هذه الجنة ويتحول المجتمع اخاء ملائكي والحياة نور على نور وتشع العدالة والرفاه معا في كل ناحية وكل زاوية وكل اتجاه حيثما صوبت نظرك والجميع يعيش تحت شعار " من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته" . انها رواية ماركسية رومانسية ساحرة دون شك ، ولكن لا أحد يخبرنا ولليوم لماذا لم تنجح ومنذ مئة عام والى اليوم ولو بتجربة واحدة بين العشرات ويتعطل منهج" المادية العلمية" التي يتقول بها ماركسيونا بتحليل السبب المادي الملموس المحسوس من معطيات تحليل الواقع المادي لفشل العشرات من تجارب تطبيق هذا النموذج الساحر الرواية حيثما طبق ، فالامر يبدو أعقد مما تصفه الرواية ان هناك "وصفة إكسيرا ساحرا " فبمجرد تحويل الملكية للدولة والقضاء على الرأسمالية ستقام الجنة ، ولكنها لم تقم ، بل تم اقامة ثكنة للقمع وللخضوع والاذعان، كما تخبرنا تجارب الواقع ،قمعي سياسيا ومتردي اقتصاديا ، وفق الواقع المادي المعاش المحسوس والملموس. لماذا عجزت الاحزاب الماركسية في اقامة مجتمع العدالة تحت ظل الرفاه والديمقراطية الحقيقية الشعبية التي هي ليست مزورة مثل تلك عند البرجوازية الاستغلالية، فهذه جميعها لم تتم ولم تتحقق وفشلت حيثما طبقت وصفة اكسيرها السحري في العديد من البلدان ، في شرق الارض وغربها،فلا جنة اقيمت ولا رفاه حصل ولا عدالة ( بمعناها الحقيقي الانساني الاوسع وليس بمعنى اقتصادي فقط) ، ولا حريات ولا ديمقراطية حققية حصلت غير شعارات تقول انها شعبية ولكنها اختفت كليا في النظم الشمولية التي اقامتها هذه الرواية. واقعا لم يتحقق من "اكسير نقل الملكية الى عامة" في الواقع غير انتاج نظم القمع والبؤس والتراجع الفكري وتوزيع الفقر بشكل عادل ، مثيل معسكر للجنود على الارض بدلا من الجنة الموعودة ، تجد هذه الظواهر والنتائج في تجارب الاكسير من روسيا الى البانيا ومن المانيا الى الصين ومنغوليا ومن جيكيا الى جورجيا القفقاسية، جميعها قامت بتجربة الاكسير السحري لبناء الجنة " بتحويل الملكية الى عامة للدولة " وجميعها فشلت ، وجهزتنا تجاربها في الواقع المادي بما يكفي من معطيات على انهيار الادعاءات والشعارات حول جنة الاشتراكية المليئة بالعدالة والرفاه والحريات الغير مزورة الحقيقية. والسؤال الذي يطرح نفسه ، لماذا يعجز المنهج المادي العلمي الذي يدعيه ماركسيونا في تحديد ما هي اسباب الفشل من معطيات هذا الواقع المادي المعاش الناتج من هذه التجارب؟ سؤال يجيبون عليه بتنظيرات مثالية ان القضية ليست في صحة مقولة "الأكسير الشافي" بل بسوء الفهم وسوء التطبيق ، مناضراً لتبريرات السلفية بفشل الاسلاموية لسوء فهم وتطبيق الاسلام الصحيح الحنيف مثلا ، ومثله عند ماركسيينا لم تطبق الماركسية الصحيحة، اما هل يمكن ان تكون الطروحات هي الفاشلة ؟ أعوذ بالله ، فهذا غير ممكن. القضية هنا ان نفس المنهج المادي يضع نجاح التطبيق في الواقع العملي المادي المعاش فقط يمكنه ان يبرهن لنا صحة اية اطروحة، بغض النظر عن مصدرها، سواء كانت فلسفة ، او فرضيات علمية لا زالت غير مبرهنة، او دينا ربانيا ، او اجتهادا فكريا، مهما كان اصلها ، فالامتحان واحد ، مهما كان مصدر الاطروحات ، ولا يوجد غير معيار علمي واحد هو النجاح في التطبيق وفي الواقع المادي المعاش ولو فشل علينا التدقيق في صحة الاطروحة او المقولة والفرضية. سنحاول ان نبحث تحت في اسباب فشل اكسير الوصفة البلشفيةلاقامة الاشتراكية القائمة على وصفة وإكسير "نقل الملكية الى الدولة " بما تم حصده من تجارب تطبيقه.
2. فشل الاكسير في التطبيق سياسيا واقتصاديا افرز هذا الاكسير في التجارب التي عاشتها الدول التي تناولته للشفاء من الاستغلال، وبوعود العيش بجنة ، معضلتان كبيرتان ، كلاهما أمَرُّ من الاخرى. الاولى انها ادت لقيام صرح نظم ودول ديكتاتورية شمولية لاتؤمن بالتعددية السياسية كون بناء الاشتراكية لا يحتاج لمنافسة لحزب ثوري يقودها من احزاب مناوئة ( يعتبرها عدوة للاشتراكية) او مسايرة لها ( وفي هذه الحالة لاحاجة لها) ومنه انتفت واختفت الحياة الديمقراطية والتعددية الفكرية التنافسية ( والاخيرة تعتبر اهم اسس التطور الاجتماعي فلسفيا وفق قوانين هيغل في الديالكتيك المثالي وماركس في الديالكتيك المادي) وبانتفائها طبعا اختفى ركن التطور الديمقراطي من المنافسة في حياة المجتمع السياسية. في الواقع اقيم صرح بناء ديكتاتوري لنظام الحزب الواحد لاغيره يقمع كل مخالف في الرأي والاجتهاد الفكري ويتهم خائنا للثورة ولمصالح الشعب ، تماما كما في بقية النظم الشمولية الدينية الاصولية والقومجية والنازية (نفس التهمة يوجهها مثلا نظام اية الله لمخالفيه انهم اعداء الاسلام ونفسها وجهها هتلر في المانيا النازية ومثلها وجهها النظام الصدامي لمن لا يوالي البعث انه خائن) . هنا نلاحظ ان لافرق فعلا بين نوع المقولة المؤدلجة الحاكمة عندما تصبغ الدولة بصبغتها وتجعلها ذات عقيدة واحدة شمولية ، سيان كانت مادية طبقية أو دينية أو قومجية ،فرغم اختلافاتها الفكرية النتيجة واحدةظ ان صبغ الدولة بلون ايديولوجي واحد يؤدي لاقامة نظما قمعية شمولية ديكتاتورية. والخاص في نموذج "ألأكسير البلشفي"انه لايكتفي بالسيطرة الفكرية الايديولوجية الواحدة بل تضاف لها السيطرة الاقتصادية المعاشية على الناس وفق وصفة الاكسير بتحويل مرافق الانتاج والخدمات لملكية وادارة الدولة ،وبها تصبح سيطرة ايديولوجية واقتصادية تطبق الخناق على حياة ومعيشة الناس تماما ،وهو ما ميز جميع البلدان التي سارت على وصفة هذا الاكسير ، ولاغرابة ، فمن يستولي على معيشة الناس يستولي على مصائرهم ويصيغ طريقة حياتهم وتفكيرهم ، والمبدأ كي تعيش عليك العمل بالسخرة اضافة عليك ان تخضع. والنتيجة ان القضية هنا مركبة التكوين والنتائج سياسيا واقتصاديا يدعم بعضها بعضا. وكلاهما ادى واقعا لنفي مفهوم العدالة ، الهدف الذي قصده الاكسير ووصفته السحرية ، اقتصاديا توزيع الفقر بالتساوي بين المنتج والعاطل، المخترع والسكير، المبتكر المجتهد والانتهازي السياسي ( والفئة الاخيرة تراها متغلغلة في كل مرافق الدولة ومتنفذة كونها تصفق ليل نهار للحاكم والحزب الشمولي لنيل المناصب والمكاسب) . لنناقش لماذا فشل اقتصاد الاكسير بنقل الملكية للدولة؟ يجادل الماركسيون ان ماركس عنى نقلها للمنتجين وليس للدولة ، وفي الواقع انها للدولة كون الحزب الحاكم هو المشرف على التخطيط وبناء الاشتراكية وفق الاقتصاد المركزي التخطيط، أي انه نفس الامر والاختلاف فقط في التعبير. ان القضية المشخصة ان وصفة هذا الاكسير تحمل في طياتها الفشل بالسير بظاهرة دناميكية الحركة كالاقتصادية بجهاز بيروقراطي وظيفي حكومي تسوده المحسوبية والانتماء الحزبي بطئ وفوقي وشبه جامد تجاه فعل دينامي . من الناحية العلمية يعود سبب الفشل لطبيعة المنظومة الاقتصادية فهي نظما ديناميكية الحركة ( وليست استاتيكية محددة وجامدة ثابتة المعالم والسلوك) ، والديناميكية الاقتصادية هنا ناتجة من ظواهر وقوانين ملازمة لها وهما قانون العرض والطلب اولا والمنافسة ثانيا ( وكلاهما تؤدي لديناميكيته) وكلاهما يدفع لتطور الاقتصاد وبدونهما يجمد ويتجمد النمو والتطور ( نفس قوانين التطور الجدلي تضع التنافسية اساسا للتطور كما في الفلسفة الهيغلية والماركسية) . انك لا تجد في نموذج الاكسير ان مؤسستان اشتراكيتان تابعتان للدولة ان تتنافسا ، وكيف لها ان تتنافس، اليس هو تبذير لموارد الدولة ، فاختفى التنافس، كما وتم ضرب قانون العرض والطلب بوضع خطط بيروقراطية من اعلى وعلى المؤسسات اتباعها وليس اتباع السوق ، ومن اختفائهما تحولت المؤسسات الى بيروقراطية جامدة ومنها فشلت كونها عملت خارج اطار قوانين تتجاوب مع الطبيعة الديناميكية التنافسية للاقتصاد ، ومنها اصبحت مؤسساته فاشلة ومترهلة وبيروقراطية في العمل والادارة ومن فشلها تخلف الاقتصاد الاشتراكي بفضل رواية الوصفة السحرية بتحويل الملكية للدولة. ويمكن تتبع هذه النتائج السياسية والاقتصادية الكارثية بوضوح من معطيات تجارب الاكسير البلشفي في مختلف الدول والمجتمعات ، وعموما لم ينتج غير مؤسسات متخلفة عاجزة ومترهلة اقتصاديا، وسياسيا انتج نظما شمولية قمعية ( لاحظ ان مفهوم العدالة بمفهومها الاجتماعي العام ينتفي بمجرد فرض فكر واحد واجهزة قمعية كما ينتفي اقتصاديا كما ناقشناه اعلاه، ومنه فادعاء اقامة مجتمع العدالة في ايات الاكسير المرتلة هو هراء محض بمعنى العدالة العام، فكيف بنظام قمعي للفكر الاخر ان يكون عادلا). ومن ناحية الفعالية التنافسية في الاقتصاد ، هل كان ماركس غير عارفا ولا مدركا بانه يناقض ، بطرحه الاقتصادي بتحويل الملكية للدولة البروليتارية، نفسه وفي اهم طروحاته الفلسفية ان اساس التطور يكمن في الصراع والتنافس وفق قوانين الجدل اوالديالكتيك المادي؟ دعونا ننظر للامر من خلال ماركس نفسه.
3. يبدو ان هناك اكثر من ماركس واحد نعم واقعا هناك اكثر من ماركس ، ونفسه ماركس قال بذلك، وهي ليست مسألة غريبة كون المدارس الفكرية والفلسفية تتقبل التطور وتتقبل اكثر من منظور وتوجه عندما تنطلق للعمل في الواقع. ومنه برزت في الماركسية مدارس ، ولكن ابرزها ظهرت مدرستان. الاولى هي الماركسية البلشفية أو" الماركسية الثورية الحارة" وهي اول من تبوأ السلطة وساد نموذجها في العالم بعد ثورة اكتوبر عام 1917 واصبحت بعدها كأنما هي صنينا وحيدا لافكار وطروحات ماركس الماركسية في العالم وتم ارفاقها بثوريات لينين حول الثورة والدولة والاستيلاء على السلطة بانقلاب ثوري على يد حزب ماركسي ثوري ليقيم الاشتراكية والدولة البروليتارية وفق وصفة الاكسير اعلاه بأستيلاء الحزب على السلطة وهذه على الملكية ومنها على الاقتصاد ، واصبحت الماركسية تدعى "الماركسية اللينينية " التي تتوافق مع دعوة ماركس المبكرة باقامة ديكتاتورية البروليتاريا كما وردت في "البيان الشيوعي " عام 1848 ووصفتها للمجتمع بان لا عدالة تقوم دون القضاء على الرأسمالية وبتحويل وسائل الانتاج للملكية العامة للدولة البروليتارية للقضاء على الاستغلال الطبقي. واقعا هكذا كان ماركس فعلا وفق ماطرحه عاام 1848 وهو بعمر ثلاثين عاما، أي في اوج عنفوانه الثوري. انها طروحات الماركسية المبكرة تلك التي اقام عليها البلاشفة نموذجهم "ألأكسير السحري" الذي تمت الاشارة اليه في المقدمة اعلاه . ولكن وعلى امتداد القرن العشرين فشل هذا الاكسير في اقامة الجنة الاشتراكية الموعودة فشلا مركبا ، سياسيا واقتصاديا ، وحيثما طبق، في مشارق الارض ومغاربها، وسواء طبق كليا ( كما في البلدان الاشتراكية حيث سيطر حزب ماركسي بلشفي على السلطة) او جزئيا ( حيث السلطة بيد كائن من كان ، جنرال عسكري او عفلقي او ناصري ، او شبههما ، ايقن ان وصفقة الاكسير هي لصالحه ، انها فن يصلح لكل ديكتاتور ليقيم نظامه بلون واحد ويضع الاقتصاد بيد الدولة لعضد الديكتاتورية والسيطرة كما رأيناه في انظمة ناصرواسد وصدام وبعض البلدان الافريقية واللاتينية وجميعها اليوم متدهورة سياسيا واقتصاديا ). ولكن هناك النموذج الثاني والمدرسة الثانية لماركس والماركسية ، وهو ما يصح دعوتها " الماركسية الديمقراطية" أو " الماركسية الباردة " وهي اكثر انتشارا وتأثيرا في البلدان المتقدمة صناعيا الصناعية ولم تجد لها شيوعا في البلدان النامية، وتاريخيا تعود لطروحات ماركس لمابعد عام 1864 حيث انهى عمله المشهور "الرأسمال" خلال عيشه الدائم في لندن حتى وفاته عام 1883 . التف حول الماركسية الديمقراطية طبقة واسعة من المفكرين وتبنتها الاحزاب الماركسية الديمقراطية الاجتماعية الاشتراكية الجديدة التكوين في اوربا. انها لم تتبع اكسير الجقلبان البلشفي بل فضلت الطرق الديمقراطية في اقامة الاشتراكية كبرامج عدالية اجتماعية، واعتبرت ان اقامتها ممكنة من خلال الطرق الديمقراطية والبرلمانات وسن قوانينها بطرق شرعية قانونية ومن خلال اقناع الجمهور وكسبهم لبرامجهم الانتخابية التي لبرامج اشتراكية عدالية وضمانية للعمال والمنتجين كما ولكل المجتمع. وعليه نجد في حياة ماركس كلا المدرستين تتمثل فيه بسيرة وتطور طروحاته شخصيا. هناك ماركس الشاب الفيلسوف الذي استمدت منه البلشفية "ألأكسير السحري" ومبدأ اقامة ديكتاتورية البروليتاريا كما اوجزها ماركس في البيان الشيوعي عام 1848. وهناك ماركس "الكهل الناضج" بعدما صرف 20 عاما في دراسة الاقتصاد وفلسفة الاقتصاد لربط مقولاته الفلسفية اجتماعيا بالواقع الاقتصادي واوجزه في كتابه " الرأسمال" ، ولكن بعد انجازه لم يسمع احد من ماركس يتقول بديكتاتورية البروليتاريا ولا استيلاء الحزب الثوري على السلطة بانقلاب ثوري ، اي اختفت اغلب تلحينات وازامير الاكسير البلشفي ، بل تجد لماركس طروحات ومقولات له تدعو لتأسيس تجمعات سياسية ونقابات لهدف الحصول على امتيازات وحقوق للطبقة العاملة ، و لم تعد تسيطر على ماركس سطوة المقولات الفلسفية قبل عام 1848 بعدما نضج اقتصاديا من 20 عاما من دراسة وبحث الاقتصاد الرأسمالي. نحن نعلم اليوم الفرق بين "كلا الماركسيتين " الأولى ممثلة بالنموذج البلشفي للماركسية وساد في التجربة في بلدان اوربا الشرقية والنامة ، وهو الذي فشل، والثاني نموذج "الماركسية الديمقراطية" قد ساد في معظم بلدان اوربا الغربية والشمالية الصناعية المتطورة ونجح نجاحا كبيرا في تغيير مجتمعاتها دون اطلاق انها تطبق الماركسية ولكنها واقعا كانت تسير لتحقيق اهدافها ومشروعها وبطرق ديمقراطية ، وتجده اليوم مطبقا ببرامجه حتى في كندا واميركا ، رغم ان هذه الدول تنفي علاقتها بالماركسية ولكنها واقعا تطبقها في الواقع ببرامج متطورة لضمان حقوق العمال والمنتجين والفقراء ومشاركتهم في توزيع الثروة الوطنية وحققت نتائج باهرة وتقدما خياليا اقتصاديا مع تطور مضطرد في ديمقراطية نظم الحكم فيها والحقوق المدنية بدون طقطقات وشعارات اكسير البلشفية ووصفاته بسيطرة حزب واحد على الدولة ومصادرة الحياة الفكرية والتعددية الحزبية وحرية الصحافة ونقل وسائل الانتاج والملكية للسلطة الثورية. لنناقش تأثير وصفة الاكسير البلشفي للماركسية في منطقتنا العربية.
4. حول التأثير الكارثي لأكسير وصفة البلاشفة للمنطقة العربية لعل واحدة من أهم اسباب التخلف الاقتصادي والسياسي الحالي لأهم واكبر البلدان العربية (مصر وسوريا والعراق والجزائر واليمن والسودان) يعود لفترة الستينات تحديدا عندما غزت تنظيرات اكسير الوصفة البلشفية للماركسية السهلة المقولة الساحرة والتي غزت ،وتحت باب نظم التحرر الوطني وبناء الاشتراكية، فكر العسكر والقومجية الانقلابية بحقنات من طروحات "إكسير"الرفاق السوفيت الثورية اللينينية منسوخة وبنكهة محلية على يد نضال الماركسية العربية ، المنسوخة من الرفاق، واعتبرت تأميم مرافق الانتاج والخدمات هو الجزء الاهم امام هذه الانظمة التحررية التقدمية ( وهي واقعا الديكتاتورية ودعيت بنظم التحرر الوطني من الاستعمار والامبريالية) للبدء باقامة الاشتراكية. وجدت هذه الانظمة في الوصفة السوفياتية انها الاكسير الذي يسند نظمها لتقيم ديكتاتورياتها، وجدوا فيها انها ستمكنهم من بسط نفوذهم على كامل مرافق العيش والحياة في المجتمع ، أو ليس هذا هو كل ماتحتاجه فعلا لقامة ديكتاتوريتها المطلقة والسيطرة الكاملة على السلطة والاقتصاد بان واحد ( وامامهم تجربة الاصدقاء السوفيت خير مثال يحتذى به) . وهكذا اصبحت تسمى بلدانا باسم حكامها وكلهم يجد نفسه نسخة لاتقل اهمية وثورية عن الامين العام للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي مع استحياء ناصر وصدام واسد مثلا من ادعاء انهم يسيرون باكسير الماركسية السوفياتية فدعوها الاشتراكية العربية، ولاثبات دعوتهم مزقوا اربا من يتقول بالماركسية من احزابها العربية، غيرة وازاحة لمنافس تحت باب انهم عربا اولا وقادة للامة العربية وليسوا نسخة ماركسية مستوردة رغم انهم في الواقع استنسخوها من السوفيت وبمساعدة ضحاياهم من الماركسيين العرب نقلا يكاد يكون حرفيا سواء في اصول نظام الحكم الشمولي اوالسيطرة الكلية على الاقتصاد للسيطرة الكاملة على المجتمع . هذه هي رواية تطبيق الاكسير على يد نظم ديكتاتورية عربية وبه دمرت الحياة السياسية والاقتصادية في اكبر بلدانها العربية، ومنه نرى التخلف والتراجع الرهيب الذي ورثناه اليوم منها. قد يتعجب ماركسيونا العرب من اتهامهم بهذا الدورالكارثي الذي لعبوه في تراجع المنطقة ، ولكن التحليل المادي للواقع يشير اليه بكل وقائعه ومعطياته سواء في مصر او سوريا او العراق ( أي باتباع نفس المنهج المادي الماركسي فلسفيا) ، فتشير وقائعه ومعطياته الى دورهم في تخربب الحياة السياسية وتحولها لبلدان ديكتاتورية بدلا من ديمقراطية وخراب الحياة الاقتصادية بتحوله الى فاشل يديره موظفوا الدولة الديكتاتورية . انه واقعا نفس النموذج النظري للاكسير والوصفة السوفياتية ولكن على يد عسكر وافاقين قومجية . القضية هنا ان النخب الماركسية العربية تمتاز بالوطنية ومن الصعب اتهامها بسبب النكبة التي حلت بهذه البلدان ، ولكن الواقع المادي هو الذي يشير له، والتفسير هنا ان هذه النخب لم تع وقتها ،بل وحتى اغلبها والى اليوم ، انها ومن دون وعي ساهمت وبنية طيبة لتحديث وتطور بلداننا ولكن وصفتها انتهت بتدمير الحياة السياسية والاقتصادية لبلداننا ظنا منها انها تحقق انجازات للتحول للاشتراكية ، ولكن الواقع يشير انها انتهت لنظم ديكتاتورية مقيتة صفت الحياة السياسية والاحزاب والحريات ودمرت كيان الاقتصاد في بلدان مهمة مثل مصر وسوريا والعراق كان لها ان تتطور و تتحول لمستوى اداء كوريا الجنوبية اليوم لولا هذه الوصفة الاكسيرية المدمرة التي طبلوا لها وانتهت اليوم بلداننا اسوء حالا حتى من كوريا الشمالية ولا نقول الصومال كونه انه ايضا ضحية لهذه الوصفة الاكسيرية على يد زياد بري . خلال زيارتي الاخيرة لمصر علمت ان عبد الناصر سار بالتأميمات حتى لشركة اسطوانات محمد فوزي وسماها الشركة العامة للاسطوانات المصرية ، وامم حتى دار نشر المعارف وحتى صحيفة الاخبار المصرية دعك عن شركات صناعية معتبرة جميعها اليوم اما فاشل حي عبئ او فشل فاختفى. وفي العراق امم عارف تقليدا لناصر شركة المنسوجات فتاح باشا التي كانت تصدر حتى لبريطانيا والشركة التجارية اورزدي باك التي كانت تعج بضائعها بالذوق والثقافة وحولها البعث لوزارة التجارة تحت اسم شركة التسويق المركزية ، وانتهت المعامل التي انشأها السوفيت بعد عام 1958 الى فشل جامح كونها تدار من مدراء عامين حزبيين بعثيين واليوم اسلامويين لاهم لهم غير النهب وتحت ميزانية ضخمة ( اليوم قرابة 4 مليارات دولار لتمويل رواتب 143 شركة لاتنتج حتى نعالا وتوظف قرابة 200 الف عامل وموظف) وهكذا لم يحصد البلدان غير نظما ديكتاتورية واقتصادا محطما مدمرا وملايين من الموظفين الحكوميين دون انتاج ( في العراق قرابة خمسة ملايين موظف حكومي يستهلكون كل ريع ميزانية النفط الذي يصدره العراق لتغطية رواتبهم ولا يتبقى ماينفق على مشاريع البنى التحتية الا النزر وغالبه يسرق).
5. اعادة الريادة لليسارالعربي بالتخلص من وصفة إلاكسير البلشفي ان وضع اليسار العربي اليوم يثير الرثاء حقا حيث اغلبه مازال يدين وينادي بنفس الطروحات الاكسيرية رغم ان الواقع المادي وعلى مدى عقود اثبت فشل الوصفة كليا، ولو كان هذا اليسار كما يدعي ماديا فلسفيا لاستخلص الدرس من الواقع المادي وانتقد ونبذ هذا الاكسير الفكري الفاشل ، ولتجدد، ولكنه يصر على هذا الاكسير الفاشل ومنه تهمش وتلاشى دوره الريادي في المجتمعات العربية. مالذي منع اليسار العربي ذو المنهج المادي الجدلي كما يدعي من تشخيص فشل اطروحات الوصفة الاكسيرية التي نادى بها؟ ربما قلة الوعي المعرفي ،فالجماعة كما نرى استاذية في الترتيل ومتخلفون في التحليل ، يدعون المنهج المادي وهم يمارسون ويعيشون تحت رحمة المثالية للمقولات الاكسيرية ويقدسونها كالتيارات الاصولية دون قدرة على مراجعتها ماديا والتجدد في انتاج نموذج سياسي واقتصادي يساري منفتح ديمقراطي يجذب الجمهور اليه من جديد وملّ من تراتيله القديمة لفشلها في الواقع. مالذي منع ماركسيونا العرب من التمييز بين الماركسية البلشفية والماركسية الديمقراطية غير الولاء للترتيل والتقديس الذي ورثوه من الشمولية السوفيتية، وهل يوجد مايمنعهم اليوم من التجدد والاخذ بنموذج ناجح لليسار يؤمن بالديمقراطية والحريات ويؤمن بان الاشتراكية لاتعني تحويل مؤسساته ليد بيروقراطية حكومية انتهازية فاسدة بل احترام العلم الاقتصادي بقوانينه وطبيعة حركته الديناميكية وجذب الاستثمارات في تطويره وهو اهم واجب للدولة والحكومات اليسارية لتطوير مستوى المعيشة من خلال نمو الاقتصاد وتشجيع ودعم الاستثمارات الخاصةالوطنية والاجنبية من جهة ، ومعها واقامة قوانين حماية حقوق المنتجين والعمال وادارة ضرائب الارباح للنهوض بخدمات الدولة لمواطنيها في الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي والبنى التحتية وانهاض التطوير العمراني والثقافي للمجتمع. الواقع ان اهداف منهج الماركسية الديمقراطية قد سارت عليه بلدان عديدة وكثيرة دون الاعلان علنا انها تتبنى الماركسية، وحقق لها نجاحات هائلة وكبيرة ، وحتى فرض نفسه على بلدان في قمة الرأسمالية مثل الولايات المتحدة والمانيا وفرنسا وكندا وبريطانيا وانتقل منها لعشرات البلدان ، ولا احد منها يدعي انه يطبق الماركسية ، ولكنها التقت معها باهدافها بتحسين معيشة الناس من خلال تطوير الاقتصد واقامة برامج متطورة للخدمات والضمانات الاجتماعية لاقامة نظم للعدالة الاجتماعية مستوحاة من الدعوة الماركسية ، ومن دون وصفات اكسيرية كما للبلشفية الماركسية. ولو كتب لماركس ان يعود اليوم ويزور ولاية كاليفورنيا او كندا لقال نعم ان هذه هي بوادر الشيوعية التي حلمت بها ( يحكم ولاية كاليفورنيا اليسار الاميركي ممثلا بالحزب الديمقراطي منذ عقود طويلة الذي لايسمي نفسه حزبا ماركسيا ولكنه واقعا يترجم مشروعها لتحقيق اهدافها ، وها هي اليوم اغنى الولايات الاميركية وتشكل رابع قوة اقتصادية في العالم وتتمتع ببرامج متطورة للضمان الصحي والغذائي والبيئي وافضل الجامعات والمدارس في العالم ومثلها كندا ، كلاهما لا تدعي الماركسية بل اليسار فيها حولها الى واحة من الرفاه والحريات والانتاج الوفير وافضل الخدمات، ومثلها كندا يقوم الحزب اللببرالي بنفس الدور والمنهج وهو لايدعي انه ماركسيا ربما كي يبعد نفسه كالحزب الديمقراطي الاميركي عن الدوغما ومقولات القوالب الجاهزة للتعامل مع الواقع). للأسف لم تستطع بلداننا ولادة يسار عربي معرفي ومنتج ومتجدد قادر على هضم الماركسية والديمقراطية معا وبان واحد بل انتجت يسارا يرتل وصفة الاكسير الفاشلة التي اثبت الواقع انها تدمر الحياة الديمقراطية والاقتصادية ومؤكدا انها لن تكون قادرة على انتاج هذا اليسار في ظل الاصرار على ترديد مقولات الاكسير الفاشل كما اثبت الواقع. ان الخروج من ازمة التخلف وصعود الاصولية الدينية تتطلب يسارا قادرا على تبني طروحات العلم الغير مؤدلج وهوغير وصفة الاكسير وتراتيله ، يسارا يضع امامه هدف اقامة وتطوير نظما ديمقراطية للدولة ، وسبل تحسين معيشة الناس ورفع مستواهم المعيشي من خلال تطوير الاقتصاد والتحول من الريعي الى الانتاجي والانفتاح على الاستثمارات الانتاجية الوطنية الخاصة والاجنبية وخبراتها وليس محاربتها لان مقولات الاكسير قالت بذلك ، بل الاخذ بالعلم الاقتصادي وقوانينه كأهم هدفين لليسار لتحسين معيشة الناس وتعميق الحريات واقامة دولا ذات نظم ديمقراطية، وهذه طبعا ليست ضمن الوصفة الاكسيرية . تخلصت الصين من وصفة الاكسير الاقتصادي وحققت نجاحات هائلة باهرة وحسنت مستوى المعيشة بعشرات الاضعاف ( ولم تتخلص بعد من وصفة الاكسير السياسية الديكتاتورية) وهذا خير مثال على وجوب التخلص من الوصفات الاكسيرية في الاقتصاد . انه درسا هاما لتجدد اليسار العربي ورجوعه لريادة الساحة العربية ولكن ذلك مرهونا دون شك بالتخلص من وصفة الاكسير التي شوهت مهامه وخذلت اهدافه وانهت دوره الريادي في ادخال الحداثة والتجدد ،كما هو دور اليسار في كل المجتمعات ، لتحديث مجتمعاتنا العربية وبتراجعه تراها انكفأت اليوم في صومعة الاصولية الدينية. د.لبيب سلطان 1 حزيران 2026
#لبيب_سلطان (هاشتاغ)
Labib_Sultan#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
علي والمسيح مثالا لشخصيات علمانية من التاريخ
-
المحنة هي في ايران
-
نهاية غريبة لحرب ترامب على ايران
-
درسا من عشرة ملايين متظاهر في اميركا
-
هل سيقوم ترامب بتغير النظام في ايران وكيف؟
-
ألهزيمة ألترامبية والبوتينية في دافوس وميونيخ
-
8 شباط 196 بدء اغتيال العراق كدولة
-
أهم القضايا امام تجدد اليسار العربي
-
درس من ايران
-
البلطجة الامبريالية والبلطجة الايديولوجية
-
خواطر في فلسفة الحياة تحت ظل الذكاء الاصطناعي -4
-
خواطر في فلسفة الحياة تحت ظل الذكاء الاصطناعي -3
-
خواطر حول فلسفة نظم الذكاء الاصطناعي -2
-
خواطر حول فلسفة نظم الذكاء الاصطناعي -1
-
سخرية ورقة ترامب لانهاء حرب اوكرانيا
-
بديل الانتخابات امام اليسار الوطني العراقي
-
مالذي يعنيه فوز زهران ممداني
-
حول علاقة الديمقراطية والماركسية
-
لماذا تراجع اليسار في المنطقة العربية
-
لماذا يتراجع اليسار في العالم
المزيد.....
-
تضامناً مع عمال بوليفيا وفلاحيها!
-
Book Q&A “No Bosses: A New Economy for a Better World”
-
The Merchant of Fear and the Buyers of War: Trump’s Middle E
...
-
هل تدير كولومبيا ظهرها لليسار وميراثها النضالي؟
-
من منصة -ملكة الجمال-.. ألمانية محجبة تتحدى اليمين المتطرف ب
...
-
الذكاء الاصطناعي ومستقبل الرأسمالية من منظور ماركسي ونيوكلاس
...
-
تجديد حبس “أطباء التكليف” للمرة الثامنة لمدة 15 يومًا
-
مصر ترسخ موقعها في قائمة الدول «الأسوأ للعمال» واحتكار تنظيم
...
-
غزّة كحدث عالمي
-
كدش تُصدر أول بارومتر اجتماعي
المزيد.....
-
مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة
/ عبد الرحمان النوضة
-
الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية
...
/ وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
-
عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ
...
/ محمد الحنفي
-
الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية
/ مصطفى الدروبي
-
جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني
...
/ محمد الخويلدي
-
اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956
/ خميس بن محمد عرفاوي
-
من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963..........
/ كريم الزكي
-
مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة-
/ حسان خالد شاتيلا
-
التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية
/ فلاح علي
-
الانعطافة المفاجئة من “تحالف القوى الديمقراطية المدنية” الى
...
/ حسان عاكف
المزيد.....
|