أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - زهير الخويلدي - دفاع أنطونيو غرامشي عن استقلالية المجتمع المدني من زاوية المثقف العضوي















المزيد.....


دفاع أنطونيو غرامشي عن استقلالية المجتمع المدني من زاوية المثقف العضوي


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 09:56
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


مقدمة
في الفكر السياسي والاجتماعي لأنطونيو غرامشي، يبرز المجتمع المدني كحقل استراتيجي حاسم في بناء الهيمنة الثقافية والسياسية. يميز غرامشي بين "المجتمع السياسي" الذي يمثل الدولة بأجهزتها القسرية (الشرطة، الجيش، القضاء)، وبين "المجتمع المدني" الذي يشمل المؤسسات الخاصة والجمعيات والنقابات والمدارس والكنائس والأحزاب والصحافة والفنون. هذا الفصل ليس فصلاً جغرافياً أو إدارياً بحتاً، بل هو فصل وظيفي: الأول يعتمد على القوة المباشرة، والثاني يعتمد على الإقناع والموافقة النشطة أو السلبية. من منظور المثقف العضوي، الذي ينبثق عضوياً من داخل الطبقة أو الجماعة الاجتماعية ليصبح واعياً بمصالحها التاريخية ويعبر عنها بطريقة منظمة، لا يُنظر إلى المجتمع المدني كمجرد أداة في يد الطبقة الحاكمة، بل كساحة حيوية يمكن أن تكتسب فيها الطبقات التابعة استقلاليتها النسبية. يدافع غرامشي، من خلال هذه الزاوية، عن استقلالية المجتمع المدني ليس كرفض للصراع الطبقي، بل كشرط ضروري لتحقيق هيمنة مضادة تؤدي إلى تحول اجتماعي جذري. هذه الاستقلالية ليست مطلقة، إذ ترتبط دائماً بالعلاقات الاقتصادية والسياسية، لكنها ضرورية لتجنب اختزال المجتمع إلى الدولة أو السوق. في هذه الدراسة، سنستكشف هذا الدفاع من منظور حقوقي، حيث تتحول استقلالية المجتمع المدني إلى ضمانة للحقوق الأساسية مثل حرية التعبير، حرية التجمع، حرية تكوين الجمعيات، والحق في المشاركة السياسية والثقافية. يصبح المثقف العضوي هنا ليس مجرد منظّر، بل مدافع عملي عن هذه الحقوق كأدوات لتحرير الوعي الجماعي. فما السياق الذي يتنزل فيه الفكر السياسي الحقوقي الغرامشي؟ وبأي معنى نفهم دفاعه عن استقلالية المجتمع المدني؟ وهل يمتلك المثقف العضوي التأثير الضروري للقيام بذلك؟
مفهوم المثقف العضوي ودوره في المجتمع المدني
يرفض غرامشي فكرة "المثقف التقليدي" الذي يدّعي الحياد والاستقلال عن الصراعات الاجتماعية، معتبراً إياه جزءاً من آليات الهيمنة القائمة. أما المثقف العضوي فهو الذي ينشأ من قلب الطبقة العاملة أو الفلاحين أو أي جماعة مهمشة، ويطور نظرية وممارسة تتوافق مع احتياجاتها التاريخية. دوره ليس نقل المعرفة فحسب، بل تنظيمها وتحويلها إلى قوة مادية منظمة داخل المجتمع المدني.
من هذا المنطلق، يدافع المثقف العضوي عن استقلالية المجتمع المدني لأنه يرى فيه المساحة الوحيدة التي يمكن فيها بناء "كتلة تاريخية" جديدة تجمع بين القوى المادية والفكرية. إذا سيطرت الدولة تماماً على المجتمع المدني، تحولت الهيمنة إلى سيطرة قسرية بحتة، وفقدت شرعيتها الثقافية، مما يجعل أي تحول ثوري سطحياً وغير مستدام. الاستقلالية النسبية للمجتمع المدني تسمح بظهور مثقفين عضويين ينظمون الخبرات اليومية للناس العاديين، يحولون الشكاوى الفردية إلى نقد منظم للنظام القائم، ويبنون بدائل ثقافية وأخلاقية.
هذا الدفاع ليس ليبرالياً بحتاً، بل هو دفاع بروليتاري استراتيجي. المجتمع المدني المستقل يصبح مدرسة للديمقراطية الجديدة، حيث يتعلم الأفراد المشاركة النشطة بدلاً من الخضوع السلبي. ومن الزاوية الحقوقية، يرتبط هذا مباشرة بحق كل فرد في تطوير شخصيته الثقافية والسياسية دون وصاية الدولة، وهو ما يعكس جوهر الحق في التنمية الذاتية والمشاركة العامة.
استقلالية المجتمع المدني كساحة للهيمنة المضادة
يدور دفاع غرامشي الأساسي حول استقلالية المجتمع المدني على فكرة "حرب المواقع" مقابل "حرب المناورة". في المجتمعات الغربية المتقدمة، حيث تكون البنية المدنية قوية ومتشابكة، لا يمكن الاستيلاء على السلطة بضربة واحدة على الدولة. يجب أولاً كسب المعركة داخل المجتمع المدني، أي بناء موافقة جماهيرية على قيم ومؤسسات بديلة.
الاستقلالية هنا ضرورية لأنها تمنع الدولة من احتواء كل أشكال التنظيم الاجتماعي. عندما يتمتع المجتمع المدني بدرجة من الاستقلال، يمكن للنقابات العمالية أن تطور ممارسات ديمقراطية داخلية، وللجمعيات الثقافية أن تنتج خطاباً مضاداً للأيديولوجيا السائدة، وللمثقفين العضويين أن يربطوا بين النظرية والممارسة. إذا فقد هذا الاستقلال، تحول المجتمع المدني إلى مجرد امتداد للجهاز البيروقراطي، وفقد قدرته على التجدد والابتكار.
من منظور حقوقي، تشكل هذه الاستقلالية أساساً لعدة حقوق مترابطة:
حرية تكوين الجمعيات والنقابات: فبدون استقلالية، تصبح الجمعيات أدوات للدولة، ويفقد الأفراد حقهم في التنظيم الذاتي.
حرية التعبير والصحافة: المجتمع المدني المستقل يحمي تعددية الآراء، ويمنع احتكار الدولة للخطاب العام.
الحق في التعليم والثقافة: حيث يصبح المثقف العضوي معلماً ومتعلماً في آن، ينقل المعرفة خارج الأطر الرسمية.
بهذا المعنى، يصبح دفاع غرامشي دفاعاً عن الحقوق كأدوات تحررية، لا كحقوق شكلية تمنحها الدولة الليبرالية. الحقوق هنا ليست نهاية في ذاتها، بل وسيلة لبناء وعي طبقي جديد يتجاوز الدولة القائمة.
أبعاد الاستقلالية: الاقتصادي والثقافي والسياسي
الاستقلالية الاقتصادية: يرى غرامشي أن المجتمع المدني ليس منفصلاً تماماً عن قاعدة الإنتاج، لكنه يمتلك ديناميكيته الخاصة. المثقف العضوي يدافع عن قدرة الطبقات المنتجة على تنظيم نفسها اقتصادياً (من خلال التعاونيات، النقابات، الصناديق المتبادلة) دون الخضوع الكامل لمنطق الربح الرأسمالي أو السيطرة الدولانية. هذا يرتبط بحقوق العمال في التفاوض الجماعي والمشاركة في إدارة الإنتاج، كتعبير عن كرامة الإنسان كمنتج ومبدع.
الاستقلالية الثقافية: هنا يكمن قلب الدفاع الغرامشي. الهيمنة الثقافية لا تُفرض فقط بالقوة، بل تُبنى يومياً داخل المجتمع المدني عبر "الفولكلور" والمعتقدات الشائعة والفنون. المثقف العضوي يسعى إلى "إصلاح فكري وأخلاقي" يحول هذا الفولكلور إلى وعي نقدي. استقلالية المجتمع المدني تسمح بتعدد المراكز الثقافية، مما يحمي الحق في التنوع الثقافي واللغوي والديني، ويمنع تحول الثقافة إلى أيديولوجيا رسمية واحدة.
الاستقلالية السياسية: المجتمع المدني ليس بديلاً عن الدولة، لكنه يشكل "الدولة بالمعنى الواسع". استقلاليته يسمح بظهور أحزاب سياسية حقيقية تمثل مصالح عضوية، وليس مجرد أدوات انتخابية. من المنظور الحقوقي، يعني ذلك الحق في المعارضة المنظمة، والحق في المشاركة السياسية المستمرة خارج أيام الانتخابات، والحماية من القمع الذي قد يمارسه الجهاز القسري.
مفهوم الهيمنة المضادة عند أنطونيو غرامشي
أصول المفهوم وموقعه في الفكر الغرامشي
يشكل مفهوم الهيمنة المضادة أحد أعمدة الفكر السياسي والثقافي عند أنطونيو غرامشي، ويمثل الاستراتيجية الرئيسية للطبقات التابعة في مواجهة الهيمنة السائدة للطبقة الحاكمة. لا يقتصر المفهوم على الصراع الاقتصادي أو السياسي المباشر، بل يمتد إلى المعركة الثقافية والأخلاقية والفكرية داخل المجتمع. كما تعرف الهيمنة عند غرامشي بأنها مزيج من القوة (السيطرة المباشرة عبر الدولة) والموافقة (الإقناع الثقافي عبر المجتمع المدني). فالطبقة الحاكمة لا تحكم فقط بالقمع، بل بجعل قيمها ومصالحها تبدو طبيعية وعالمية و"عقلانية" في أعين الجماهير. أما الهيمنة المضادة فهي عملية بناء موافقة مضادة، أي إنتاج نظام من القيم والمعتقدات والمؤسسات والممارسات التي تتحدى هذه "الطبيعية" وتؤسس لكتلة تاريخية جديدة قادرة على قيادة المجتمع.
مكونات الهيمنة المضادة
البعد الثقافي والأخلاقي (الإصلاح الفكري والأخلاقي):
يؤكد غرامشي أن أي تحول اجتماعي جذري يتطلب أولاً "إصلاحاً فكرياً وأخلاقياً" يغير "الفولكلور" (المعارف الشعبية غير المنظمة) إلى وعي نقدي منظم. الهيمنة المضادة لا ترفض الثقافة الشعبية، بل تعيد صياغتها وتنظمها. هنا يظهر دور المثقف العضوي كمحور أساسي: فهو ليس ناقلاً للنظرية فحسب، بل صانعاً لها من داخل تجارب الطبقات التابعة، يربط بين النظرية والممارسة، ويحول الشكاوى اليومية إلى نقد منظومي.
حرب المواقع مقابل حرب المناورة:
في المجتمعات الغربية المتقدمة، حيث تكون البنية المدنية متينة وعميقة، لا تنجح "حرب المناورة" (الاستيلاء المباشر على السلطة كما في 1917). بل تفرض "حرب المواقع": معركة طويلة الأمد داخل المجتمع المدني لاحتلال المواقع الثقافية والمؤسسية قبل الاستيلاء على الدولة. الهيمنة المضادة هي استراتيجية هذه الحرب، تبني قواعد شعبية واسعة تدريجياً.
بناء الكتلة التاريخية:
الهيمنة المضادة ليست تحالفاً مؤقتاً، بل بناء "كتلة تاريخية" تجمع بين القاعدة الاقتصادية والإيديولوجيا والمؤسسات. تتجاوز التناقضات بين مختلف الفئات التابعة (عمال، فلاحون، مثقفون، أقليات) لتشكل إرادة جماعية عامة. هذه الكتلة هي النواة المستقبلية للدولة الجديدة.
الدور المركزي للمجتمع المدني:
كما في الدراسة السابقة، يُعد المجتمع المدني (الجمعيات، النقابات، المدارس، الإعلام، الفنون) الساحة الرئيسية للهيمنة المضادة. استقلاليته النسبية ضرورية حتى يتسنى للقوى التابعة تنظيم نفسها ذاتياً دون سيطرة مباشرة من الجهاز القسري. بدون هذه الاستقلالية، تتحول المقاومة إلى ردود أفعال عفوية غير قادرة على بناء بديل.
آليات بناء الهيمنة المضادة
التعليم والتنظيم: ليس التعليم الرسمي فقط، بل التعليم الشعبي داخل النقابات والحلقات الدراسية والصحافة البديلة. يصبح كل عامل "مثقفاً" بدرجة ما.
تعدد المراكز: لا مركز واحد يفرض خطاً واحداً، بل شبكة من المبادرات الثقافية والسياسية تتنافس وتتكامل.
اللغة والرموز: إعادة صياغة اللغة اليومية والرموز الثقافية بما يعكس مصالح الطبقات التابعة.
الممارسة الديمقراطية الداخلية: بناء نماذج ديمقراطية داخل المنظمات التابعة، حتى لا تتكرر بيروقراطية الدولة القديمة.
الطابع الحقوقي للهيمنة المضادة
من منظور حقوقي، تمثل الهيمنة المضادة تحول الحقوق من ضمانات شكلية (منحة الدولة الليبرالية) إلى مكتسبات نضالية وأدوات تحرر. حرية التعبير والتجمع تصبح وسائل لبناء خطاب مضاد.
الحق في التعليم يتحول إلى حق في إنتاج معرفة بديلة.
حقوق العمال والفلاحين تتجاوز المطالب الاقتصادية إلى المطالبة بقيادة ثقافية للمجتمع.
بهذا، تكتسب الهيمنة المضادة طابعاً إنسانياً عميقاً: هي عملية تحرير الوعي الجماعي وإعادة تشكيل الإنسان نفسه كذات تاريخية فاعلة.
لا يغفل غرامشي صعوبة بناء الهيمنة المضادة. أبرز التحديات:
الاختراق الأيديولوجي: قدرة الطبقة الحاكمة على امتصاص عناصر المعارضة وتحويلها إلى جزء من هيمنتها (مثل بعض النقابات أو الأحزاب "اليسارية").
العفوية مقابل التنظيم: خطر الوقوع في التمردات التلقائية التي لا تبني بنية دائمة.
التناقضات الداخلية: صعوبة توحيد فئات تابعة مختلفة المصالح.
القمع: عندما تشعر الدولة بالخطر، تلجأ إلى الجهاز القسري لتفكيك مواقع الهيمنة المضادة.
كما أن الهيمنة المضادة ليست مضمونة النجاح؛ فهي عملية تاريخية مفتوحة تتطلب صبراً استراتيجياً ومرونة تكتيكية.
نظرية الدولة الواسعة (الدولة المتكاملة) عند أنطونيو غرامشي
تجاوز التصور التقليدي للدولة
يُعتبر مفهوم الدولة الواسعة أو الدولة المتكاملة أحد أبرز الابتكارات النظرية في فكر أنطونيو غرامشي. يرفض غرامشي التصور الماركسي التقليدي الذي يختزل الدولة إلى جهاز قسري يعكس مصالح الطبقة الحاكمة بشكل مباشر، كما يتجاوز التصور الليبرالي الذي يفصل بين الدولة والمجتمع المدني فصلًا شكليًا. بالنسبة لغرامشي، الدولة ليست مجرد الحكومة أو الأجهزة القمعية (البرلمان، الشرطة، الجيش، المحاكم)، بل هي وحدة متكاملة تشمل "المجتمع السياسي" بآلياته القسرية، و"المجتمع المدني" بمؤسساته الخاصة التي تعمل بالإقناع والموافقة. هذه الوحدة المتكاملة هي ما يُسمى "الدولة الواسعة"، حيث تتحقق الهيمنة من خلال توازن ديناميكي بين القوة والموافقة.
هذه النظرية ليست وصفًا محايدًا للواقع، بل أداة تحليلية واستراتيجية تسمح للطبقات التابعة بفهم كيفية عمل السلطة في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، ومن ثم بناء استراتيجية ثورية مناسبة.
التمييز بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني
يشكل هذا التمييز الأساس النظري لمفهوم الدولة الواسعة:
المجتمع السياسي: يمثل الجانب القسري للدولة. يعمل بالقانون والعنف المشروع، ويضمن السيطرة المباشرة عندما تفشل آليات الموافقة. هو "الخندق الأخير" للطبقة الحاكمة.
المجتمع المدني: يمثل الجانب "الخاص" للدولة، حيث تُبنى الهيمنة اليومية عبر المدارس، الكنائس، النقابات، الأحزاب، الصحافة، الجمعيات، والعائلة. هنا تتحول المصالح الطبقية إلى قيم "عالمية" تبدو طبيعية ومقبولة طوعًا.
الدولة الواسعة هي التوحيد الديالكتيكي بين هذين العنصرين. لا يمكن فهم أحدهما دون الآخر؛ فهما يتداخلان ويتعاضدان. في الظروف العادية، تكون الموافقة (المجتمع المدني) هي السائدة، مما يجعل السيطرة تبدو أقل قسرية. أما في الأزمات، فيتقدم المجتمع السياسي ليحمي الهيمنة بالقوة.
هذا التصور يجعل الدولة ظاهرة اجتماعية تاريخية، وليست كيانًا علويًا ثابتًا. هي نتاج صراعات وتوازنات قوى، وبالتالي قابلة للتغيير.
وظائف الدولة الواسعة
وظيفة الهيمنة:
تتحقق الهيمنة عندما تنجح الطبقة الحاكمة في جعل مصالحها تبدو كمصالح عامة. هنا يلعب المجتمع المدني دور "الخندق" الأول الذي يحمي الدولة. المثقفون التقليديون يساهمون في هذه العملية بإنتاج أيديولوجيا تبدو محايدة.
وظيفة التنظيم الاقتصادي والأخلاقي:
لا تقتصر الدولة على الحفاظ على النظام، بل تشارك في تنظيم الإنتاج، وتشكيل "الإرادة الجماعية"، وإنتاج نوع معين من الإنسان يتوافق مع متطلبات النظام الرأسمالي. هذا ما يسميه غرامشي "الإصلاح الأخلاقي".
وظيفة التوازن بين القوة والموافقة:
تختلف نسبة هذا التوازن حسب السياق التاريخي. في المجتمعات الشرقية (كروسيا 1917) كان المجتمع المدني ضعيفًا، فكانت حرب المناورة كافية. أما في الغرب، فالمجتمع المدني "متين كالصخر"، مما يتطلب حرب مواقع طويلة الأمد داخل الدولة الواسعة.
الدولة الواسعة والمثقف العضوي
يحتل المثقف العضوي مكانة مركزية في هذه النظرية. فهو ليس خارج الدولة، بل جزءًا عضويًا منها. المثقفون العضويون للطبقة الحاكمة يعززون الهيمنة، بينما يسعى مثقفو الطبقات التابعة إلى تفكيك هذه الهيمنة وبناء دولة واسعة مضادة.
دور المثقف العضوي داخل الدولة الواسعة:
كشف آليات الاختراق بين المجتمع السياسي والمدني.
بناء استقلالية نسبية للمجتمع المدني كمقدمة لبناء كتلة تاريخية جديدة.
تحويل المجتمع المدني من أداة هيمنة إلى ساحة للهيمنة المضادة.
الدولة الواسعة والتحول الثوري
تؤدي نظرية الدولة الواسعة إلى استنتاج استراتيجي حاسم: لا يمكن تحقيق الثورة بمجرد الاستيلاء على السلطة السياسية (الدولة الضيقة). يجب تفكيك الدولة الواسعة من الداخل، أي بناء هيمنة مضادة داخل المجتمع المدني أولاً، ثم إعادة تشكيل الجهاز السياسي.
الدولة الجديدة التي يتصورها غرامشي ليست مجرد دولة بروليتارية قسرية، بل دولة واسعة متكاملة تعتمد على الموافقة النشطة للغالبية، وتتجه نحو "انحلال الدولة" التدريجي (في المعنى الماركسي) عندما يصبح المجتمع المدني والسياسي وحدة عضوية حقيقية يشارك فيها كل فرد.
أبعاد حقوقية في نظرية الدولة الواسعة
من منظور حقوقي، تكشف الدولة الواسعة عن الطابع الشكلي للحقوق في النظام الليبرالي. الحقوق (حرية التعبير، التجمع، المشاركة) تُمنح داخل المجتمع المدني، لكنها تبقى محكومة بالهيمنة الطبقية. لذا، لا تكون الحقوق حقيقية إلا عندما تتحول إلى أدوات لإعادة بناء الدولة الواسعة على أسس جديدة.
الاستقلالية النسبية للمجتمع المدني داخل الدولة الواسعة تصبح شرطًا لحماية الحقوق الجوهرية، وليس مجرد ضمانة شكلية. كما أن بناء هيمنة مضادة يعني ممارسة الحقوق كقوة مادية تغير علاقات السلطة، لا كحقوق فردية معزولة.
يدرك غرامشي أن الدولة الواسعة ظاهرة تاريخية قابلة للتحول. من التحديات:
خطر "الدولاناتية" حيث يبتلع المجتمع السياسي المجتمع المدني.
صعوبة الحفاظ على التوازن بين القسر والموافقة في مرحلة انتقالية.
إمكانية امتصاص الدولة القائمة لعناصر المعارضة.
رغم ذلك، تبقى النظرية مرنة وقادرة على تفسير ظاهرة الدولة في العصر الرأسمالي المتأخر، حيث تتداخل الشركات العابرة والإعلام الرقمي والدولة في شبكة معقدة من الهيمنة.
هكذا تمثل نظرية الدولة الواسعة عند غرامشي نقلة نوعية في الفكر السياسي الحديث. هي ليست مجرد تحليل، بل دعوة لإعادة التفكير في طبيعة السلطة والمقاومة. تؤكد أن الصراع الحقيقي ليس على الدولة فقط، بل داخلها وعبرها، في كل نسيج المجتمع. في عصرنا الحالي، حيث تتوسع الدولة الواسعة لتشمل المنصات الرقمية والمنظمات الدولية والثقافة الاستهلاكية، تبقى هذه النظرية أداة تحليلية حية. تدعو إلى بناء دولة واسعة مضادة تعتمد على المشاركة الواعية، وتتجاوز الانفصال بين الحاكم والمحكوم، نحو مجتمع يدير نفسه بنفسه بطريقة ديمقراطية حقيقية. بهذا تظل نظرية غرامشي للدولة الواسعة شهادة على عبقرية تفكير ديالكتيكي يجمع بين النظرية والممارسة، وبين التحليل العلمي والالتزام التحرري.
خاتمة:
في عالم يشهد تزايد سيطرة الدولة على الفضاءات العامة، أو سيطرة الشركات العابرة على الفضاءات الرقمية، يظل دفاع غرامشي عن استقلالية المجتمع المدني ذا صلة حيوية. المثقف العضوي اليوم هو الذي يدافع عن استقلالية المنصات الرقمية، والجمعيات البيئية، والحركات الاجتماعية، كساحات لبناء هيمنة مضادة. من منظور حقوقي، يقدم غرامشي رؤية متكاملة: الحقوق ليست هبات من الدولة، بل مكتسبات يُناضل من أجلها داخل المجتمع المدني المستقل. استقلالية هذا المجتمع هي الشرط لتحقيق الديمقراطية الجوهرية، حيث يصبح كل إنسان مثقفاً عضوياً بطريقته، قادراً على فهم موقعه في التاريخ وتغييره. في زمن الهيمنة الرأسمالية العالمية الجديدة (الإعلام الرقمي، الثقافة الاستهلاكية، الشركات العابرة للقوميات)، يظل مفهوم الهيمنة المضادة أداة تحليلية قوية. يساعد على فهم كيف تُبنى الموافقة اليوم عبر الخوارزميات والترفيه والخطاب "الحيادي"، وكيف يمكن مواجهتها ببناء فضاءات بديلة (منصات مستقلة، حركات اجتماعية، ثقافة مضادة). الهيمنة المضادة ليست عودة رومانسية إلى الماضي، ولا رفضاً لكل ما هو موجود، بل نقداً جذرياً يستوعب الإنجازات التاريخية ويتجاوزها. هي دعوة مستمرة لتحويل "المشاعر" الشعبية إلى "عقل جماعي" منظم، قادر على إنتاج مجتمع يتجاوز الانفصال بين الحاكم والمحكوم، ويحقق الحرية كممارسة واعية مشتركة. بهذا المعنى، يبقى مفهوم الهيمنة المضادة ليس نظرية مكتملة، بل منهجية حية للفهم والفعل: فهم آليات السيطرة الثقافية، وبناء البدائل العضوية داخل نسيج المجتمع نفسه. لا يتجاهل غرامشي أن المجتمع المدني يمكن أن يصبح أداة للهيمنة القائمة إذا لم يُنظّم من قبل مثقفين عضويين. الاستقلالية النسبية هي ساحة صراع، لا ملاذ آمن. الطبقة الحاكمة تسعى دائماً لاختراقه عبر الإعلام والتعليم والمنظمات غير الحكومية المسيطر عليها. لذا، يؤكد المثقف العضوي على ضرورة "الانضباط" الداخلي والتنظيم الواعي للحفاظ على استقلالية حقيقية. من الزاوية الحقوقية، يبرز هنا التوتر بين الحقوق الفردية والجماعية. الحقوق لا تكون فعالة إلا إذا ارتبطت بممارسة جماعية منظمة. الاستقلالية المجتمعية المدنية تحول الحقوق من ضمانات قانونية شكلية إلى قوى مادية تغير علاقات القوة. فما أهمية الدفاع الغرامشي عن المجتمع المدني في العصر الراهن؟
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خصائص الديمقراطية الجديدة عند ماو تسي تونغ وشروط تحرر الشعوب ...
- كيف نقرأ الفلسفة الغربية بنظارات معاصرة ضمن مقاربة ما بعد كو ...
- مفارقة الحداثة من سؤال الإنسان إلى تحويله إلى موضوع للمعرفة ...
- إعادة الاعتبار للتراث وفق المقاربة الهرمينوطيقية الفلسفة وال ...
- علاقة العدالة بالمنفعة في الأنظمة الاقتصادية الراهنة من خلال ...
- واقع العمل الانساني بين الوساطة الافتراضية والقيمة الانتاجية ...
- كونية فعل التفكير الفلسفي وخصوصية بناء النسق الفلسفي، مقاربة ...
- ماذا يجب علينا أن نفعل؟
- مفهوم الحكمة الصينية، ماو تسي تونغ نموذجا، مقاربة فلسفية مار ...
- أزمة القيم في الحياة الراهنة بين الغايات المطلقة ونسبية الوس ...
- الرشدية بين التقدم والاستفاقة وبين التبعية والاستنساخ
- طرق الخروج من النسق الرأسمالي الشرس
- ظاهرة تغيير الوجهة السياسية والفكرية وتبديل الانتماءات عند ا ...
- فلسفتنا وتأثيراتها في الحياة المجتمعية ومقارنتها مع الحكمة ا ...
- أساليب تغيير العالم الاجتماعي بين العلوم الإنسانية والفلسفة ...
- تفعيل نظرية صدام الحضارات بين الغرب والشرق
- التناقض التام بين النمط العولمي المتوحش وبين المشروع المقاوم ...
- العلاقة بين الفقهاء والساسة بين اللاهوت والفلسفة، مقاربة تجد ...
- قراءة في مؤتمر اتحاد العام التونسي للشغل بين تدارك مواطن الخ ...
- القضايا الأولى والمبادئ التأسيسية للفلسفة الاغريقية، مقاربة ...


المزيد.....




- برعاية أممية.. اتفاق بين الحوثيين والحكومة اليمنية لإطلاق سر ...
- البرلمان العراقي يمنح الثقة للزيدي وواشنطن وطهران ترحبان
- -بأشد الإجراءات-.. نتنياهو يعلن الحرب على نيويورك تايمز
- 4 شهداء بقصف إسرائيلي على شمال غزة
- حرب إيران مباشر.. استهداف كريات شمونة بالصواريخ وإسرائيل تتأ ...
- إسرائيل تتوعد لبنان وتلجأ للأسلاك الشائكة لمواجهة مسيّرات حز ...
- لعبة الوقت والمصالح.. 3 مسارات تتنبأ بمستقبل الملاحة في مضيق ...
- أزمة مضيق هرمز.. صراع الإرادات بين الجمود الدبلوماسي وخيار ا ...
- زخم متزايد لإزاحة ستارمر.. ماذا يحدث في بريطانيا؟
- قصة مونيكا ويت.. عميلة أميركية سابقا و-جاسوسة لإيران- حاليا ...


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - زهير الخويلدي - دفاع أنطونيو غرامشي عن استقلالية المجتمع المدني من زاوية المثقف العضوي