أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الإنسان بين العقل والروح: صراع النقص⚖والبحث عن المعنى …














المزيد.....

الإنسان بين العقل والروح: صراع النقص⚖والبحث عن المعنى …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 20:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ هناك صراعٌ دائم بين الإنسان وما يختبئ داخله؛ بين من يقف خلف الباب ومن يقف أمامه ، وليس المقصود هنا بابًا ماديًا بقدر ما هو ذلك الحاجز الفاصل بين نقاء العقل واتساخه ، وبين صفاء الروح وضجيج العالم ، فمنذ اللحظة الأولى لوجوده ، يدخل الإنسان في مواجهة مفتوحة مع نقصه الوجودي ، ذلك النقص الذي لا يفارقه منذ الطفولة وحتى الموت ، ويظل القوة الخفية التىّ تدفعه نحو البحث المستمر عن الاكتمال .

فالإنسان ، بخلاف معظم الكائنات ، يولد ضعيفًا وعاجزًا ، محتاجًا إلى الرعاية والاحتضان لفترة طويلة ، وكأن الطبيعة أرادت أن تزرع داخله شعورًا دائمًا بالحاجة ، وهذه الحقيقة لا تتعلق فقط بالضعف البيولوجي ، بل تمتد إلى البنية النفسية والعقلية أيضًا ؛ إذ يعيش الإنسان حياته مدفوعًا بالرغبة في تعويض ما ينقصه ، سواء عبر التعلم أو المعرفة أو التجربة أو حتى السعي إلى النفوذ والسلطة ، ولهذا لم يكن البحث عن المعرفة ترفًا فكريًا ، بل ضرورة وجودية تحاول من خلالها الذات البشرية تقليص مساحة الجهل والعجز والخوف ، ومن هنا يمكن فهم سرّ إصرار الإنسان على مقاومة الهزيمة. فعقله ، رغم هشاشته ، لا يستسلم ببساطة ، وإرادته تبدأ مبكرًا منذ محاولته الأولى للنهوض والمشي بعد الحبو ، إنها غريزة تجاوز النقص ، والرغبة الدائمة في كسر الحدود التىّ يفرضها الجسد أو الواقع أو الظروف ، ولهذا تبدو التجارب الإنسانية الأكثر إلهامًا هي تلك التىّ ينجح فيها المرء في تحويل ضعفه إلى قوة ؛ كأن يتحول من يعاني إعاقة جسدية إلى رياضي محترف ، أو من يواجه عجزًا نفسيًا أو لغويًا إلى شخصية قادرة على الحضور والتأثير .

غير أن هذه الإرادة ليست ثابتة دائمًا ؛ فكما يندفع الإنسان نحو الحياة ، قد تدفعه صدمة قاسية أو خيبة عميقة إلى التراجع والانغلاق والعزلة ، وهنا تظهر المفارقة الكبرى في الطبيعة البشرية : فالإنسان مهيأ فطريًا للحركة نحو المستقبل ، لكنه في الوقت ذاته قابل للانكسار أمام التحولات العنيفة التىّ تعصف بوعيه أو روحه .

وعندما يبدأ الإنسان رحلته في البحث عن المعنى ، يجد نفسه أمام طريقين متوازيين ، الأول هو طريق العقل ، الذي تؤمن به المدارس الفلسفية القائمة على المنطق والتجربة والبرهان ، حيث تصبح الحقيقة مرتبطة بما يمكن إثباته وقياسه وتحليله ، وفي هذا المسار ، يتحول العقل إلى المرجعية العليا ، حتى وإن جاء ذلك أحيانًا على حساب الحدس الإنساني والمشاعر ، أما الطريق الثاني ، فهو الطريق الروحي الذي ينطلق من الإيمان بأن العقل ، مهما بلغ من القوة ، يبقى محدودًا أمام اتساع الوجود وتعقيداته. ولذلك يرى أصحاب هذا الاتجاه أن بعض الحقائق لا تُدرك بالبرهان وحده ، بل بالتأمل والوجدان والتجربة الداخلية ، ومن هنا جاءت التجارب الصوفية التىّ حاولت التحرر من ضجيج العالم عبر العزلة والذكر والرقص الروحي ، باعتبارها وسائل لتطهير النفس والاقتراب من جوهر الحياة حتى لو كان هذه الأساليب غير مقبولة عند الآخرين .

وقد تجلّى ذلك بوضوح في التجربة المولوية المرتبطة بالمتصوف الشهير جلال الدين الرومي ، حيث يتحول الرقص الدائري إلى حالة رمزية من الانفصال عن ثقل المادة والسعي نحو الانسجام الداخلي ، فالعزلة لدى كافة الاتجاهات ليست هروبًا من الحياة ، بل محاولة لحماية الروح من التلوث الأخلاقي وضجيج العلاقات البشرية ، بينما يصبح الذكر والرقص وسيلة لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه والعالم .

وفي خضم هذا الجدل الطويل بين العقل والروح ، تبدو أزمة الإنسان المعاصر أكثر تعقيدًا ؛ إذ إن الحضارة الحديثة ، رغم تفوقها العلمي والتقني ، بالغت في تمجيد العقل الأداتي القائم على المنفعة والسيطرة ، مقابل تراجع البعد الروحي والأخلاقي ، ونتيجة لذلك ، اتسعت حالة الاغتراب الداخلي ، وأصبح الإنسان أكثر قدرة على فهم العالم الخارجي ، لكنه أقل قدرة على فهم ذاته أو التصالح معها .

وفي المحصلة ، يبدو الإنسان معلقًا بين حقيقتين متناقضتين : حاجته العميقة إلى العقل ، وعجز هذا العقل عن تفسير كل شيء ، وبين هذين الحدّين تتشكل رحلته في المعرفة ؛ معرفة تُكتسب بالمعلومات والخبرة ، وأخرى تُولد من الاحتكاك المباشر بالحياة ، وثالثة تبقى عصية على اللغة والتفسير ، ولا يمكن الاقتراب منها إلا بالصمت .

فالإنسان لا يعيش لأنه امتلك الحقيقة ، بل لأنه لا يتوقف عن مطاردتها … والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرهاب بين ذاكرة الأسلاف والاشتراط النفسي😤 قراءة في ...
- ترمب، إسرائيل، وتركيا:حاملة مقاتلات🚢كقوة في الشرق ال ...
- الحقيقة العارية ومدارس الكذب 🤥 الانسان…
- الذاكرة الروسية🇷🇺بين إرث النصر وتحولات الدول ...
- الحروب الجديدة: حين تتحوّل الجامعات🏫إلى مصانع للأسلح ...
- بين الاغتيال والردع النووي:العالم في مواجهة الحضارة الداروين ...
- العائلة بين عبث البدايات وقلق منتصف العمر - تأملات🧎ف ...
- تحوّلات القوة العالمية🌍:من منطق البدايات إلى تعقيدات ...
- بين جماهيرية الفن وسلطة الخطاب: شاكيرا💃، مارادونا ...
- بين حدِّ الألم وأفق المعنى🤦‍♂:تأملات في النفس ...
- مضيق هرمز بين سرديات الحرب ومآلات القوة:قراءة📕في منط ...
- وهم🙆‍♂السيطرة في زمن الأزمات: اقتصاد يترنّح وس ...
- بين العقل والمطلق:جدل 🤷‍♂الإنسان في مرايا المع ...
- من وهم الانتماء إلى كسل العقل🧠: رحلة الضجر الصامت …
- على حافة التصعيد: الإقليم بين اشتباك الإرادات وتبدّل المعادل ...
- العولمة وتحوّلات الوعي الحضاري بين المفارقة والهوية🆔 ...
- بين إصلاح الداخل وهواجس الإقليم: كيف يتحول⚙ المشهد الع ...
- تحولات الطاقة والجغرافيا السياسية: الشرق الأوسط على مفترق اس ...
- بين استنزاف القوة ووهم الانتصار: قراءة📖سياسية في مأز ...
- بين استنزاف الحروب وتآكل النفوذ:هل أصبحت الولايات المتحدة نم ...


المزيد.....




- الإمارات تنفي ما يتم تداوله بشأن -زيارة نتنياهو أو استقبال و ...
- نتنياهو زار الإمارات سرا خلال الحرب مع إيران والتقى بن زايد ...
- سويسرا تبحث عن بديل أوروبي أو آسيوي لـ-باتريوت- الأمريكي
- طفل تونسي يتوج بطلا عالميا للحساب الذهني
- فرنسا تحقق في تدخل شركة إسرائيلية بالانتخابات المحلية
- مكتب نتنياهو يكشف قيامه بـ-زيارة سرية- إلى الإمارات خلال الح ...
- قرقاش: العلاقات العربية الإيرانية -لا يمكن أن تُبنى على المو ...
- ترامب يصل الصين في زيارة نادرة، وملفات التجارة وإيران وتايوا ...
- -لا ترقى الى المعايير الدولية-.. فولكر تورك يطالب إسرائيل بإ ...
- فنزويلا الولاية 51.. -أمريكا أولا- تتوسع نفطيا


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الإنسان بين العقل والروح: صراع النقص⚖والبحث عن المعنى …