عهد صوفان
الحوار المتمدن-العدد: 3180 - 2010 / 11 / 9 - 17:11
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
شخصنة الله بالمكان والزمان. حدٌّ من مقدرته...
دأبت كل الديانات على تقديم الله كإلهٍ خالقٍ قويّ عالمٍ بكلّ شيء... رسمت له صفات الكمال المطلق والقدرة المطلقة في كل شيء. ولمَ لا؟ وهو الخالقُ الواجد. المحيي والمميت...تفنن المؤمنون في إطلاق الأوصاف على الله لدرجة بدؤوا يصفونه بالماكر .. الخادع .. القاتل .. الغاضب .. ربّ الجنود .. المقاتل .. المميت وبآيات صريحةٍ رسمت هذه الصورة عن الله. دخلت هذه الصفات إلى جانب صفات: المحبّ .. المحي .. الخالق .. القادر ..الرحيم..
صفاتُ الله جمعت المتناقضات في اللفظ والمعنى واختلفت من دينٍ إلى دينٍ آخر. هو الخالقُ في كلّ الأديان ولكنّه ليس واحداً بصفاته وسلوكه فيها جميعاً..الإنسان شخَّصن الله وأنزله من سمائه وربطه بالأرض زماناً ومكاناً. فكان الله يحضر في ّ لحظةٍ ما ومكان ما يقود شعبه ويوصيه وينصحه.
ليأتي في لحظةٍ أخرى ومكان آخر بوصيّة جديدة وفرض آخر مختلف...كيف يمكن لهذا الإله القادر الخالق أن يتفاعل زمنيا مع حياة البشر ويصبح جزءا منها؟. مما يتناقض وقدرته المطلقة. فالقادرُ المطلق لا يتفاعل مع الزمان والمكان ليصيرَ فيه مؤثّراً ومتأثراً.
فالله أثّر بفروضه ووصاياه بالبشر.وقادهم بموجب هذه الفروض إلى حيثُ يُريد.وتأثّر هو أيضاً بهم فهو ندمَ أكثرَ من مرة حسب نفس النصوص .وهو غضبَ منهم ( كم مرة حمي غضب الربّ على شعبه ؟ ) .وهذا جزء من التفاعل الذي بينته تلك النصوص بين الله وبين البشر. وذلك خلافا لمنطق القدرة المطلقة.الذي يقضي بأن يفعل الله ما يريد لحظياً. لأن قدرته تقتضي إظهارها لا إظهار الضعف الذي لا يتوافق وهذه القدرة.. ولتقريب المعنى وتسهيل إيصاله الفكرة.
نضرب مثلا: لو وُجدنا في مكان وزمان ما وطُلبَ منّا نحن مجموعة من البشر أن ننقل وزنا كبيراً من مكان إلى آخر...حاولنا وفكرنا وعجزنا لأن الوزن كبيرٌ يصعبُ حمله بكلّ وسائلنا...فإن تقدم كائن ما منا يوصف بالقادر ونصحنا بأن نتدبّر بطريقةٍ معينة. ففعلنا لكن لم ننجح. فنصحنا بغيرها أيضا ولم ننجح. حاول مساعدتنا هو شخصيا ولم ننجح...هذا يعني أنّ هذا القادر عاش معنا لحظة المحاولة التي فشلنا فيها. فهو تفاعل معنا وحاول معنا. والنتيجة لا نجاح...فلو كان هذا الكائن مطلق القدرة لنقل هذا الجسم بلمح البصر دون أن يتفاعل ويشاركنا لحظة المحاولة. ولكنه ولعجزه أيضا فقد فشل معنا، إن كان هو القادر لفعل وإلا هو ليس بقادر...
هنا كيف لله القادر أن يعيش معنا لحظات محاولاتنا للهروب من الموت والألم دون أن يتمكن من إنقاذنا. علما بأنه القادر المطلق..والقادر يفعل ما يريد مباشرة دون هدر للوقت والجهد ودفع الأثمان الباهظة.من منّا يختار الطريق الطويل والصعب للوصول إلى الهدف؟.الكلّ يختار أنسب وأقصر الطرق وأقلّها تعباً وضرراً وألماً. فلماذا يختار الله الطريق الأصعب والأطول والمعبّد بالضحايا والآلام؟. ولم يختار الطريق الأسهل وهو القادر؟؟..علماً أن البشر الذين خلقوا على صورة الله يفكرون باختيار الأفضل والأنسب لما يريدون. فلماذا اختار هو الأصعب؟؟..
القادر المطلق لا يتشخصن في الزمان والمكان..
القادر المطلق أسمى من أن يعيش شخصياً معنا .يساعدنا، يقاتل معنا لينصرنا. هو مالئ الزمن وواجده فكيف يدخل في تفاصيل الزمان والمكان كأنه بشر مثلنا؟!
هو دخل الزمان والمكان برسائله المختلفة التي بدّلها وحورها ونسخ بعضها لأنها لم تفلح في تحقيق ما يريد...أرسل التوراة والشريعة وعاش مع شعبه وقادهم في الصحراء أربعين سنة وقاتل عنهم ودمّر أعداءهم وسبى النساء والأطفال ودكّ المدن والحصون. ومع ذلك لم ينتصر..بقي الشيطان يمتلك ساحة المعركة. رافق الأنبياء واستمع لكل طلباتهم وكلّمهم شخصيا وبارك نسلهم ووعدهم بجنته وأرضه الموعودة ...هذا الإله الذي صُوّر كشخصٍ وقائدٍ يعيش مع جيشه وشعبه لحظةً بلحظة. وصيةً بوصية يكتب لهم بخط يده لوحي الوصايا. ألا يتعارض هذا مع صفة القدرة المطلقة التي تقول للشيء كن فيكون؟؟. كيف يكون القادر المطلق وهو يعاني مع شعبه تحقيق ما يريد؟؟..
هذا الإله عاد فتغير من رب للجنود يقاتل عن شعبه ويرهقهم بالوصايا والفروض إلى إله ينزل شخصيا إليهم.يصير إنساناً يأكل ويشرب معهم. يعلّمهم ويؤنّبهم ويثني عليهم.. رأوه بأعينهم وسمعوا صوته ولمسوا يديه.. الإله صار بشراً مثلنا.. وطلب من البشر أن يحملوا صليبه. ويحبوا بعضهم البعض..ألا تتعارض المقدرة المطلقة لله مع صيرورته بشراً ليفدي آثام البشر ويرفع خطيئة العالم؟؟..
لكن الله غيّر وبدّل برسالة أخرى في زمن آخر ومكان آخر. بدّل شعبه المختار بشعب آخر. وبدل وصاياه كلّها بوصايا أخرى. وعاد وفرض طقوساً جديدة. عاد ليكون إلهاً مقاتلاً ينصر مجاهديه ويعدهم بالغنائم والسبايا وبالحور والغلمان المخلدين في جناته.. عاد هنا ليعيش الزمان والمكان بشريعة جديدة وفروض جديدة ويطلب من المؤمنين القتال وفرض الرسالة بقوة السلاح!!!.. رافق الرسول ومقاتليه في معاركهم وغزواتهم وقاتل معهم وأيدهم بآياته قبل كل غزوة. لماذا يعيش الله لحظة الزمن كما البشر؟. ولماذا اختار المكان هذا ولم يختر ذاك المكان؟. وهو القادر المطلق..
النصوص الدينية دونت سلوك الله مع رسله ومع الشعوب التي اختارها. وما رافق ذلك من تبدّل وتغيّر في هذا السلوك. وهل يتوافق سلوك الله المدوّن في هذه الرسالات مع صفات الله المدوّنة أيضاً؟؟..
فكيف يكون عادلاً وهو اختار شعباً يكون لهم إلهاً دون الآخرين؟؟.. يساعدهم وينصرهم. يقاتل معهم وعنهم الآخرين الآمنين.. وكيف يكون رحيماً وجنوده يسبون ويحرقون مدن الآمنين يقتلون الشيوخ والرجال والأطفال وينهبون كلّ الممتلكات ويسبون النساء حلالاً ومتاعاً لرجاله المقاتلين؟؟..
كيف يكون قادراً وهو يندم لأنه أغرق الأرض بالطوفان ويعد البشر بأنه لن يغرقها ثانية وهذا عهد منه!!.
وهو يندم على الشر الذي كان سيصنعه مع شعبه لأنه رأى أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة كما جاء في يونان3: 10..
لقد تمّ تصوير الله كما البشر. فالله يغضب ويخرج الدخان من فمه وأنفه مزمور 18: 8
وهو إله الآلهة وربّ الأرباب. الإله العظيم الجبار المهيب تثنية 10: 17
والله يحارب عن شعبه إن ذهبوا للحرب تثنية 20: 1- 4 .
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ {8/9}
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ {8/12} .
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {8/17}.
إن استسلموا يكونوا عبيداً لك. وإن لم يستسلموا اضرب جميع الذكور بحدّ السيف واغنم النساء والأطفال والبهائم. تثنية 12: 14.
الله وحسب الكتب الدينية آوى وأيد المؤمنين بنصره.مدّهم بالملائكة المقاتلين. وقاتل وقتل أعداء المؤمنين. دبّ الرعب في قلوب الأعداء وهيأ لنصر مؤمنيه.. هو يعيش شخصياً مع شعبه ويتفاعل معهم في كلّ لحظة. بل يحضر إليهم إن دعوه ليحمل عنهم مصائبهم ويقتل أعداءهم!!!...
هنا نلاحظ أنّ الله دخل في الزمان والمكان وبعمق وصار جزءاً منه. وكأنه يعاني من صعوبة تحقيق ما يريد. فاضطر أن يقاتل بنفسه ويقود المعارك كقائد ميداني قريب من مقاتليه. يشجعهم ويغريهم بالغنائم والنساء.
هذا التفاعل الزمني للإله مع الأحداث ألا يظهره عاجزاً ضعيفاً غير قادر على تحقيق ما يريد؟؟..
وهذا يتجلى واضحاً في تعدد الرسالات وتغير الأساليب فيها. وكأنّ كلّ رسالة جديدة تحاول استدراك أخطاء السابقة لها!!..
إنْ كان للكون خالقٌ فهو حتماً ليس نفس الخالق الذي رسمته الكتب الدينية. فالكتب الدينية صورته ضعيفاً من حيث لا تدري. صورته يعاني مع البشر ومع الشيطان . صورته ضعيفا بطريقة الخلق التي استمرت لأيام ستة. صورته مقاتلاً حقيقياً يعدّ الجيوش ويضع الخطط ويراقب المعارك ويغري المقاتلين كي يبذلوا الجهد المضاعف وأنه سيجزيهم هو أيضاّ الثواب المضاعف!!.. بينما صفات الخالق في نفس الكتب تقول أنه يقول للشيء كن فيكون. وهو العارف والعالم والقادر. ولكن عمليا لم تُظهر هذه الديانات هذه المقدرة بل أظهرت نقيضها..
ثمّ ماذا يعني إدخال الله الموصوف بالقدرة الكلية المطلقة في المكان المحدد؟. ليختار بقعة من الأرض وقوماً دون سواهم يتابعهم ويتكلّم معهم ويرسل ملائكته باستمرار لتوصل كلامه وماذا يريد.. لماذا وقع الاختيار على مكان موصوف ليكون هدف الرسالات السماوية؟؟. إنّ تحديد المكان ينتقص من قدرة الله المطلقة التي يفترض أن تكون خارج حدود المكان. لأن قدرته تشمل الكون كلّه. فلماذا أوقف مفعول قدرته في كلّ الأماكن إلا في مكانٍ واحدٍ هو أرضنا المقدسة. هل تتوافق محدودية المكان مع لا محدودية الله؟؟..
#عهد_صوفان (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.