على مشارف التحول الاستراتيجي الكبير في مسار الحرب على ايران


صلاح السروى
الحوار المتمدن - العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 10:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

لقد أسفرت المواجهات الأخيرة بين ايران وكل من أمريكا والكيان الصهيوني عن جملة من الحقائق التي لم يعد من الممكن اخفاؤها، مهما بلغت درجات التعتيم والتضليل التي ينتهجها الاعلام العربي والغربي، معا. حيث كان توالي اطلاق الصواريخ الإيرانية وتدرجها من استخدام صواريخ قديمة بهدف استنزاف الطاقات الدفاعية من صواريخ اعتراضية يمتلكها العدو، مرورا بصواريخ متطورة قادرة على احداث نوع من الصدمة والرعب لدى العدو والاجهاز على ما تبقى من قدراته الدفاعية، وصولا الى الصواريخ الفرط صوتية الفائقة التطور، والتي تقوم بنوع من التدمير الانتقائي والجراحي لمخازن السلاح والذخيرة ومقرات القيادة والملاجئ الحصينة لكبار القادة والمسئولين.. الخ، كل ذلك يقول الى أين تتجه مجريات الحرب. ويقول أيضا أن الإيرانيين أصبحوا يمتلكون زمام الأمور فيها، وهو ما يظهر من خلال القدرة على السيطرة على حركة ميدان المعركة. حيث يمكن القول بأنهم قد تمكنوا من الانتقال السريع من وضعية رد الفعل الى وضعية المبادأة والمبادرة. وهي تلك الوضعية التي جعلت العدو يلهث وراء هجماتهم، ويبحث عن الردود الممكنة عليها.
وبصرف النظر عما يعنيه ذلك من ظهور نمط من القيادة العسكرية المتمرسة التي تقوم بإدارة العمليات الحربية وفق تخطيط ووعي عملياتي منهجي دقيق، وامتلاك رؤية شاملة للميدان ومكوناته، وقدرة فائقة على تحقيق الاستخدام الأمثل للإمكانات العسكرية المتاحة، في مواجهة أضعف نقاط القوة لدى العدو وتحييدها على الرغم من تفوقه الجوي والتكنولوجي، فلقد تمكن الإيرانيون من خلال استخدام صواريخ رخيصة الثمن ومسيرات مصنوعة من مواد بسيطة ومتاحة، (مثل الخشب والفايبر والبلاستيك)، وسهلة التعويض، وسريعة التصنيع، من تحييد أغلى الصواريخ وأعقد الرادارات. مما أدى الى تحقيق الإغراق الصاروخي والاعماء الألكتروني، من خلال ضرب الرادارات وبطاريات الباتريوت والثاد، واستنزاف ذخائرها. بينما تبقت الذخائر الإيرانية متدفقة وكأنها لا تنفذ.
كل ذلك أدى الى الانتقال من مرحلة استيعاب الضربة الأولي واحلال وتماسك القيادة، الى مرحلة الردع، وصولا الى مرحلة "الجراحة الاستراتيجية"، وهي المرحلة القائمة الآن. وتفصيل ذلك في النقاط التالية:
1- لم ترتبك القيادة الإيرانية كثيرا بعد الضربة الأولى، على الرغم من فداحة نتائجها. سواء على مستوى ضرب رأس القيادة الإيرانية من قتل للمرشد ومعه ما يقارب الأربعين من كبار قادة الجيش والحرس الثوري. فسرعان ما تمت الابدالات والاحلالات. وتحركت الآلة العسكرية بعد أقل من ساعة واحدة من نهاية الضربة الأولى.
2- تمثلت مرحلة الردع في قيام القوة الايرانية بالبدء في عملية تطهير وتأمين المجال الحيوي، المتمثل في منطقة الخليج، بما فيها العراق، من الوجود العسكري الأمريكي المؤثر، مستهدفة قوس القواعد المتواجد في أربيل وعين الأسد بالعراق شمالا ثم الى الجنوب في قاعدة على السالم بالكويت، ومقر الأسطول الخامس بالبحرين. ومن ثم قاعدة العديد بقطر ومنها الى قاعدة الأمير سلطان بالسعودية، وصولا الى قاعدة الجفير بالفجيرة في الامارات. ومن بعدهم قاعدة موفق السلطي في الأردن. وهو ما أدى الى ما يشبه التفكيك الشامل لهيكل الحماية الإقليمية بالخليج.
3- تم ضرب مصفاة (بابيكو انرجيز) في البحرين، وهي أكبر مصفاة نفطية بمنطقة الخليج، فجاء ذلك بمثابة عملية خنق لوجيستي، لعمل القوات المعدات العسكرية والقطع البحرية الأمريكية. ومن هنا وصلنا الى النتيجة المشهودة المتمثلة في السقوط المتزايد للصواريخ الاعتراضية الصهيونية دون أن تصيب أهدافها. وهو ما يعد دليلا على الانهيار الدفاعي الذي لايمكن انكاره، ليس فقط في دفاعات الكيان، ولكن فيما سبقها من دفاعات أمريكية في الخليج والعراق والأردن، على النحو الذي تم ذكره.
4- مكنت هذه المعالجة النارية الشاملة ايران من انهاك القدرات القتالية للقواعد العسكرية الأمريكية، سواء أكانت منصات صاروخية أو مطارات أو مناطق خدمات لوجستية، بالكامل، وأدت الى حرمانها من ميزة الدعم المتبادل. ولعل الأثر الفادح الذي حققه هذا التطور في العمل الاستراتيجي للقوة الإيرانية هو ما جعل العدو غير قادر على إخفاء ما حاق به من خسائر، خاصة مع دخول الصواريخ الفرط صوتية من طراز خورام شهر الانشطارية وفتاح، وهما الصاروخان اللذان يتمتعان بامكانيات تقنية ساهمت، مع عملية الاعماء وتدمير الدفاعات السابق ذكرها، في جعل عملية الاعتراض شبه مستحيلة.
5- اذا استمرت وتيرة القصف والتدمير القائمة الآن على حالها (ان لم تتصاعد، حيث أنه من المرجح أن تقوم ايران بتنشيط سلاح تحت الماء عن طريق تفعيل طوربيدات "الحوت" وصواريخ كروز التي تنطلق من غواصات "فاتح" و"غدير" لاصطياد بارجة هنا أو فرقاطة هناك، ليكون ذلك بمثابة المسمار الأخير في نعش الوجود البحري الغربي في الخليج) فقد ندخل في الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة في نوع من الانهيار الهيكلي لقدرة العدو الصهيوني، قيادة وجمهورا، متمثل في العجز عن الاحتمال هذا الكم المتصاعد من الخسائر، وبالتالي، عدم القدرة على الاستمرار في الحرب. وعندئذ ربما نكون قد وصلنا الى لحظة حرجة، في ما يتعلق بوجود الدولة الصهيونية بحد ذاتها.
خاصة أن الإيرانيين يمتلكون عدة أوراق أخرى ضاغطة بعنف على عنق العدو الصهيو أمريكي. وأبرزها ورقة الطاقة، سواء في ما يتعلق بالقدرة على منع الملاحة في مضيق هرمز، أو ما يتعلق بالقدرة على استهداف منصات الغاز في البحر المتوسط بعد أن تم بالفعل، ضرب محطة التكرير الكبرى في حيفا.
ان المعركة الآن لم تعد مجرد معركة تدمير أو قتل بل أصبحت حربا على هوية القوة التي ستهيمن مستقبلا على منطقة الخليج، وبالتالي على سوق الطاقة والاقتصاد في العالم والنفوذ في الشرق الأوسط. فاذا خرجت ايران بمن هذه الحرب دون هزيمة فقد نكون بازاء المراحل الأخيرة من تفكيك الهيمنة الغربية في منطقتنا. ولن يكون أمام الولايات المتحدة الا موقف من اثنين: فاما الإقرار بالهزيمة الاستراتيجية والخروج من المنطقة، واما مواصلة حرب استنزاف عبثية لا أهداف واضحة لها. كما أننا سنكون بإزاء وضعية نادرة من التراجع والضعف، وربما الانهيار التام، للكيان الصهيوني.