مفترق طرق تاريخي - الخيارات المؤلمة التي تواجهها أمريكا في ادارة الحرب على ايران


صلاح السروى
الحوار المتمدن - العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 00:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

مفترق طرق تاريخي ..
الخيارت المؤلمة الذي تواجهها أمريكا في ادارة الحرب على ايران
يبدو أن تداعيات الموقف العسكري في الشرق الأوسط تدفع صانع القرار الأمريكي الى مأزق يتمثل في ضرورة اختياره بين أسوأ القرارات وأكثرها خطورة بالنسبة لنفوذه في الشرق الأوسط والعالم. يتمثل هذا المأزق، ليس فقط في الصمود الإيراني وقدرته على إيقاع أذى حقيقي وكبير بالوجود الأمريكي في الخليج، وبالكيان الصهيوني في تل أبيب، فضلا عن ما تمثله عودة حزب الله بقوة غير منتظرة، وانما يتمثل هذا المأزق، كذلك، في تداعيات استمرار الحرب على مستقبل القوة الأمريكية في العالم وعلى مخططات الكيان الصهيوني في المنطقة.
ان أهم ما أسفرت عنه المجريات الأخيرة للحرب هو انكشاف القوة الأمريكية في أول مجابهة حقيقية منذ الحرب الأمريكية على العراق عام 2003. واضطرارها الى طلب العون من حلفاء كانت قد تخلت عنهم واستهزأت بهم قبل زمن وجيز، (طلبت أمريكا امدادها بطائرات مسيرة من أوكرانيا وغضبت من اسبانيا وبريطانيا لامتناعهما عن تقديم العون لها مثلما ورد في خطاب ترامب قبل الأخير). ودهوتها للميليشيات الكردية وغيرها لتشن حربا اسنادية على ايران. وهو ما يعني أن أمريكا لم تعد قادرة وحدها على الاستمرار في هذه الحرب، وتبحث عن الدعم من هنا ومن هناك، وتتسول الحلول من القاصي والداني (هناك رائحة طلب لقاءات تفاوضية في عمان مع الإيرانيين). وهنا يمكن القول بأن ما يعرف ب"قدرة الردع" لدى الولايات المتحدة في الإقليم والعالم، قد تآكلت ان لم تكن قد انهارت كليا. وعلامات هذا التآكل أو الانهيار تتمثل فيما يلي:
1- لم يعد في وسع أمريكا مواصلة الانتشار الواسع، فقواعدها وراداراتها تضرب وتخرج من الخدمة. وبوارجها وحاملات نفطها يتم تدميرها في الخليج وبحر العرب، وحاملات طائراتها تتراجع ان لم تكن قد ضربت فعليا (أتحدث عن حاملة الطائرات ابراهام لنكولن).
2- بروز حقيقة نضوب ذخائر الدفاع الجوي، وهي نوعيةمن الذخائر مكلفة ماديا ومعقدة التصنيع وبطيئة التعويض. حتى أنه قد تواترت أنباء عن جلب بعض من هذه الذخائر من جبهة شرق آسيا الى الشرق الأوسط. وهو الأمر الذي يؤدي الى انكشاف القوات الأمريكية أمام الصين وكوريا الشمالية، في حال قررا القيام بفعل ما، يتم التلويح به من زمن.
3- وقوع القوات الأمريكية في فخ انعدام أهداف قابلة للتحقيق من الحرب. فقد تم قتل المرشد ولم يتم انهيار الدولة الإيرانية. وتم تدمير كل ما أمكن من مقدرات الشعب إيراني، ولكن تبين أنه من غير الممكن التأثير على المجهود الحربي الإيراني. ومن ثم، لم يعد للحرب الأمريكية من هدف تعمل على تحقيقه. وهنا تحولت الحرب الى نوع من العبث الذي لا طائل من ورائه، سوى الاستنزاف الدائم والمتواصل للقوة المادية والبشرية للقوات الأمريكية. فضلا عن التدمير اليومي للبنى التحتية والمرافق في إسرائيل التي تعد أحد أهم المشاريع الأمريكية والغربية في العالم. فلقد عمدت ايران الى اعتماد إدارة الصراع بطريقة تستنزف طاقات الأمريكان والاسرائيليين، وتلعب على عامل الزمن الذي ليس في صالح أي منهما.
4- برهن الواقع الميداني على استحالة تحقيق الحماية الشاملة لنفط الخليج، بل ان مراكز تلك الحماية من قواعد عسكرية ومطارات ودفاعات جوية رهينة في يد القوات الإيرانية. وبالتالي أصبحت حماية نفط الخليج خارج قدرة أمريكا. وهذا أمر جلل، في حد ذاته، لأنه ينزع أية حجية أو مشروعية لوجود تلك القواعد، ومجمل المكانة الأمريكية في الخليج.
5- لقد أسفرت مجريات الحرب عن اثبات قدرة ايران على احداث شلل حقيقي في مضيق هرمز. وهو ما أدى الى تحقيق قفزة هائلة في أسعار البترول. واذا تواصل هذا الاغلاق فانه سيؤدي الى انهيار البورصات، وربما افلاس شركات وتسريح عمال، واحداث هزة هائلة في سلاسل التوريد والامداد على الصعيد العالمي. وسيكون المتضرر الأكبر منها هو بلدان الغرب كافة (أمريكا وأوربا). حيث يمكن أن يؤدي ذلك الى تفاقم معاناة مواطني تلك البلدان، مما قد يؤدي الى احتجاجات شعبية كبيرة، لا أحد يعلم النتائح المترتبة عليها.
6- هناك قوى دولية تجلس على أريكة الانتظار لتثب وثبتها الكبرى لتلتهم ما تبقى من نفوذ أمريكي تم تمزيقه واهانته: منها كوريا الشمالية، وروسيا، والصين.
7- لو تدحرج الموقف وحاولت أمريكا أو إسرائيل استخدام أي نوع من الذخائر النووية، سواء التكتيكية أو الاستراتيجية، فان باكستان لن تكون بعيدة عن الانخراط في الحرب. وعندئذ سيكون الخطر النووي سيد الموقف في الإقليم، وربما يتدحرج الى خارجه.
8- في ظل هذا التورط الأمريكي الذي لا مخرج منها يقوم الروس والصينيون برسم خرائط عالم ما بعد أمريكا. فالروس يستفيدون بقوة من غلاء البترول، كما يستفيدون من تآكل النفوذ الأمريكي في المنطقة وسيطرحون أنفسهم بديلا أكثر موثوقية وأقل عدوانية. كما أن الصين تترقب تراجع الهيمنة البحرية الأمريكية، وستعيد التأكيد على نجاعة مشاريعها الخاصة بفكرة الحزام والطريق في مواجهة طريق البهارات الهندي الذي سيلاقي الفشل في حال هزيمة النفوذ الأمريكي. وهو ما يؤدي الى مواصلة استئثار بكين على النفوذ الاقتصادي في كل من آسيا وأفريقيا. في اللحظة التي ستنكسر فيها الهيمنة الأمريكية ستعلن الصين وروسيا بداية عالم "ما بعد الدولار".
وأمام كل هذه المعطيات لا يتبقى أمام صانع القرار الأمريكي الا خيار واحد من اثنين أقلهما ضررا سيطيح بالنفوذ الأمريكي في المنطقة والعالم:
الأول: الهروب المذل والاعلان الصريح عن توقف القتال من طرف واحد، وانسحاب القوات الأمريكية من منطقة الخليج بالكامل. وهو ما سيعني اعترافا واضحا بالهزيمة مع ما يستتبع ذلك من تداعيات استراتيجية كبرى ستكون بمثابة الزلزال على صعيد توازن القوى في العالم.
الثاني: الانسحاب التدريجي والتذرع ببعض المعطيات لتخفيف حد الاشتباك تدريجيا، على نحو يحفظ ماء الوجه، ويبقي على إمكانية ضعيفة لترميم المكانة الأمريكية التي ستكون قد تضررت، فعليا، بعنف رغم كل شئ.
واذا ثبتت صحة هذا الطرح فانه من الممكن القول بأن الخيارات المتاحة أمام ترامب تتراوح بين طرفي: "المقامرة" و"الصفقة": أما المقامرة فانها تتمثل في توجيه ضربة شاملة موجعة الى ايران، ولكنها ستكون غير مضمونة النتائج، ويمكن أن تفتح أبواب الجحيم على العالم كله. أما الصفقة، وهذا ما أرجحه، فانها لن تعني سوى القبول بخرائط القوة الجديدة. والاقرار بأن زمن الاملاءات والعالم أحادي القطبية قد ولى الى الأبد.
وفي جوهر هذه الصفقة، ان تمت، ربما نكون أمام نوع من الاعتراف بنفوذ إقليمي لإيرن.