الاستعمار الثقافي من جهة مفهومه، آلياته، وتأثيراته


زهير الخويلدي
الحوار المتمدن - العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 08:02
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني     

مقدمة
"الجريمة الأساسية للاستعمار هي أنها قطعت المسارات التاريخية"
إيمي سيزير،خطاب حول الاستعمار.
الاستعمار الثقافي، أو الإمبريالية الثقافية، هو أحد أبرز الظواهر في دراسات ما بعد الاستعمار، حيث يشير إلى عملية فرض ثقافة دولة مهيمنة على ثقافات أخرى أضعف، سواء عبر الوسائط الإعلامية، التعليم، أو الاقتصاد. هذا المفهوم، الذي بلوره إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" (1978)، يرى أن الاستعمار لم ينتهِ مع الاستقلال السياسي، بل تحول إلى أشكال ثقافية تستمر في الهيمنة، مستلهماً أفكار ميشيل فوكو حول الخطاب والسلطة. الاستعمار الثقافي يتجاوز الاحتلال العسكري ليصبح "استعماراً إلكترونياً" أو "إعلامياً"، يفرض قيماً ولغة وأنماط حياة غربية، مما يؤدي إلى تآكل الهويات المحلية.
تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف المفهوم تاريخياً ونظرياً، مع التركيز على آلياته في العالم العربي، مستندة إلى نظريات سعيد وفرانز فانون وهربرت شيلر. سنناقش الأمثلة المعاصرة، مثل تأثير هوليوود والعولمة، والمقاومة الممكنة، لنخلص إلى أن الاستعمار الثقافي يمثل امتداداً للاستعمار الجديد، يهدد التنوع الثقافي في عصر الرأسمالية العالمية. فكيف تمثل الغربنة أو الأمركة شكلا من الاستعمار الجديد؟
المفهوم والأصول التاريخية للاستعمار الثقافي
"إن الحضارة التي تثبت عدم قدرتها على حل المشاكل التي خلقتها طريقة عملها هي حضارة منحطة." - إيمي سيزير،
يعرف الاستعمار الثقافي كعملية يفرض فيها مجتمع مهيمن قيمه وتقاليده ولغته على مجتمعات أخرى، غالباً عبر الإعلام والتعليم، ليحافظ على هيمنته الاقتصادية والسياسية. يعود أصله إلى الاستعمار الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث كان يُبرر الاحتلال بـ"مهمة التمدين"، كما في حملة نابليون على مصر (1798)، التي جمعت بين العلم والسيطرة. في "الاستشراق"، يصف سعيد كيف صور الغرب الشرق كـ"متخلف" و"غريب" ليبرر هيمنته، مستخدماً ثنائية "نحن/هم" التي تقلل من قيمة الثقافات الأخرى.في السياق الحديث، يرتبط بالإمبريالية الثقافية الأمريكية، كما في نظرية هربرت شيلر عن "الإمبريالية الإعلامية"، حيث تسيطر الولايات المتحدة على تدفق المحتوى العالمي عبر هوليوود وشبكات مثل سي إن إن. هذا يؤدي إلى "تزامن ثقافي" يجعل الثقافة الغربية معياراً عالمياً، مما يمحو الخصوصيات المحلية. كما يرى توماس ماكفيل الاستعمار الإلكتروني كتبعية ناتجة عن استيراد التكنولوجيا والبرمجيات الغربية، التي تحمل قيماً أجنبية.
الآليات والأدوات في الاستعمار الثقافي
"النظام الاستعماري هو نظام تم تأسيسه عن طريق العنف"
تعمل الإمبريالية الثقافية عبر آليات متعددة:
الإعلام والترفيه: انتشار الأفلام الأمريكية والموسيقى الشعبية يروج لنمط حياة فرداني واستهلاكي، كما في انتشار ماكدونالدز كرمز لـ"الأمركة".
اللغة والتعليم: فرض الإنجليزية كلغة عالمية يقلل من اللغات المحلية، مما يؤدي إلى "إزالة لغوية" وفقدان التراث.
الاستشراق كخطاب: يصور سعيد الاستشراق كأداة تنتج "الشرق" ككيان جامد ومتخلف، مما يبرر التدخل.
في العالم العربي، يتجلى في نشر اللغة الفرنسية أو الإنجليزية في التعليم، وانتشار الدراما الغربية التي تروج لقيم فردية على حساب الجماعية. كما يُرى في "الغزو الفكري" الذي يفكك الوحدة الوطنية عبر إثارة الشبهات حول المفاهيم الإسلامية.
في هذا السياق يرى فرانز فانون : أن الاستعمار، في المرحلة الأولى من الكفاح الوطني، يحاول تهدئة المطالب الوطنية من خلال الانخراط في النزعة الاقتصادية. فمنذ المطالب الأولى، يتظاهر الاستعمار بالفهم من خلال الاعتراف بتواضع زائف بأن الإقليم يعاني من تخلف خطير يتطلب جهداً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً.
التأثيرات على الهوية والمجتمعات المستعمَرة
"الاستعمار يزرع الخراب والموت والفوضى بين المستعمَرين."
يؤدي الاستعمار الثقافي إلى تآكل الهوية، حيث يصبح المستعمَر "مغترباً" عن ذاته، كما وصف فانون في "معذبو الأرض". في العالم العربي، يساهم في فقدان الثقة بالتراث، وانتشار الاغتراب الثقافي، مما يعزز التبعية الاقتصادية. أمثلة: تأثير وسائل التواصل في نشر قيم غربية، أو "الأمركة" عبر العلامات التجارية. كما يشير فرانتز فانون إلى التآكل الثقافي وفرض أيديولوجية التفوق، إلى تحوّل الثقافات إلى "عادات حركية" جامدة، وإبادة التعبير الفني، والعنف النفسي والجسدي الذي يُغيّر المُستعمَر، تاركًا ندبةً دائمة حتى بعد الاستقلال السياسي. كذلك يفرض الاستعمار تكرار التنميط الثقافي كقدر محتوم، يخدم استقراره. ونتيجةً لذلك، تصبح ثقافة المُستعمَر، التي كانت نابضةً بالحياة ومنفتحةً على المستقبل، مُنغلقةً، مُجمدةً في الوضع الاستعماري، أسيرةً لنير القمع، بعد أن سُحقت تحت وطأة القمع العسكري والاقتصادي والرمزي للمُستعمِر. حاضرةً ومُحنّطةً في آنٍ واحد، تشهد على أفرادها، وتُعرّفهم، في الواقع، دون أي سبيلٍ للطعن...
ومع ذلك، هناك مقاومة، كما في حركات النهضة العربية أو كتابات نغوغي وا ثيونغو الذي دعا إلى الكتابة باللغات الأصلية. سعيد يدعو إلى "قراءة مقاومة" للنصوص الاستعمارية، لاستعادة الرواية المحلية.
الاستعمار الثقافي في العصر المعاصر: الاستعمار الجديد
في عصر العولمة، يتحول الاستعمار إلى " الاستعمار الجديد " ثقافي، حيث تسيطر الشركات متعددة الجنسيات على الثقافة دون احتلال مباشر. جون توملينسون ينتقد النظرية لتبسيطها، مشيراً إلى "الهجنة" الثقافية التي تولد أشكالاً جديدة. ومع ذلك، يبقى التأثير الأمريكي على النزعة الامبريالية الاستعمارية مهيمناً، كما حصل مع العملية العسكرية في فينوزويلا واعتقال رئيسها مادورو المناصر للقضايا العادلة. في العالم العربي، يُرى كامتداد للاستعمار الفرنسي أو البريطاني، مع محاولات مقاومة عبر إحياء التراث أو الصناعات الثقافية.
خاتمة
"يسعى الاستعمار إلى تعزيز هيمنته واستغلاله البشري والاقتصادي. كما يسعى إلى الحفاظ على الصورة النمطية" فرانز فانون
الاستعمار الثقافي ليس مجرد ماضٍ استعماري، بل واقع مستمر يهدد التنوع الثقافي، مستخدماً الإعلام والتكنولوجيا للحفاظ على الهيمنة. نظرية سعيد تكشف كيف ترتبط المعرفة بالسلطة، داعية إلى مقاومة فكرية تستعيد الروايات المحلية. في عالم 2026، مع انتشار الذكاء الاصطناعي، يتطلب الأمر وعياً نقدياً للحفاظ على الهويات، نحو عولمة عادلة تحترم الاختلافات الثقافية. هذه الدراسة تؤكد أن مواجهة الاستعمار الثقافي تبدأ بإعادة بناء الذات الحضارية، لتحقيق تحرر حقيقي. فألا يجب مقاومة الاستعمار الجديد بكل الأساليب الممكنة من أجل ضمان حقوق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها؟
كاتب فلسفي