الأسباب الواقعية والمسؤولية التاريخية لفلسفة الفعل ومطلب التغيير


زهير الخويلدي
الحوار المتمدن - العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 09:01
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم     

مقدمة
تشكل فلسفة الفعل، أو ما يُعرف بـ"البراكسيس" في السياق الماركسي، محوراً أساسياً في الفكر الفلسفي الحديث، حيث تربط بين النظرية والممارسة العملية لتحقيق التغيير الاجتماعي. هذه الفلسفة، التي طورها كارل ماركس كرد فعل على الفلسفة التأملية، تؤكد على أن الفلاسفة لم يقتصروا على تفسير العالم فحسب، بل يجب أن يساهموا في تغييره. في هذه الدراسة، سنستعرض الأسباب الواقعية لهذه الفلسفة، المتمثلة في الشروط المادية والتناقضات الاجتماعية، والمسؤولية التاريخية التي تقع على عاتق الطبقات الاجتماعية، خاصة البروليتاريا، لتحقيق مطلب التغيير. سنعتمد مقاربة عمومية جذرية، تركز على الربط الجدلي بين السببية والغائية، مستندين إلى النصوص الماركسية والتطورات اللاحقة لدى مفكرين مثل جورج لوكاتش وأنطونيو غرامشي. تهدف الدراسة إلى توضيح كيف تحولت البراكسيس إلى أداة لنقد الرأسمالية ودعوة للثورة، مع التمييز بين التحديد الاقتصادي والفعل البشري. ما هو الفعل؟ وكيف يكون تغييرا عموميا جذريا ؟ ولماذا نفعل ذلك؟ وكيف نفسر ما نقوم به من افعال؟ وهل نحتمل مسؤولية ذلك بشكل كامل؟
نشأة البراكسيس كفلسفة للفعل العملي
تعود أصول فلسفة الفعل إلى كارل ماركس، الذي طورها في أعماله المبكرة مثل "المخطوطات الاقتصادية والفلسفية لعام 1844"، كرد على الفلسفة الهيجلية والفيورباخية. يرى ماركس أن البراكسيس هي النشاط الواعي والحر الذي يحول الطبيعة والذات الإنسانية في سياق اجتماعي، مجسداً جوهر الإنسان كـ"كائن نوعي". هذا النشاط يجمع بين الفردية والاجتماعية، ويسمح بالتحقق الذاتي، لكنه يتعرض للاغتراب تحت الرأسمالية حيث يصبح قوة العمل سلعة. في "الأطروحات حول فيورباخ"، يؤكد ماركس على أن "الفلاسفة لم يفعلوا سوى تفسير العالم بطرق مختلفة؛ والنقطة هي تغييره"، مما يحول الفلسفة من تأمل إلى أداة للتغيير. طور جورج لوكاتش هذا المفهوم في "التاريخ والوعي الطبقي" (1919-1923)، حيث ربط البراكسيس بالنقد الثوري للرأسمالية، معتبراً أن الاغتراب يؤدي إلى "التشيؤ"، حيث تتحول العلاقات الاجتماعية إلى أشياء تخضع لقوانين شبه طبيعية.
البراكسيس كربط بين النظرية والممارسة
تؤكد فلسفة الفعل على الوحدة الديالكتيكية بين النظرية والممارسة، حيث ترفض الرومانسية المعارضة للعقل والعاطفة، وتقدم نقداً ديالكتيكياً للعقلانية الشكلية. يرى ماركس أن التغيير يتطلب تدخلاً واعياً في الشروط المادية، بينما يوسع غرامشي وباولو فريري هذا المفهوم في التعليم، معتبرين البراكسيس أداة لتحويل العلاقات الاجتماعية.
الشروط المادية والتناقضات الاجتماعية
ترتكز الأسباب الواقعية لفلسفة الفعل على المادية التاريخية، حيث يحدد القاعدة الاقتصادية – علاقات الإنتاج المتوافقة مع تطور القوى الإنتاجية المادية – البنية الفوقية القانونية والسياسية والاجتماعية. يؤدي التناقض بين القوى الإنتاجية وعلاقات الإنتاج إلى ثورات اجتماعية، حيث تصبح العلاقات قيوداً. هذا ليس تحديداً اقتصادياً صارماً، بل يعترف بالتفاعل بين القاعدة والبنية الفوقية، مع اعتبار التكنولوجيا عنصراً داخلياً مشكلاً بالعلاقات الاجتماعية. في "رأس المال"، يصف ماركس المجتمع الشيوعي كـ"مجتمع من الأفراد الأحرار، يقومون بعملهم بوسائل الإنتاج المشتركة"، حيث يذوب التناقض بين العمل الفردي والجماعي.
الاغتراب والتشيؤ كأسباب جذرية
يؤدي الاغتراب تحت الرأسمالية إلى تحول المنتجات إلى قوى تسيطر على المنتجين، مما يولد تناقضاً بين الذات والموضوع يحل عملياً فقط. يعمم لوكاتش التشيؤ كأزمة ثقافية، مستمداً من عقلانية فيبر، حيث يفرض العقل الشكلي نفسه اجتماعياً، ممتداً من الاقتصاد إلى الحياة بأكملها.
دور البروليتاريا في المسؤولية التاريخية
تقع المسؤولية التاريخية على الطبقات الاجتماعية، خاصة البروليتاريا كـ"طبقة ذات سلاسل جذرية"، لتحرير نفسها والمجتمع من خلال تنظيم الشروط على أساس الحرية الاجتماعية. يؤكد ماركس أن التحرر يمر عبر الطبقات حتى يصل إلى الطبقة التي تحقق الحرية الاجتماعية دون شروط خارجية عن الإنسان.
هذه المسؤولية تمتد إلى الأجيال المقبلة لحل التناقضات ما بعد الرأسمالية، مع الاعتماد على الفعل الواعي لتجاوز النتائج غير المقصودة للأفعال.
مطلب التغيير كدعوة ثورية
يطالب التغيير بتحويل جذري من خلال الفعل الواعي لإعادة تشكيل الوعي وتحقيق التغيير الحقيقي. يرفض ماركس الإصلاحات البرجوازية، مفضلاً دكتاتورية ديمقراطية للبروليتاريا لإجبارية التحول. في "حول المسألة اليهودية"، يعيد تعريف التحرر كإعادة امتصاص المواطن المجرد في الإنسان الحقيقي. يربط لوكاتش الثورة بتجاوز التشيؤ، حيث يصبح الوعي الطبقي للبروليتاريا موضوعاً-ذاتاً متطابقاً، يحل التناقضات عملياً.
المنهج الجذري في ربط السببية والغائية
تجمع المقاربة الجذرية بين السببية (الضرورة المادية) والغائية (الفعل الغرضي البشري)، حيث يعمل الفعل الإنساني تحت الضرورات المادية لكنه يسمح بالتحول. التاريخ ليس تطوراً خطياً، بل عملية ديناميكية من الاتجاهات العامة والمعاكسة، مع التركيز على استقلالية الاقتصاد تحت الرأسمالية. ترفض هذه المقاربة التحديد الاقتصادي الصارم، معترفة بالوكالة البشرية في تجاوز الاغتراب من خلال البراكسيس الجماعية.
النقد الثوري والتحديات المعاصرة
تنتقد المقاربة الجذرية الفلسفة التقليدية كعرض للتناقضات الثقافية، مطالبة بتجاوزها عملياً في الحياة الاجتماعية. في السياق المعاصر، تظل البراكسيس أداة لنقد الرأسمالية، مع التركيز على الثورة الثقافية والتعليمية كما عند غرامشي وفريري.
خاتمة
تكشف هذه الدراسة أن فلسفة الفعل، من خلال أسبابها الواقعية والمسؤولية التاريخية، تمثل دعوة جذرية للتغيير الاجتماعي، تربط النظرية بالممارسة لتجاوز الاغتراب والاستغلال. المقاربة العمومية الجذرية تؤكد على الدور الثوري للبروليتاريا، مع الحاجة إلى تكييفها مع التحديات المعاصرة لتحقيق مجتمع حر ومتساوٍ. يبقى التحدي في منع تحول هذه الفلسفة إلى دوغما، مع التركيز على الفعل الواعي لتحقيق التحرر الإنساني. فماهي الشروط المادية لإحداث تغيير جذري يحقق نقلة حضارية نوعية؟
كاتب فلسفي