أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - طلال الربيعي - التحليل النفسي وعلم الأعصاب الحديث 123















المزيد.....


التحليل النفسي وعلم الأعصاب الحديث 123


طلال الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 20:43
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


هذه هي الحلقة 123 من سلسلة "التحليل النفسي وتطبيقاته المعرفية".
----------
مقدمة
قد يكون لعلم الأعصاب الحديث والتحليل النفسي قواسم مشتركة أكثر مما يدركه الكثيرون، وفقًا لدراسة جديدة نُشرت في مجلة "Entropy" المتخصصة في علم الأعصاب الإدراكي.
Freud’s Model of the Mind Within a Predictive Processing Neuroscientific Paradigm
https://www.mdpi.com/1099-4300/28/3/318

يجادل الباحثون في مقالهم بأن النموذج السائد اليوم لوظائف الدماغ يشارك أوجه تشابه لافتة مع أفكارٍ تعود إلى سيغموند فرويد، والتي طوّرها علماء التحليل النفسي لأكثر من قرن. ويشيرون إلى أن الجمع بين هذين المنظورين قد يُفضي إلى فهمٍ أشمل لكيفية عمل العقل البشري.

ويتمحور هذا التشابه حول نموذج التنبؤ، أحد النظريات المهيمنة في علم الأعصاب الحديث. ووفقًا لهذا النموذج، يُولّد الدماغ باستمرار تنبؤاتٍ حول ما سيحدث لاحقًا، ثم يُحدّث هذه التنبؤات بمقارنتها بالمعلومات الحسية الواردة. ويعتقد العلماء أن هذه العملية المستمرة تُسهم في تشكيل الإدراك والسلوك والتنظيم العاطفي.

ويؤكد الباحثون إريك ستانيكه، وبينديك هوفيت، ولين إندريفول ستانيكه، وزملاؤهم من قسم علم النفس، أن هذا الإطار يُشابه إلى حدٍ كبير أفكار التحليل النفسي الراسخة حول كيفية تجربة الناس للعالم وتفسيره.

على مدى أكثر من 130 عامًا، طوّر التحليل النفسي نظريات نفسية حول كيفية حدوث التنبؤات على المستوى الذاتي، وهو ما يدرسه علم النفس العصبي المعرفي الآن على المستوى الفيزيولوجي.

التنبؤات، والإسقاطات، والتجربة الإنسانية
يقول الباحثون إن علم الأعصاب والتحليل النفسي يصفان العديد من العمليات العقلية الأساسية نفسها، ولكن من منظورين مختلفين. يركز علم الأعصاب على الآليات البيولوجية والحسابية داخل الدماغ، بينما يدرس التحليل النفسي كيفية تجربة هذه العمليات من وجهة نظر الشخص.

ومن الأمثلة على ذلك مفهوم الإسقاط في التحليل النفسي، والذي يراه الباحثون وثيق الصلة بعمليات التنبؤ في الدماغ.

يقول احد مؤلفي الدراسة, ستانيكه: "عندما ننسب صفات أو نوايا أو مشاعر إلى الآخرين، يُشكّل دماغنا تجربتنا للعالم بما يتماشى مع التوقعات الراسخة".

ووفقًا للباحثين، تؤثر تفاعلاتنا السابقة مع الآخرين تدريجيًا على ما نتوقعه من العلاقات والمواقف المستقبلية.

يتوافق هذا مع التمييز العصبي بين تغيير المرء لتوقعاته، أي الاستدلال الإدراكي، ومحاولة جعل العالم يتوافق معها، أي الاستدلال الفعال.

توقعات الدماغ والاضطرابات النفسية
تسلط الورقة البحثية الضوء أيضًا على تشابه مهم آخر. فكل من علم الأعصاب التنبؤي ونظرية التحليل النفسي يصفان العقل كنظام يسعى إلى الاستقرار والقدرة على التنبؤ، والمعروف أيضًا بالتوازن الداخلي، وهو حالة من التوازن النفسي.

في نموذج الدماغ التنبؤي، يتحقق هذا الاستقرار عن طريق تقليل عدم اليقين, اي تقليل الانتروبي في نظرية المعلومات للعالم كلود شانون.
INFORMATION: THEORY, BRAIN, AND BEHAVIOR
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC5226236/
يحاول الدماغ باستمرار جعل العالم أسهل فهمًا بالاعتماد على التوقعات الموجودة.

يقول ستانيكه: "يشير المحللون النفسيون إلى ميل العقل إلى إعادة إنشاء أنماط العلاقات المألوفة، حتى عندما تكون هذه الأنماط غير ملائمة".

ويعتقد أن هذا التداخل بين المجالين قد يوفر طرقًا جديدة قيّمة لفهم الاضطرابات النفسية.

ويضيف ستانيكه: "قد تكون الأعراض الجامدة والمستمرة، مثل الأفكار الارتيابية أو الصوت الناقد الداخلي، نماذج تنبؤ مستقرة ولكنها غير مرنة للغاية".

"على سبيل المثال، قد يتوقع بعض الأشخاص تلقائيًا النقد أو الرفض أو العداء من الآخرين، وبالتالي يفسرون المواقف من خلال هذه العدسة رغم أن الواقع لا يبرر ذلك."

ووفقًا للباحثين، يمكن لهذه النماذج الذهنية الراسخة أن تستمر لأنها تقلل من عدم اليقين، حتى وإن كانت تشوه أيضًا كيفية إدراك الواقع. من هذا المنظور، يساعد كل من التحليل النفسي وعلم الأعصاب التنبؤي في تفسير سبب استغراق التغيير النفسي الدائم وقتًا طويلًا.

ويضيف: "بالإضافة إلى ذلك، يمنحنا كلا النموذجين نظرة ثاقبة حول كيفية رسوخ بعض توقعاتنا عن العالم الخارجي ليس فقط معرفيًا، بل أيضًا في الذاكرة الإجرائية التي تُعبَّر عنها في أنماط التفاعل الاجتماعي."

ويوضح ستانيكه أن التوقعات لا تُخزَّن كمعتقدات واعية فحسب، بل أيضًا كأنماط متأصلة تُشكِّل كيفية استجابة الناس وتفاعلهم مع الآخرين.

"لذلك، يجب أن يكون العلاج النفسي أحيانًا قائمًا على التفاعل الاجتماعي. فعلى سبيل المثال، يمكن للتجارب الجديدة في العلاقة بين المعالج والمريض أن تساعد تدريجيًا في تغيير أنماط التفاعل الاجتماعي الراسخة."

نحو علم نفس أكثر شمولية
يقترح الباحثون أن علم الأعصاب التنبؤي قد يُوفر أساسًا بيولوجيًا للأفكار التحليلية النفسية، بينما يُمكن للتحليل النفسي أن يُساعد علم الأعصاب على فهم أفضل لكيفية تجربة التنبؤات وتفسيرها والتعبير عنها في الحياة اليومية والعلاقات.

"إن الجمع بين هذين المجالين يُمكن أن يفتح آفاقًا لعلم نفس أكثر شمولية، يشمل كلًا من الآليات العصبية والتجربة الذاتية. وبهذه الطريقة، يُمكننا فهم الذاتية بطريقة علمية أكثر دقة."

ملخص البحث
يبدو أن التحول النموذجي الأخير في علم الأعصاب المعرفي نحو المعالجة التنبؤية يتماشى مع العديد من التصورات التحليلية النفسية للعقل. في مقالتهم ، يجادل الباحثون بأن العديد من المفاهيم التحليلية النفسية، مثل الإسقاط، والتحويل، وتحقيق الرغبات، والهوية الإدراكية، تتوافق بشكل خاص مع التصور العصبي الحالي للدماغ كآلة تنبؤ. على وجه التحديد، يقترح الباحثون أن مفهوم الإسقاط، كما يُستخدم في التحليل النفسي الحديث لاستكشاف التجربة الذاتية والتخيلات، يُشابه إلى حد كبير مفهوم التنبؤ كما يُستخدم لشرح الوظائف المعرفية الأساسية للدماغ. تناقش الورقة البحثية آثار هذا التوازي على فهم دور التوازن الداخلي في التحليل النفسي وعلم الأعصاب المعرفي، كما تناقش أوجه التشابه بين الاستبصار insight والمفاجأة في هذين المجالين من العلوم العقلية. وتتناول أيضًا القيود المفروضة على رسم أوجه التشابه بين الإسقاط والتنبؤ. من خلال دمج هذين المجالين، نتصور إمكانية معالجة الذاتية علميًا.

هدف البحث
في مقالتهم، يستكشف الباحثون فرضية أن نموذج سيغموند فرويد للعقل يتوافق مع علم الأعصاب الحاسوبي الحديث. غالبًا ما يُفهم التحليل النفسي على أنه مرادف لنظريات فرويد، على الرغم من أنه تطور بشكل كبير متجاوزًا أفكاره الأصلية. ومع ذلك، لا تزال بعض أفكار فرويد الأساسية ذات أهمية مركزية، وتدعمها أدلة تجريبية من علم النفس العصبي. وكما يشير كارهارت-هاريس وفريستون، فإن "التمييز التحليلي النفسي بين العمليات الأولية-الأحلام او تفكير الأطفال والثانوية-التفكير المنطقي الناضج (كوظائف للهو والأنا على التوالي) يتناسب بشكل مريح مع المفاهيم الحديثة لبنية الدماغ الوظيفية، على المستويين الحاسوبي والعصبي الفيزيولوجي" (ص 1265).
The default-mode, ego---function--s and free-energy: a neurobiological account of Freudian ideas
RL Carhart-Harris, KJ Friston
https://scholar.google.com/scholar_lookup?title=The+default-mode,+ego---function--s+and+free-energy:+A+neurobiological+account+of+Freudian+ideas&author=Carhart-Harris,+R.L.&author=Friston,+K.J.&publication_year=2010&journal=Brain+J.+Neurol.&volume=133&pages=1265%E2%80%931283&doi=10.1093/brain/awq010

في المقالة، يجادل الباحثون بأن نموذج فرويد للعقل، الذي يتضمن آليات الهوية الإدراكية والإسقاط والتحويل وتحقيق الرغبات، يُكمل نموذج "المعالجة التنبؤية" في علم الأعصاب الحاسوبي. علاوة على ذلك، فإن استخدام الإسقاط والاستدخال في التحليل النفسي الحديث يخدم الغرض نفسه: فهم العقل البشري كنظام يسعى إلى التوازن الداخلي.

ذكر فرويد أن العقل يعمل باستمرار على مستوى التفاعل بين الواقع الداخلي والخارجي. ومن الأمور الأساسية في عملية التواصل والتوافق بين الواقع النفسي (بكل مشاعره وأفكاره وتخيلاته) من جهة، والواقع المادي من جهة أخرى، يسعي العقل إلى مواءمة الإدراكات الحالية مع التجارب السابقة التي حققت رغبة ما، أي التي كانت مُرضية.
[BOOK] The interpretation of dreams
S Freud
https://scholar.google.com/scholar_lookup?title=Interpretations+of+Dreams&author=Freud,+S.&publication_year=1900

وهكذا، يهدف العقل إلى تحقيق التطابق الإدراكي.
Dreams, unconscious fantasies and" identity of perception
https://scholar.google.com/scholar_lookup?title=Interpretations+of+Dreams&author=Freud,+S.&publication_year=1900

ويُعد السعي إلى التطابق الإدراكي طريقة أخرى لفهم العقل على أنه محافظ، أي أنه يهدف إلى العودة إلى الحالات المفضلة (وهذا هو التوازن الداخلي). وكما كتب فرويد في بحثه "حول النفي"، فإن الرضيع يُفكر أولًا فيما إذا كان ما يختبره في العالم يوفر له المتعة ام لا.
Die Verneinung–Negation
https://scholar.google.com/scholar_lookup?title=Negation&author=Freud,+S.&publication_year=1925&journal=Int.+Rev.+Psycho-Anal.&volume=6&pages=367%E2%80%93371

لا يسأل الطفل نفسه إن كان ينبغي عليه الاستمرار في البحث عن شيء ما، كالثدي مثلاً، أو تجنبه، إلا بعد أن يُقيّم ما إذا كان يُشعره بالمتعة أم لا، وبذلك يسأل نفسه إن كان الثدي حقيقياً. يرى فرويد أن هذا نموذجٌ لكيفية تفوّق مبدأ اللذة على مبدأ الواقع، وهو ما يُفسَّر بشكلٍ أدقّ في مفهوم الهوية الإدراكية. النقطة المحورية هي أن التوازن النفسي، أو الاستتباب، يسبق مبدأ الواقع. فيما يلي، نناقش ما إذا كان نموذج المعالجة التنبؤية في علم الأعصاب الحاسوبي الحديث قادراً على تفسير ما وصفه فرويد، ومن بعده محللون نفسيون مثل ميلاني كلاين وويلفريد بيون، من منظور التجربة الذاتية. سنُبيّن أن النموذج التحليلي النفسي ونموذج المعالجة التنبؤية، على التوالي، يصفان العقل ويفسّرانه بوصفه يسعى إلى الاستتباب.
سبق أن أشار باحثون آخرون إلى أن نموذج المعالجة التنبؤية يُبشّر بإمكانية تفسير العلاج النفسي عمومًا والتحليل النفسي خصوصًا. مع ذلك، لم تقدّم أيٌّ من هذه الدراسات السابقة، على حد علمنا، تفسيرًا وافيًا للعلاقة بينهما، باستثناء الإشارة إلى أوجه التشابه. سنحاول توضيح كيفية تكامل النموذج التحليلي النفسي للعقل مع نموذج المعالجة التنبؤية.

المعالجة التنبؤية: إطار عمل جديد ومُلهم للعلاج النفسي
بعرف العديد من المعالجين والمحللين النفسيين, يقدم مفهوم التنبؤ تفسيراً بسيطاً ولكنه قوي لكيفية تغير الناس في العلاج النفسي.
تدعم أبحاث التنبؤ النظريات الديناميكية النفسية للتحويل Transference في شرح كيفية خلقنا لواقعنا بناءً على التجارب السابقة.
التحويل هو مفهوم نفسي يقوم فيه الشخص، دون وعي، بإعادة توجيه مشاعره أو رغباته أو توقعاته من شخص مهم في ماضيه (كأحد الوالدين) إلى شخص آخر في الحاضر، ويحدث هذا عادةً خلال التحليل النفسي أو العلاج.
أنواع التحويل الأساسية:
التحويل الإيجابي: إسقاط مشاعر المساعدة أو الدفء أو الثقة على شخص آخر، مما يجعله يشعر بالأمان أو الرعاية.
التحويل السلبي: إعادة توجيه الغضب أو العداء أو الإحباط أو عدم الثقة إلى شخص آخر، مما يخلق غالبًا توترًا أو صراعًا. التحويل الجنسي أو الإيروتيكي: تكوين تخيلات عاطفية أو رومانسية أو حميمة تجاه شخص مساعد أو شخصية ذات سلطة.
كيف يعمل في الحياة اليومية مقابل العلاج؟ في الحياة اليومية: قد تشعر بغضب مفاجئ تجاه مدير جديد لأنه يذكرك بأحد والديك الصارمين، أو تشعر بمودة فورية تجاه شخص غريب يذكرك بجد أو جدة طيبين. في العلاج: غالبًا ما ينظر المرضى إلى معالجهم من خلال عدسة علاقاتهم السابقة. يستغل المعالجون هذه اللحظات لمساعدة المرضى على إدراك الجروح العاطفية القديمة وحلها.
التحويل المضاد: هو الحالة المعاكسة، حيث يقوم المعالج أو المختص، عن غير قصد، بإسقاط مشكلاته الشخصية الماضية على المريض.

يستوعب العديد من المرضى/العملاء clients (كما يطلق عليهم عادة في العلاج النفسي لأن هنالك فروق جوهرية بين المرض العضوي والاضطراب النفسي الذي عادة ما يكون تشخيصه يتم بناء على سردية الشخص او محيطه وليس على فحوص مختبرية كما في الطب العضوي) فكرة التنبؤ على الفور، ويفهمون بسرعة أكبر دورهم في مشاكلهم.
لقد عرفنا منذ فترة أن توقعاتنا يمكن أن تؤثر بشكل كبير على تجربتنا للعالم، بل وحتى على وظائف أعضائنا. وهذا، في نهاية المطاف، هو جوهر تأثير الدواء الوهمي Placebo. لكننا لم نكن نفهم حقًا تفاصيل آلية عمل التوقعات وأسبابها إلا مع ظهور مجال علم الأعصاب المسمى بالاستقبال او الاحساس الداخليinteroception، وفكرته الأساسية المتمثلة في المعالجة التنبؤية أو الترميز التنبؤي.

ما هو الاستقبال/ الإحساس الداخلي؟
إنّ الإحساس الداخلي هو مراقبة الدماغ المستمرة للإشارات الحسية المتدفقة من جميع أنحاء الجسم للحفاظ على توازن وظائفه الداخلية. فبقاءنا يعتمد على ذلك. إنّ إدراكنا لطبيعة أحاسيسنا الجسدية، سواءً كانت إيجابية أم سلبية، يُتيح لنا اكتشاف أي تغيرات فسيولوجية خطيرة محتملة، كالعطش أو ارتفاع درجة الحرارة، وتصحيحها بسرعة. كما تُساهم هذه الإشارات الحسية نفسها في تكوين وعينا العاطفي، وشعورنا بالراحة، وحتى إحساسنا بذواتنا. هذه العملية المذهلة تُشكّل تجربتنا لكيفية وجودنا ومن نكون .

آلة التنبؤ
يُطلق على دماغنا اسم " آلة التنبؤ"، فهو يُنشئ تجربتنا المستمرة من خلال عملية حسابية معقدة للتنبؤ بما سيحدث في أي لحظة. يستنتج الدماغ السبب المحتمل لأحاسيسنا الجسدية عن طريق اختبارها في ضوء تجارب سابقة. وعندما يُخطئ الدماغ في التنبؤ، عليه تحديث هذا التنبؤ بناءً على المدخلات الجديدة. وبهذه الطريقة، نُنشئ باستمرار نموذجنا الداخلي الخاص للعالم. وكما قال رام داس، نحن نخلق واقعنا بأنفسنا.
(لم يقدم رام داس تنبؤات علمية حول الدماغ، لكن تعاليمه الروحية حول العقل المفكر، والإسقاطات الذهنية، ووعي الشاهد، تعكس بشكل وثيق إطار المعالجة التنبؤية لعلم الأعصاب الحديث.
العقل المفكر كمتنبئ:
الأنماط المشروطة: علّم رام داس أن العقل الفكري الخطي linear يُعرّف الواقع باستمرار بناءً على العادات السابقة، ويتصرف كـ"سيد سيئ" تمامًا مثل دماغ يُشغّل حلقات تنبؤية آلية.
التماهي مقابل الوعي: أكد أن المعاناة تنتهي عندما تتوقف عن التماهي مع أفكارك، وتصبح بدلًا من ذلك مراقبًا صامتًا للإسقاطات الآلية للعقل.
أوجه التشابه مع المعالجة التنبؤية:
الواقع المُشيّد: يصف علم الإدراك الحديث الدماغ بأنه آلة تنبؤ تُولّد نماذج داخلية للعالم، مما يُؤكد وجهة نظر رام داس بأن التجربة الإنسانية هي إلى حد كبير إسقاط للتكييف النفسي. كسر الحلقة: تعمل ممارسات التأمل واليقظة الذهنية على "تخفيف" هذه التنبؤات الدماغية التاريخية، مما يسمح للفرد بالخروج من التفاعل العقلي المشروط إلى الوعي الخالص.
When I started to dive deeper into my being, I began to rest in a place where I simply became an environment for people to run through their projections without buying into them.
"عندما بدأت أغوص أعمق في كياني، بدأت أستريح في مكان أصبحت فيه ببساطة بيئة للناس ليخوضوا فيها إسقاطاتهم دون ان اصدقها."
How can we navigate our mental projections with more ease?
https://www.ramdass.org/navigating-mental-projections-with-ease/)

يعمل الدماغ البشري كآلة تنبؤ من خلال بناء نماذج داخلية للعالم باستمرار، ومقارنة البيانات الحسية الواردة بالتوقعات، وتحديث تصوراته بناءً على أي أخطاء. تسلط الأبحاث من مؤسسات مثل معهد ماكس بلانك الضوء على كيفية معالجة هذا النظام للمشاهد والأصوات واللغة بشكل مستمر.
Our Brain is a Prediction Machine that is Always Active
https://maxplanckneuroscience.org/our-brain-is-a-prediction-machine-that-is-always-active/

كيف تعمل المعالجة التنبؤية؟
التخمين النشط: لا يسجل الدماغ العالم بشكل سلبي فحسب؛ يتنبأ الدماغ بنشاط بما سيحدث لاحقًا باستخدام التجارب السابقة.
خطأ التنبؤ: عندما لا يتطابق الواقع مع ما توقعه الدماغ، يُنشئ هذا التباين إشارة تُسمى خطأ التنبؤ.
تحديث النماذج: يستخدم الدماغ هذه الأخطاء لتصحيح نماذجه الداخلية والتعلم من المواقف الجديدة.
التأثيرات في العالم الحقيقي:
الإدراك كمحاكاة: ما نراه ونسمعه هو مزيج من الإشارات الحسية الفعلية وتوقعاتنا الداخلية القوية (والتي تُسمى أحيانًا "هلوسة مُتحكم بها").
اللغة والكلام: يملأ العقل تلقائيًا الفراغات، ويتوقع القواعد النحوية، ويخمن الكلمات القادمة في المحادثة.
المكافأة والدوبامين: تُحفز النتائج الجيدة غير المتوقعة ارتفاعات في مستوى الدوبامين مرتبطة مباشرة بالدماغ الذي يُسجل خطأ تنبؤ إيجابي.

يتناغم مفهوم المعالجة التنبؤية الداخلية بشكلٍ جيد مع النظريات التحليلية النفسية الأساسية للتحويل . نتوقع من الناس أن يتصرفوا كما تصرف الأشخاص المهمون من حولنا عندما كنا صغارًا. في الواقع، يمكن النظر إلى التحليل النفسي أو العلاج النفسي على أنه يساعدنا على تحديث نماذجنا التنبؤية القديمة وغير الدقيقة بناءً على تجارب جديدة. قد تؤدي التنبؤات السلبية العنيدة المبنية على تجارب الماضي إلى خلق النتيجة السلبية المخيفة، ما يُعرف بتأثير النوسيبو nocebo، وهو تأثير قوي لدرجة أنه قد يُغير وظائف أجسامنا الفسيولوجية.

تسرد Susan Sands كيفية عمل التنبؤ في العلاج النفسي "عندما دخل موكلي، بوب، البالغ من العمر 49 عامًا، إلى مكتبي لأول مرة، فاجأني بكثرة أسئلته حول أسلوب عملي وكيفية عمل العلاج. أبدى اهتمامًا وفضولًا كبيرين. انجذبتُ إليه وانخرطتُ في حديث أطول من المعتاد، ولم أدرك إلا بعد مغادرته أنني لم أتعرف عليه إلا قليلًا. في الجلسات اللاحقة، حرصتُ بالطبع على سؤاله عن تاريخه، وشكواه، وتطلعاته، وما إلى ذلك، لكنني كنتُ أُستدعى مجددًا لأُخبره بأفكاري . كما أنني مررتُ بتجربة غريبة، وهي نسيان ما أخبرني به عن نفسه.

لم أبدأ في فهم ما كان يحدث إلا بعد مرور بضعة أشهر. كان بوب أصغر أفراد عائلته، ولديه ثلاثة أشقاء أكبر منه سناً يتمتعون بشخصية مرحة وصاخبة ، ووالدان مشتتان، وقد اختفى فجأة. ومما زاد الأمر سوءاً أنه قرر منذ صغره أن من الأفضل له، بل ومن مصلحته، أن يبقى بعيداً عن الأنظار.

قال بوب إنه لا يزال يجد من الأسهل (والأفضل) أن يستدرج الآخرين للحديث لأن "هذا ما يريدونه"، وفي المجموعات، أن يلعب ما أسماه دور الوسيط. أخبرته أخيرًا أنه، في قرارة نفسه، يرغب هو الآخر في أن يُرى ويُعرف . ولكن بعد الكثير من الاستخفاف من جانبه، والكثير من الإقناع من جانبي، وبعد أن أخبرته أخيرًا، وبكل صدق، أنني مهتمة به وأريد أن أعرف المزيد عنه، بكى أخيرًا، وهو ما اعتبرناه شعورًا بالارتياح.

لقد دخل مكتبي متوقعًا أنني لن أهتم به، مما ساهم في ردّي بطريقة أكدت توقعه. عندما شككتُ في توقعه لأول مرة، لم يصدقني، ولم يبدأ في مراجعة توقعه الخاطئ إلا بعد أن اختبرني مرارًا وتكرارًا، وشهد اهتمامي الصادق وخطأ توقعي مرات عديدة. توقعه المؤلم، الذي أثقل كاهله لما يقرب من خمسة عقود، أصبح الآن قابلًا للتحديث ببطء وحذر.

أتذكر أول مرة استخدمت فيها كلمة "توقع او تنبؤ" لوصف اعتقاده بأن لا أحد مهتم به. أخبرته أنني أعتقد أنه أحضر هذا التوقع معه إلى جلسات العلاج دون وعي منه، حتى نتمكن من العمل عليه معًا. بدا بوب مندهشًا، ثم متحمسًا، ثم قال إنه فهم الأمر. قال لي: "هذه هي المرة الأولى التي أفهم فيها ما أفعله" . من هذه الزاوية الجديدة، بدأ يدرك كيف يمكن لمراجعة توقعاته (وسلوكه) أن تُغير عالمه."
Predictive Processing: An Illuminating New Framework for Psychotherapy
The science of how people change in therapy
https://www.psychologytoday.com/us/blog/well-being-through-lifetime/202206/predictive-processing-illuminating-new-framework
يتبع



#طلال_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التزامن: يونغ, كتاب التغيرات, وعلم الرنين المورفي 122
- *ديمقراطية العراق السوداء: تشريح الموت الرمزي*
- التحليل النفسي وفيزياء الكم 120
- التحليل النفسي وتطبيقاته المعرفية 119
- التحليل النفسي وفيزياء الكم 118
- التحليل النفسي وفيزياء الكم 117
- التحليل النفسي وفيزياء الكم 116
- التحليل النفسي وفيزياء الكم 115
- الماركسية، العلم، ودراسات العلوم 4
- الماركسية، العلم، ودراسات العلوم 3
- الماركسية، العلم، ودراسات العلوم 2
- الماركسية، العلم، ودراسات العلوم 1
- الاغتراب الانساني بين الماركسية والتحليل النفسي 114
- ابستين, وساد كنذير للفاشية!
- اليس شر ديارنا اكبر بما لا يقاس من شر ابستين؟
- تشومسكي، إبستين، وهندسة مناعة النخبة
- -المواطن كين- ونرجسية قيادات شيوعية 113
- فنزويلا وعباد اله الموت ثاناتوس
- الاحتفال برأس السنة الميلادية 112
- هل مجتمعاتنا ابوية ام امومية (سامة)؟ 111


المزيد.....




- مقتل مراهق أسود برصاص ضباط في أمريكا.. والسلطات: -انتحار على ...
- فيضانات خطيرة تضرب شرق ولاية نيويورك.. شاهد ما تسببت به
- الدول العربية: هل ما زال الالتحاق بالجامعة هو السبيل الأمثل ...
- الصاروخ الذي أحدث حفرة عميقة داخل بولندا -من المرجح أن يكون ...
- متى قد تدخل دول عربية مواجهة مباشرة مع إيران؟
- العسل بدلاً من السكر.. هل يخفض الغلوكوز والكوليسترول؟
- المواليد في فرنسا ينخفضون 18% خلال العقد الأخير
- تفاصيل جديدة عن -تمرد- في الجيش الإسرائيلي (فيديوهات)
- موسكو: نأمل أن تقيم الولايات المتحدة هجمات كييف بالشكل المنا ...
- رودريغيز: مادورو يقيم الوضع في فنزويلا بشكل إيجابي


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - طلال الربيعي - التحليل النفسي وعلم الأعصاب الحديث 123