أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلال كبده - سيكولوجية الهتاف: صناعة القطيع بين صنم الكرة ووهم الخلافة














المزيد.....

سيكولوجية الهتاف: صناعة القطيع بين صنم الكرة ووهم الخلافة


طلال كبده

الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 19:18
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في كتابه العمدة "سيكولوجية الجماهير"، يرى غوستاف لوبون أن الفرد بمجرد انخراطه في الجمهور يفقد ميزاته العقلية وتذوب شخصيته الواعية، ليصبح خاضعاً لعقل جمعي تحركه العواطف البدائية والغرائز الموجهة.
اليوم، يتجلى هذا التوصيف بدقة مذهلة في مظهرين يبدوان متناقضين في الظاهر، ولكنهما متطابقان في الآلية السيكولوجية: مدرجات "صنم الكرة" المستديرة، وحشود "وهم الخلافة" التي تصنعها تيارات الإسلام السياسي.
إنها عملية ممنهجة لـ "صناعة القطيع" واستثمار عاطفة الهتاف لتخدير الوعي النقدي.

أولاً: ذوبان الفردانية وفقدان العقل النقدي
تبدأ صناعة القطيع في الحالتين من نقطة واحدة: إلغاء "الأنا" الفردية لصالح "الـنحن" الجماعية.
في المدرج الكروي: يتحول الطبيب والمهندس والعامل إلى مجرد "حنجرة" تهتف باسم الشعار الكروي.
يتمايل الجسد مع الحشود، وتغيب المحاكمة العقلية؛ فالهدف الأوحد هو انتصار "الصنم الأخضر أو الأحمر" على المستطيل الترابي.
في التنظيم المتأسلم: يُمارس الطقس ذاته تحت مسميات "السمع والطاعة".
يُجرد الفرد من تساؤلاته الفكرية، ويلتغي وعيه الفردي ليذوب في هتاف مبرمج يخدم "المرشد" أو "التنظيم"، واهماً أنه يشيّد صرح الخلافة، بينما هو يتحرك كترس في آلة حشد مبرمجة.

ثانياً: شيزوفرينيا "المقدس" والـ "بروفان" (الدنيوي)
يعيش المشجع المستلَب أيديولوجياً حالة فصام حادة (شيزوفرينيا) تنعكس في شعاراته وسلوكه اليومي.
فهو في المسجد أو المنصة الحزبية يلعن الغرب الرأسمالي، ويصمه بـ "الملحد والمنحل"، ويدعو لمقاطعته ومحاربته ثقافياً وفكرياً.لكن، بمجرد أن تنطلق صافرة الحكم في بطولة أوروبية أو كأس العالم، يتسمر هذا "الجمهور" نفسه أمام الشاشات الغربية، مرتدياً قمصان الأندية التي تملكها الشركات الرأسمالية العابرة للقارات، ويهتف بهستيريا لاهثة خلف هدف يسجله لاعب غربي.
هذا التناقض يكشف أن الشعارات المرفوعة (كوهم الخلافة) ليست سوى غطاء عاطفي هش، يسهل اختراقه بمجرد إشعال غريزة الفرجة والتسلية التي تتيحها "عولمة المستديرة".

ثالثاً: صناعة "العدو الوهمي" وتوجيه الغضب
تقتات سيكولوجية القطيع على وجود "عدو" دائم لتبرير تكتلها وشحن طاقاتها:كروياً:
يتم تحويل الفريق المنافس وجماهيره إلى "شيطان" تجوز كراهيته، وتُخترع نظريات المؤامرة حول التحكيم والاتحادات لتفسير الهزيمة، مما يفرغ شحنات الغضب الاجتماعي في معارك وهمية لا تقدم ولا تؤخر.
أيديولوجياً: تستخدم التيارات المتأسلمة الآلية النفسية ذاتها.
تُجيش الجماهير عبر اختراع معارك صفرية مع "الآخر" (العلماني، الغربي، المختلف فكرياً)، لضمان بقاء الأتباع في حالة استنفار وخوف دائم، مما يمنعهم من التساؤل عن الفشل التنموي أو غياب الديمقراطية داخل التنظيم نفسه.

رابعاً: الاستثمار المتبادل وتخريب الوعي
النتيجة الحتمية لهذا الاندماج بين "أفيون الكرة" و"تسييس الدين" هي صياغة وعي معلّب وجاهز.
لقد أدركت النخب المتأسلمة أن الجماهير التي يسهل قيادها بالهتاف في الملاعب، هي ذاتها الجماهير التي يسهل سوقها بصكوك الغفران وشعارات الهوية في صناديق الاقتراع أو ساحات التعبئة.
يتحول الفرد هنا من كائن صانع للحضارة ومطالب بالحقوق الأساسية (كالتعليم، العدالة، والحرية) إلى كائن "مستهلك للأوهام".
يسعد بانتصار كروي زائف يعوض به انكساراته الواقعية، وينتشي بشعار ديني طنان يهرب به من بؤس حاضره الاقتصادي والسياسي.

خاتمة: ما بعد الصافرة وهدوء الهتافحين تنتهي المباراة وتطفأ أنوار الملعب، وحين تنفض مسيرات التعبئة الأيديولوجية وتغلق المقرات الحزبية، يعود الفرد "المنتمي للقطيع" إلى واقعه المرير؛ يواجه الغلاء، والبطالة، والاستبداد.
إن "سيكولوجية الهتاف" تثبت أن صنم الكرة ووهم الخلافة وجهان لعملة واحدة هدفها إدارة السذاجة الجماهيرية.
ولن يسترد الإنسان العربي وعيه وسلطته على مصيره إلا عندما يستبدل "الهتاف الأعمى" بالمساءلة النقدية، وينتقل من مربع "المتفرج المخدَّر" في قطيع هائج، إلى مربع "المواطن الفاعل" الذي يدرك أن الأوطان لا تُبنى بجلد منفوخ، ولا بشعارات تجار الدين.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أفيون الشعوب البديل: -المتأسلمون- وفصام الكأس المستديرة


المزيد.....




- حرس الثورة الإسلامية: استهدفنا بالصواريخ والمسيرات قاعدة أح ...
- حرس الثورة الإسلامية: مضيق هرمز جزء من سيادتنا ولن نسمح للج ...
- حرس الثورة الاسلامية يعلن استهداف قاعدة الأمير حسن الجوية في ...
- حرس الثورة الاسلامية: عمليات الرد بالمثل من قِبل أبنائكم ال ...
- حرس الثورة الاسلامية: النظام الأميركي الشرير لم يتعظ من هزائ ...
- حرس الثورة الاسلامية: في المرحلة الثانية من عمليات الرد بالم ...
- حرس الثورة الاسلامية: دمرنا في القاعدة مراكز مهمة لإصلاح وصي ...
- حرس الثورة الاسلامية: في المرحلة الثالثة من عمليات الرد بال ...
- حرس الثورة الاسلامية: قواتنا دمروا بالكامل مخازن الوقود ومن ...
- حرس الثورة الاسلامية يستهدف قاعدتين أميركيتين بالكويت


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلال كبده - سيكولوجية الهتاف: صناعة القطيع بين صنم الكرة ووهم الخلافة