أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحضارة















المزيد.....

بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحضارة


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 23:11
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ثمة ظاهرة غريبة ومخيفة في تاريخ الفكر الإنساني وتطور اللغات؛ فالكلمات والمفاهيم الكبرى لا تموت عادةً بضربة واحدة، ولا تسقط حروفها من القواميس فجأة، بل تتعرض لعملية "تآكل بطيئة" وممنهجة. تُفرّغ الكلمة من مضمونها الثوري والوجودي، وتبقى حاضرة على الألسنة، حية في الاستعمال اليومي الرتيب، لكنها تفقد - مع توالي الأجيال وتراكم المفاهيم الموروثة والتقاليد الراكدة - عمقها الأول وامتدادها الحقيقي.
ولعل مصطلح "العبادة" في الفكر الإسلامي هو الضحية الكبرى لهذه الجريمة المعرفية. لقد أصاب هذا المفهوم القرآني العظيم تآكلٌ مفزع، حتى غدا في الوعي الجمعي العربي والإسلامي مرادفاً شبه حصري لـ "الشعيرة" المجردة. أصبحنا نرى العبادة مجرد حركات وأوقات: الصلاة تُؤدَّى في دقائقها، والصوم يُمسك في شهره، والحج يُقضى في أيامه، فإذا انتهى الإنسان من هذه المحطات المحددة زماناً ومكاناً، نفض يديه، وخرج من دائرة "العبادة" المقدسة إلى دائرة أخرى دنيوية بحتة يُسميها "الحياة". وكأن العبادة أصبحت مجرد جزيرة معزولة، ومحمية صغيرة تقع وسط محيط هادر من النشاط الإنساني والسياسي والاقتصادي الذي لا صلة له بها ولا سلطان لها عليه!
كارثة الانفصام: عُبّاد طقوس لا صُناع حضارة
هذا الاختزال المخل، على بساطته الظاهرة وشيوعه بين العوام والخواص، لم يكن بريئاً في أثره، بل كان معول هدمٍ في بنية الحضارة. فحين تنحصر العبادة في الشعيرة، ينحصر معها الحضور الوظيفي والأخلاقي للإنسان في لحظات معدودة من يومه. يركع ويسجد في المسجد بخشوع، بينما تبقى ساعاته الطويلة في الحقل، والمصنع، والمختبر، والجامعة، والسوق، وساحة القضاء، وإدارة الدولة، خارج دائرة المعنى الكبرى وخارج رقابة "الضمير التعبدي".
النتيجة الحتمية والمدمرة لهذا الفصل التعسفي هي أن يتحول "العابد" إلى كائن مشوه: يُحسن أداء الطقس الديني ببراعة، ويُسيء إدارة الأرض بامتياز! يغش في تجارته، ويتقاعس في وظيفته، ويفسد في بيئته، ويتخلف في علمه، ثم ينام قرير العين معتقداً أنه أوفى بعهد "الاستخلاف" الإلهي لمجرد أنه لم يفوّت تكبيرة الإحرام. وهو في الحقيقة لم يقترب من جوهر الاستخلاف قيد أنملة، متناسياً الأمر القرآني الصريح الذي يربط الإيمان بعمارة الأرض: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (هود: 61)، فالاستعمار هنا هو طلب العمارة والبناء، وهو جزء لا يتجزأ من صميم العبادة.
هذا الانفصام النكد هو بالضبط ما يفسر لنا - من زاوية قرآنية وسوسيولوجية محضة - تلك المفارقة المأساوية التي نعيشها اليوم: كيف يمكن لأمة كاملة أن تكون "متعبدة" بمعناها الشعائري الفردي، تضيق مساجدها بالمصلين، وتزدحم مطاراتها بالمعتمرين، وفي الوقت ذاته تتذيل الأمم، متخلفة عن ركب التمكين والعمران، عاجزة عن إنتاج دوائها وسلاحها ورغيف خبزها؟ إنها أمة فقدت بوصلة "العبادة الحقيقية"، فعجزت عن تحقيق شرط "الوراثة" للأرض المذكور في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء: 105). فالصلاح هنا ليس صلاح المسبحة والسجادة فحسب، بل صلاح الإدارة، والعلم، والعدل، والإنتاج.
العودة إلى الأصل: تحطيم جدران الموروث
إن المدخل الصحيح لتفكيك هذا اللبس التاريخي، والخروج من هذا النفق المظلم، ليس في استدعاء أقوال المفسرين المتأخرين الذين عاشوا في عصور التراجع الحضاري، ولا في محاكمة الموروث الفقهي الذي تشكل في ظروف تاريخية معينة غلبت عليها الصنعة الفقهية المجردة. بل الحل يكمن في العودة الجذرية إلى النص القرآني وحده، وقراءته بأدوات اللسان العربي المبين، واستنطاقه بعيداً عن الإسقاطات الكهنوتية التي تراكمت عبر القرون.
فالقرآن الكريم، حين يتحدث عن الغاية العظمى من خلق الكون والإنسان، لا يستخدم لفظ "العبادة" استخداماً عرضياً أو ثانوياً، بل يجعله محور الآية الجامعة المانعة، والعلة الكبرى للوجود: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56).
دعونا نقف أمام هذه الآية بعقل متدبر؛ فإذا كانت "العبادة" هي علة الخلق بأسرها، ومبرر الوجود الوحيد، فمن السخف والقصور - عقلاً ونصاً - أن تُحصر هذه العلة في طقوس لا تستغرق من يوم الإنسان سوى بضع دقائق متكررة، بينما تبقى بقية حياة الإنسان وسنوات عمره المديدة خارج هذه العلة!
إن آية بهذا الإطلاق الجلالي (إلا ليعبدون) المسبوقة بأداة حصر واستثناء، لا تحتمل تفسيراً تجزيئياً أو تقزيماً كهنوتياً. فحين يقول الله ذلك دون أن يخصص زماناً دون زمان، أو مكاناً دون مكان، أو فعلاً بعينه دون غيره، فإنه يصف "حالة وجودية شاملة"، ومنهج حياة متكامل، لا محطة طقسية منعزلة. هذا ما تترجمه الآية العظيمة التي تنسف فكرة التقسيم بين الدين والدنيا: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام: 162-163). المحيا كله، بكل تفاصيله وعلومه وأعماله، هو محراب للعبادة.
المسافة الصفرية بين المختبر وسجادة الصلاة
بناءً على ما سبق، فإن "العبادة" - حين تُفهم وتُستوعب على وجهها القرآني الصحيح - تتسع وتتمدد لتشمل كل ثانية يقضيها الإنسان منصاعاً لسنة من سنن الله، فاهماً لقوانينه، عاملاً بمقتضاها، ومساهماً في ترقية الحياة، واعياً بأنه بذلك العمل يُحقق غاية وجوده.
حينها فقط سيدرك المسلم المعاصر أن المسافة بين "المحراب" و"الحقل"، وبين "السجادة" و"المختبر العلمي"، وبين "المسجد" و"قبة البرلمان"، ليست مسافة فاصلة أو متناقضة كما توهم الفهم التاريخي القاصر والتدين المغشوش. بل هي مسافة واحدة، وساحة واحدة، تُقطع بخطوة معرفية واحدة اسمها: "الانصياع الواعي لسنن الله في الكون والاجتماع". فالطبيب الذي يبحث عن علاج لمرض مستعصٍ في مختبره متأملاً في قوانين البيولوجيا التي أودعها الله في الأجساد، هو في حالة "عبادة" لا تقل قداسة عن المتهجد في ثلث الليل الأخير، متى ما اقترن عمله بالنية الخالصة لخدمة عيال الله وعمارة أرضه.
الناموس الأعظم: حين يتعانق المادي بالقيمي
العبادة إذن ليست فعلاً فردياً، انطوائياً، أو رهبانياً يمارسه الإنسان في زاوية مظلمة هرباً من ضجيج الحياة. بل هي "الناموس الكلي" والإيقاع الأعظم الذي ينتظم به الوجود بأسره. إن حركة الكوكب الدؤوبة في مداره، ونمو البذرة الصامت في تربتها المظلمة، وقيام موازين العدل والحرية بين الناس، وانصياع الذرة لقوانين تفاعلها المعقدة، كل هذه ليست سوى أوجه متعددة ومظاهر متنوعة لحقيقة واحدة لا تتجزأ: حقيقة العبادة والخضوع المطلق للمدبر.
ولفظ "الناموس" أو "القانون" هنا ليس مجازاً لغوياً أو استعارة شعرية حالمة، بل هو أدق وصف لما يسميه القرآن الكريم بـ "الدين"، وذلك حين يتحرر هذا اللفظ من معناه الضيق الشائع بيننا اليوم. فالدين في الاستعمال المعاصر اقترن حصراً بمجموعة من الشعائر والأحكام الفقهية المتعلقة بالحلال والحرام الفردي، بينما "الدين" في أصله وجذره القرآني أوسع وأشمل من ذلك بكثير؛ إنه "النظام الحاكم" الذي يخضع له كل ما في الوجود، الماديّ منه والقيميّ، الطبيعي منه والأخلاقي، على حد سواء.
لا يفرق القرآن بين "عالم الطبيعة" الذي تحكمه قوانين الفيزياء والكيمياء والفلك، وبين "عالم القيم" الذي تحكمه موازين العدل والحق والرحمة. كلها من مشكاة واحدة. يتجلى هذا المعنى المبهر في قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} (آل عمران: 83).
تأمل كيف تجمع هذه الآية المعجزة - في عبارة واحدة قصيرة - بين "دين الله" وبين "إسلام من في السماوات والأرض". إنها تعلن صراحة أن النظام الإلهي الحاكم لا يقتصر على عالم التكليف الإنساني الاختياري، بل يمتد ليبسط رداءه على السماوات والأرض والمجرات بأكملها. القرآن يرى الكون كله في حالة صلاة وتسبيح دائمة: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ} (الحج: 18).
فحين تدور الأرض حول الشمس وفق قانون الجاذبية والقصور الذاتي الدقيق، فهي في حالة "إسلام" ودين، بمعنى الانصياع الجبري لناموس الله الفيزيائي. وحين يختار الإنسان بكامل حريته أن يعدل بين الناس، وأن ينصر المظلوم، وأن يبتكر ما ينفع البشرية، فهو "مسلم" لدين الله بمعنى الانصياع الاختياري لناموسه الأخلاقي والاجتماعي.
الناموس واحد، والمُشرّع واحد، وإن تعددت صور الخضوع له. وبدون إدراك هذه النظرة التوحيدية الشاملة، سنظل نراوح في أماكننا، نصلي في المساجد لنشكو لله من حضارات أخرى فهمت "سننه" في الكون فامتلكت أسباب القوة، بينما أضعنا نحن سننه، واكتفينا من "العبادة" بقشورها، فخسرنا الدنيا، ونسأل الله ألا نكون قد ضيعنا مقاصد الدين في الآخرة.
إن استعادة مفهوم العبادة الشامل هو الخطوة الأولى، والشرط الأهم، لإقالة عثرة هذه الأمة، وإعادتها من هوامش التاريخ إلى قلب صناعة الحضارة، كخلفاء حقيقيين في ارض الله.



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو استعادة المركزية وتحرير العقل الإسلامي
- اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية
- قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية
- شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-
- قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...
- حوار إبراهيم مع أبيه: تفكيك سلطة التقليد (الآبائية) كمحطة أو ...
- في زمن الضجيج الأيديولوجي -- الإنسانُ على مفترق الطرق
- القرآن الكريم مرجعيةً عليا: نحو منهجية نقدية في قراءة المورو ...


المزيد.....




- المقاومة الإسلامية في لبنان: تصدّينا لمحاولة تسلّل لجيش العد ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: عمد العدو إلى تنفيذ غاراتٍ مكثّ ...
- المقاومة الإسلامية: قتلى وجرحى لقوات الاحتلال في محاولة تسلل ...
- صفحة قائد الثورة الإسلامية تعيد نشر تغريدة: لكل دم ثأر، يجب ...
- الهلال الأحمر الفلسطيني: طواقمنا تتعامل مع 3 إصابات جراء اعت ...
- لقاء البطريرك ثيوفيلوس الثالث بالرئيس ترامب: القدس المسيحية ...
- جدل حول تصريحات السفير الأمريكي هاكابي بشأن -الأساس اليهودي- ...
- جماعات الضغط اليهودية تشن حربًا على ترامب
- طباطبائي: الاحتلال الإسرائيلي سيسعى جاهداً للحيلولة دون أن ي ...
- 60 ألفا يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى رغم قيود الاحتلال ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحضارة