حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث
(Hossam Aldin Fayad)
الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 13:32
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
في عالم تحكمه المصالح أكثر مما تحكمه النوايا الحسنة، لا تقاس أهمية الدول بما تمتلكه من ثروات فقط، بل بقدرتها على حماية تلك الثروات وصيانة مصالحها الاستراتيجية. ومن منظور الجغرافيا السياسية، لم تكن الموارد الطبيعية والمواقع الجغرافية المميزة نعمة مطلقة عبر التاريخ، بل كانت في كثير من الأحيان سبباً في جذب الأطماع والتنافس والصراعات. فالمناطق التي تمتلك مصادر الطاقة أو تتحكم بالممرات البحرية والتجارية الحيوية تتحول تلقائياً إلى مراكز اهتمام للقوى الإقليمية والدولية. ولهذا فإن الثروة والموقع الاستراتيجي لا يضمنان الأمن بذاتهما، بل قد يتحولان إلى مصدر هشاشة إذا لم تقترنا بقدرة سياسية وعسكرية واقتصادية قادرة على حمايتهما.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، تكمن المشكلة عندما تنشأ فجوة بين ما تملكه الدولة من موارد وما تمتلكه من أدوات قوة وسيادة فعلية. فالثروة وحدها لا تنتج النفوذ، كما أن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع المكانة الدولية. إنما تتحول هذه المقومات إلى عناصر قوة عندما تترجم إلى مؤسسات فعالة، وقدرات دفاعية، ورؤية استراتيجية طويلة المدى. ولذلك تظهر المفارقة في بعض الحالات، فكلما ازدادت أهمية الدولة الاقتصادية أو الجغرافية، ازدادت الضغوط الخارجية عليها، لأن النظام الدولي لا يتحرك بمنطق العواطف أو المجاملات، بل بمنطق توازن المصالح والقوة. وفي هذا السياق، تصبح الدول الضعيفة دفاعياً أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية مهما بلغت ثرواتها، لأن امتلاك الموارد دون امتلاك وسائل حمايتها يشبه امتلاك كنز مكشوف في بيئة تتنافس فيها القوى على النفوذ والسيطرة.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك الثروة أو الموقع الاستراتيجي، بل في كيفية تحويلهما إلى عناصر قوة وطنية شاملة. فالتاريخ السياسي يبين أن الأمم القادرة على حماية مصالحها ليست بالضرورة الأغنى، بل تلك التي نجحت في بناء منظومات متكاملة من القوة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والدفاعية والمؤسسية. لذلك لا ينبغي النظر إلى الثروات العربية أو ممراتها الحيوية بوصفها عبئاً في حد ذاتها، بل بوصفها فرصة استراتيجية كبرى قد تتحول إلى مصدر قوة أو مصدر استهداف تبعاً لمدى القدرة على إدارتها وحمايتها. فالعالم لا يمنح الاحترام للدول لأنها تملك الموارد فقط، بل لأنها تمتلك الإرادة والقدرة على صون تلك الموارد والدفاع عن مصالحها في بيئة دولية تتسم بالمنافسة المستمرة أكثر مما تتسم بالتضامن.
خلاصة القول، في عالم تحكمه موازين القوة قبل موازين الأمنيات، لا يكفي أن نمتلك الثروة أو الموقع، بل يجب أن نمتلك القدرة على حمايتهما وتطويرهما. فاستثمروا في الإنسان والعلم والمؤسسات والوحدة الاستراتيجية، لأن الأمم لا يضمن بقاءها ما ورثته من موارد، بل ما تبنيه من قوة وما تملكه من إرادة لصناعة مستقبلها، وهذا يعني بوضوح لن يكون المستقبل لمن يملك الموارد فقط، بل لمن يملك القدرة على تحويلها إلى قوة ومعرفة ومؤسسات راسخة. فالثروة قد تورث، أما القوة فتبنى، والمكانة لا تمنح، بل تنتزع بالعمل والإرادة والرؤية المستقبلية الاستراتيجية.
#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)
Hossam_Aldin_Fayad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟