ثامر الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 03:15
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
مقدمة: أزمة المركزية وغياب المعيار
تعيش الأمة الإسلامية منذ قرون حالة من التيه الفكري والجمود الحضاري، ليس بسبب ندرة النصوص أو غياب المرجعيات، بل بسبب "أزمة المركزية". لقد تحول النص القرآني، الذي جاء ليكون مهيمناً وميزاناً وحاكماً على كل ما عداه، إلى نص يُقرأ للتبرك، بينما أُسندت مهمة توجيه العقل وتشكيل الوعي وإدارة الحياة إلى منظومات تراثية بشرية تضخمت عبر الزمن حتى حجبت شمس الوحي.
إن أي محاولة جادة لانتشال الفكر الإسلامي من ركوده لا يمكن أن تبدأ من فراغ، ولا يمكن أن تنجح بمجرد استيراد مناهج نقدية خارجية تُسقط على النص مقولات غريبة عنه. الحل يكمن، كما يؤسس هذا الطرح المعرفي، في العودة إلى **"التشخيص الذاتي للقرآن"**؛ فالقرآن يمتلك في بنيته الداخلية مناعة ذاتية قادرة على كشف الانحرافات وتصحيح المسارات متى ما تم تفعيله كحاكم لا كمحكوم. يقول تعالى مبيناً كمال منهجه وقدرته على البيان والتشخيص:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89].
لقد حددت القراءة الفاحصة لتاريخ الفكر الإسلامي ثلاثة إحداثيات كبرى شكلت مسارات الانحراف عن هذه المركزية القرآنية، وهي مسارات لم تنشأ دفعة واحدة، بل تراكمت وتداخلت حتى أنتجت العقل المسلم المأزوم في وقتنا الحاضر.
الإحداثيات الثلاثة للانحراف المعرفي والتاريخي
1. المسار الروائي: إزاحة اليقين بالظن
يتمثل الانحراف الأول في المسار الروائي الذي أدى، بقصد أو بدون قصد، إلى إزاحة النص القرآني القطعي والثابت، وإحلال المرويات (الأحاديث والآثار) محله كمرجع أول في التشريع وتشكيل العقيدة. الخطورة هنا تكمن في تفاصيل الإزاحة؛ فقد تم تقديم "منقول ظني" (روايات الآحاد التي تحتمل الخطأ والنسيان والدس) على النص القرآني المتواتر والمحفوظ.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى فصل هذه المرويات عن "سياقاتها" التاريخية والموضوعية التي قيلت فيها، لتتحول من معالجات نبوية أو اجتهادات لواقع معين، إلى نصوص مطلقة عابرة للزمان والمكان، تتساوى في قوتها مع القرآن بل وتنسخه في بعض المدارس الفقهية. هذا الخلل المنهجي أدى إلى تضخم هائل في المحرمات والتشريعات التفصيلية التي قيّدت حركة العقل والمجتمع.
القرآن الكريم حذر مسبقاً من الاستعاضة عن آياته الواضحة بأي أحاديث أخرى قد تشتت الانتباه عن مقاصده الكبرى، يقول تعالى:
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾[الجاثية: 6].
ويقول أيضاً مستنكراً تغليب النقل غير الممحص على برهان الوحي: **﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾** [القلم: 37-38].
2. المسار المذهبي والسياسي: استلاب الطاعة وصناعة الوسيط
المسار الثاني الذي عمّق الانحراف عن المركزية القرآنية هو المسار المذهبي المُسيَّس. لقد بُنيت رسالة الإسلام بالأساس على تحرير الإنسان من العبودية لغير الله، وإلغاء طبقة الكهنوت والوسطاء بين الخالق والمخلوق. ولكن، مع التطورات السياسية العاصفة وتصارع المذاهب (سواء في شكل الخلافة السياسية المتعسفة، أو في شكل الإمامة المقدسة، أو حتى في شكل المرجعيات الفقهية والصوفية المغلقة)، برز "وسيط بشري" استأثر لنفسه بالطاعة المطلقة.
هذا الوسيط البشري صادر حق الأمة في الفهم المباشر للنص، واشترط مروره عبر بوابته الخاصة. تم تحويل الطاعة التي أرادها القرآن طاعةً "مؤسسية للرسالة وللقيم التي يحملها الرسول"، إلى طاعة "شخصية عمياء" لشخوص وكيانات بشرية. لقد حذر القرآن من هذا الصنيع الذي وقعت فيه الأمم السابقة حين منحت حق التحليل والتحريم والانقياد الأعمى لرجال الدين أو الزعماء:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾** [التوبة: 31].
فالطاعة في المنظور القرآني مشروطة بالمعروف ومقيدة بالوحي المُنزل، وليست شيكاً على بياض لأي كيان سياسي أو مذهبي يستثمر النص لخدمة سلطته.
3. المسار العقلاني الكلامي: تغريب النص بمقدمات مستعارة
قد يظن البعض أن المسار العقلاني (ممثلاً في علم الكلام والفلسفة الإسلامية) كان طوق النجاة، لكنه في الواقع شكّل الإحداثية الثالثة للانحراف. المشكلة هنا لم تكن في إعمال العقل، فالقرآن هو كتاب العقل بامتياز، بل كانت في "المنظومة الفكرية المستعارة".
لقد استعار المتكلمون (من معتزلة وأشاعرة وغيرهم) مناهج الفلسفة اليونانية والمنطق الصوري، وأرادوا محاكمة النص القرآني بناءً عليها. بدلاً من أن يستنبطوا منهجية التفكير وبناء العقيدة من داخل القرآن العضوي والحيوي، قاموا بفرض "مقدمات منطقية" صارمة وجافة على النص. أدى هذا إلى الدخول في صراعات لاهوتية لا طائل منها (كخلق القرآن، وجوهر الذات والصفات، والجبر والاختيار بالمنظور اليوناني)، مما حول مقاصد النص التوجيهية الحية والأخلاقية إلى قضايا تجريدية جافة لا تبني حضارة ولا تزكي نفساً.
يقول تعالى مؤكداً على أن النص هو الحاكم وأن مقاصده واضحة لا تحتاج إلى تكلف فلسفي يُخرجها عن طبيعتها:
﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾** [آل عمران: 7].
مهمة الفصل المعرفي: ترسيم الحدود بين المقدس والبشري
إن تشخيص هذه الانحرافات الثلاثة ليس غاية في حد ذاته، ولا هو مجرد ترف فكري أو جلد للذات التاريخية؛ بل هو تمهيد حتمي للخطوة الأكثر حساسية وخطورة: **التمييز الدقيق بين المطلق والنسبي**.
إذا كان التشخيص هو تنظيف الجرح، فإن التمييز بين ما هو "دين ثابت" وما هو "فقه بشري متغير" هو العلاج الحقيقي الذي بدونه لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن يقف على قدميه. لقد ابتلُي الفكر الإسلامي بآفة خطيرة تتمثل في "إضفاء القداسة على اجتهادات البشر".
الدين الثابت (الوحي المطلق)
الدين هو ما أنزله الله تعالى في قرآنه المحفوظ، متمثلاً في العقائد الكبرى، والسنن الكونية، والمنظومة الأخلاقية، والقواعد الكلية الحاكمة للعدل والرحمة والمساواة. هذا الدين ثابت، لا يتغير بتغير الزمان ولا يتبدل باختلاف الجغرافيا، وهو معصوم ومطلق.
يقول تعالى عن هذا الثبات المبدئي:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾** [الروم: 30].
الفقه المتغير (الاجتهاد النسبي)
أما الفقه، والمدونات التراثية، وشروح المفسرين، فهي كلها قراءات بشرية، محكومة بأسقف زمانها، ومحدودة بظروف مبدعيها الثقافية والاجتماعية والسياسية. الفقه بطبيعته "نسبي"، يقبل الخطأ والصواب، ويجب أن يخضع دائماً للمراجعة والتعديل ليتواكب مع مستجدات الحياة والواقع.
لقد أقر القرآن ذاته مبدأ التنوع والاختلاف في الشرائع العملية والمسارات الإجرائية بما يتناسب مع أحوال البشر، فقال تعالى:
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾** [المائدة: 48].
خطورة الخلط بين المدرستين: لماذا تفشل مشاريع الإصلاح؟
تتأكد ضرورة هذا "الاستقرار المنهجي" (التمييز بين الثابت والمتغير) عندما نراجع تاريخ الحركات الإصلاحية في القرنين الأخيرين. الكثير من دعوات التجديد انتهت إلى الفشل أو أعادت إنتاج الأزمة ذاتها، لأنها دخلت ساحة التجديد بأدوات التراث نفسه، أو بعقلية تخلط بين النص الإلهي والفهم البشري له.
عندما نخلط بين الوحي القطعي والاجتهاد البشري تحدث كارثتان متناقضتان:
1. ’’التقديس المعيق:’’حيث يُرفع كلام الفقهاء أو الرواة أو المتكلمين إلى مرتبة الآيات القرآنية، مما يؤدي إلى تجميد الزمن وإغلاق باب التفكير الديني. من هنا ولدت حركات التطرف والانغلاق التي تعيش في الماضي وترفض أي تعاطي مع الحاضر إلا من خلال فتاوى كُتبت قبل ألف عام لواقع لم يعد موجوداً.
2. ’’التمييع المطلق:’’ في المقابل، وبسبب العجز عن تفكيك هذا التراث المتصلب، يندفع البعض نحو التمرد الشامل، فيتخلون عن الدين ذاته وعن ثوابته القرآنية، ظناً منهم أن الدين هو هذه النسخة البشرية المشوهة الممتلئة بالقيود.
النجاة تكمن في فض هذا الاشتباك بشجاعة ووضوح؛ أن نقول: **هذا مراد الله القطعي فنلتزم به، وهذا مراد البشر الاجتهادي فنحترمه ولا نقدسه، ونأخذ منه ما يوافق زماننا ونترك ما تجاوزه الزمن.** يقول تعالى داعياً لإعمال العقل والتمييز الصريح:
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾** [الزمر: 18].
خاتمة
إن إعادة ترتيب العقل الإسلامي تبدأ من نقطة واحدة لا بديل عنها: إرجاع النص القرآني إلى مركزه كحاكم أوحد، وتجريد التراث من عصمةٍ لم يدّعها صانعوه لأنفسهم. إن الانتقال من مجرد التشخيص إلى رسم الحد الفاصل بين "قداسة الوحي" و"نسبية الاجتهاد" ليس مجرد خطوة بحثية، بل هو حجر الزاوية الذي تنبني عليه نهضة الأمة.
لا يمكن أن ينطلق قطار التجديد ونحن نضع في قمرة القيادة مرويات ظنية، أو سلطات مذهبية مُستبدة، أو مقولات فلسفية تجاوزها الزمن. التجديد الحقيقي هو تحرير للقرآن من قيود التراث، وتحرير للعقل بالقرآن، لينطلق المسلم فاعلاً في حاضره، ومستوعباً لمتغيرات زمانه، تحت ظلال وحي إلهي متجدد العطاء، لا ينضب معينه ولا تنقضي عجائبه.
#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟