أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - منير السباح - الوعي بالذات الوطنية ومقاومة سقوط الهوية الكفاحية للشعب الفلسطينى














المزيد.....

الوعي بالذات الوطنية ومقاومة سقوط الهوية الكفاحية للشعب الفلسطينى


منير السباح

الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 19:40
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


بين ثبات الهوية وسياط الإبادة الجماعية الشاملة، تقف الذات الفلسطينية اليوم أمام أكثر الاختبارات الوجودية قسوة وتطلباً في التاريخ الحديث، حيث لم تعد المعركة مجرد صمود عسكري في الميدان أو مواجهة نيران الطائرات، بل تحولت في عمقها إلى معركة وعي شامل بالذات، معركة تفرض إدارة التوازن الحرج والخطير بين الحفاظ على ثوابت الهوية الشرعية للمقاومة، وبين إنقاذ الإنسان الذي تطحنه الكوارث والضغوط الإنسانية الهائلة التي تجاوزت قدرة البشر على الاحتمال، وفي هذه اللحظات الفاصلة ينزع الوعي بالذات عن نفسه رداء الرفاهية الفكرية أو التأمل النفسي الهادئ، ليصبح استراتيجية نجاة قصوى، وأداة حاسمة لابتكار حلول خلاقة تحمي الروح من السقوط في هاوية الاستسلام، وتمنع المحتل من تحقيق مأربه النهائي في تفكيك المجتمع وإبادته معنوياً وجسدياً.إن الحفاظ على شرعية مقاومة الاحتلال يظل ثابتاً وطنياً وتاريخياً وأخلاقياً لا يختلف عليه اثنان، ولا يقبل القسمة أو المساومة تحت أي ظرف من الظروف، ويتجلى هذا الوعي بالذات السياسية والتاريخية بوضوح عند تفكيك الأطروحات والمبادرات التي تروج لها دولة الاحتلال مدعومة ببعض القوى الدولية، والتي تضع بند نزع السلاح الكامل كشرط أساسي وجوهري للمرور إلى مسارات الإعمار والانسحاب أو وقف إطلاق النار، حيث يدرك العقل الفلسطيني الواعي أن هذا الطرح لا ينطلق من هواجس أمنية بحتة أو رغبة في السلام، بل هو محاولة هندسة لاستسلام وجودي كامل وتفريغ للقضية من مضمونها التاريخي، وتجريد للشرعية يسعى لطمس هوية الإنسان المقاوم وتحويله إلى كائن خاضع بلا حماية، يسقط حقه الطبيعي والشرعي والمنصوص عليه في القوانين والمواثيق الدولية لدفع الظلم ومقاومة سالب أرضه، فضلاً عن كونه فخاً يراد منه إيقاع المجتمع في شرك الفوضى الداخلية والاقتتال العارم بمجرد تجريده من أداة حمايتها وضبطه الأمني، مما يمهد الطريق لتمرير مخططات التهجير وتصفية القضية كلياً.لكن على الكفة الأخرى من هذا الميزان الحرج والمؤلم، يقف المجتمع المثخن بالجراح تحت وطأة كوارث غير مسبوقة ونزوح متكرر طال كل عائلة، فقد تجاوز التعب والإنهاك طاقة البشر؛ فالجوع، والأمراض، وفقدان الأحبة، وتدمير البيوت والمستشفيات، خلّفت ندوباً نفسية وصدمات عميقة قد تمتد لأجيال، وهنا تحديداً يواجه الوعي بالذات المأزق الأكبر والتحدي الأكثر تعقيداً، ويتساءل المرء كيف يمكن لإنسان يستنزفه البحث اليومي عن شربة ماء نظيفة أو خيمة تحمي أطفاله من برد أو حر، أن يحمل وحده عبء الحفاظ على المبادئ الكبرى والشعارات العريضة، خاصة وأن المحتل يراهن تماماً على هذا الإنهاك الحارق للروح ليدفع الناس تحت وطأة الوجع نحو اليأس التام والمطالبة بالخلاص بأي ثمن ولو كان الاستسلام.أمام هذه المعادلة الصعبة، يبرز الحل الخلاق الذي ينبثق من الوعي الاستراتيجي ليرفض الجمود والصيغ الصفرية، فالوصول إلى مخرج حقيقي يتطلب الانتقال من الوعي الانفعالي اللحظي إلى وعي قادر على الفصل الذكي بين أداة السلاح كأداة مادية تخضع للمتغيرات السياسية، وبين جوهر المقاومة كحق مشروع وفكرة وسلوك وهوية متجذرة في وعي الشعب لا يمكن انتزاعها، ومن هنا يتشكل فقه الضرورة والتحول التكتيكي عبر رفض مصطلح نزع السلاح بصيغته الاحتلالية المهينة، والاستعاضة عنه بمفهوم الترتيبات الأمنية السيادية التي تسلم إدارة الملف الأمني والصلاحيات الميدانية لقوة أو لجنة وطنية فلسطينية خالصة ذات بعد توافقي لإدارة شؤون الإعمار والحياة، بحيث يُحيّد السلاح ميدانياً لحماية الحاضنة الشعبية وتخفيف الضغط الرهيب عنها وفتح الباب لشفاء الجراح والتعافي، ولكن دون تسليمه للعدو أو الرضوخ لإملاءاته التجريدية التي تسلب الحقوق وتلغي شرعية الدفاع عن النفس الكفيلة بحماية الوجود.ويكمل هذا الحل الخلاق مساره عندما يدرك المجتمع أن الصمود النفسي والمجتمعي والتكافل الإنساني في أوقات الكوارث هو في حد ذاته أعلى درجات المقاومة وأكثرها تأثيراً، فعندما تصبح الضغوط النفسية والاجتماعية أداة هدم يستخدمها المحتل لكسر الإرادة، فإن الوعي بالذات يملي على المجتمع تفعيل شبكات الأمان الذاتية؛ كتقاسم لقمة العيش, وإقامة المبادرات التعليمية البسيطة تحت ركام المدارس المدمرة، وتقديم الدعم النفسي والمعنوي المتبادل بين الأسر النازحة، وهي سلوكيات تحمي البنية الاجتماعية من الانهيار الأخلاقي الذي يريده الاحتلال، بالتوازي مع تمسك سياسي حازم يرفض أي غموض في الاتفاقيات، ويربط أي ترتيبات ميدانية بالانسحاب الشامل والكامل للاحتلال، ورفع الحصار الكلي، وفتح المعابر، مع وجود أفق سياسي حقيقي ومضمون يقود إلى السيادة وحق تقرير المصير، لأن أي طرح لا يضمن هذه الكرامة السياسية والسيادية هو مجرد عملية تجميل لاستسلام مرفوض ترفضه تضحيات هذا الشعب وثوابته الراسخة.إن الوعي بالذات الفلسطينية في هذه اللحظة الراهنة والمصيرية يعني إدراك أن حفظ حياة الناس وحماية الحاضنة الشعبية وتأمين سبل عيشها وإعمار ما دمرته الحرب هو أولوية قصوى تتقدم على كل شيء، ولكن دون أن يكون ذلك على حساب إسقاط شرعية الوجود أو التفريط بالحق التاريخي والشرعي الثابت في مقاومة الاحتلال، وتكمن الخلاصة في ابتكار مرونة سياسية وتكتيكية شجاعة تحمي الأجساد المنهكة وتفتح طاقة أمل للتعافي وإعادة البناء، بالتوازي مع صلابة مبدئية في الوعي ترفض التفريط بالهوية؛ فالسلاح قد يغير شكله أو آلية تموضعه وإدارته استجابة لظروف قاهرة وحقناً للدماء، لكن وعي الشعوب بحقها وحريتها وشرعية مقاومتها للمحتل هو السلاح الأبدي والأقوى الذي لا يمكن لأي اتفاق أو قوة غاشمة في هذا العالم أن تنزعه أو تبيده.



#منير_السباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محكمة الضمير الإنساني تلاحق كل من يخالف الفطرة السليمة
- سقوط الرواية الصهيونية فى احقيتها بأرض فلسطين على ايدى علماء ...
- الدبكة الفلسطينية نبض الأرض وايقونة الهوية العابرة للاجيال
- جدلية الفرح والحزن: بين رفض الموت وصُنْعِ الحياة
- الاعراض النفسية لصدمة مابعد الحرب
- الشهادة بين جلال المقدس وفداحة الخسارة
- شكرا للضمير العالمى
- قم من عثرتك
- حظ النفس
- الانسان اسم وعنوان
- كنعان منذ أول الزمان
- لوثة التدين
- قصاصة ورق
- ذاكرة الصوت والسمع
- زغردى يا ام الجدايل
- الم واجل
- سيرة ادبية
- فى يوم اللغة العربية ( زى اقلام)
- اكنت انت
- كيف تصبح منافقا


المزيد.....




- ترامب يفشل ويبرم اتفاقاً لإعادة فتح مضيق هرمز
- مصر.. وفاة أحد رفاق عبد الناصر في ثورة 1952
- مصر.. وفاة أحد زملاء عبد الناصر في ثورة 1952
- بريطانيا: فوز آندي بيرنهام بمقعد نيابي يشعل سباق قيادة حزب ا ...
- طهران وواشنطن تشرعان في مفاوضات  
- رؤية ماركسية للفساد؛ الفساد آلية هيكلية خاصة بطور الرأسمالية ...
- بين اليسار واليمين المتطرف.. ما مصير القضية الفلسطينية في كو ...
- مفهوم الهيمنة عند غرامشي وسعيد وتشومسكي.. كيف تُصنع سيطرة ال ...
- بريطانيا: فوز آندي بيرنهام بمقعد نيابي يعزز فرصه في تحدي ستا ...
- العدد 657 من جريدة النهج الديمقراطي


المزيد.....

- في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما ... / محسين الشهباني
- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - منير السباح - الوعي بالذات الوطنية ومقاومة سقوط الهوية الكفاحية للشعب الفلسطينى