أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - شادي أبو كرم - لماذا ما زلنا نتشاجر على الساروت؟















المزيد.....

لماذا ما زلنا نتشاجر على الساروت؟


شادي أبو كرم
كاتب سوري

(Shadi Abou Karam)


الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 16:47
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


كلما ذُكر اسم عبد الباسط الساروت تتكرر الجملة نفسها: "رمز الثورة السورية". والغريب أن أحداً لا يسأل ما إذا كانت المشكلة في الجملة نفسها. فالساروت كان رمزاً فعلاً. لكن السؤال هو: رمز ماذا؟ رمز الحلم الديمقراطي الذي تحدثت عنه النخب السورية؟ أم رمز المجتمع السوري كما كان فعلاً؟ بالنسبة لي، هذه هي العقدة كلها.
المشكلة في عبد الباسط الساروت أنه لم يمت. هذه ليست جملة بلاغية، ولا محاولة لاستفزاز أحد. المشكلة أن الرجل ما زال حياً في جزء كبير من الوعي السوري، وفي جزء أكبر من اللاوعي السوري أيضاً. ما زال حياً في اللغة التي نسمعها كل يوم، وفي الشماتة، وفي التبرير، وفي ذلك الخطاب الذي يخرج عند أول اختبار حقيقي فيكشف ما تحته من خوف وعصبية وثأر. ما زال حياً في ذلك الجزء من المجتمع الذي يتحدث عن الحرية بينما يقصد الغلبة، ويتحدث عن العدالة بينما يقصد الانتقام، ويتحدث عن الوطن بينما يقصد جماعته.
لهذا لا أفهم النقاش حول الساروت بوصفه نقاشاً حول رجل مات قبل سنوات. أفهمه بوصفه نقاشاً مؤجلاً حول الثورة نفسها، وحول المجتمع الذي أنجبها، وحول الأوهام التي عشنا داخلها طويلاً. من أكثر الأكاذيب راحة في الذاكرة السورية أن عبد الباسط الساروت كان رمز الثورة السورية كما أرادتها النخب المدنية والديمقراطية. هذه جملة نكررها لأننا نخاف من الجملة الأخرى. الساروت كان رمزاً للثورة أيضاً، لكن للثورة كما وُجدت فعلاً، لا كما حلمنا بها.

الساروت لم يخن الثورة، كان صادقاً أكثر من كثيرين. نحن الذين كذبنا على أنفسنا.

كان من السهل أن نحبه. شاب فقير، حارس مرمى، ابن مدينة محاصرة، خسر إخوته وأصدقاءه، يمتلك صوتاً قادراً على تحريك الشوارع. امتلك كل ما تحتاجه أي جماعة لصناعة أسطورتها الخاصة. لكن الأساطير لا تُصنع من الحقيقة وحدها، وإنما من الأشياء التي نقرر تجاهلها أيضاً. هتافاته الطائفية لم تكن سراً. لم تكن تسجيلات مخفية اكتُشفت بعد موته. كان يردد "شرطة نصيرية" أمام الجميع، وكان يغني "جنة جنة" أمام الجميع. وكان يتحدث عن الحوريات والخادمات أمام الجميع، وكان حاقداً على النظام النصيري والشيعة والأقليات أمام الجميع، لم يكن يخفي شيئاً. نحن الذين أخفينا هذه الأشياء عن أنفسنا لأن وجودها كان يفسد الرواية التي أردنا تصديقها.

المفارقة أن الساروت لم يكن منافقاً. المنافقون كانوا الذين سمعوا كل ذلك ثم أقنعوا أنفسهم أنه تفصيل صغير. قيل إنها لحظة غضب، وإنها لغة شارع. قيل أيضاً إنها ظروف حرب، وإنه ابن بيئته، وإن الضحية لا تُحاسب. لكن أحداً لم يتوقف أمام السؤال الأهم: ماذا لو لم يكن هذا كله تفصيلاً؟ ماذا لو كان هذا هو المتن نفسه؟

المشكلة ليست أن الساروت كان طائفياً. المشكلة أن طائفيته لم تمنع تحويله إلى رمز جامع. هنا يكمن العطب السوري كله تقريباً. لأن الرجل لم يخرج من فراغ. خرج من مجتمع سوري حقيقي، لم يخرج من كتاب عن الديمقراطية، ولا من كتيب عن الدولة المدنية. مجتمع مسحوق ومهان ومظلوم، نعم. لكنه أيضاً مجتمع محمل بالطائفية والعصبية والذكورية والثأر والدين الشعبي، وبخيال جماعي يرى الحرية أحياناً بوصفها تحرر جماعته هو، وليس تحرر الجميع.

لهذا أعتقد أن أحد أكبر الأخطاء التي ارتكبها قسم من السوريين، كان الاعتقاد أن العدو المشترك يصنع حلماً مشتركاً. لم يكن ذلك صحيحاً أبداً. الليبرالي خرج ضد الأسد لأنه أراد دولة قانون. الإسلامي خرج لأنه أراد دولة أقرب إلى تصوره الديني. ابن العشيرة خرج لأنه أراد استعادة مكانة ضائعة. الفقير خرج لأنه سئم الإهانة. المتدين خرج لأنه رأى في السلطة عدواً لدينه. كل هؤلاء قالوا كلمة "حرية"، لكنهم لم يقصدوا الشيء نفسه. وهذه ليست ملاحظة هامشية، هذه أصل المأساة السورية.

تعاملنا مع الثورة سنوات طويلة وكأنها كيان أخلاقي متجانس. وكأن ملايين السوريين كانوا يحملون المشروع نفسه. وكأن إسقاط الأسد كان يعني تلقائياً ولادة دولة ديمقراطية. لكن المجتمعات لا تعمل بهذه الطريقة. المجتمعات تخرج إلى التاريخ بما تحمله من أحلام وأمراض معاً. ولهذا لا أرى أن الساروت كان انحرافاً عن الثورة، أراه أحد أكثر تعبيراتها صدقاً. وهذا بالضبط ما يجعل النقاش حوله مؤلماً إلى هذا الحد.

الاعتراف بحقيقة الساروت يجبرنا على الاعتراف بحقيقة أخرى أكبر منه بكثير. أن جزءاً واسعاً من السوريين لم يكن داخل مشروع وطني جامع أصلاً. لم يكن يرى سوريا كجماعة سياسية متساوية. كان يراها كغلبة مؤجلة، كاستعادة حق، كتصحيح ميزان قوة. كانت المشكلة عنده من يحكم، لا فكرة الحكم نفسها. ولهذا لم يكن صادماً أن يصفق قسم واسع من السوريين لاحقاً لسلطة قادمة من خلفية جهادية. الصادم فقط أننا صُدمنا.

حين أنظر اليوم إلى تبرير مجازر الساحل، لا أرى قطيعة مع ما سبق. وحين أنظر إلى الشماتة بالدروز بعد مجزرة السويداء، لا أرى قطيعة مع ما سبق. وحين أرى طلاباً يُهددون زملاءهم على أساس طائفي داخل الجامعات، لا أرى قطيعة مع ما سبق. أرى المسار نفسه وقد وصل إلى نهايته المنطقية. من الهتاف الطائفي إلى السلاح. ومن السلاح إلى التشكيلات الإسلامية. ومن التشكيلات الإسلامية إلى تبرير الغلبة. ومن الغلبة إلى تبرير المجازر. ليست هذه حوادث منفصلة، هذه سلالة سياسية وأخلاقية واحدة.

لهذا لا أريد محاكمة الساروت. الأموات لا يحتاجون إلى محاكمات جديدة، لأن الأحياء هم المشكلة. الذين ما زالوا يريدون ثورة بلا نقد، وضحايا بلا مساءلة، ورموزاً بلا تاريخ، ومجتمعاً بلا أعطاب. هؤلاء هم امتداد المشكلة نفسها. لأن الذاكرة التي لا تستطيع النظر إلى قبحها تتحول إلى دعاية، والدعاية قد تنتج شعوراً جيداً لكنها لا تنتج وطناً.

الخلاف على الساروت ليس خلافاً على رجل مات، إنه خلاف على سوريا نفسها. على سوريا التي تخيلنا أنها كانت تنتظر فقط سقوط الأسد كي تظهر مدنية وديمقراطية ومتصالحة مع ذاتها. ثم اكتشفنا أن تحت الاستبداد لم تكن تختبئ مدينة فاضلة، كان هناك مجتمعاً خائفاً ومكسوراً ومثقلاً بطوائفه وعصبياته وأوهامه القديمة. مجتمع يستحق الحرية بالتأكيد، لكنه لا يحملها تلقائياً في داخله كما أحببنا أن نصدق.

وهنا أصل إلى ما أراه السؤال الحقيقي كله. ليس: هل كان الساروت بطلاً أم متطرفاً؟ وليس: هل كان ضحية أم جلاداً؟ هذه أسئلة سهلة. السؤال الأصعب هو: لماذا ما زال السوريون يحتاجون إلى تبرئته؟ لماذا يشعر كثيرون أن الاعتراف بطائفيته يهدد الثورة نفسها؟

الجواب، في رأيي، أن الساروت لم يعد يمثل نفسه منذ زمن. أصبح يمثل شيئاً أوسع بكثير. أصبح يمثل ذلك الجزء من المجتمع السوري الذي لا يريد أن ينظر إلى نفسه في المرآة. ذلك الجزء الذي يحمّل الاستبداد كل المسؤولية ثم يرفض الاعتراف بأن الطائفية التي كانت تهتف في الشارع ليست أقل خطراً من الطائفية التي كانت تحكم من القصر. ذلك الجزء الذي يريد إدانة الجلاد، لكنه لا يريد مساءلة الضحية حين تحمل مشروعاً يشبه مشروع جلادها.

لهذا فإن الساروت ليس المشكلة، الساروت مرآة. والمشكلة أن ما تعكسه هذه المرآة أقسى بكثير من الرجل نفسه. لأنها تقول لنا شيئاً لا نريد سماعه. ربما لم تكن مشكلتنا أن الساروت لم يشبه حلمنا. ربما كانت مشكلتنا أن السواد الأعظم من السوريين كان يشبه الساروت أكثر مما يشبه ذلك الحلم. وربما لهذا السبب تحديداً ما زلنا نتشاجر حوله حتى اليوم. لأن الاعتراف بحقيقته لا يغيّر صورة رجل مات، وإنما يغيّر الصورة التي نحملها عن أنفسنا. وهذه، في النهاية، أصعب الهزائم كلها.



#شادي_أبو_كرم (هاشتاغ)       Shadi_Abou_Karam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في الرد على حسام جزماتي: في حدود اللغة وحدود ما تخفيه
- النسوي-الكويري كمرآة معكوسة: من خطاب للتحرير إلى نظام للوصاي ...
- سوريا التي لا تشبهني، ولا أريدها أن تكون.
- نم يا سمير... فالقَتَلة ما زالوا يكتبون
- حكمت الهجري: رجل الدين الذي أزعج الآلهة الجديدة
- دماء فائضة عن الحاجة: إسرائيل تحتل والسوريون يتفرغون لذبح بع ...
- خناجر الله في ظهر الحرية: سيكولوجيا القتل الديمقراطي
- الطفل الذي تعلم الذبح: كيف تربّى السوريون على الكراهية؟
- المرأة حين تُصبح سجّانة نفسها: كيف تُعيد الضحية إنتاج قيودها ...
- الطغيان ليس قدراً، لكنه الخيار المفضل دائماً
- الحوار الوطني: حين تصبح السياسة إدارة أزمة لا مشروعاً للدولة
- الطغاة لا يولدون من العدم: كيف صنع السوريون استبدادهم وحموه؟


المزيد.....




- حماس: لقاءات القوى والفصائل الفلسطينية في القاهرة تجري بشكل ...
- Women Face the Greatest Climate Risks but are Critical to Cl ...
- فيديو يهز أيرلندا الشمالية.. كيف أشعل اليمين المتطرف شوارع ب ...
- رحلة العار من “ودوهم النقب” إلى محاكمة معتقلي فلسطين
- الشيوعي العراقي يلتقي رئيس الجمهورية نزار آميدي
- رغم الاحتجاجات الشعبية.. صور فضائية تكشف تسارع الأعمال بمنشأ ...
- فريق أوزال يستقيل من الجمعية العمومية لحزب الشعب الجمهوري ال ...
- جون زيغلر: وفاة شخصية بارزة في اليسار السويسري
- تفاعل مع الصديق وائل الناصح حول المقاومة وموازين القوى
- الشرطة تستخدم خراطيم المياه بوجه متظاهرين في أيرلندا الشمالي ...


المزيد.....

- في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما ... / محسين الشهباني
- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - شادي أبو كرم - لماذا ما زلنا نتشاجر على الساروت؟