|
|
فن الإصغاء تزامن الصدى والصورة والمعنى الكامن
احسان طالب
الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 21:39
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
أعلم أنك تعتقد أنك تفهم ما تظن أنني قلته، لكنني لست متأكداً من إدراكك أن ما سمعته ليس هو ما قصدته.(روبرت مكلوسكي) إنها إشكالية التواصل وغياب يقين القصد والمعنى الكامن، وقد تبدأ المشكلة من المتكلم وليس من المتلقي، فقد يكون الأول مدلسا أو فاقدا لقصد دقيق نحو معنى يريد الإفصاح عنه، وقد يكون الأخير يستمع ولا يصغي أو يصغي ولا يفهم. وسائل وطرق التواصل: التواصل بحد ذاته موقف ورد فعل وتقديم للذات كل ذلك بمواجهة الآخر، الذات عبر شخصية تمثلها تسعى بواسطة طرق متعددة للتواصل للإفصاح عن موقف أو رغبة أو حاجة أو عاطفة أو شعور. إن مجرد كون الإنسان موجوداً هنا أو هناك أو في أي مكان أو زمان ضمن محيط بشري هو تلقائياً كائن تواصلي، حتى في لحظات تكوينه داخل الرحم، وبمجرد بدء التقاط الأصوات والإحساس بالحركة يتخلق في ذهنه بصورة طبيعية غريزية، حس وفضول الاتصال بالآخر والتعرف عليه وتعريف نفسه. تلك الطبيعة الغريزية جعلت من الإنسان كائناً تفاعلياً بصورة مستدامة، ينقطع عن التفاعل قسراً أو قهراً، بفعل عوامل نفسية واجتماعية وسلطوية، لكن ذلك الانقطاع لا يغيِّر في جوهر طبيعته وغريزته. تزامن الصدى والصورة: يثبت تاريخ تطور الإنسان أنه تدرج باستعمال أدوات التواصل عبر تطور وتقدم مهاراته ومعرفته بذاته والكون من حوله، كانت لغة الجسد والعيون والأصوات المركزة على الهمهمة والهمس والجهر ونبرة الصوت تعبيراً عن التقرب أو العدائية أو رغبة في التعرف وملء الفضول، كل ذلك قبل اكتشاف القدرة على الكلام والتعبير باللغة. تشكل اللغة المنطوقة رموزاً دلالية يستخدمها البشر للتعبير عن المعاني والأشياء، وكان وجودها ضرورياً لإتمام وتسهيل عملية التواصل، التي أصبحت فن استغلال الكلمات المتعارف عليها كرموز ودلالات، كجسور ومطايا لتنفيذ الخطط وتحقيق المآرب والغايات. فالقضية بدأت مع بدء التعرف على ما تملكه الذات من أدوات ووسائط مودعة في جسده ودماغه، كمتلقي ومرسل في نفس الوقت، حيث يتزامن الفعلان فيتلقى ما يصله من ايحاءات جسدية وأصوات فيركز على نبرة الصوت ثم يصغي للكلمات وبتزامن تداخلي يقوم مباشرة بتحليل ما تلقاه، فتتحرك في مداركه أحاسيس ومشاعر قبل تشكيل موقف أو حكم أو ردة فعل يرسلها من خلال الايحاءات اللاإرادية والواعية بالإيحاءات والأصوات والحركات والكلمات. يتخذ التواصل شكل الاستجابة التلقائية والإرادية بصورة يسبق الوضع اللاإرادي التموضع المدرك أو الواعي، فالشق الأول غالباً ما يكون استجابة نفسية لما استقر في الوعي الجمعي في نفوس الأفراد. فعندما يبادر أحدهم لمخاطبتي بنبرة حادة وصوت مرتفع سيكون رد فعلي التلقائي عدائياً، ومع تزامن تلك التلقائية مع الإدراك الواعي ومستوياته السلوكية والنفسية يصدر رد الفعل أو ما يمكنني تسميته بالاستجابة، تسخِّر الاستجابة جملة من الإمكانيات والمهارات المتوفرة لدى المتلقي، وتبيِّن حدودها ومعالمها مدى سيطرة الوعي والحس الاجتماعي على ما يظهر من باقة المواد المرسلة كرد على ما تم القاؤه وما تم وصوله، كما تظهر مدى تطابق المستقبل مع حقيقة ما تم إرساله وما أريد وصوله. عندما يعرض شاب مساعدة على سيدة تعثرت أمامه وسقطت بعض أشيائها على الأرض، يكون قد تلقى واقعة طارئة سيبادر تلقائياً للتعامل معها، وغالباً ما يتوقف رد فعله على مظهرها وعمرها وجمالها، هو قد يبادر في كل الأحول على تقديم المساعدة، لكن مشاعره الانفعالية وما يصبو إليه ليست متطابقة حيال الشابة الجميلة أو السيدة القديرة المهذبة. فهو سيكون سعيداً ومسروراً لتواجده في اللحظة المناسبة في الحالة الأولى، في حين سيشعر بالمسؤولية وبعض الشفقة في الحالة الثانية. وسنجده راغباً في إطالة زمن التواصل مع الشابة مستخدماً ما يملكه من سحر البيان وألق المظهر، وسيتبادل نظرات العيون ولطيف الكلام، وسيفترض أن هناك فرصة ما لمد جسر للتواصل أبعد، أما بين يدي السيدة المسنَّة، سيظهر ابتسامة محدودة ونبرة صوت مترافقة مع حالة شفقة وسيسرع في انجاز المهمة واختصار فرصة التواصل قدر الإمكان. بالجهة المقابلة نتفحص الصورة والصدى لنفس الحادثة بالنظر إلى الطرف الآخر، فالشابة ستتردد بالاستجابة لمبادرة الشخص الذي يقتحم عليها عالمها الخاص مبدياً المساعدة وعارضاً مؤشراتٍ على الرغبة في التواصل، وهنا لا تفكر الشابة طويلاً وتتشكل استجابتها بدءاً من تقييمها للمقتحم؛ فإذا وجد صدى وإعجاباً وتقييماً عالياً لديها كانت استجابتها أكثر ودية وأطول زمناً، وعلى العكس من ذلك ستكون فرص التواصل الودي والأول بعيدة حال عدم رضاها عن المظهر أو الشكل المرتبط بالعمر والوضع المادي بصورة عامة. ذلك المشهد الاعتيادي يشرح أننا كبشر نشكل إلى حد كبير تزامن الصورة والصدى حيث تتشكل الصورة في ميدان النفس الداخلي متصلة بالحدس والوعي والذاكرة التي تمثل مرجعية مزدوجة لبنية تواصلنا وعلاقاتنا. بني ذلك المشهد موضع التحليل بناء على واقعة مادية جسدية يمكن تصورها بأشكال وتفاصيل غير محدودة، لكن المشترك الجامع بينها كونها ليست قائمة أساساً على لغة التخاطب اللفظي، بل هي بالأساس تمت عبر التواصل الجسدي والحركي، ما يقودنا للتساؤل عن ماهية البنية والاختلاف فيما لو كان التواصل مبنيا أساساً على الكلمات واللفظ المنطوق والمرموز، أي اللغة. "اللغة ليست مجرد وسيلة للفكر؛ إنها أداة عظيمة وفعالة في التفكير"(السير همفري ديفي 1829-1778) العبارة نفسها بحذافيرها في أي لغة كانت، بالبداية لا تكون متحررة، أي تلقى ويتم تلقيها دونما قيود متشعبة، منها ما هو مرتبط بعوامل شكلية، كنوع الصوت ونبرته وطبقته ومصدر المتحدث ومكان السمع وحالة السامع الاجتماعية والنفسية والظرفية، ومنها ما هو موضوعي مرتبط بالدلالة والمعنى والمصطلح والقصد المعرفي. "الكلمات الجيدة تفعل أكثر من الخطابات القاسية، حيث أن شعاع الشمس دون أي ضجيج سيجعل المسافر يتخلى عن عباءته، وهو ما لم يمكن أن تفعله كل الرياح القوية ، لكنه فقط يجعله يتعلق به" (روبرت ليتون 84-1611) وتتبدل وتتغير تأثيرات العبارات والكلمات والخطاب باختلاف وتغيُّر كل من حيثيات الشكل والموضوع. عندما نسمع كلمة "حزمة" داخل قاعة اجتماعات سيتبادر للحاضرين تلقائياً معنى حزمة من الإجراءات أو الحوافز أو العقوبات أو المهام أو العرض وغيرها، لكن إذا كنت في السوق وسمعت كلمة حزمة وأنت بقرب محل لبيع الزهور سيتبادر لذهنك دون تردد باقة من الورود، ويمكن أن تسرح بخيالك لتتصور نفسك تحمل باقة معطرة منسقة الألوان والأطوال تسير في الطريق سريعاً لتقديمها لمن تحب، ولو كنت دخلت بقالة وتلقيت كلمة حزمة لن تفكر أبداً إلا بحزمة من النعنع أو السبانخ أو الطرخون وما شابهها؛ نظرة سريعة على ما استعرضناه تكشف لنا عن التباين الشاسع للدلالة والمعنى باختلاف الحيثيات المرافقة للفظ والكلمة. ولا يمكن بحال من الأحوال التغاضي عن المقاصد والنوايا والمعارف لكل من المرسل والمتلقي، فعندما أذهب للتفرج والتطلع على لوحات فنان تشكيلي أود بدون شك سماع الكلمات التي أراد الفنان قولها عبر ألوانه وخطوطه ولوحاته، فالقصد هنا ليس مجرد النظر بل هو الاستنطاق، وعندما أستمع لبيان سياسي لن أفكر فقط بمجرد معنى الكلمات التي تلقتها أذناي، بل سأفتش عن النوايا التي بعثت على إصداره وعن المقاصد التي ود المصدر إيصالها أو الوصول إليها. توظف شركات الإنتاج، أي انتاج كان مادياً أم معنوياً، هامشياً أم أساسياً، ضرورياً أو كمالياً، تلك التحليلات لطبيعة التواصل بين المرسل والمتلقي، والتزامن بين الصورة والصدى، بين حقيقة الشيء كما هو كائن وكما هو متصور، وبين الصدى الذي يقع في نفس وذهن المتلقي وبين الصدى الذي يريدون إيصاله. فالهدف من تكرار الإعلان مرات ومرات قد تبلغ عدة آلاف، ليس مضيعة للمال والوقت بل هو مقصود من أجل ترسيخ صورة المنتج في وعي المتلقي بحيث يصبح منتج بعينه مرجعاً لخدمة أو حاجة أو وظيفة بعينها، فتنظيف أواني الطبخ يرتبط بالمنتج x وحليب الأطفال مرجعه المنتح z والمناديل الورقية مرجعها المنتج y فإذا أردت شراء منتج ما لن تقول حليب أطفال بل تقول أعطني من x عبوتين أو ثلاثة، فذاكرتك خزنت المعلومات تلقائياً، ومن كثرة التكرار تطفو مباشرة على السطح، فالذاكرة تميل لسهولة التناول كما لو كان لديك نفس المادة مرتبة وأردت الحصول على بعضها ستتناول تلقائيا الأقرب؛ وهكذا تستخدم أدوات ومهارات التواصل والتزامن في خدمة الإعلان والبيع والشراء والتأثير في الجماهير وعموم الناس وصنع الوعي ونشر ثقافة بعينها. نستوعب هنا حقيقة استجابتنا وتفاعلنا مع ما نسمع ونتلقى ونحتفظ به وما نتذكره، وما نميل إليه وما يرتبط بذاكرتنا من مشاعر. يقول سامح: كانت اللغة الفرنسية مدرجة في المنهاج التعليمي الابتدائي وكنت أجد صعوبة بالغة في استيعاب الدروس في المدرسة، فالمدرس كان أستاذاً كبيراً في السن عصبياً لديه ميل غريب للمعاقبة بالضرب على الوجه أو اليدين، مع مرور الوقت فقدت كل اهتمامي باللغة الفرنسية وصرت أختلق الأعذار للهروب من الصف، ألحقني والدي بمعهد خاص لتعلم اللغة الفرنسية وترددت كثيراً بالقبول، لكن في النهاية رضخت لرغبة والدي. كانت المفاجأة أنني خلال بضعة أسابيع اعتدت على اللكنة الفرنسية وصرت أستعملها بمحادثتي مع أهلي وأصدقائي. لقد كان هناك اختلاف بسيط تسبب بهذا التغيير، في المعهد الخاص كانت المدرِّسة شابة جميلة لبقة لا تغادر ابتسامتها وجهها المشرق. لكنني لا أنكر بأن أستاذ المدرسة كان أقدر كما قال لي والدي. معادلة التواصل والتبادل معقدة، لكثرة العناصر الذاتية المتداخلة فيها، ولكثرة العوامل الخارجية المتعلقة بها، كذلك هو الحال من جهة الشكل والموضوع والصورة والصدى. وبالرغم من كل هذا التعقيد يتم ذلك التواصل والتبادل بصورة سلسة وتلقائية ومستمرة دونما انقطاع في الغالب الساحق من حالات التواصل والتبادل. كما مر معنا في الفصل الثالث يتحول الأشخاص والمجموعات لوسوم، وبناء على تلك العلامات والسمات تبنى هيئات وكيفيات. وأنواع التواصل والتبادل: 1 ـ التواصل النفعي الاستنزافي: وهذا النوع قائم على الحصول على منفعة أو مصلحة أو حاجة أو متعة. ويندرج ضمنه السعي لتحقيق الوصول للحاجات والمصالح ونسج العلاقات بكافة أشكالها. 2 ـ التواصل الاعتباري أو التقويمي: وهو ما يرغب الأفراد بواسطته تحقيق مكانة أو درجة أو اعتبار مجتمعي وجاهي أو رسمي، ويندرج ضمنه السعي على مكانة علمية ومعرفية. 3 ـ التواصل التراتبي أو التوجيهي: وهو تفاعلي بالمقام الأول، ويقوم بالأساس ذلك النوع على إصدار معلومة أو توجيه أو نصح، ويندرج ضمنه واجهات الوعظ والإرشاد، كما يتطرق في جانب منه لقضية الحوار وتبادل الأفكار وتقديم الأطروحات الثقافية والمعرفية، ويكون بالعادة تفاعلياً مثل الانخراط في النوادي الثقافية والمنتديات العلمية أو الأدبية. 4 ـ التواصل الوصفي المحض: وهو ذلك المكان الضيق نسبياً الذي تنعقد فيه الصداقات والعلاقات، والمجموعات ذات الوصف المعين، كالنقابات والجمعيات ونوادي الشطرنج ونوادي الغولف أو روابط التراث وكثير من الهيئات الموصوفة، وفي غالب الأوقات يكون ذلك التواصل مرتبطاً بخاصية أو وصف أو هيئة مشتركة بين أفراد ومجموعات صغيرة. " إن الطريقة الأكثر فاعلية لتحقيق العلاقات الصحيحة مع أي كائن حي هي البحث عن الأفضل فيه، ومن ثم مساعدة ذلك على أكمل وجه في التعبير الأكمل" (ألين ج. بون) وضمن هذه الأنواع وغيرها يتم التواصل اللفظي والبيئي والمحيطي والإيحائي والحركي والجسدي والتأثيري؛ كالعلاقة بين القوي والضعيف وبين المستويات الاجتماعية والشخصية المتباينة. يمكننا من مجمل المقدمة أو الأطروحة السابقة معرفة الدور الجوهري لعدة نقاط يتأثر بها التواصل المتفاعل: 1 ـ لا ينفصل ابداً تفاعلنا وطبيعته ومداه وحدته وشدته حتى وجوده من الأساس عن الوعي العميق المختزن في أذهاننا وعقولنا ووجداننا المشكل وفقاً لقيمنا الاجتماعية والتاريخية والعائلية والعقائدية. 2 ـ يتصل اتصالاً مباشراً بطبيعتنا النفسية، ونموذج شخصيتنا، وسويتنا الاجتماعية والثقافية والمعرفية. 3 ـ الظروف والحيثيات الزمانية والمكانية والعقلية، تتدخل مباشرة في صناعة التواصل وإنتاجه. 4 ـ المدارس الحسية واسطة أولية لمباشرة المعرفة وهي كذلك في ميدان التواصل والتبادل والتحاور. 5 ـ تشكل المظاهر والصور والتصورات والسمات عناصر ذات قيمة بالغة في لغة وحالات وانفعالات ومواقف وأحكام التواصل والعلاقات. 6 ـ العواطف والمشاعر التواصلية ليست منفصلة البتة عن مكونات معارفنا وثقافتنا السائدة والمتداولة. حتى تلك الحميمة والعميقة ليست متحررة من قيد تلك المكونات فهي تشتغل داخلها بالطريقة نفسها التي تنضج بواسطتها الثمار بعد قطفها وتخزينها، كذلك هو الحال بالطريقة ذاتها التي تتسبب تفاحة فاسدة بإفساد كامل حبات الصندوق. تحسين مهارات الاستماع والاصغاء لا تخفى أهمية التواصل اللفظي بين الناس عبر التكلم والإصغاء والاستماع، ونحن نتواصل بإرادة وبتلقائية، فمجرد وجودنا في محيط بشري ينعقد التواصل فيما بين الناس، فنحن نسمع ونرى ونراقب الكلام والصوت وننتبه لنبرة الصوت وحركات الجسد واليدين ونظرات العيون. "يعتمد التواصل المترابط على أربعة مبادئ رئيسية: 1 ـ تحقيق الفهم أولاً 2 الاستماع بدون حكم قضائي .3 الاستماع إلى الجوهر 4 ـ كن أصليا" (Doc Childre و Bruce Cryer)
الاستماع والإصغاء بتحسين وتطوير مهارات التواصل من خلال الاستماع والإصغاء نصبح أقدر على تفهم الآخرين واستيعاب كلامهم والاستفادة القصوى من الأفكار والمعاني والخطط التي يقدمونه، وندرك حقيقة التعبير الذي يراد توصيله لنا، وفي ذات الوقت ينعكس ذلك التحسين والتطور إيجاباً على قدرتنا على التعبير عما نريد، ويزيد من فرص إكمال التواصل وتحقيق الفائدة المرتجاة أو الغاية التي بدأنا لأجلها عقد التواصل والتحاور. وسبق ومر معنا كيف يكون التواصل الفعال سبباً مساعداً في تنمية قدراتنا التفاوضية وحصولنا على الفرص الأفضل والأنسب. يكون الإصغاء بوابة رئيسة للتعلم والاستفادة والمعرفة، فيما يستخدم الاستماع للحجاج والجدل والرد والاستجابة.
التواصل اللفظي:
"الكلمات أفضل من الأفكار، فهي تعبر عنها وتضيف عليها؛ تعطيها القوة من أجل؛ الخير أو الشر بيد أنها في رحلة النهاية توجهها نحو السعادة والراحة والبركة، أو نحو المشقة والبلاء والحزن والخراب ". (تريون إدواردز 94-1809 ) تنتقل أطروحات التبادل والتواصل عبر اللغة والحديث والإشارة والرمز والسمة، اللغة لنقل المعلومات من خلال التحدث أو لغة الإشارة، ما يضعنا أمام حقيقة أهمية التواصل اللفظي المباشر أو بالواسطة، اللغة السائدة والحية وسيلة في غاية الفاعلية للتبادل والنقل والإرسال، لأنها تلقى نحو تربة جاهزة للتلقي والاستيعاب، فكلمة حياة في سياق رواية تتحدث عن امرأة تسرد تفاصيل معاناتها مع الحياة، ستعني لنا تلقائياً أن المفردة الأولى اسم لأنثى والأخيرة تعبير عن ظروف معيشة ترتبط بالعمر والزمن والحوادث والصعاب والطموحات والمسرات والخيبات وما إلى ذلك مما لا نهاية له، كل ذلك عبر مفردة واحدة هي الحياة. "يؤثر التحدث مع الناس على كل نواحي المعاملات وعلاقات التواصل بين البشر، حيث أنه يعني القدرة على توصيل الأفكار إلى الآخرين وإقناعهم بها" دورثي ليدز التواصل الكتابي: تشكل اللغة المقروءة فضاءً لا نهاية له لتواصل فريد يعتمد على فرد يختلي بسجل مكتوب من الورق اسمه كتاب، يتواصل من خلاله مع تجارب ومعارف وعلوم وخبرات لا حد لها وهو ما يمكننا دعوته بالاتصال الكتابي، ويندرج تحت ذلك المسمى المراسلات الحديثة عبر البريد الإلكتروني وسواه من التطبيقات الإلكترونية الكثيرة جداً. حيث تكون الكتابة هي الركيزة التي يتم بواسطتها التواصل والتبادل. التواصل السحابي: التفاعل الحقيقي لا يتعلق بالنقر على الأيقونات أو تنزيل الملفات، بل يتعلق بتشجيع التواصل". (إدوين شلوسبرغ) وهو ما يتم عبر أجهزة الهاتف والحواسيب والمنصات ووسائط التواصل الاجتماعي وما بلغته من تطور يمكن من تواصل بالصوت والصورة بين عدد كبير من الأشخاص بشكل مباشر، ويمكنهم من إشراك الذكاء الاصطناعي كمزود بالمعلومات والإحصائيات وتقديم الحلول والتحليلات. وقد يكون تواصلاً غير مباشر مع تسجيلات مرئية مباشرة ومسجلة قديمة وحديثة يمكن الوصول إليها بيسر واستدامة، هذه الواسطة المتشعبة واللانهائية باتت اليوم عاملاً قد يكون من الصعب التخلي عنه كما تشكل الاستغناء عنه خسارة بالغة يصعب تقييمها. "إن الحديث هو مثل العزف على القيثارة: هناك الكثير في وضع اليدين على الأوتار لوقف اهتزازاتهم كما في تشويشهم لإخراج الموسيقى" (أوليفر وينديل هولمز 1809 - 94) وفي كل حالات وأشكال التواصل التي تم ذكرها علينا إدراك حقيقة أن القيمة الحقيقية والكبرى للتواصل تأتي من خلال الإصغاء الجيد. فمجرد وصول الصوت ودخوله للنفس والعقل عبر الأذن يعني أنه قد تم سماعه، ولكي نستوعب معنى الاستماع نسرد المشهد التالي: مجموعة من المتسوقين يتحركون في مركز كبير للتسوق، بين الفينة والأخرى يقوم متحدث عبر مكبر صوت بالتكلم بعض كلمات بلغة معينة، من حيث الوضع الطبيعي كل المتسوقين استمعوا لما قاله المتحدث عبر مكبر الصوت لكن؛ ليس كل من استمع فهم، فقد يكون كثيرون منهم لا يعرفون اللغة التي تم الحديث بواسطتها فهم سمعوا ولم يفهموا، وقد يكون هناك شريحة تفهم لغة المتحدث لكنه استخدم مصطلحات أو كلمات معرفة بلغةً لم يسبق لهم التعامل معها أو معرفة مقاصدها، فليس كل من سمع فهم وليس كل من فهم أدرك ووعى. لهذا علينا إدراك مسألة وجود تشابه مشتركات كافية لتحقيق الاستماع الجيد من أجل تأمين التواصل الفعال. هناك خلل آخر في الاستماع وهو ما يمكننا دعوته بالاستماع السلبي؛ يحدث كثيراً أن يدور حوار أو نقاش بين أشخاص متعارفين ومتشابهين ما يمنح الأطراف المشاركة دفعة للتفاهم والتبادل، ويكون عادة في تلك المجموعة أحد ينظر بعينين مفتحتين وتركيز بصري على المتحدث ما يوحي باهتمام بالغ واستماع كامل، هذا ما يظهر أما بحقيقة الأمر فذلك الشخص غير مهتم إطلاقا بما يسمع، هو يعيش الجو العام، وفي لحظة متزامنة يستذكر أفكاره ويستحضر الرد الذي سيلقيه على الآخرين وقد يكون شخصياً أو بعيداً عن الطرح المسموع، وقد لا يكون ذو صلة مباشرة بما يقال، وربما يفكر بعض الحاضرين بالانتقام من المتحدث أو السعي للتقليل من مكانته وقيمته أو التشويش على مقولته، وكل هذه السلبية قد لا تكون بسوء نية وقد تستحضر الخير العام أو النصح والتوجيه، وفي جميع الأحوال ينبغي تجاوز السلبية وأعراضها خلال الاستماع. تلك الأعراض تظهر كتفسيرات خاطئة للعبارات نتيجة التسرع بالرد وعدم استيعاب ما يقال، فقد يفهم المستمع المتعجل من كلمة البعض أنه المقصود أو أن فئة يمثلها هي المقصودة، في حين يشير المتحدث إلى قصده بالبعض وبتحديد اشخاص لا علاقة لهم بمن ذهب إليه تفكير المستمع السلبي. وأحيانا تتسبب الرعونة في الرد والاستماع لتغيير في معاني الكلمات التي يتم فهمها حسب السياق. "بعض الكلمات تشبه أشعة الشمس، والبعض الآخر مثل الأسهم الشائكة أو لدغة الثعبان. وإذا كانت الكلمات الصعبة عميقة للغاية، فكم من المتعة يمكن أن تعطيها الكلمات اللطيفة؟ " (السير جون لوبوك 1913-1834) ما هي مهارات الإصغاء الجيد: 1 ـ استغراق السمع والاهتمام 2 ـ التركيز على الوصول لفهم الكلام والقصد الملازم له 3 ـ تجنب المحاكاة الشخصية وإعطاء حكم قبلي عن المتحدث، فتنميط الآخر يوقع المتلقي بفخ الاستماع السيء أو السلبي. فالإصغاء متحرر من الأحكام القبلية. 4 ـ يشكل تحرر الاستماع من النية السيئة المسبقة تجاه المتحدث مطية لفهم أفضل وأعمق لما يقال. 5 ـ الإصغاء ميل عاطفي وذهني نحو المتحدث، فالرغبة بفهم القول والتركيز على الأفكار المطروحة هو ما يمكننا تسميته بالاستماع المعزز. 6 ـ الاستماع استجابة حسية كالشم واللمس فهو تلقٍ للاهتزازات الصوتية وإدراك تونها ونوعها، فنباح الكلب أو صوت الرعد أو نقيق الضفادع كلها أصوات، يمِّيزها الإدراك الحسي الذي يشمل تصنيفات الأصوات في الذاكرة، ويتحول السمع إلى إصغاء بعد الإدراك الحسي الصوتي وينقلها إلى مجال الإدراك المفاهيمي والوعي المنظم ضمن تصنيفات العقل المعرفي. ليصدر العقل استجابة محددة بعد التحليل والتفكيك. وترجمة المعاني وتفسير الرموز المحشورة في ثنايا المحتوى اللفظي المسموع أو المكتوب. "تُستخدم الكلمات للتعبير عن المعنى؛ عندما تفهم المعنى، يمكنك نسيان الكلمات" (تشوانغ تزو 350 قبل الميلاد) ويمكننا تقديم بعض النصائح من أجل تمكين المتلقي من الإصغاء وتجنب التفاعل السلبي الاستماع الفارغ أو المرتبط بنية مسبقة. "تقول دورثي ليدز مؤلفة كتاب فن التحدث مع الآخرين: وإذا لم يستطع المتحدث الاستحواذ على انتباه الآخرين فإنه لم ينجح في التواصل معهم. ومها كانت جودة الفكرة التي يعرضها المتحدث إن لم ينجح في جعل مستمعيه يفهمونها ويقتنعون بها؛ فمعنى ذلك أنه لا يتواصل معهم، فلكي تكون محدثاً مؤثراً لا بد من أن تكون مقنعاً. لا بد من أن تكون ماهراً في التعامل مع الكلمات والأفكار، وهذا هو المفهوم. الأساسي الذي يتم التركيز عليه في فن التحدث أمام الآخرين" 1 ـ الوضوح واللغة السليمة ومستوى الصوت المناسب. كل تلك الأدوات مهمة لتحضير المتلقي للاستماع الفعال. 2 ـ ترتيب المفردات وتنظيم الأفكار وتسلسل الطرح يمنح المتلقي قدرة مباشرة على استيعاب الكلام وتفهم القصد والوصول للتفسير الصحيح. 3 ـ عند التحضير للكلام أو الحوار أو المحادثة ينبغي تعلم مهارة اختيار الكلمة الأكثر والأقرب دلالة للمعنى المقصود. 4 ـ الابتعاد عن التكرار الممل واستخدام عبارات التنبيه، وإشراك المتلقين باستخدام عبارات كما تعرفون وكما لا يخفى عليكم، وكما هو معلوم عندكم، وأمثالها. 5 ـ عدم الاستخفاف بمستوى الحضور أو التقليل من شأن مستوياتهم المعرفية، كأن يقول أحدهم: بالتأكيد لا يوجد في هذه الجلسة أو القاعة من يعرف المعنى الدقيق للبينونة. 6 ـ مقاربة المطروحات مع مرجعيات متعارف عليها، تلك المقاربة تسهل على المتلقي استيعاب المعنى والوصول للقصد بسرعة. فالمستمع سيكون منتبها ومتجاوباً عندما تطرح عليه معلومات منطقية وقريبة مما هو معروف لديه، حتى في حالات النقض يمكن الاستفادة من المرجعيات ذات القبول والصدى الإيجابي لدى المتلقين. المراجع والمصادر: 1 ـ فن التواصل مع الأخرين. المحرر فؤاد الكريزي اقتباسات عن كيفية التواصل مع الآخرين. نسخة pdf 2 ـ https://obstan.org/about-us/ منصة أوبستان منصة نفسية متكاملة تضع التثقيف النفسي وفق العلم المسند. 3 ـ الدليل الشامل في التعبير والتواصل مع الآخرين، دار شعاع. حلب سوريا الطبعة الأولى. 4 ـ كتاب فن التحدث مع الآخرين بلباقة pdf المؤلف دورثي ليدز دار الفاروق للنشر والتوزيع. دمشق. 5 ـ فن التعامل ومهارات الاتصال الفعال. المؤلف إيمان عبد الله كحلوت، الناشر دار الوراق 2015. نسخة pdf
#احسان_طالب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هل -أنظر تجد- الطهاوية تفكك معضلة الكوجيتو الديكارتي؟ اللغة
...
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
-
الحكومة الثيوقراطية ماهية السياسة بين ماكسيم رودنسون وفوكو
-
الليبرالية والأخلاق بحث في ماهية القيم مثالية أم مصطنعة
-
اغتراب الإنسان المعاصر نفي الإكليروس السياسي
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
-
الراهن السوري بين الإقرار الانتخابي للأكثرية ووهم استعلاء ال
...
-
نقد نظريات العقد الاجتماعي، الدولة ككيان أخلاقي
-
قيام الدولة وركائز العدالة والسلم والأمن والمصالحة
-
بحث في بنية العقل، الوظيفة علّة بنيوية
-
التسامي الإنساني الروحي. الدين كظاهرة وجودية أصيلة
-
بحث في المعنى، التأويلية الفينومينولوجية ما بين هايدغر وهوسر
...
-
القيمة والجوهر والماهية، الوعي وتفاضل الفضيلة
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
-
الدين والدولة والسياسة والأخلاق مفارقات موضوعية
-
ثورة العقل لزوم التنوير
-
بحث في المنطق، تفكيك وتحليل المغالطة المنطقية
-
قواعد المنهج في علم الظاهراتية. الموسوعة الفينومينولوجية
-
تأصيل مفهوم الشعور كأساس ظاهراتي، نقد الشعور الوجودي عند هاي
...
-
الانقسام الجوهري بين فينومينولوجيا هوسرل وأنطولوجيا هايدغر ا
...
المزيد.....
-
ترامب: مسؤولون إيرانيون كبار اتصلوا بي لطلب وقف قصف بلادهم
-
الحرس الثوري: نحذر أي سفينة من مغادرة الخليج وبحر عمان.. الا
...
-
الجيش الإيراني: هاجمنا الأسطول الخامس للجيش الأمريكي في البح
...
-
-استهداف آلية فيها سرقات من لبنان واحتراقها لساعة كاملة-.. ع
...
-
-سنتكوم- تنفي استهداف إيران سفينة حربية أمريكية في مضيق هرمز
...
-
-نظام نازي-.. رئيس كولومبيا يهاجم إسرائيل في مجلس الأمن
-
وول ستريت جورنال.. لماذا دخلت حرب إيران مرحلة أكثر خطورة؟
-
ليلة جديدة من النار.. أميركا توسع ضرباتها في إيران
-
خريطة النار.. أميركا تضرب دفاعات إيران على بوابة هرمز
-
ترامب يكشف: اتصالات إيرانية لوقف الضربات
المزيد.....
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
-
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
/ علاء سامي
-
كتاب العرائس
/ المولى ابي سعيد حبيب الله
-
تراجيديا العقل
/ عمار التميمي
-
وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف
/ عائد ماجد
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
المزيد.....
|