أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - من أسواق الرقيق إلى فيلم أسد: صفحة منسية من التاريخ الاجتماعي المصري















المزيد.....

من أسواق الرقيق إلى فيلم أسد: صفحة منسية من التاريخ الاجتماعي المصري


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 14:28
المحور: قضايا ثقافية
    


أعاد فيلم «أسد» للفنان محمد رمضان إلى الواجهة موضوعًا يكاد يكون غائبًا عن الذاكرة المصرية المعاصرة، وهو موضوع العبودية والرق في مصر خلال القرن التاسع عشر. رغم أن النقاشات التي صاحبت الإعلان عن الفيلم انصبت في معظمها على الجوانب الفنية والإنتاجية، فإن القيمة الحقيقية للفيلم ربما تكمن في قدرته على إثارة الاهتمام بإحدى أكثر الصفحات تعقيدًا وحساسية في التاريخ الاجتماعي المصري، وهي الصفحة التي تتعلق بمؤسسة الرق، وبالتحولات التي أدت إلى تراجعها ثم إلغائها رسميًا في إطار مشروع التحديث الذي شهدته مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

تتعامل الذاكرة الشعبية عمومًا مع العبودية باعتبارها ظاهرة بعيدة جغرافيًا وتاريخيًا، مرتبطة أساسًا بمزارع القطن في الولايات المتحدة أو بتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، وقد ساهمت السينما الأمريكية والأدبيات الغربية في ترسيخ هذه الصورة إلى حد جعل كثيرين يظنون أن العبودية كانت ظاهرة غربية بالأساس، غير أن الحقيقة التاريخية أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير، إذ إن الرق كان مؤسسة عالمية عرفتها معظم المجتمعات البشرية بدرجات متفاوتة، وعرفته مصر كما عرفته أوروبا وآسيا وأفريقيا والعالم العربي، وإن اختلفت أشكاله ووظائفه من مجتمع إلى آخر.

عرفت مصر العبودية منذ عصور قديمة، إلا أن القرن التاسع عشر يمثل المرحلة الأكثر أهمية لفهم علاقتها الحديثة بهذه المؤسسة، فقد شهدت مصر في عهد أسرة محمد علي توسعًا سياسيًا وعسكريًا كبيرًا في السودان وشرق أفريقيا، وهو ما أدى إلى تنشيط شبكات نقل الرقيق إلى وادي النيل. كانت القوافل تنقل الرجال والنساء والأطفال من مناطق واسعة في السودان ووسط أفريقيا، ليُباعوا في أسواق الرقيق أو يُستخدموا في الخدمة المنزلية أو الأعمال الزراعية أو في بعض التشكيلات العسكرية. لم يكن يُنظر لهذه الممارسات آنذاك باعتبارها شذوذًا أخلاقيًا، بل كانت جزءًا من النظام الاجتماعي والاقتصادي السائد في ذلك الوقت.

تكمن إحدى المشكلات الكبرى في تناول موضوع العبودية في مصر في أن كثيرًا من الكتابات المعاصرة تسقط عليه مفاهيم الحاضر ومعاييره الأخلاقية دون محاولة فهم السياق التاريخي الذي نشأ فيه، فالرق لم يكن مجرد علاقة اقتصادية بين مالك ومملوك، بل كان مؤسسة اجتماعية متكاملة تحكمها قوانين وأعراف وتصورات دينية وثقافية استمرت قرونًا طويلة، كما أن صورة العبد في المجتمع المصري لم تكن دائمًا الصورة النمطية المعروفة في التجربة الأمريكية، فقد شملت فئات الرقيق في مصر أفرادًا من أصول أفريقية وغير أفريقية، وكان بعضهم يندمج تدريجيًا في المجتمع ويكتسب مواقع اجتماعية متقدمة، بينما كان آخرون يظلون في أدنى السلم الاجتماعي.

شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تغيرًا جوهريًا في النظرة الدولية للعبودية، فقد كانت بريطانيا قد سبقت معظم القوى الكبرى في إلغاء تجارة الرقيق ثم إلغاء الرق نفسه داخل الإمبراطورية البريطانية، وتحولت تدريجيًا إلى القوة الدولية الرئيسية التي تتبنى مكافحة تجارة العبيد في مناطق النفوذ البريطاني وخارجها. لا ينبغي بالطبع النظر إلى هذه السياسة باعتبارها عملاً إنسانيًا خالصًا، إذ امتزجت فيها الاعتبارات الأخلاقية بالمصالح الاستراتيجية للإمبراطورية البريطانية التي كانت تسعى إلى فرض نفوذها السياسي والاقتصادي على طرق التجارة الدولية والمناطق الحيوية في أفريقيا والشرق الأوسط.

في هذه الأجواء الدولية الجديدة وجد الخديوي إسماعيل نفسه أمام تحدٍ مزدوج. كان من جهة يسعى إلى تحديث مصر وإدماجها في العالم الأوروبي الحديث، وكان من جهة أخرى يواجه ضغوطًا متزايدة من بريطانيا والقوى الأوروبية للحد من تجارة الرقيق. أدرك إسماعيل أن مشروعه الطموح لتقديم مصر باعتبارها دولة حديثة لا يمكن أن يتعايش طويلًا مع استمرار مؤسسة باتت تُعد في نظر أوروبا رمزًا للتخلف والاستبداد.

لذلك بدأت الحكومة المصرية خلال عهده في اتخاذ سلسلة من الإجراءات التدريجية للحد من تجارة الرقيق. لم يكن الأمر قرارًا مفاجئًا أو ثوريًا، بل كان عملية طويلة ومعقدة امتدت لسنوات، وقد تُوجت هذه الجهود باتفاقية عام 1877 التي وُقعت بين الحكومة المصرية وبريطانيا بهدف مكافحة تجارة الرقيق في الأراضي الخاضعة للإدارة المصرية، وخاصة في السودان، كما جرى تشديد الرقابة على طرق التجارة التقليدية وإصدار تعليمات متتابعة للحد من عمليات البيع والشراء والاستقدام.

لا ينبغي المبالغة في تصوير هذه الإجراءات باعتبارها نهاية فورية للعبودية في مصر، فالمؤسسات الاجتماعية الراسخة لا تختفي بمجرد صدور القوانين، لذلك استمرت بعض الممارسات المرتبطة بالرق لسنوات طويلة بعد صدور القرارات الرسمية، كما ظلت آثارها الاجتماعية والثقافية ممتدة داخل المجتمع، غير أن الاتجاه العام أصبح واضحًا منذ ذلك الوقت، وهو الانتقال التدريجي من مجتمع يقبل وجود الرق باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة الاجتماعية إلى مجتمع يتجه نحو رفضه قانونيًا وأخلاقيًا.

تكشف هذه التجربة عن جانب مهم من عملية التحديث في مصر، فالحداثة لم تكن مجرد إنشاء السكك الحديدية أو افتتاح دار الأوبرا أو إعادة تخطيط القاهرة على الطراز الأوروبي، بل كانت الحداثة أيضًا عملية إعادة تعريف للعلاقات الاجتماعية ولمكانة الإنسان داخل المجتمع، وكانت قضية الرق واحدة من أكثر القضايا التي تجسد هذا التحول العميق، لأنها تتعلق مباشرة بمفهوم الحرية الإنسانية وحدود السلطة التي يمكن أن يمارسها إنسان على إنسان آخر.

تأتي أهمية فيلم «أسد» من أنه يتيح فرصة لإعادة فتح هذا الملف التاريخي بعيدًا عن الأحكام المسبقة والتبسيطات الشائعة، فالفن لا يقتصر دوره على الترفيه، بل يمتد إلى استعادة الأسئلة المنسية وإعادة طرحها على الأجيال الجديدة، وإذا نجح الفيلم في دفع المشاهدين إلى التساؤل عن حقيقة العبودية في مصر وعن الظروف التي أدت إلى إلغائها وعن العلاقة المعقدة بين التحديث والهيمنة الاستعمارية في القرن التاسع عشر، فإنه يكون قد أدى دورًا ثقافيًا يتجاوز بكثير حدود الشاشة الكبيرة.

تكشف قصة العبودية في مصر عن مفارقة تاريخية لافتة، فقد جاء إلغاء الرق في لحظة كانت البلاد تسعى فيها إلى اللحاق بالعالم الحديث، لكنه جاء أيضًا في سياق تصاعد النفوذ البريطاني الذي انتهى بعد سنوات قليلة فقط بالاحتلال العسكري لمصر عام 1882، لذلك لا يمكن قراءة هذه القصة باعتبارها انتصارًا أخلاقيًا خالصًا أو مؤامرة استعمارية خالصة، بل باعتبارها نتاجًا لتفاعل معقد بين التحولات الفكرية العالمية والمصالح الدولية ومشروع الدولة المصرية للتحديث.

ربما يكون الدرس الأهم في هذه القصة أن التاريخ أكثر تعقيدًا من الروايات المبسطة التي تحاول اختزاله في صراع بين أبطال وأشرار، فالمجتمعات تتغير عبر مسارات طويلة ومتشابكة، والقيم التي تبدو لنا اليوم بديهية لم تكن كذلك دائمًا. كانت العبودية في زمن ما جزءًا من النظام الاجتماعي المقبول في معظم أنحاء العالم، ثم تحولت تدريجيًا إلى واحدة من أكثر الممارسات التي ترفضها الإنسانية المعاصرة. من هنا فإن العودة إلى هذه الصفحة المنسية من التاريخ الاجتماعي المصري ليست دعوة لإدانة الماضي أو تمجيده، بل محاولة لفهم الكيفية التي تغيرت بها الأفكار والمؤسسات والقيم، وكيف انتقلت المجتمعات من عالم كان البشر يُباعون فيه في الأسواق إلى عالم أصبحت فيه الحرية حقًا إنسانيًا لا يجوز المساس به.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل انتهى زمن الإعلام الجماهيري؟
- لماذا يزيد عدد سكان العالم رغم تراجع الخصوبة؟
- هل انتهى العقد الاجتماعي؟
- لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟
- العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل
- خرافة التفكير النقدي: لماذا لا نحب الأسئلة الصعبة؟
- المشكلة السكانية في مصر: مواليد أقل وزحام أكبر
- ماذا خسر المصريون بخروج الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو 195 ...
- اللاإنجابية في مصر: قرار فردي أم انعكاس لتحولات اجتماعية أعم ...
- قراءة أولية في تقرير الهجرة العالمي 2026
- ماذا تبقى للأكاديمي أو الكاتب أو المؤلف أو المفكر في عصر الذ ...
- وهم ربط التعليم بسوق العمل: حين يحاول المستقبل اللحاق بالماض ...
- هل يمكن إجلاء أربعين مليون أجنبي من دول الخليج إذا اتسعت الح ...
- تحويلات المصريين بالخارج 2025: قراءة في الارتفاع التاريخي ود ...
- الهجرة: الدواء المر للجمهورية الفرنسية
- قصة الهجانة السودانيين في عين شمس
- كوادر تحت الطلب: الهجرة في زمن العجز الديمغرافي العالمي
- الخروج الآمن من منظومة السيطرة الإقليمية: الإمارات، قِبلة ال ...
- اليوم الدولي للمهاجرين: احتفال سنوي وأسئلة مؤجّلة
- الجمعة السوداء … نسخة مصرية لقيطة


المزيد.....




- ترامب يكشف عن بعض الخلافات مع نتنياهو وهذا ما قاله عن أحمد ا ...
- -قريبون جداً-.. ترامب يتحدث عن اتفاق وشيك مع إيران ويُدلي بت ...
- ترامب: لن أرفع تجميد الأصول الإيرانية قبل إبرام اتفاق
- قضية حضانة تهز دبي.. زينب جوادلي وبناتها في قلب العاصفة
- بسبب الحرب وتقليص الدعم.. الألواح الشمسية ملاذ الألمان؟
- تكتم في إيران عن فحوى زيارة مسؤول باكستاني
- الجيش الإسرائيلي يشن غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت
- لبنان: مستشفى صيدا يعاني ضغطا متزايدا مع استمرار نزوح سكان ا ...
- 100 يوم من الحرب على إيران ولا مؤشرات على نهايتها قريبا
- نتنياهو يتوعد بابتلاع 70% من غزة بالتزامن مع تصعيد إسرائيلي ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - من أسواق الرقيق إلى فيلم أسد: صفحة منسية من التاريخ الاجتماعي المصري