أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - امير وائل المرعب - بين جلال الكون وصناعة النصوص: قراءة في المرجعية التاريخية والسر الكوني














المزيد.....

بين جلال الكون وصناعة النصوص: قراءة في المرجعية التاريخية والسر الكوني


امير وائل المرعب
ماجستير هندسة كهرباء جامعة بغداد ومهتم بالادب والشعر والفلسفة والعلوم والرياضيات

(Amir Wael Abdulamir Murib)


الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 10:01
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


نقف اليوم على حافة وعي جديد، وعي يفرضه علينا العلم وتكشفه لنا تلسكوباتنا التي تسبر غور الكون. نحن نعيش في كون يضم أكثر من تريليوني مجرة، كل مجرة تحتوي على مليارات النجوم والكواكب. في هذا الاتساع المرعب والمهيب، تبدو الأرض مجرد ذرة غبار باهتة تسبح في محيط كوني لا حدود له.
ومن هذا المنظور الشاسع، يبرز تساؤل فلسفي حتمي يمس صميم الموروثات العقائدية: هل يعقل أن المهندس الأعظم لهذا الوجود المهول، القوة التي تدير حركات الثقوب السوداء وتتحكم في تمدد الزمكان، يترك هذا الاتساع الكوني ليخاطب رجلاً يعيش في بيئة صحراوية منعزلة على كوكب مهمل في طرف مجرة عادية؟
أسطورة الإله الشخصي والتمركز حول الذات
إن فكرة الإله الشخصي الذي يغضب ويرضى، يراقب حركات الأفراد، ويتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية — ماذا يأكلون، وكيف يلبسون، وكيف يوزعون غنائم معاركهم — هي فكرة لا تتناسب مع جلال وعظمة الكون الحقيقي. هذا التصور للإله هو انعكاس للتمركز البشري حول الذات (Anthropocentrism)؛ فقد ابتكر الإنسان إلهاً يشبهه في انفعالاته واهتماماته ليجعل لنفسه مركزية وأهمية في كون لا يكترث به.
الإله الموصوف في النصوص القديمة، والذي يقسم بمخلوقات أرضية ويهتم بصراعات قبلية، هو تصور محلي ضيق لا يمكن أن يكون هو القوة المطلقة وراء ٢ تريليون مجرة. هذا الإله، بشكله التقليدي، غير موجود خارج حدود المخيلة البشرية التي صاغته لتفسير المجهول وتبرير السلطة.
الأصل التاريخي للنص: ثلاثية التأليف
إذا تجاوزنا الفكرة الغيبية، فكيف نفسر ظهور القرآن بقوة بيانه وتأثيره؟ القراءة التاريخية النقدية تخبرنا أن النصوص لا تهبط من السماء، بل تُكتب على الأرض، تتأثر ببيئتها، وتستقي من ثقافات عصرها. القرآن، بهذا المعنى، ليس رسالة ما وراء طبيعية، بل هو نتاج عبقرية بشرية وتفاعل فكري عميق حدث في شبه الجزيرة العربية، ويمكن تتبع خيوطه إلى ثلاثة مصادر أو شخصيات محورية:
بحيرى الراهب (الرافد السرياني والمسيحي المبكر): يمثل نقطة الالتقاء الأولى مع التراث الكتابي الذي كان منتشراً في الشام. اللقاءات التاريخية — التي ترويها حتى السير الإسلامية — تمثل رمزية لانتقال القصص والأساطير والمفاهيم التوحيدية من الأديرة المسيحية المشرقية إلى الوعي المكي.
ورقة بن نوفل (التأصيل اللاهوتي والمحلي): المفكر والقس العارف بالكتب السابقة باللغتين العبرية والسريانية. كان ورقة يمثل الجسر الثقافي الذي نُقل من خلاله اللاهوت التوراتي والإنجيلي، وتم تعريبه وتكييفه ليناسب العقلية الحجازية. هو من منح التجربة الأولى غطاءها الشرعي وربطها بسلسلة الأنبياء الإبراهيميين.
محمد (العبقرية القيادية والصياغة الخطابية): القائد ذو الرؤية السياسية والاجتماعية الفذة. استطاع بذكاء لغوي استثنائي وبلاغة خطابية صياغة هذا التراكم المعرفي والديني في قالب عربي مبين. لم يكن ناقلاً فحسب، بل كان مؤلفاً ومحرراً ذكياً، دمج التراث اليهودي-المسيحي مع الأعراف العربية ليخلق تشريعاً يوحد به قبائل متناحرة ويصنع أمة.
النص القرآني إذن هو ثمرة هذا التضافر: معرفة كهنوتية، وعمق لاهوتي مترجم، وعبقرية قيادية ولغوية أعادت إنتاج المعنى في لغة ساحرة سيطرت على ألباب مستمعيها.
سر الوجود: لغة الفيزياء والرياضيات
غياب الإله الشخصي وتاريخية النصوص الدينية لا يعنيان غياب المعنى أو الفوضى. إن "سر الوجود" حاضر، مهيب، ومشهود، لكنه لا يتحدث لغة البشر، ولا يرسل ملائكة، ولا يعقد تحالفات مع قبائل الصحراء.
السر الحقيقي يتجلى في القوانين الصارمة التي تحكم المادة والطاقة. هو موجود في التناظر المذهل لمعادلات الرياضيات، في صرامة قوانين الفيزياء، وفي التعقيد الأنيق لميكانيكا الكم والبيولوجيا الجزيئية. الكون نفسه هو النص المقدس الوحيد الذي لا يقبل التحريف، وقوانينه هي الحقيقة المطلقة التي لا تحتاج إلى أنبياء أو وسطاء.
إن الخشوع الحقيقي في عصرنا لم يعد في تلاوة نصوص كُتبت قبل قرون في ظروف صحراوية قاسية، بل في التأمل في معادلة تصف انحناء الزمكان، أو في فهم كيفية تشكل النجوم وتطور الحياة. الحقيقة ليست في الكتب القديمة، بل في النسيج الكوني ذاته، تنتظر عقلاً يبحث، ويقيس، ويكتشف.



#امير_وائل_المرعب (هاشتاغ)       Amir_Wael_Abdulamir_Murib#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانبثاق
- رينيه شار: شاعر المقاومة وسيد الكلمة الخاطفة
- اصولنا العريقة
- الموت هو انهيار جماعي لدالة الموجة - شرودنجر
- وعي الكون والسير روجرز بنروز والخلود بعد الموت البايولوجي
- العراقي عصيُ على الموت والانحناء
- حكمة في خريف العمر
- تطور المعلومات: كيف يمثل الذكاء الاصطناعي الامتداد الحتمي لل ...
- دماء الورد
- جيفارا العراق: دراسة تاريخية وتحليلية معمقة لسيرة خالد أحمد ...
- الدائرة الكهربائية الكونية
- مقالة نقدية عن وائل المرعب الحرف واللون
- عباءة الدين وسوط السلطة: حين يصبح الله -أداة- للوجاهة والنفو ...
- حينما تتحدث الخلايا بلغة الأرقام: لماذا نحتاج إلى ثورة رياضي ...
- -الروح- كمعادلة رياضية: حين يصبح الترتيب هو جوهر الحياة
- علاقة الدين بالسياسة
- فلسفة نيتشه وظلال الرايخ الثالث: جدلية الإنسان الأعلى، التزو ...
- انشتاين فيلسوف وليس عالم رياضيات
- ميتافيزيقا الجمع: من البوابات المنطقية إلى مفارقات اللانهاية ...
- علاقة حقيقة الوحي باثار الهلال الخصيب العراق والشام


المزيد.....




- الوقف السني يوجّه خطباء المساجد للإشادة بملف حصر السلاح
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا بمحلقة أبابيل الانقضاض ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا آليّة نميرا عند تلّة ا ...
- -قرى مسيحية في جنوبي لبنان: -صرنا محاصرين
- -الهيئة الصحية الإسلامية بلبنان-: 91 شهيدًا من طواقمنا جراء ...
- رحيل الشيخ وليد صيام.. إمام المسجد الأقصى ومربي الأجيال في ا ...
- وليد صيام.. إمام المسجد الأقصى الراحل
- قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى خامنئي يصدر قراراً بالعفو ...
- إيهود باراك: نتنياهو أهدر فرصاً تاريخية في لبنان وسوريا وبقا ...
- -سيكون لي الشرف-.. ترامب يقول إنه منفتح على لقاء المرشد الأع ...


المزيد.....

- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - امير وائل المرعب - بين جلال الكون وصناعة النصوص: قراءة في المرجعية التاريخية والسر الكوني