غالب المسعودي
(Galb Masudi)
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 15:23
المحور:
المجتمع المدني
يعبّر مفهوم القصور النقدي في الفضاء الفكري للشرق الأوسط عن حالة من العجز البنيوي في تفكيك وتحليل الواقع السياسي والاجتماعي المتغير؛ وهو قصور ناتج عن تراجع الفلسفة السياسية المعيارية أمام زحف المناهج التجريبية التي حصرت مجال البحث فيما يمكن التثبت منه من خلال الملاحظة المباشرة فقط. إن هذا التحول أدى إلى إقصاء المعايير والقيم والغايات القصوى للفعل الإنساني من دائرة البحث العقلاني، مما جعل الفلسفة السياسية تفقد قدرتها على نقد "العقل المشترك" وإعادة بناء الثقافة العامة. وفي هذا السياق، لم يعد النقد عملية تهدف إلى منع تحول الثقافة إلى "بؤرتي أوهام"، بل تحول في حد ذاته إلى ممارسة هامشية في ظل عولمة جعلت الحدود بين الثقافات مسامية وغير محكمة، مما سهل تغلغل الأيديولوجيات دون ممانعة نقدية حقيقية.
إن القصور النقدي يتجلى بوضوح في "مأساة السياسة الإقليمية"؛ حيث تعجز الدول عن بناء نظام إقليمي مستقر، مما يخلق فراغاً تملؤه الدول الطامحة للهيمنة دون امتلاك الشرعية اللازمة. هذه الحالة من "الخصومة" الدائمة تعكس غياب آلية فلسفية أو سياسية قادرة على صياغة "توافقات" تتجاوز مجرد الحفاظ على الأنظمة السلطوية القائمة. إن الخوف من "الانهيار الداخلي" هو ما بات يمثل الغراء الوحيد للنظام الإقليمي العربي، وهو ما يعزز القصور النقدي عبر تثبيت الوضع القائم ومنع أي مراجعة جذرية للهياكل السياسية.
التواصل التوافقي كآلية لامتصاص الاحتقان وتثبيت الهيمنة
يظهر "التواصل التوافقي" في الخطاب السياسي الشرق أوسطي ليس كأداة لتحقيق العدالة، بل كإطار لإدارة الصراعات ومنع انفجارها الجذري. هذا النمط من التواصل يسعى إلى صياغة "تسويات سياسية" توفر المادة الخام لعمل الفلسفة السياسية المعيارية، ولكنه غالباً ما يقع في فخ "الليبرالية البرجوازية ما بعد الحداثية". إن بطل هذا المشروع هو "المثقف" الذي يهدف إلى تقليص الألم والقسوة دون المساس بهياكل الاستغلال، متوجهاً صوب ثقافة "ما بعد فلسفية" تغلب عليها الجمالية والشاعرية على حساب الصراع المادي.
في الدول التي تعاني من انقسامات حادة، يتحول "الحوار الوطني" إلى ممارسة للتواصل التوافقي الذي يفشل باستمرار في بناء إجماع حقيقي حول القضايا السيادية والإصلاحية. إن النخب الطائفية والسياسية تستخدم هذه الحوارات لتعزيز أنماط تواصل تضمن استمرار مصالحها، مما يخلق فجوة حرجة بين خطاب التوافق وبين الحاجة الملحة للإصلاح البنيوي والشفافية. هذا التواصل، بدلاً من أن يكون جسراً للتحول الديمقراطي، يصبح أداة لتعمية الطبقات المطحونة عن مصالحها الطبقية الحقيقية عبر إغراقها في نقاشات هوياتية وطائفية.
تستخدم القوى المهيمنة أيضاً مفهوم "الغموض الاستراتيجي" في التواصل؛ كسياسة تهدف إلى تمكين التفسيرات المحلية للأهداف الدبلوماسية دون الالتزام بمعانٍ ثابتة قد تثير المعارضة. إن هذا النمط من التواصل "المونولوجي" الذي يتدثر برداء الحوار، يهدف في جوهره إلى "كسب القلوب والعقول" لتمرير مشاريع سياسية واقتصادية تخدم المراكز العالمية، وهو ما يعمق من أزمة التواصل التوافقي في المنطقة.
الأزمة العالمية والخصومة في سياق التبعية والانهيار
تضع الأزمة العالمية اقتصاديات الشرق الأوسط في حالة من "الخصومة" مع الواقع المادي والاجتماعي؛ حيث تؤدي تقلبات الأسواق العالمية إلى تدمير البنية التحتية وتفاقم الفقر والبطالة. إن الأزمات السياسية الدولية لا تنعكس فقط في شكل صراعات مسلحة، بل في تداعيات اقتصادية واجتماعية عميقة تصيب، بالدرجة الأولى، الطبقات المطحونة. في هذا السياق، تصبح اللامساواة في الدخل المحرك الرئيسي للاستياء المدني والاضطرابات الاجتماعية، وهي قضية قديمة في الفلسفة السياسية.
تؤكد البيانات الاقتصادية أن الطبقة الوسطى والفقيرة في الدول العربية النامية تعرضت لضغوط حادة، خاصة في ظل انتهاء "العقد الاجتماعي القديم" الذي كان يقوم على توفير الخدمات مقابل الولاء السياسي. إن "ديناميات الرفاهية" أصبحت سلبية جداً؛ حيث نمت دخول الأثرياء بمعدلات تفوق بكثير نمو دخل الفقراء، مما ولد شعوراً باليأس والإحباط.
سياسات تعمية الطبقات المطحونة وتغييب الوعي الطبقي
تمثل "سياسات التعمية" جوهر الممارسة السياسية للأنظمة في ظل الأزمات العالمية، وهي تهدف إلى منع الطبقات المطحونة من إدراك جذور استلابها المادي. يتم ذلك عبر توظيف "الميديا الرقمية" والخوارزميات كأدوات في "الحرب الناعمة" لإعادة تشكيل الوعي و"تجنيد الجهل". إن الميديا في هذا السياق ليست مجرد ناقل للمعلومات، بل هي "إمبريالية الكلمة والصوت والصورة" التي تسعى لجعل الطرف الضعيف يتماهى مع أهداف الطرف القوي دون حاجة للقهر المادي المباشر.
إن سياسات التعمية تعتمد أيضاً على "تصنيف هرمي للجماعات البشرية" متأصل في مناهج تفكير المركزية الغربية، والذي يحول النظريات العلمية إلى "أيديولوجيا للعنف" وإفناء الآخر. هذا التصنيف يبرر تهميش "عالم الأطراف" ويجعل من استغلال الطبقات المطحونة في الشرق الأوسط قدراً محتوماً يفرضه التطور الطبيعي للحداثة، بدلاً من كونه نتيجة لعلاقات إنتاج رأسمالية واستعمارية.
الازدراء المعرفي للنظرة الماركسية في الفكر العربي المعاصر
شهد الفكر العربي المعاصر تحولاً نحو "الازدراء المعرفي" للماركسية، وهو توجه تقوده النزعات المحافظة التي برزت بقوة بعد عام 2011. هذا الازدراء لا ينبع من نقد علمي للأدوات الماركسية، بل من رغبة في "تجاوز الصراع والتناقض" لصالح الانسجام والمسكونية. يرى المفكرون المحافظون أن إدماج الدين في "قواعد الحداثة العربية" كان محاولة لتحدي التاريخ عبر تجاوز التناقضات المادية، مما أدى في النهاية إلى "فقدان السياسة نفسها" لصالح المطلقات الهوياتية.
إن النظرة الماركسية التي تركز على الصراع الطبقي والمادية التاريخية يتم تصويرها كأيديولوجيا "عنيفة" أو "غربية المركز" لا تتوافق مع "العقل المشترك" للمجتمعات العربية. وفي الوقت نفسه، يتم استخدام نقد المركزية الغربية لتشويه الماركسية نفسها، رغم أن الماركسية قدمت من أوائل الأدوات لنقد الإمبريالية والرأسمالية العالمية. هذا التناقض المعرفي يهدف إلى تجريد الطبقات المطحونة من أدواتها التحليلية الأكثر فاعلية في فهم الاستغلال، واستبدالها بنظريات "التواصل التوافقي" التي تخدم استقرار الأنظمة.
إن هذا الازدراء المعرفي يساهم في "تغييب الوعي الطبقي" عبر إحلال صراعات "ثقافوية" أو "دينية" محل التناقضات الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية. وبدلاً من أن تكون الفلسفة السياسية أداة للتحرر، تصبح وسيلة لتسويغ "أطروحة العنف" التي يمارسها المركز ضد الأطراف، أو تمارسها النخب المحلية ضد الطبقات المسحوقة تحت مسميات "الأمن والاستقرار".
التمركز المعرفي الغربي وإعادة إنتاج التبعية
إن القصور النقدي في الشرق الأوسط ليس منفصلاً عن "المركزية الغربية" التي تعمل كأيديولوجيا تنفي الآخر وتستعلي عليه. هذه المركزية متأصلة في منطق الغرب ومناهج تفكيره منذ عصر النهضة، حيث تم وضع فلسفة سياسية عنصرية أجرت تصنيفاً هرمياً للجماعات البشرية. وفي ظل العولمة، يتم إعادة إنتاج هذه التبعية من خلال "الوسائط الرقمية" التي تعمل كسلطة ثالثة تحاول إيجاد "تفاهم" بين الأطراف المتنازعة، ولكنها في الواقع تفرض رؤية المركز.
يؤدي هذا التمركز إلى غياب "الضوء" عن القضايا المتعلقة بالخير والشر، والحق والجميل، والشرف والتضحية؛ حيث يتم اختزال الأخلاق في معايير نفعية تخدم آلة الإنتاج العالمية. إن "إمبريالية الميديا" تعمل على عولمة هذه المعايير، مما يجعل الطبقات المطحونة في الشرق الأوسط تتبنى قيم مستغليها، وهو ما يمثل قمة نجاح "سياسات التعمية". هذا الوضع يخلق حالة من "الخصومة" ليس فقط بين الدول، بل داخل الوعي الفردي والجمعي للمواطن العربي الذي يجد نفسه ممزقاً بين واقع مادي بئيس وبين "يوتوبيا" رقمية تروجها الميديا.
مأساة النظام الإقليمي وغياب العقد الاجتماعي الجديد
تتمثل المأساة الحقيقية للسياسة في الشرق الأوسط في الفشل المتكرر في إيجاد ميكانيزم لتنظيم الاستقرار الإقليمي على غرار "مؤتمر فيينا". إن غياب رؤية مشتركة تتجاوز "الحفاظ على الأنظمة" يجعل المنطقة ساحة مفتوحة للتنافس بين القوى التي تختبر حدود قدراتها دون تحقيق هيمنة حاسمة أو قبول مشروع. هذا الفراغ الإقليمي ينعكس داخلياً في شكل "عجز مؤسسي" عن بناء عقد اجتماعي جديد يشرك المواطنين في عملية الحكم.
إن العقد الاجتماعي القديم، الذي تميز بسوء إدارة الموارد وعدم تحويلها إلى رأس مال بشري، قد انتهى فعلياً مع صعود الاضطرابات الاجتماعية. ومع ذلك، فإن البدائل المقترحة غالباً ما تركز على "خلق قطاع خاص قوي" مدعوم بحكومة "صغيرة وكفوءة"، وهي حلول تكنوقراطية تتجاهل في كثير من الأحيان التفاوت الطبقي البنيوي. إن الاستمرار في هذا النهج دون "نقد وإعادة بناء" للعقل السياسي سيزيد من حدة اليأس والإحباط، وسيؤدي إلى جولات جديدة من الاستياء المدني.
نحو استعادة النقد في مواجهة التعمية
إن القصور النقدي والتواصل التوافقي يمثلان وجهين لعملة واحدة تهدف إلى استدامة الأوضاع الراهنة في الشرق الأوسط على حساب الطبقات المطحونة. إن الازدراء المعرفي للنظرة الماركسية، بما هي منهج للتحليل المادي الجدلي، يحرم الفكر العربي من أدواته النقدية الأكثر قدرة على تفكيك سياسات التعمية وإمبريالية الميديا.
لمواجهة هذه الأزمة، يتطلب الأمر الانتقال من "التواصل التوافقي" الذي يخدم النخب إلى "تواصل صراعي" يعترف بالتناقضات المادية ويسعى لحلها جذرياً. كما يجب تجاوز "الازدراء المعرفي" عبر إعادة الاعتبار للفلسفة السياسية المعيارية التي تضع قضايا العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية في قلب البحث العقلاني. إن المستقبل المرهون بتعافي الاقتصاد العالمي لن يكون كافياً ما لم يصاحبه "انعتاق معرفي" يحرر العقل العربي من أوهام المركزية الغربية وسياسات التعمية الرقمية؛ لبناء عقد اجتماعي حقيقي يعيد للسلطة معناها كخدمة عامة وللمواطن دوره كفاعل تاريخي.
#غالب_المسعودي (هاشتاغ)
Galb__Masudi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟