أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالله عطوي الطوالبة - أخوان الصفاء وخلان الوفاء (9) والأخيرة. وفي الختام لنا كلمة















المزيد.....

أخوان الصفاء وخلان الوفاء (9) والأخيرة. وفي الختام لنا كلمة


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 12:07
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


جماعة مختلف بشأنها، على ما أنف بيانه. ولقد شمل التباين حتى عدد رسائلهم، حيث يلفت النظر تعزيزهم هم أنفسهم للَّبْس بهذا الشأن. ففي رسالتهم الأخيرة يقولون:"إنا ذكرنا في خمسين رسالة تقدمت...". وفي صفحة أخرى من الرسالة ذاتها، نقرأ:"هذه هي آخر الرسائل من القسم الرابع، وهي الحادية والخمسون..." أما أبو حيان فيقول إن عدد رسائلهم خمسون، وأفردوا لها فهرستًا، حيث يُفهم من الكلام أن الفهرست من ضمن الرسائل. ويقول القفطي معتمدًا على أبي حيان بهذا الصدد، "إن عدد مقالاتهم (رسائلهم) إحدى وخمسون، خمسون منها في خمسين نوعًا من الحكمة، ومقالة حادية وخمسون جامعة لأنواع المقالات على طريق الإيجاز والاختصار". كل هذا، رغم أن أخوان الصفاء أنفسهم قد حددوا عدد رسائلهم في الأولى منها باثنتين وخمسين، إذ يقولون:" إن الحكماء لما طوَّلوا الخطبَ في كتبهم، ونقلها من لغة إلى لغة من لم يفهم معانيها، ولا عرف أغراض مؤلفيها...انغلق على الناظرين في تلك الكتب فهم معانيها وتقلب على الباحثين أغراض مصنفيها، ونحن قد أخذنا لب معانيها، واقصى أغراض واضعيها، وأوردناها بأوجز ما يمكن الاختصار في اثنتين وخمسين رسالة".
وشمل التباين في الرؤى والاجتهادات انتماءهم المذهبي، فهناك من نسبهم إلى الشيعة، وبشكل خاص الاسماعيلية. وآخرون صنَّفوهم ضمن المعتزلة، ونحن نرى بناء على رسائلهم أن هذا غير صحيح، فهم فرقة مستقلة بذاتها تأثرت بالأديان والفلسفات والمذاهب المعروفة لهم في زمانهم. ودليلنا على ذلك قولهم:" :" ينبغي لاخواننا ألَّا يُعادوا عِلماً من العلوم أو يهجروا كتاباً من الكتب ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب؛ لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم كلها". ونستحضر أيضًا قولهم:" فاجتهد يا أخي أن تبين الحق لكل صاحب دين ومذهب مما هو في يده، أو مما هو متمسك به، وتكشف عنه الشبهة التي دخلت عليه...ولا تمسك بما أنت عليه من دينك ومذهبك، واطلب خيرًا منه، فإن وجدت فلا يسعك الوقوف على الأدون، ولكن يجب عليك الأخذ بالأخيَر الأفضل، والانتقال إليه، ولا تشتغلن بذكر عيوب مذاهب الناس، ولكن انظر: هل لك مذهب بلا عيب؟".
رفض التعصب هنا فاقع الوضوح، والتسامح وشمولية المعرفة بارزان، والدعوة إلى دين عالمي منفتح على الثقافات والفلسفات لا تحتاج إلى مزيد بيان. وهذه ميزات لا نجدها في نُهُوج الفِرق والمذاهب الدينية اليوم في القرن الحادي والعشرين، فكيف في القرن العاشر؟!
ويعضد ما قلنا أنهم جماعة تبحث عن مزايا الكمال الإنساني، قولهم في الرسالة الثانية والعشرين:" الخبير الفاضل، الذكي المستبصر، الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الآداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، والصوفي السيرة".
لكن الثابت المؤكد بغض النظر عن اختلاف الرؤى في أي شأن من شؤونهم، أن منظومتهم المعرفية جزء من موروثنا الثقافي، في جانبه الفلسفي والمعرفي خاصة. يقول عميد الأدب العربي، طه حسين:"إذا كانت فلسفة الفارابي وابن سينا وقفًا على الأخصائيين لأنها كُتبت لهم، فإن رسائل أخوان الصفاء كُتبت لعامة المثقفين، وقُصِدَ بها ايجاد الثقافة الفلسفية الصالحة، فهي أدنى للعقول، وأيسر على النفوس. وهي مقدمة صالحة لدرس الفلاسفة الأخصائيين". ويضيف:"إن لرسائل أخوان الصفاء قيمتها الفنية الخالصة، فهي من حيث أنها تتجه إلى جمهرة من الناس للتعليم والتثقيف، قد عدل فيها عن العسر الفلسفي إلى اليسر الأدبي. وعنى كتابها بألفاظها وأساليبها عناية أدبية خالصة، ففيها خيال كثير، وفيها تشبيه مُتقن، وفيها ألفاظ مُتَخَيَّرَة، ومعانٍ مُيَسَّرَة. وليس من الغلو أن يقال إنها قاربت المثل الأعلى في تذليل اللغة العربية وتيسيرها لقبول ألوان العِلم على اختلافها. جملة القول: إن هذه الرسائل كنزٌ لم يقدر بعد، لأنه لم يُعرف بعد".
ويقول فيليب حتي:"إن لغة الرسائل تدل على أن اللغة العربية، في ذلك الوقت، قد أصبحت أداة صالحة للتعبير عن الأفكار العلمية من مختلف نواحيها".
في ضوءِ هذا الذي قلنا واستحضرنا، فإن الغريب المستهجن بمعايير القرن الحادي والعشرين، استمرار إحاطة أخوان الصفاء ورسائلهم باللعن والتكفير والضلال، وغيرها من مصطلحات القرون الوسطى، التي تصلح أدلة دالَّة على الضعف وعدم الثقة بالذات التي قد تمتد للقناعات المعتقدية.
لماذا يُمنع على أجيالنا قراءة فكرهم، إلا من زوايا مواقف مسبقة مشروطة بظروف زمانها، منها: "ضَل أخوان الصفاء"، و "زاغوا عن الصراط المستقيم"، و "أتوا بكلام فيه من الكفر والجهل شيء كثير"؟!
هل القائل، وهو ابن تيمية، يملك تفويضًا بإصدار أحكام كهذه بحق مفكرين اجتهدوا في ظروف زمانهم، والاجتهاد يعني استخدام العقل بغض النظر عن النتائج؟!
كما ورد في عَرضِنا لمنظومتهم الفكرية، لعل من أهم عناوين اجتهادهم محاولة التقريب بين الفلسفة والدين. وقدموا مضامين رسائلهم كمفاتيح للمعرفة، رائين أن الفلسفة اليونانية لا تتعارض مع الدين، وبانسجامهما يتحقق الكمال. وهم بذلك إنما يُظهرون تأثرهم الكبير بالكندي، إذ يقول:" إن ظاهر الشريعة إنما يصلح للعامة، فهو دواء النفوس المريضة الضعيفة، والنفوس القوية غذاؤها النظر الفلسفي العميق". وفي رسائلهم لن يعسر أهل الكار تبين أثر أفلاطون وفيثاغورس. فمن الأول أخذوا فكرة الجمهورية الفاضلة، ومن الفيثاغورية التقطوا تجسيد مفارقة الروح للبدن وصيرورتها نِحلًا في الكون، وقد ذكروا في رسالتهم الثالثة اقتباس فيثاغورس في الوصية الذهبية:"إذا فعلت يا ديوجانس، وفارقت هذا البدن حتى تصير نحلا في الجو، فتكون سائحًا غير عائد إلى الإنسانية". ومن الفيثاغورية أيضًا أخذوا السرية في العمل، حيث يُعرف عنها أنها ضمت جماعات سرية تسعى للظفر بالسلطة. وتأثروا بأرسطو وأفلوطين في نظرية الفيض، وهو ما ينهض دليلًا على استيعابهم للفلسفات وسعة اطلاعهم على مصادرها. في رسالتهم السادسة والثلاثين يقبسون من أرسطو ما يتقاطع مع فكرتهم عن التجرد العقلي للوصول إلى المعرفة الحقيقية عبر تأمل النفس: "قال أرسطو طاليس في كتاب الثالوجيا(عِلم الإلهيات) شبه الرمز إني ربما خلوت بنفسي وخلعت بدني، وصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن...فاعلم اني جزء من أجزاء العالم الأعلى الفاضل الشريف".
وكل ما ذكرنا إرث فلسفي ومعرفي عظيم، متضافر الأثر شكَّلَ أرضية لنهوض أمم كثيرة ومنطلقًا لتحليق العقل في فضاءات التفكير العلمي والإبداع. وبالتالي، ليس من الصواب التعامل معه بمعايير التكفير والتفسيق، وخاصة في عصر تدفق المعلومات سريع التحول والإيقاع.
مقول القول، التعتيم على صفحات مضيئة في موروثنا فعل أحمق لا يختلف عن حرق كتب ابن رشد وغيرها.



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أخوان الصفاء وخلان الوفاء (8) مدينتهم الفاضلة
- لا يا صاحب الدولة !
- حزب الأمة !
- الاستحمار (4) والأخيرة
- مكمن الداء وأسباب الضَّعف
- التَّعْفيط
- اخفاق المفاوضات واشكالية خيارات الابستينيين
- الاستحمار (3)
- فرض اتفاق استسلام على لبنان
- الاستحمار (2)
- الاستحمار (1)
- هرمز وأهرمان العصر ترامب
- صواريخ ايرانية تمرُّ بأجوائنا
- ايران...الأسباب الحقيقية للعدوان ونقاط القوة
- نعم للحوار الحر لا لضيق الأفق
- وكأنه لا يكفي المنطقة عراق واحد!
- النتائج الأهم
- ايران ليست عدونا وإن اختلفنا معها
- أخطر الاحتمالات لمن يعنيهم الأمر
- سقوط أميركا الأخلاقي والقيمي


المزيد.....




- تأشيرة -شنغن- في أوروبا..هكذا يستفيد منها المسافرون إلى الحد ...
- شاهد.. ترامب وشي يزوران معبدًا في الصين
- من جنوب لبنان.. آدم زين الدين يلفت الأنظار في The Voice Kids ...
- ترامب وشي وجها لوجه.. الرئيس الأميركي يعد نظيره الصيني بـ-مس ...
- ترامب يزور بكين.. والصين والولايات المتحدة تسعيان لاحتواء ال ...
- أوكرانيا: هجوم روسي بالصواريخ والمسيّرات يستهدف كييف ويوقع ق ...
- تقارير: بعد الصواريخ المحمولة على الكتف.. أسلحة صينية جديدة ...
- شي جينبيغ وترامب، -الصديقان اللدودان- يتفاوضان على شؤون العا ...
- صحيفة نيويورك تايمز: - إيران لا تزال تمتلك قدرات صاروخية بال ...
- هل يزيد الحمل بعد سن 35 من خطر متلازمة داون والتشوهات الخلقي ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالله عطوي الطوالبة - أخوان الصفاء وخلان الوفاء (9) والأخيرة. وفي الختام لنا كلمة