أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - حسين أحمد - الجندي كأداة في جرائم الحرب














المزيد.....

الجندي كأداة في جرائم الحرب


حسين أحمد
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 08:12
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


يثير توزيع المسؤولية الجنائية في النزاعات المسلحة إشكالية جوهرية تتعلق بتحديد موقع الجندي ضمن البنية الهرمية للقوات المسلحة. وفي الوقت الذي كرس فيه القانون الدولي الإنساني مبدأ المسؤولية الفردية، فإن إغفال الطبيعة الأداتية لدور الجندي قد يفضي، من حيث النتيجة، إلى تقويض مبدأ أكثر خطورة وأهمية، وهو مسؤولية القادة عن الجرائم التي ترتكب تحت سلطتهم.

إن المؤسسة العسكرية، بوصفها جهازاً منظماً، تقوم على مركزية القرار وتدرج السلطة، حيث تحتكر القيادة العليا سلطة التخطيط والتوجيه وإصدار الأوامر. وفي هذا السياق، لا يمارس الجندي دوراً مستقلاً في صناعة القرار، بل يندمج وظيفياً ضمن منظومة تنفيذية تحدد أفعالها سلفاً عبر الأوامر العسكرية. وعليه، فإن نفي الصفة الأداتية عن الجندي، والتعامل معه كفاعل مستقل، يؤدي عملياً إلى تفكيك العلاقة السببية بين الفعل الجرمي ومصدره الحقيقي، أي القيادة.

لقد أظهرت التجربة التاريخية، منذ محاكمات نورمبرغ، توجهاً نحو مساءلة الأفراد، إلا أن هذا التوجه لا ينبغي أن يفهم بمعزل عن الهدف الأعمق، وهو عدم السماح للقادة بالاختباء خلف مرؤوسيهم. غير أن التطبيق غير المتوازن لهذا المبدأ قد ينقلب إلى عكسه؛ فكلما توسع نطاق مساءلة الجنود كفاعلين أصليين، تقلصت الحاجة العملية لإثبات مسؤولية القادة، لا سيما في الحالات التي يصعب فيها إثبات العلم أو القصد لدى القيادة العليا.

تظهر الحالة السورية، منذ اندلاع الثورة السلمية وتحولها إلى صراع مسلح فيما بعد، نموذجاً صارخاً لبنية أمنية-عسكرية تقوم على الترهيب الممنهج، حيث يعاد تشكيل الجندي نفسياً ومهنياً ليغدو أداة تنفيذ جرمية خالصة، محكومة بثقافة الخوف والعقاب وانتزاع الصفة الإنسانية عن الآخر، ومجردة من أي هامش فعلي للاعتراض. ضمن هذا السياق، لا يكون العنف مجرد نتيجة انحراف فردي، بل مظهراً لوظيفة مؤسسية تنتج الفعل وتعيد إنتاجه.

غير أن الأخطر لا يكمن فقط في هذه البنية، بل في الكيفية التي يعاد بها تسويق المساءلة من قبل السلطة الجديدة. إذ يصار، في كثير من الأحيان، إلى تضخيم اعتقال جندي أو عنصر أدنى رتبة ارتكب انتهاكات جسيمة، وتقديمه بوصفه "إنجازاً قضائياً كبيراً"، في مشهد أقرب إلى صناعة رمزية للعدالة منه إلى تحقيقها فعلاً. يرفع هذا الحدث إلى مستوى الاستثناء، وتسلط عليه الأضواء، وكأن القبض على المنفذ هو اختراق حقيقي لجدار الإفلات من العقاب، بينما تبقى الحلقة الأكثر خطورة، حلقة التخطيط والتوجيه، خارج نطاق المساءلة الجدية.

إن هذا التضخيم ليس بريئاً من الناحية القانونية، بل يؤدي وظيفة مزدوجة:
فمن جهة، يمنح انطباعاً بوجود إرادة للمحاسبة، ومن جهة أخرى، يعيد توجيه بؤرة المسؤولية نحو الحلقة الأضعف. فبدلاً من مساءلة من أصدر الأوامر، أو صاغ السياسات، أو أشرف على تنفيذها، يجري الاكتفاء بتقديم "رأس منفذ" كدليل كافٍ على العدالة، في حين تظل البنية القيادية بمنأى عن التفكيك القانوني.

وفي المقابل، تظهر الممارسة غياباً لافتاً للملاحقة الجدية للقادة، حيث تستبدل المساءلة الجنائية، في أحسن الأحوال، بإجراءات شكلية أو تسويات إدارية لا تتناسب مع حجم الانتهاكات. بل إن بعض المسؤولين الأعلى رتبة يستفيدون من هذا النمط، إذ يعاد تأهيلهم أو تسوية أوضاعهم أمثال فادي صقر، في تناقض صارخ مع مبدأ التناسب في المسؤولية الجنائية، وقفزاً فوق استحقاق العدالة الانتقالية.

إن قراءة الجندي كأداة لا تعني إعفاءه من المسؤولية الفردية التي أقرها القانون الدولي، بقدر ما تعني رفض استخدامه كـكيس رمل قانوني يحمي القادة من ملاحقات العدالة.
فتقديم جندي للمحاكمة يمنح شعوراً زائفاً بالانتصار القانوني لذوي الضحايا، مما يخفف الضغط الشعبي للمطالبة برؤوس قيادة النظام، وهو ما يمكن اعتباره إقراراً بنفي الطبيعة الجرمية عن النظام ككل واختزالها في عدة أفراد من داخل المنظومة من الرتب الدنيا، فيما يقبع المجرمون الحقيقيون من رؤوس النظام في الخارج دون أن تقوم السلطة بأي إجراء حقيقي للمطالبة بهم، سواء عن طريق العلاقات الدبلوماسية أو عن طريق الأنتربول الدولي.

ومن هذه الزاوية، فإن إنكار الطابع الأداتي لدور الجندي يتحول إلى أداة بحد ذاته؛ لإعادة إنتاج الإفلات من العقاب. فحين يقدم الجندي كفاعل مستقل مكتمل الأهلية، يخفف العبء القانوني عن القادة، ويصبح من الممكن اختزال الجريمة في فعلها التنفيذي، دون مساءلة سياقها البنيوي. أما إذا أعيد توصيف الجندي بوصفه أداة ضمن جهاز هرمي، فإن ذلك يفرض، منطقياً وقانونياً، نقل مركز الثقل نحو من يملكون سلطة القرار.

هذا ما يقره نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي لم يكتف بتكريس المسؤولية الفردية، بل وضع إطاراً واضحاً لمسؤولية القادة والرؤساء، إدراكاً لكون الجرائم الدولية غالباً ما تكون نتاج قرارات عليا لا أفعالاً فردية معزولة.

لذلك، فإن تصوير اعتقال جندي على أنه إنجاز ضخم، في غياب ملاحقة حقيقية للقادة، لا يعد تقدماً في مسار العدالة الانتقالية، بل شكلاً من أشكال الالتفاف عليها. فالمساءلة التي تقف عند حدود المنفذ الأدنى، وتهمل من صاغ القرار وأدار المنظومة، ليست سوى مساءلة منقوصة، تخفي أكثر مما تكشف، وتفرغ فكرة العدالة الانتقالية من مضمونها الحقيقي.



#حسين_أحمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قسد بين أوجلان وأنقرة وتوم باراك: الطريق إلى الحرب معبَّد بس ...
- رحلة حزب العمال الكردستاني في متاهة الأيديولوجيا: من دولة كر ...
- الصراع الحراني - السرياني في رواية -الحراني-
- إسطنبول في عين العاصفة: أزمة حزب الشعب الجمهوري وتداعياتها ا ...
- بين الرسمي والتسريبات: قراءة في خطاب أوجلان ومآلات المسار ال ...
- ماهر تشايان: مسار من الفكر إلى العمل المسلح إلى إلهام أوجلان
- ​إبراهيم كايباكايا (إيبو): قائد ومنظر الماوية في تركيا
- توم باراك يضرب الأرض برجليه كطفلٍ فَقَدَ لعبته: صراع النفوذ ...
- خطاب أردوغان التاريخي: هل هو خطاب تاريخي أم دعاية للخطاب
- تبعات تدخل حزب العمال الكردستاني في الصراع السوري: خسائر جسي ...
- واقع عملية السلام في تركيا وآفاق الحل
- الحوار الكردي بعيون تركية: السياسة تقودها المصالح لا الأوهام
- قراءة في كتاب قبل حلول الظلام للمعتقل السابق معبد الحسون
- كتاب عملية ماموت
- قلم اللاجئ في مواجهة العنصرية
- محطات بارزة في راهن الكرد في سوريا
- مقتطفات من تاريخ الحركة الكردية في سورية
- مقتل قاسم سليماني سيغير معادلات كثيرة في المنطقة
- ما الذي يجري في العالم ..؟؟؟
- داعش و الغرب في علاقة إستراتيجية .؟؟


المزيد.....




- تأشيرة -شنغن- في أوروبا..هكذا يستفيد منها المسافرون إلى الحد ...
- شاهد.. ترامب وشي يزوران معبدًا في الصين
- من جنوب لبنان.. آدم زين الدين يلفت الأنظار في The Voice Kids ...
- ترامب وشي وجها لوجه.. الرئيس الأميركي يعد نظيره الصيني بـ-مس ...
- ترامب يزور بكين.. والصين والولايات المتحدة تسعيان لاحتواء ال ...
- أوكرانيا: هجوم روسي بالصواريخ والمسيّرات يستهدف كييف ويوقع ق ...
- تقارير: بعد الصواريخ المحمولة على الكتف.. أسلحة صينية جديدة ...
- شي جينبيغ وترامب، -الصديقان اللدودان- يتفاوضان على شؤون العا ...
- صحيفة نيويورك تايمز: - إيران لا تزال تمتلك قدرات صاروخية بال ...
- هل يزيد الحمل بعد سن 35 من خطر متلازمة داون والتشوهات الخلقي ...


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - حسين أحمد - الجندي كأداة في جرائم الحرب