|
|
سورية اليوم: أين كانت؟ أين هي الآن؟ وإلى أين تسير؟
ياسين الحاج صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 19:25
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
عرفت سورية ثورتين بعد العام 2011، ثورة ضد الحكم الأسدي بروحيّة ديمقراطية وعمق وطني شعبي، ومناهج احتجاج سلمية ثم سلمية ومسلحة، انطلقت في سياق «الربيع العربي»؛ وثورة أخرى، عام 2012، سلفية جهادية، في سياق يُحيل إلى الحرب الأهلية في العراق اللاحقة للاحتلال الأميركي، ومناهج عمل نخبوية وعنيفة مبدئياً وتفضيلياً. نتكلم على «ثورة» في الحالة الأخيرة لأنها تطلعت إلى تغيير جذري استناداً إلى النظرية السلفية والمنهج الجهادي. الثورة السورية ثورة المجتمع ومن تحت، الثورة السلفية الجهادية هي ثورة على المجتمع ومن فوق. جبهة النصرة، ثم داعش، هما القوتان الجذريتان في هذه «الثورة العدمية»، المناهضة للدولة والمجتمع والكيان السوري، والعالم. لكن نموذجهما المُهيمِن كان مؤثراً على تشكيلات سلفية أخرى، بخاصة جيش الإسلام وأحرار الشام، شكلوا معاً في زمن غير بعيد «إخوة المنهج». الثورتان هُزِمتا. الثورة السورية هُزمت على يد النظام، ابتداءً من منتصف عام 2012 حيث أخذ ينهار الإطار الوطني للصراع السوري، وعلى يد السلفيين الجهاديين في عامي 2013 و2014. جيل كامل من الثائرين والثائرات، ممن فكروا في السياسة والثورة في إطار وطني وتَطوَّرَ لديهم وعي سياسي وحقوقي أوسع أفقاً قُتل وغيِّب، أو اعتُقل ونُكِّلَ به، أو لجأ إلى بلدان قريبة وبعيدة وتَغرَّب. السلفيون الجهاديون هُزِموا بين 2016 و2017. في العام الأول انفصلت هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقاً، عن القاعدة وبدأت مساعي متوازية لتطبيع نفسها في منطقة سيطرتها في إدلب ودولياً. وفي العام التالي تحطَّمَ داعش على يد تحالف دولي بقيادة أميركية، وشكّلَ تنظيمُ الاتحاد الديمقراطي الكردي قواته البرية. وفي عام 2024 هزم النظام الأسدي نفسه ودفع حياته ثمناً. أطراف الصراع السوري الثلاثة الأساسية هُزمت. من انتصر؟ «الكيان السنّي».
الكيان السنّي وهذا قوةُ سياسة دينية كانت تُسيطر في إدلب وبعض مناطقها، وتفرضُ فيها ضرباً مُتشدِّداً من حكم تسلّطي مُحافِظ، لكنها تميّزت بانضباط قوي نسبياً، بغريزة بقاء مُتنبِّهة، وبحُسن تَكيُّف مع المتغيرات: تفاهمات خفض التصعيد برعاية روسيا وتركيا، علاقة تتحسن مع الجار التركي، ومحاولة تحسين العلاقة مع الأميركيين والقوى الغربية عبر نبذ الإرهاب وعدم استهداف المصالح الغربية، ثم بالاستفادة من إضعاف نفوذ إيران وقوة حزب الله إثر الحرب الإسرائيلية على الأخير عام 2024. ومنذ عام وأربعة أشهر سورية محكومةٌ بائتلاف مُوسَّع حول القوة المركزية في الكيان السنّي، هيئة تحرير الشام، دون خصوصية جذرية تُميّزهُ من حيث أسلوب الحكم عن النظم العربية الأخرى، أو عن سابقه الحكم الأسدي. تكوين النظام الجديد مُتطرِّفٌ بنيوياً بالفعل، لكن ليس التطرُّف الإيديولوجي السلفي الجهادي، بل التطرُّف الطائفي السنّي. فإذا كان التطرّف سعي طرف اجتماعي بعينه إلى إحلال نفسه محلَّ جميع الأطراف أو إلغاء الأطراف الأخرى سياسياً، وإذا كانت الطائفيةُ إشغالَ نخب طائفية موقعَ الدولة العامة، وما يعنيه ذلك من تهميش للغير، فإن ما لدينا هو تطرّفٌ طائفيُ الجذور، يحصر السلطة بمنحدرين من «القوم السنّي»، وليس تطرُّفاً إيديولوجياً مناضلاً، يُحيل إلى الجهاد والسلفية الجهادية. وهو في ذلك لا يسجل فرقاً حاسماً عن التطرّف البنيوي للحكم الأسدي. ماذا يميز القومَ السنّي اليوم؟ أن كتلة ضخمة منه وريثةُ تجربة اقتلاع عنيفة ومديدة وراضّة، طالت ملايين، من كل مناطق البلد: من حوران في الجنوب إلى أحياء دمشق الأفقر وأكثر ضواحيها وأريافها، إلى حمص ريفاً ومدينة، إلى أرياف حماة، إلى حلب الشرقية وأريافها إلى الرقة ودير الزور كلهما، يُستثنَى منهم طبقات وسطى عليا في المدن؛ بعض المدن وليس كلها. ولا يتعلق الأمر باقتلاع جغرافي حتماً، وإن يكن هذا وحده واسع القاعدة (فوق مليونين كانوا نازحين في الشمال، وأكثر من مليون في مخيمات، فضلاً عمن كانوا لاجئين في مخيمات في التنف في سورية، وفي الأردن ولبنان وتركيا)، وفضلاً عن ملايين في بلدان قريبة وبعيدة لم يكونوا في مخيمات، أقول: لا يقتصر الأمر على هذا الاقتلاع الجغرافي، بل يتعداه إلى ما يعادله من انكشاف سياسي واجتماعي وأمني ونفسي، بفعل شروط الحرب وغياب الخدمات وانهيار التعليم واتساع دوائر الفقر. وهذا شرطٌ استمرَّ بين النصف الثاني من 2012، وقت بدأت مناطقُ من البلد تخرج من سيطرة النظام، إلى سقوطه أواخر 2024؛ أي 12 عاماً. هذه السنوات تعادل المدة التي يقضيها الأولاد في التعليم قبل الجامعي في سورية. هناك ثلاثة ملايين من الأولاد البرّيين، الذين بلغوا المراهقة ودخلوا الشباب بلا تعليم، وفي شروط من انتشار السلاح في البلد، والكبتاغون في غيرِ قليلٍ من الحالات. يُمكن تكثيف الشرط البرّي لقطاعات واسعة من السوريين، سُنِّيين أساساً، بلقاء التستوسترون والكبتاغون والسلاح. العنف يصير تعويضاً عن حرمانات متنوعة، والعشيرة إطاراً للعنف و«الفزعة». هناك مكونات أخرى للقوم السنّي غير هذا المكون البرّي. أبرزها بالطبع هيئة تحرير الشام نفسها، جبهة النصرة سابقاً، والمنحدرون منها يشغلون المواقع القيادية في الحكم ما بعد الأسدي. وفي المقام الثالث قطاعات مُحافِظة اجتماعياً، ذكورية وبطريركية، يغلبُ أنهم لم يتعرضوا للتهجير والاقتلاع، وكانوا تحت سلطة النظام الأسدي أو موالين له حتى سقوطه. المزايدة الدينية تنفع هنا في سترِ ماضٍ سياسي مُجادلٍ فيه. وفي المحصلة، الطائفية السنّية المتغلغلة في الدولة اليوم نتاجُ ديناميكيات فوقية وتحتية، تكوين المسيطرين الجدد والملتمّين عليهم من جهة، وطلبُ جمهورٍ واسعٍ منكشفٍ لأن يُرى ويعوَّضَ ويُخيف.
انتقال من، انتقال إلى وهذا بينما البلد في مرحلة انتقالية، بمؤسسات هشّة، وفي أوضاع منهارة اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً. لا يجري التمييز في سورية بين دلالتين للانتقال والمرحلة الانتقالية. دلالة أولى، موضوعية، تُحيل إلى ما يبدأ بعد تغيُّر سياسي واجتماعي جيولوجي أعقبَ أوضاعاً كارثية مديدة، أي أن الانتقال هنا هو انتقال من، يجري تعريفه بدلالةِ ما مضى؛ ثم هناك الدلالة الحقوقية المُؤسَّسية للانتقال، حيث يجرى تعريفه بدلالة الآتي، انتقال إلى. وما نراه هو أننا في وضع انتقالي من دون شك، فقد انهارَ تنضّدٌ اجتماعي سياسي دام أكثر من جيلين في مجتمع فتي جداً، لم تعرف أغلبية سكانه غير ذلك التنضّد. إلى أين ننتقل، يا ترى؟ نعرف إلى أين لا ننتقل. بالتأكيد ليس إلى سورية ديمقراطية، بفعل متضافر من سحقِ المكون الديمقراطي للثورة ومن الجذور الإيديولوجية للجماعة المُسيطرة (حاكميين إلهيين معادين للديمقراطية قبل سنوات)؛ وليس حتى إلى نظام حريات عامة وحكم قانون بفعل التكوين الاجتماعي لسلطتهم اليوم (الاقتلاع والبرّية، التكوين المشرشر للسلطة وانمحاء الحدود بينها وبين قطاعات واسعة من القوم السنّي)، ووفرة المساندين المُقتلَعين/ المُنكشِفين الذين يمكن أن يكونوا جيش احتياط قمعي، شراشير يُستنفَرون بيسر. ولعله لذلك لا يحتاج الفريق المسيطر إلى تجنيد إلزامي، لديه وفرة واسعة من متطوعين سنّيين لا بدائل أمامهم، بما يُذكِّرُ بوضع العلويين بعد الاستقلال، وقتَ كان سنّيو المدن يفضلون التجارة والمهن الحرة، وسنّيو الأرياف يفكرون في الدولة كقوة خارجية معادية، تُجنِّدهم غصباً عنهم وتعاملهم معاملة سيئة. كان للحكم الأسدي شراشيره، الشبيحة، وهذا الشرط البنيوي يعكس في الحالين فشلَ بناء الدولة؛ حقيقة أننا كنا نفتقر إلى دولة بالأمس، ويعاد إنتاج الافتقار اليوم. وبالمناسبة، يشملُ الشرطُ البرّيُ اليوم قطاعات مُتّسعة من العلويين، الذين قد يكونون الجماعة الأهلية السورية الأكثر هشاشة في الحقبة الأسدية ذاتها (نزع مدنية الجيل الأفتى بفعل العَسكَرة، ثم الاعتماد الكلي على الوظيفة التي لم تعد مضمونة)، ما يجعلهم ضحايا للاقتلاع والانكشاف والبرّية (بما في ذلك الدفع نحو الأرياف من جديد) أكثر من غيرهم اليوم. شيء مثل هذا شُوهِدَ في العراق إثر الاحتلال الأميركي وإسقاط نظام صدام حسين، وكانت داعش من ثماره السامّة. ثم إننا لا نتجه إلى حكم إسلامي أو دولة إسلامية تقوم على الشريعة، بفعل هزيمة السلفيين الجهاديين وسعي من كانوا في ذلك الموقع إلى النأي بأنفسهم عنه، وصولاً إلى انضمامهم إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش. على أن ذلك لا يتعارضُ حتماً مع محاولات هنا وهناك لإقامة حكم محلي شرعي، نرى أمثلةً عليها بين وقت وآخر. وظاهرٌ في هذا الشأن أن المحيط الإقليمي لا يتقبل حكماً إسلامياً ولا ديمقراطياً، والبيئة الدولية لا تريد بدورها حكماً إسلامياً، والديمقراطية اليوم في أضعف حالاتها عالمياً، ربما منذ الحرب العالمية الثانية. إلى أين نتجه إذن؟ إلى نظام حكم تسلّطي مُحافِظ، مستند إلى طائفية سنّية نَشِطَة، يبذل جهده كي يشبه البلدان العربية الأخرى، أو صورتها العامة. كانت السعودية هي المدخل إلى تطبيع عربي، وأميركا إلى تطبيع دولي، والتطبيعان يُرجِّحان كذلك صيغة حكم تسلطي مُحافِظ. ولعلَّ من المناسب هنا التوقف قليلاً عند كتاب متحولون بفعل الشعب، درب هيئة تحرير الشام إلى الحكم في سورية لباتريك هني وجيروم دريفون. لا يبدو صائباً تفسيرُ مسالكِ أحمد الشرع وهيئة تحرير الشام الاعتدالية بالشعب إلا جزئياً جداً. العنصرُ المُفسِّرُ أكثر هو الانتباه إلى العوائق الدولية والإقليمية للمشروع الجهادي الذي يستعدي العالم كله، وغير قليل من السوريين بمن فيهم سنّيون، أي هو التطبيعُ والتشبّهُ بالمحيط. تخلي القوم عن الثورة السلفية الجهادية نحو اعتدالٍ بالمعنى الشائع للكلمة: عدم استفزاز الأقوياء، تخفيفُ العنصر الإيديولوجي في السياسة، و«البراغماتية»، يُرجِّحُ هذا التأويل. لكن التحوُّلَ هو من تَطرُّفٍ مُطلَق وإيديولوجي إلى تَطرُّفٍ بنيوي غير إيديولوجي، تَطرُّف طائفي، يُحيل إلى شروط الاقتلاع والبرّية التي ذكرناها فوق. المُؤلِّفان يقولان شيئاً قريباً من ذلك قُربَ نهاية كتابهما. نيوليبرالية جهادية ويبدو أن هناك قطاعاً بديلاً عن التدين السلفي الجهادي تلجأ إليه النزعات المناضلة لقيادات هيئة تحرير الشام والموالين لهم، هو قطاع الاقتصاد. القومُ نيوليبراليون جهاديون، كل شيء مطروح للخصخصة بما في ذلك الصحة والتعليم والنقل والخدمات الأخرى، فضلاً عن القطاعات الإنتاجية. فضلاً كذلك عن ضروب مافيوية من الاستيلاء على مُلكياتٍ استقواءً بالسلطة أو استثماراً للماضي الجهادي أو ولاية الدم، وعلى حساب العلويين بخاصة. وهذا مع ضمور شديد في الحسِّ الاجتماعي والمسؤولية الاجتماعية للدولة، أو حلولِ العدمية الاجتماعية لليبرالية الجديدة محلَّ العدمية السياسية والحقوقية للسلفية الجهادية. ويبدو أنه يَشيعُ في أوساط الجماعة أن الحكم الأسدي كان اشتراكياً وضد الإسلام (السنّي)، إذن سياسةُ «الكيان السنّي» المُعمَّم هي «أصولية السوق» وعبادةُ الخصخصة. وضمنياً يبدو أن هناك إرادة لطي الصفحة البعثية من تاريخ البلد التي خسرت الأوساط السنّية فيها السلطة والريادة الاقتصادية، لكن على أيدي أناس لا تختلف أصولهم الاجتماعية عن أصول البعثيين؛ متلهفون أكثر منهم وأسرع على جمع الثروات. الإيديولوجية الدينية التي تُستخدَم سلفاً لوضع اليد الرمزي على البلد (تغيير أسماء مدارس وأماكن عامة)، وللتحكُّم بالسلوك العام (مظهر النساء، الكحول، أماكن السهر…) مناسبة أكثر لضبط وامتصاص السخط الاجتماعي المُحتمَل للمقتلَعين السابقين الذين يأتي حرسُ التشكيلة من أوساطهم. أما النصلُ التكفيري للدين فيتوجه ضد اللامنضوين المُحتمَلين من المثقفين والناشطين السياسيين والفنانين. يُذكِّرُ الأمر بـ«الانفتاح الاقتصادي» المصري في مصر الساداتية من حيث إرادة التصفية التامة للماضي القريب، وحرق المراحل نحو ذلك دون مبالاة بالعواقب الاجتماعية، والصعود السريع لشريحة نَهِمة ضارية وبلا ضوابط من أي نوع في تَلهُّفِها على إشباع شهوات السلطة، ثم من حيث استخدام الدين إيديولوجية تخويف في اتجاه وتهدئة اجتماعية في اتجاه آخر. وعبر هذه التحويلة من السلفية الجهادية إلى الليبرالية الجديدة الجهادية، تحلُّ الثروة محل الثورة، ويُزاح من لم يزاحوا سلفاً ممن بقي حياً من ثوريي 2011 لمصلحة مُتكسِّبين من كل نوع، كان بعضهم موالين للحكم الأسدي. هناك منطق في ذلك: موالو الأسدية السابقون هم سهلو القياد، إما لأنهم اعتادوا التبعية أو لأنهم يدينون بنجاتهم لمُستخدميهم الحاليين، فلا يُتوقَّع منهم إلا الخضوع، وهذا خلافاً لمن كانوا ثوريين ولا تتملَّكُهم عقد نقص تجاه متنفذي اليوم.
استرداد (رستوريشن) سوري نفيُ الخصوصية الجذرية للأوضاع السورية الراهنة، هل يُبقي لها أي خصوصية؟ هل الأمور على درجة الابتذال التي توحي بها السطور السابقة؟ ليس تماماً ونهائياً. إن كانت التحليلات السابقة قريبة من الصواب فثمة خصوصية غنية ومتنوعة، لا تتعارض رغم ذلك مع تقديرنا بأن رهان الحكم الحالي هو أن يصير نظاماً عربياً عادياً يشبه نَظائره المُحافِظة. الجماعة ارتدوا الأطقم وربطات العنق بسرعة قياسية، ولا تزال أجسامهم وأطقمهم قليلة الإلفة لبعضها. أولاً، في السلطة فريقٌ من أربعينيين كانوا سلفيين جهاديين قبل قليل، ويصرّ البعض أنه لا يزال كذلك. ويتصل بذلك أن للشخصيات الأساسية في الحكم الجديد بفعل ذلك الماضي (المستمر؟) ماضٍ شخصي مثير جداً، لا يُشبه أياً من نُظرائهم في العالم العربي ولا في العالم كله. وهم يبذلون كل جهد للقول إن ذلك قد مضى وانقضى. ثانياً، وصلَ القومُ إلى السلطة بعد ثورة (يريدون إهالة تراب النسيان عليها) وحرب أهلية (خرجوا منها فائزين، ويريدون حصر السلاح بأيديهم للتحكُّم بانبعاثاتها المحتملة) وتدخلات دولية من كل نوع (يريدون التفاهم معها)، أي بعد جملة صراعات خرجت منها سورية مدنفة تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة. ثالثاً، ولذلك هناك طلبٌ سوريٌ عام على التماثُل للشفاء وعودة الاستقرار وإعادة البناء. لكن العنصر الأهم الذي يسبغُ قدراً من خصوصية على أوضاع اليوم ربما يتمثل في مناخ سياسي نفسي من الاسترداد أو «عودة الملكية»، عودة السلطة والجاه إلى أصحابهما «الشرعيين»، شيء يُحاكي ما عرفته فرنسا لنحو 15 عاماً بعد نابليون، وما عرفته إسبانيا بين 1874 و1931. أوجهُ الاختلاف كبيرة بين عودة آل بوربون إلى الحكم في البلدين بعد تَحوُّلٍ كبير، ثوري أو جمهوري أو امبراطوري، وبين عودة السلطة إلى القوم السنّي، لكن تَجمَعُ سورية بالبلدين الأوروبيين إرادةُ وضع الماضي بين قوسين، أو حذفه. وهذا مشروع محتومُ الفشل. والحال أن الاستردادات، بفعل ما يميزها من استهلاكِ حق قديم بدل إنتاج حق جديد، تجنح لأن تكون أزمنة انتقال مُتأزِّمة، تنطوي بعد حين يطول أو يقصر. وهذا مكتوبٌ في فكرة الكيان السنّي بالذات، الفكرة الأقل سوريّة والأكثر تَطرُّفاً من كل ما عرفت سورية خلال قرن ونيف. وبالمناسبة، إن كان للاسترداد السوري مُنظِّر، فهو ليس إلا أحمد موفق زيدان، الصحفي الإسلامي الذي قضى عقوداً من عمره جوّالاً في أفغانستان وغيرها، قبل العودة إلى إدلب إثرَ سيطرة جبهة النصرة عليها. الرجل هو الذي ابتكر عبارة الكيان السنّي، ويعمل اليوم مستشاراً إعلامياً للرئيس الانتقالي. وليست احتمالات الانهيار العام هي الشكل المُرجَّح لنهاية الاسترداد السوري، وإن كانت غير مُستبعَدة بفعل التكوين الضيق والمتواضع للمُتحكِّمين الجدد الذين يفوق نَهمُهُم للسلطة والثروة كفاءتهم في الحكم؛ وبفعل اتساع قطاع المُقتلَعين البرّيين، العنيفين في الغالب (مجازر الساحل والسويداء من فعلهم وليس من فعل جهاديين)، وهم قوةُ عدم استقرار واضطراب أمني؛ وفي المقام الثالث بفعل تنامي السخط الاجتماعي الناجم عن محاباة الأقارب والفساد المتنامي سلفاً؛ ثم رابعاً بأثر العامل الإسرائيلي القوي الذي لا يرتدع؛ وأخيراً دور عوارضِ التاريخ التي لا يمكن تَوقُّعها أو تَوقُّع تأثيرها على بلد هشّ في وضع هشّ تسيطر عليه نخبة هشّة متواضعةُ القدرات. فكرة الاسترداد ذاتها، أي الحكم بالعودة إلى الوراء، هي ما ستتكفل بانطواء الصفحة، وإن ربما بعد استهلاكها لنفسها، وليس حتماً في شكل انهيار عام قريب. وتبدو سياسات القوى العربية والدولية محفزة لتجنُّبِ الانهيار خشية من عواقبه: بؤرة عنف وتوحُّش، لجوء واسع، وانبعاث العدمية الجهادية. لكن ليس في هذه السياسات ما يَحولُ دون تفاقم المسألة الاجتماعية وتطييف الدولة وصعود أرستقراطية رثة جديدة. مخاطر الانهيار المحتملة ربما تأتي من هذه الجهة، جهة العدمية النيوليبرالية، وليس العدمية القديمة، وأن لم يكن مُستبعَداً تراكبُ ضَربي الدوافع الذي أودى بأنور السادات بعد 11 عاماً فقط.
سياسة ديمقراطية؟ الخاسر الأكبر بين الخاسرين الثلاث هو ثوريو 2011، من نجا منهم من النظام والجهاديين. ماذا يُحتمَل أن تكون ركائز سياسة ديمقراطية تستأنف تطلعات الثورة السورية؟ ما يقومُ على التحليل السابق، وبخاصة النيوليبرالية الجهادية والتطرّف الطائفي، هو سياسة تُولي المسألة الاجتماعية صدارة اهتماماتها، وهذا بعد طلاقٍ أو ما يقاربه خلال معظم العقود السابقة. ثم سياسة تقاوم الطائفية واختزال سورية إلى كيان سنّي مُعمَّم. المعالجة هنا اجتماعية: تعليم وعمل وخدمات، وكل ما يمكن أن يندرج تحت عنوان تمدينٍ بالنظر إلى أن البرّية هي نزعُ المدنية أو التمدين، ونزعُ البرّية يقتضي بالتالي الفاعلية المعاكسة. لكن الأساس في مقاومة الطائفية هو فكرةُ أنها تنزع وطنية الدولة، بل تلغي الدولة ذاتها، وهو ما عانت منه سورية لعقود في الحقبة الأسدية. سورية بحاجة إلى دولة كي تصير أمة، لأنها اليوم وبالأمس لم تكُن دولة ولا أمة. أركانُ السياسة الديمقراطية، بالتالي، هي العناية بالمسألة الاجتماعية وتوجيه الموارد العامة للنهوض بأوضاع الأكثرية السورية المُفقّرة، ثم مقاومة التطرّف الطائفي، وتحرير الدولة منه. وهناك مئة عنوان فرعي يندرج تحت كل من هذه الأركان. ربما يلزم إحياءُ بعض تقاليد التنظيمات السياسية الأقدم: تحليل اجتماعي اقتصادي للوضع الراهن، غني بالمعطيات والمعلومات الموثوقة، مع الحرص على توضيح التمفصُل بين توزيع الثروة وتوزيع السلطة، ثم برنامج سياسي مُفصَّل يُوجِّه عمل المناضلين الديمقراطيين المُحتمَلين. بمخاطرِ ذلك ووعوده، الوضع السوري اليوم مفتوحٌ أكثر مما كان في الحقبة الأسدية.
#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أساسيات سورية: متى يكون احتكار العنف شرعياً؟
-
في الثورة الثقافية: مناقشة لتصور عبد الله العروي
-
في العنف وعوالمه
-
حرب جديدة في الشرق الأوسط القديم
-
حوار: الجسد الصغير والجسد الكبير
-
يوميات مغربية
-
في الفقر الثقافي والروحي في سورية اليوم
-
لو كنت كردياً: في أخلاقيات التّمثُّل وسياسته
-
في شأن الجماعات و-اللاجماعات- السورية اليوم
-
الكيانيّات السورية: صراعاتها الوجودية ونزعاتها العدمية
-
ما بعد روج- آفا: عن كرد الجزيرة السورية وعربها
-
زمن الأقاصي: محاولة لتسمية الراهن وتمثيله
-
فَقْرا السوريين الاقتصادي والسياسي والعلاقة بينهما
-
قراءة في دفاتر ماجد كيالي الفلسطينية السورية
-
الإسلامية البريّة: روح هائمة تبحث عن جسد
-
يا زميل! في وداع حسن النيفي
-
دماء في صُبح سورية الأغبر
-
سورية بعد عام: عواقب الفراغ السياسي
-
منظورات سورية:ي تبدُّلات المعرفة والسياسة بموازاة تغيُّر الز
...
-
فصاحة السلطة عامية الشعب
المزيد.....
-
مباشر: إسرائيل لا تريد فرنسا في المفاوضات مع لبنان
-
ذكرى -بيت العنكبوت-.. لماذا تطارد بنت جبيل جيش الاحتلال من ج
...
-
فرنسية تتوجه إلى أمريكا لتتزوج حبيبها بعد 70 عاماً.. فانتهى
...
-
إسبانيا توافق على خطة لمنح نحو نصف مليون مهاجر غير موثق وضعا
...
-
لقاء واشنطن بين لبنان وإسرائيل.. تأكيد أمريكي على حق تل أبيب
...
-
غوتيريش يدعو للعودة إلى المسار الدبلوماسي: لا يمكن حل الأزمة
...
-
عاجل | سي إن إن عن مصادر: من المتوقع أن يقود نائب الرئيس الأ
...
-
-صديق أوقات الشدة-.. لماذا لا تدعم الصين إيران بما يكفي؟
-
الولايات المتحدة: إسرائيل ولبنان اتفقا على إجراء مزيد من الم
...
-
-بين الكلام والأفعال-.. تقرير إسرائيلي يحلل طبيعة تهديدات أر
...
المزيد.....
-
سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام
...
/ غازي الصوراني
-
المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية
/ ياسين الحاج صالح
-
قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي
/ رائد قاسم
-
اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية
/ ياسين الحاج صالح
-
جدل ألوطنية والشيوعية في العراق
/ لبيب سلطان
-
حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة
/ لبيب سلطان
-
موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي
/ لبيب سلطان
-
الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق
...
/ علي أسعد وطفة
-
في نقد العقلية العربية
/ علي أسعد وطفة
-
نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار
/ ياسين الحاج صالح
المزيد.....
|