أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حامد فاضل - النافذة















المزيد.....

النافذة


حامد فاضل

الحوار المتمدن-العدد: 1729 - 2006 / 11 / 9 - 06:19
المحور: الادب والفن
    


كلما مررت من أمام السجن الجاثم على صدر البلدة.. كلما اجتزت تلك الأمتار المعدودات ، ولاحت لعيني تلك النافذة الملتصقة في أعلى جدار السجن. ضج بين الجوارح رعد الاحتجاج على عنف القرن العشرين ، ليعصف بغبار الزمن المتناسل على وجه النافذة الشاخصة كشاهدة قبر . فأمتشق من غمد الذكرى سيف الأصوات القاصل ليشق غمام الستينات - تلك الأعوام السود - وأصوب من بئر الروح ، نظرة قاصلة الى النافذة المطفأة ، التي ما تزال مكممة بالحجارة معصوبة بالأسمنت . فتتصدع ملقية كسر الحجارة ، وفتات الأسمنت . لتنهض من جديد أصوات أولئك السجناء ، تنبثق من قيعان الزنزانات المعتمة الرطبة ، وتسمو صاعدة باتجاه فم النافذة ، لتحلق في سماء البلدة صادحة بنشيد السجناء الذي ألقى في قلوبنا بذرة الحلم بوطن حر ، تحط النجوم على هامته ، وتنداح موجة الهور عن قدميه .. وشعب سعيد له الشمس معلقة كالثريا ، والنجوم مصابيحه ، والقمر ، عاليا لا يصله عواء الذئاب ، ولا سلم فيه لأرتقاء القرود..أية متعة تضاهي متعة أيام البراءة .. أي عطر ، كعطر الصبا ، ينث رذاذ صدى في الفؤاد .. كلما عانقت مقلتي على أيما موعد مقلة النافذة ، أرجعتني الى عصبة أقراني المتشظين في دروب الحياة ، الى ساحة اللعب في طفولتنا الغابرة .. يوم كنا نلعب كرة القدم بأرجل حافية ، متسربلين بغبار الساحة الترابية المجاورة للسجن . تراقبنا النافذة ، تتابع لعبنا ، تنقل إلينا نحن فريق أشبال البلدة ، تشجيع جمهورنا من وراء القضبان .. نافذة صغيرة قريبة من سقف السجن ، تطل على الساحة فاصلة بين عالمي الحرية والقيود .. رئة يزفر منها السجن الهواء الفاسد ، ويتنفس من خلالها نقي الهواء .. يطلق السجناء آهاتهم صوبها ، ويشهقون من فمها قبلة الحياة.. الشمس تستيقظ على محفة الشرق كل صباح . تنزع نقاب الغبش . تسفر عن شعرها الأشقر ، وتطل بوجهها المضيء ، تحمل سلتها ، وتخطو بقامتها الفارعة ، تسير في دروب البلدة لا يسمع حفيف ثوبها ولا تثير الغبار . تقصد جدار السجن . تقف على أطراف أصابعها . ترتكز على تراب الساحة ، وتمد ذراعا بضة لتلقي بسلتها من النافذة ناثرة الضوء والدفء والأمل في أكف السجناء .. نافذة الحرية تلك كانت شاهدة على لقاء الصداقة والمحبة بين أهل البراءة ، وأهل النضال في يوم حفر أسمه وتأريخه على جذوع قلوبنا الصغيرة ، في زمن كان فيه سجن بلدتنا الواقعة على مشارف الصحراء ، محطة لتسفير السجناء السياسيين الى سجن النقرة الموسوم بالنفي والغياب والتيه والفناء .. بلا مقدمات ، قدمتنا النافذة الى السجناء ، وقدمتهم لنا بطريقة بسيطة بعيدة عن الأتكيت المتبع في إقامة العلاقات الإنسانية .. من مناداة بعضنا البعض أثناء اللعب ، عرف السجناء أسماءنا .. كانت أصواتنا الطرية تحلق من بين اللهاث والغبار ، فتلتقطها النافذة ، لتحط في أسماعهم . فيطلقون حناجرهم الرجولية الصداحة هاتفين بأسمائهم ليصعد صوتهم الجهوري من جوف السجن عابرا النافذة الى فضاء الساحة ..بتعاقب الأيام صرنا نعرفهم جميعا ، وعرفوا هم أعضاء فريق أشبال البلدة .. نمت علاقتنا الفريدة نمو العشب البري في ربيع الصحراء ، وانتشرت في البلدة انتشار ضوء النهار.. كنا نحدث أهلنا عنهم ، ننقل أخبارهم الى أهل البلدة ، وننقل أخبار البلدة إليهم .. أحببناهم ، وأحبونا من تلك الرسائل الصوتية التي كنا نتقاذفها عبر النافذة .. بمعاول الحب والبراءة والصداقة ، هدمنا الجدار الفاصل ما بين السجن وبين البلدة .. كان أصدقاؤنا السجناء ينتبهون الى غياب أي لاعب منا .. فيسألون :( أين عادل اليوم.؟ ) أو ( لم لا نسمع صوت مجيد.؟ ) أو ( هل شفيت قدم صباح.؟ ) وكنا ننتبه الى غياب بعض أصواتهم ، فنسأل : (أين الدكتور ضياء.؟ ) فيجيبون : ( انه يلعب الدومينو ، وقد خسر خمسة شايات لحد الآن ) أو نسأل : ( لم لا يكلمنا العقيد عزام.؟ ) فيخبروننا: ( أنه ما يزال يغط في القيلولة ) كنا نتجمع أسفل النافذة ، نلتصق بجدار السجن من الخارج .. وكانوا هم يلتصقون بالجدار من الداخل ، ونروح نتبادل الأحاديث .. يسألوننا ، عن أعمال آبائنا ، وأسماء مدرسينا وانتماءاتهم، ونسألهم عن وظائفهم وعن أسباب اعتقالهم.. نرمي إليهم بمسائل الرياضيات ، ليحلها لنا المدرس ثائر .. أو عناوين الإنشاء ، ليكتبها لنا المدرس جميل .. أو نصغي الى تعليمات وتوجيهات الكابتن ناهض التي أفادتنا كثيرا في فهم قوانين لعبة كرة القدم .. كانوا سعداء بنا ، وكنا سعداء بهم .ينتظروننا عصر كل يوم ، ونحن ننتظر بلهفة طفل مجيء العصر . لنذهب الى موعد الجدار. حتى عصر ذلك اليوم الذي وأد فرحتي بالبدلة التي حصلت عليها من لجنة معونة الشتاء .حين داهمنا رجال الشرطة ، بعد أن شاع في البلدة خبر علاقتنا بالسجناء . ففررنا كسرب عصافير قذفوه بحجر .. لكنهم حاصرونا ، سدوا علينا منافذ الساحة . واستطاعوا الإمساك بنا ، واقتيادنا الى داخل السجن . وكانت تلك هي المرة الأولى والتي لم تكن الأخيرة ، التي ذقت فيها طعم عصا الشرطة ، وتلمست شيئا من عذاب السجناء . قبل أن يفرج عنا بعد انطفاء ذبالة شمس ذلك اليوم ، وبتعهد خطي من آبائنا بعدم العودة الى اللعب في الساحة المجاورة لسجن البلدة . التي قطعوا أملنا في الرجوع إليها نهائيا حين كبلوها بسياج من الأسلاك الشائكة .. لكننا برغم ذلك كنا نسمع أصوات أصدقائنا السجناء تحلق من فم النافذة حتى بعد أن كمموه بالطابوق والأسمنت .. كان صدى أصواتهم الصادحة في سماء البلدة ، يتردد في بيوت وأكواخ وصرائف الفقراء .. أيام مرت علينا ثقيلة ، ملبدة بسحب الكآبة .. يأخذنا الشوق الى أصدقائنا السجناء ، فنحلق بأجنحة المخيال الى تلك النافذة ، ونحوم حولها كعصافير تبحث عن أعشاشها في بقايا شجرة طوحت بها العاصفة . قبل أن يأتينا صانع مقهى السجن برسالة شفوية ، يخبروننا فيها بأمر ترحيلهم في الصباح الباكر الى سجن نقرة السلمان .. في ذلك الصباح ، رأى رجال الشرطة . لاعبي فريق أشبال البلدة ، يصطفون على الرصيف المقابل للسجن ، متسربلين بضياء شمس يبشر ببواكير الدفء. وهم يرتدون ملابس الفريق ، الشورتات ، والسراويل ، وأحذية اللعب .. حتى إذا خرجوا بالسجناء ، تعارفت الوجوه ، بعد التعارف بالأسماء .. تعانقت النظرات ، همست العيون الى العيون ، هفت القلوب الى القلوب . وتكلم الصمت البليغ .. ثم ضجت حناجر السجناء بالنشيد .. وحين تحركت بهم السيارات باتجاه الصحراء ، استمروا يلوحون بأيديهم الى لاعبي فريق أشبال البلدة الذين ساروا خلف قافلة اصدقائهم السجناء المتجهة الى سجن آخر في جوف الصحراء .



#حامد_فاضل (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرائحة
- الحكمة
- قصة الصمت
- قصة....القرد
- قصة المفعاة
- الكبش
- العلبة


المزيد.....




- ???????فن الشارع: ماريوبول تتحول إلى لوحة فنية ضخمة
- لوحات تشكيلية عملاقة على جدران الأبنية المرممة في ماريوبول ( ...
- تجليات الوجد واللوعة في فراق مكة المكرمة ووداع المدينة المنو ...
- الا.. أولى حلقات مسلسل صلاح الدين الجزء الثاني مترجمة للعربي ...
- “فتح بورصة الجزء الثاني”.. تابع أولى حلقات مسلسل قيامة عثمان ...
- أغاني ومغامرات مضحكة بين القط والفار..تردد قناة توم وجيري ال ...
- الكاتب الروائى (خميس بوادى) ضيف صالون الثلاثاء الأدبى والثقا ...
- فيديو: أم كلثوم تطرب الجمهور في مهرجان -موازين- بالمغرب
- ما هي حقيقية استبعاد الفنان محمد سلام من جميع الأفلام السينم ...
- مؤلف -مختبر فلسطين-.. أنتوني لونشتاين: إسرائيل تستخدم المحرق ...


المزيد.....

- خواطر الشيطان / عدنان رضوان
- إتقان الذات / عدنان رضوان
- الكتابة المسرحية للأطفال بين الواقع والتجريب أعمال السيد ... / الويزة جبابلية
- تمثلات التجريب في المسرح العربي : السيد حافظ أنموذجاً / عبدالستار عبد ثابت البيضاني
- الصراع الدرامى فى مسرح السيد حافظ التجريبى مسرحية بوابة الم ... / محمد السيد عبدالعاطي دحريجة
- سأُحاولُكِ مرَّة أُخرى/ ديوان / ريتا عودة
- أنا جنونُكَ--- مجموعة قصصيّة / ريتا عودة
- صحيفة -روسيا الأدبية- تنشر بحث: -بوشكين العربي- باللغة الروس ... / شاهر أحمد نصر
- حكايات أحفادي- قصص قصيرة جدا / السيد حافظ
- غرائبية العتبات النصية في مسرواية "حتى يطمئن قلبي": السيد حا ... / مروة محمد أبواليزيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حامد فاضل - النافذة