طلال الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 5401 - 2017 / 1 / 13 - 22:34
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
في الحلقات السابقة تطرقت الى الخصائص الرئيسية لفلسفة وايتهيد في الصيرورة وحاجة كل من الماركسية وفلسفة الصيررة الى بعضهما البعض. وقد استشهدت على ذلك بامثلة مشتقة من علوم طبيعية كعلم الجينات والوراثة, وعلم الاحياء التطورية, وعلم الاجنة. وبهذه الامثلة اكون قد لامست السطح فقط ولربما ساعود الى معالجة تفصيلية لاحقة في دفعة واحدة او دفعات. فعودة كهذه سوف لن تشكل اضطرابا في مستوى الفهم, ولكن الاضطراب نفسه قد يكون محبذا ومتماشيا مع كلا الفلسفتين, لانه سيكون دليلا على التغيير(الماركسية) او الصيرورة (ميتافيزيقيا وايتهيد).
-----
في هذه الحلقة وبعض الحلقات اللاحقة ساسعى الى معالجة مفاهيم مثل الحرية والاغتراب لدى ماركس ووايتهيد والدروس الممكن استخلاصها من عملية التلقيح الفكري بين الاثنين.
أحد المواضيع المركزية في اعمال ماركس هي مشكلة الحرية. والغريب ان يتم إهمال هذا الجانب من قبل علماء الماركسية نسبيا, بالرغم انه لا يمكن الاختلاف علي أهميتها. ان مفهوم ماركس عن الحرية متعلق الى حد كبير بمفهونه عن الاشتراكية وعن الانسان, وينبغي أن يكون واضحا من البداية, وفقا لهذا المفهوم، ان مجتمع الاشتراكية بالمفهوم الماركسي هو ليس مجتمع الأفراد الصارمين المعادين للمتعة، المؤتمتين (من الأتمتة في الروباتات مثلا)، بغض النظر عما إذا كان هناك تكافؤ دخل أم لا، وبغض النظر عما إذا كان الاشخاص يحصلون على تغذية جيدة او لبس جيد ام لا. أنها ليست المجتمع الذي يٌخضع الفرد للدولة، إلى النظام، او البيروقراطية, وحتى لو كانت الدولة هي صاحبة العمل كتجريد رأسمالي، وحتى لو كان رأس المال الاجتماعي بأكمله متحدا في يد رأسمالي واحد أو شركة رأسمالية واحدة تسمي نفسها حكومة (اشتراكية!), فهذا لن يكون هو الاشتراكية بعرف ماركس. في الواقع، كما يقول ماركس بوضوح في المخطوطات الاقتصادية والفلسفية، "الشيوعية على هذا النحو ليست هي الهدف من التطور البشري." (1)
اذن، ما هو الهدف؟ من الواضح تماما أن الهدف من الاشتراكية هو الانسان. هو خلق شكل من أشكال الإنتاج وتنظيم المجتمع الذي يمكّن الإنسان من التغلب على الاغتراب عن الانتاج، عن عمله، عن أخيه الإنسان، عن نفسه, وعن الطبيعة؛ والذي يمكّنه أن يعود إلى نفسه وان يفهم العالم وقدراته كانسان، وبالتالي يصبح في انسجام مع العالم. الاشتراكية حسب ماركس، على حد تعبير المحلل النفسي الماركسي اريك فروم (2), مستعيرا تعبير Paul Tillich, هي "حركة مقاومة لهلاك الحب في الواقع الاجتماعي." (3) وقد اشرت الى موضوعة الحب والشيوعية في مكان آخر (4).
وأعرب ماركس عن هدف الاشتراكية بكل وضوح في نهاية المجلد الثالث من رأس المال (5) بما مفاده ان عالم الحرية لا يبدأ في الواقع حتى يتم تخطي المجال الذي يكون فيه العمل فعلا اكراهيا ويُرغم الشخص عليه كضرورة وللمنفعة الخارجية. انه امر يكمن في طبيعة الأشياء التي تكمن وراء مجال الإنتاج المادي في المعنى الدقيق للكلمة. فكما أن على الانسان المتوحش أن يتصارع مع الطبيعة، من أجل إرضاء حاجاته، من أجل الحفاظ على حياته وإعادة إنتاجها، كذلك على الرجل المتحضر فعل الشئ نفسه، وهذا ما يجب عليه أن يفعله الانسان في كل أشكال المجتمع وتحت كافة الأوضاع المحتملة للإنتاج. وبتطور الانسان يزداد نطاق الضروريات الطبيعية بسبب زيادة رغباته, ولكن في الوقت نفسه يزداد تطور قوى الإنتاج التي تحقق اشباع هذه الرغبات. والحرية في هذا المجال لا يمكن ان تكون أي شيء آخر غير حقيقة أن يتعامل الإنسان اجتماعيا, وضمن عملية انتاج مشتركة, بتنظيم التفاعل مع الطبيعة بعقلانية، وجعلها تحت السيطرة المشتركة، بدلا من تركها لتتحكم فيه كقوة عمياء. وهو ينجز مهمته هذه بأقل صرف للطاقة وفي ظل ظروف أكثر ملائمة لطبيعة الإنسان واللائقة به. ولكن يبقى ذلك دائما عالم الضرورة. وعند تخطي هذا العالم يبدأ تطور البشرية باعتبار هذا التطور هو النهاية بحد ذاتها, حيث يدخل عندها الانسان العالم الحقيقي للحرية، التي، مع ذلك، لا يمكن أن تزدهر إلا بوجود عالم الضرورة كأساس لها.
يلخص ماركس هنا جميع العناصر الأساسية للاشتراكية. أولا، يُنتج الانسان بطريقة تعاونية وغير تنافسية. انه ينتج بعقلانية وبطريقة لا اغترابية، وهو ما يعني أنه يضع الإنتاج تحت سيطرته، بدلا من أن يكون الانتاج هو المتحكم فيه كالسلطة العمياء. ويستثنى من هذا بشكل واضح مفهوم الاشتراكية التي يتم فيها التلاعب بالانسان من قبل البيروقراطية، حتى لو كانت هذه البيروقراطية تحكم اقتصاد الدولة ككل، وليس فقط كشركة كبيرة. وهذا يعني أن الفرد يشارك بنشاط في التخطيط وتنفيذ الخطط؛ وهو ما يعني، باختصار، تحقيق الديمقراطية السياسية والصناعية. يتوقع ماركس أن هذا الشكل الجديد من انسان المجتمع غير المغترب سيكون مستقلا، وقادرا في الوقوف على قدميه، وأنه لن يكون معاقا بسبب نمط انتاج الاغتراب والاستهلاك؛ انه سيكون حقا سيد نفسه والخالق لحياته، وبالتالي يتمكن من البدء في جعل الحياة عمله الرئيسي الشاغل، بدلا من إنتاج وسائل العيش. الاشتراكية، بالنسبة لماركس، لم تكن أبدا صنوا للاشباع الحياتي، بقدر ما هي شرط هذا الاشباع. عندما يكون الانسان قد حقق الجانب العقلاني اللامغترب للمجتمع، فانه سوف تتاح له الفرصة للبدء بما هو الهدف من الحياة: تطوير القدرة البشرية، والتي هي النهاية بحد ذاتها صنو الحرية الحقيقية للانسان - والنهاية هي صيرورة (كصيرورة وايتهيد) وليست الهدف الغائي, telological goal, وهذا ما يميزها عن كل نهايات عوالم الدين والمثالية التي تنتفي فيها الصيرورة, وبالتالي تصبح نهاياتها الغائية لا تنتمي الى عالم الحياة وتحققها, كما في حالة الماركسية, بل تصبح صنوا للموت والسكون المطبق. ماركس، الرجل الذي قرأ كل عام أعمال شكسبير وإسخيلوس (روائي مسرحي تراجيدي يوناني, 525 ق.م - 456 ق.م.)، والذي جسد في حياته أعظم أعمال الفكر الإنساني، لم يكن ليحلم أن فكرته عن دولة الاشتراكية يُمكن أن تفسر على أنها كانت تهدف فقط الى تأمين الحصول على تغذية وملابس جيدة في دولة الرفاهية او دولة العمال- وهنا يحصل خلط فاضح من قبل العديد من الماركسيين المبتذلين ومن غير الماركسيين عندما يزعمون, مثلا, ان ما يسمى دولة "الرفاه الاجتماعي" هي صنو للدولة الاشتراكية التي حلم بها ماركس! وهم لا يدركون ان دولة الرفاهية ودولة الاشتراكية هما طرفا نقيض, فدولة الرفاهية هي صنو لدولة العبودية (الحديثة), بينما دولة الاشتراكية هي صنو لدولة الحرية. وهؤلاء يساوون بين الاثنين باختزالية بيولوجية-اجتماعية/سياسية مقيتة, رغم انهم هم انفسهم يوجهون سهام اتهاماتهم ضد الماركسية ويذرفون دموع التماسيح بحجة ان الماركسية اختزالية اقتصادية وتُجّرد الانسان من انسانيته وتحوله الى روبوت! وبتكرارهم لهذه المزاعم يقزّمون هم انفسهم ويصبحون كالروبوتات, اي اناس مؤلهون للسلطة و(الحفاظ على) الوضع القائم ويخشون التغيير كخشيتهم الموت, ولكن هؤلاء في الحقيقة ينطبق عليهم قول الكاتب المصري الكبير نجيب محفوط بان هؤلاء يخشون الحياة بخشيتهم الموت. مشروع ماركس يستند على ثقته بالانسان وفي قدراته المتأصلة والمكتسبة, بجوهر الانسان وتحققه عبر التاريخ. ان الانسان سيكون حرا عندما يصبح حرا من القيود، وليس فقط من الفقر الاقتصادي، ولكن من الفقر الروحي ايضا الذي يتضمنه الاغتراب باشكاله المختلفة. يرى ماركس في الاشتراكية شرطا او وسيلة لضمان حرية الإنسان والإبداع، وليست الاشتراكية هدفا بحد ذاتها.
يتبع
..........
المصادر
1. Third Manu--script--
https://www.marxists.org/archive/marx/works/1844/epm/3rd.htm
2. Erich Fromm 1961.Marx s Concept Of Socialism
https://www.marxists.org/archive/fromm/works/1961/man/ch06.htm
3. Protestantische Vision, 1951
von Paul Tillich
p. 6
https://www.amazon.de/Protestantische-Vision-Vortrag-gehalten-Juli/dp/B00RVKSFBI
4. هل ل(قيادة) الحزب الشيوعي العراقي مشكلة مع مشاعر الحب والقلق؟
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=542375
5. Capital III, translated by Ernest Untermann, Charles H. Kerr & Co., Chicago 1909, p. 954
#طلال_الربيعي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟