عباس علي العلي
باحث في علم الأديان ومفكر يساري علماني
(Abbas Ali Al Ali)
الحوار المتمدن-العدد: 4614 - 2014 / 10 / 25 - 15:49
المحور:
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
في الأول هذا المنشور ليس دعوة لأحد ولا ترويج لفكر أحد ولا تبني مشروع أحد إنما هو ثمرة تعقل شخصي وبوح ذاتي لمن أراد أن يفرز تداخلات الألوان ليخرج بنتيجة أن الأبيض النقي شديد النقاوة حقيقة مطلقة والأسود شديد الحلكة دون أن يمتزج معه لون أخر هو حقيقة مطلقة أخرى , وكلما تمازجت قليلا أو كثيرا نكون قد نسفنا الحقيقة وفرطنا بالحدود بينها دون داع ولا سبب وجيه , أقول أنا أحببت الحسين رجلا من هذا الكون قال كلمة ودفع حياته ثمنا لها ليس لأنه يبتغي من وراء الكلمة مجدا خاصا ولا منفعة مادية ولا عرشا زائلا , بل صدح بها لأنه يعي بكل وجوده الحر وكامل معرفته وعلمه أن هذه الصرخة ستكون البداية الجادة والمثمرة لتحرير الإنسان من خوفه ووهمه وتخرجه من الألم إلى العمل , فكان بذلك أول مشرع لقانون "بدل أن تلعن الظلام أشعل شموع ووزعها على السالكين دربهم في الظلام" , لذا أنا أنتمي للحسين .
حبي لمدرسة الحسين لم يولد كالعادة في مجتمعي المولود وهو مفطور بالحب النقي التلقائي الذاتي لكنني تعلمت من بعد ذلك أن أحب الحسين عقلا ومنطقا فأخذت مني السنين كثيرا كي أعرف معنى أن تحب رجلا مضى من زمن وأن تحبه بالفطرة وهو مع ذلك يدعوك لأن تحبه بالعقل , فشرقت وغربت وحاولت في كل مرة أن أهرب من فطرتي كي أرى بوضوح أكتشفت أخير سرا فلسفيا قد يصفني البعض به باللا عقلانية وهذا لا يهم , أكتشفت أن كل فطرة هي من قانون الطبيعة وناموس الوجود الذاتي الصحيح والأصل في الأشياء وكل ما نتج عنها ومتوافقا معها هو بالأحرى تطبيق لبنود الأتفاق الأول بين الخالق والعقل ,لذا فكل من يحب الطبيعة وينحاز للفطرة هو على ذلك العهد بين الله والعقل يوم أستنطقه ,وبالتالي فهو مؤمن حقيقي والعكس هو صحيح أيضا كلما كان ذلك جادا وحقيقيا , فحب الفطرة هو فعل عقلي متماثل مع قانون وألتزامات العقل الأولى مع الله , لذا عرفت لماذا أنا أحب الحسين .
أحب الحسين في زمنه وفي كل زمن لأنه لم يغري أحدا بمال أو منصب أو مستقبل مادي , ترك العالم وزخرفه ليبحث عن إنسان لينصره فوجد أن الكون كله محتاج لمن يصحح له المسار فلم يتوانى أن يفعل ذلك ولكن ليس على حساب الجنود والأنصار والمعية ,بل قدم نفسه أولا مشروعا لهذا التغيير ومن وافقه على مر المهمة دون أن يتكلم عن حوريات وجنات يستغرق وقته في وصف جمالها وأعجازها بل طلب من الناس أن تعود لوجودها فقط لإنسانيتها لماهيتها الأولى والطبيعية في التكوين , "إن لم يكن لكم دين فكونوا أحرارا في دنياكم" هذه المعادلة لم يعرفها أحدا قبل الحسين ,إن لم تضبطكم عقولكم وإيمانكم كسلوك وكفكر وتدبر معالم وطرقات الدين إذا أسئلوا فطرتكم وطبيعتكم الإنسانية عن تقبل الذل والهوان والعبودية لأن الله خلقكم أحرار ودعاكم أحرا وخاطبكم أحرا ,فكونوا كما أنتم بلا رتوش بلا تزييف كونوا حقيقة ولو مرة في حياتكم لأن هذا الأنحياز للحرية هو كل معاني الإنسانية في الوجود , من هنا تعلمت أن الحسين لا بد أن يعشق فوف الحدود لأنه يدعوني لإنسانيتي دون أن يربطني بشي أو ينسيني لشيء .
نتبع منهج الحسين ليس فقط كمسلمين ومنتمين إلى مدرسة أعلنت بكل وضوح وصراحة أنها المدرسة التي تريد أن تحافظ على أرث ومنهج وخطط ورؤية الحسين فقط ولكن نتبع أيضا إنسانيتنا المجردة إنسانيتنا التي وضع تفاصيلها وخطوطها رب العالمين عندما جعل حب الخير والفضيلة والسعي للكمال ورفض الذل وترك المهادنة مع الشيطان وغسل النفس من آثامها من خلال وعي العقل أن كل من لا ينتمي للنقاء والطهر لا يمكن أن يكون عقلانيا بمعنى نصير للعقل السليم , فمن يجد أن عقله لا بد من أن يذهب به نحو الجانب الإيجابي من الحياة ومن معالمها عليه أن ينتمي لهذه المدرسة بكل مراحلها التي تبدأ تعاليمها من شعار "حب لأخيك ما تحب لنفسك" هذا الشعار الذي جسدته دموع الحسين المنهمرة على خده وهو يرى أن هذه الحشود المقابلة له سوف ترتكب جريمة وسوف يقع عليها العذاب , فهو يبكي لحالهم دون أن يضع مأساته ومأساة أنصاره وأهله ومستقبلهم بالمقابل بكفة الميزان , قدم للنتيجة التي ستؤول على الخصم على نتيجته هو وأنكر ذاته وما تريد لذات الذين سلوا عليه السيوف وهو يستنقذهم من عبودية الإنسان للإنسان , فهل من عاقل يمكنه أن يفعل غير أن يذهب سريعا لهذه المدرسة النبيلة بكل معاني النبل والفروسية الفذة , لذا فأنا تلميذ مبتدئ في هذه المدرسة .
من معالم حب الحسين أن يكون الفرد جماعة مع فرديته كما كان مثلا إبراهيم ع أمة قائمة بذاته ,لأن مفهوم الأمة هو كل كيان وجودي حي يحمل مشروعا نهضويا للإنسان يقوده للكمالات كما فعل الحسين في كربلاء بما حمل من مشروع للحرية , مشروع لإعادة الأنتماء للإنسانية صاحبة الرسالة في الوجود بالتعارف والأستخلاف والأستعمار والإصلاح , فكان الحسين أمة لوحده وأراد أن تكون تأثيرات صرخته أن تحول كل حر إلى أمة على ذات منهج الرسالة الإنسانية رسالة الإصلاح "ما خرجت أشرا ولا بطرا .... وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" ,لم يكن مصلحا فقط بل ودعا الأخرين ليكونوا مصلحين , وليكون كل واحد صاحب رسالة وصاحب هدف وصاحب مسئولية فحمل الناس وتحمل المسئولية كاملة ليصنع مجدا للأحرار والمحررين , وأنا أتبع هذا المنهج لأنني أنتمي لإنسانيتي .
الحسين كان فوق الإسلام المتضايق بالتعاليم ولكنه كان مع الإسلام الرسالة التي لا تفرق بين عبد وسيد بين أبيض وأسود ,إسلام كلكم من آدم وآدم من تراب , كان الحسين أخا للحر بن يزيد الرياحي كما كان أخا للعباس بكى الأثنين وحمل الاثنتين على صدره الشريف , كان الحسين أبا للأكبر علي ولوهب النصراني كانت الطعنة التي تلقاها باستشهادهم واحدة طعنة نجلاء في روح البشر الذي خلق من أول يوم من طينة واحدة , فلم يدع جون الخادم الذي رافق الحسين لهدف شخصي أن ينفرد بمنزلة دون منزلة حبيب بن مظاهر سيد قومة ومن كبار التابعين كلاهما بشر وكلاهما نصر وكلاهما أمن بالحرية وكلاهما قال له الحسين يا أخي , هل من أحد في التاريخ ممكن أن يكون حسينيا بهذا المستوى , نريد أن نجعل دروس كربلاء مدرسة الأحرار العليا لذا طلبت الأذن بالتعلم من الحسين مظلوما ومنتصرا وساميا وفوق بشرية البشر وإنسانية الإنسان كان الحسين هو المعلم الأكبر لكل طبقات الأحرار من غاندي إمام السلام والمحبة لأخر ثائر ينادي يا لأهداف الحسين يا لقيم الحسين يا لدروس فلسفة الحسن .
#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)
Abbas_Ali_Al_Ali#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟