جعفر المظفر
الحوار المتمدن-العدد: 3529 - 2011 / 10 / 28 - 23:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
دون أدنى شك هناك إعادة تكوين للمنطقة العربية حيث يعتبر البعض ذلك بمثابة سايكس بيكو جديدة تتناول إعادة تقسيم الثروات وليس الجغرافيا التي تكفلت بها الاتفاقية الأولى.. لقد تحدث الأستاذ هيكل عن ذلك ونسي في معرض ذمه للأولى أن الأمة العربية لم تكن موجودة على الأرض في زمن العثمانيين بل كانت هناك مجاميع من الولايات المتفرقة ترتبط بالمركز في إسطنبول مباشرة. وما عدا مصر التي لم تكن خضعت للسلطة المركزية التركية وكانت تديرها أسرة محمد علي فإن أغلب المناطق العربية كانت تابعة مركزيا لإمبراطورية آل عثمان, وكان العراق نفسه من تلك المناطق الذي كانت السلطة العثمانية قد قسمته إلى ولايات ثلاث متصلة بالمركز العثماني ولا علاقة لإحداهما بالأخريات. ومن الغريب أن العراق لم يتأسس كدولة واحدة بحدودها الجغرافية المعروفة من " زاخو لحد الكويت" إلا بفضل من الإنكليز أنفسهم, وإن ما نسميه بالدولة العراقية الوطنية التي نفخر بالانتماء إليها بجغرافيتها الحالية, ونناضل من أجل بقائها موحدة, هي في صورة من صورها إنتاج بريطاني بامتياز.
لا خلاف على أن اتفاقية سايكس بيكو كانت اتفاقية استعمارية لتقسيم البلدان العربية إلى غنائم بين الدولتين الاستعماريتين اللتين انتصرتا في الحرب العالمية الأولى, كما أن تخلي الدولتين عن العهود التي قد تقدمتا بها للشريف حسين حول منح العرب حريتهم التي قاتلوا من أجلها مع الحلفاء ضد العثمانيين كانت حلت محلها الهيمنة الاستعمارية التي أدت إلى ما أدت إليه من سياقات معروفة على صعيد الاستيلاء على الثروة وضياع فلسطين بعد ذلك. لكن من الحق علينا أن نعيد قراءة التاريخ على ضوء ما نحن عليه الآن. لقد كان من السهولة قبل عقود أن نؤسس العديد من النظريات السياسية التي تتبنى فكرة أن كل شيء بائس كان قد بدأ بتلك الاتفاقية, حتى ليظن العربي بأنه كان صاحب مجد قبلها, وأن أمته كانت واحدة من المحيط إلى الخليج, وأنه كان ينعم بالصحة والتعليم والبحبوحة والاستقلال والشرف والسيادة والكرامة التي فقدها بسبب تلك الاتفاقية المشئومة.
نسينا أن بلادنا كانت مشتتة أصلا إلى ما هو أكثر مما شتته تلك الاتفاقية, وأنها كانت تابعة إلى الاستعمار العثماني الذي أبقاها رهينة للتخلف والفقر والمرض. ولذا فإن من المهم, حينما نعيد كتابة التاريخ, أن نشير إلى حقيقة أن تلك الاتفاقية, رغم نياتها الاستعمارية المبيتة وما أنتجته بعد ذلك من مآس, فهي كانت جزء من سياق مأساوي كان سبقه واقع عثموعربي أكثر مأساوية.
وأيضا وأيضا علينا أن نتذكر أن البلاد العربية التي تقدر لها أن تأخذ استقلالها السياسي الكامل بقوة الانقلابات العسكرية وبرعاية وإشراف وهداية من النظريات القومية والوطنية لم تستطع أن تقيم دولة عربية موحدة يمكن للتاريخ العربي أن يستشهد بها في معرض إدانته لإتفاقية سايكس بيكو كاتفاقية استعمارية كانت وضعت الأساس لتدمير العرب وتقسيم بلادهم.
وحتى تجربة قيام الجمهورية العربية المتحدة بين سوريا ومصر فهي لم تصمد طويلا إذ ارتد عليها السوريون بعد عدة سنوات على قيامها. ونسينا في غمرة إلقاء اللوم على المؤامرة – الإمبريالية الصهيونية الرجعية – التي زعمنا أنها كانت وراء الانفصال أن الطبيعة البوليسية لحكم عبدالناصر-عامر-السراج - هي التي خلقت الأجواء الملائمة للردة على دولة الوحدة.
لكن عقلية نظرية المؤامرة ذات الجذور السبئية الضاربة في تاريخنا العربي منذ الفتنة الكبرى ومقتل الخليفة الصحابي عثمان سرعان ما ألقت اللوم على الصهيونية وعلى دولتي سايكس وبيكو وعلى أمريكا وبرأت – جماعتنا – من أي ذنب ووزر. وإذا ما عبرنا من تلك التجربة إلى مباحثات الوحدة التي عقدت في عام 1963 بين مصر عبدالناصر وعراق علي صالح السعدي وسوريا صلاح الدين البيطار فسنكتشف أن - رواد الوحدة – وليس سايكس أو بيكو لوحدهما من كان قد عمل ضد الوحدة وحال دون قيامها..
من المؤكد إننا لا نبرئ بذلك أعمامنا الإنكليز والفرنسين مما ارتكبوه من آثام بحقنا, لكن – جريمة - هؤلاء كان قابلة للتفسير لكونهم على الأقل لم يكونوا روادا للقومية العربية, ولا كانوا أدعوا أنهم أحفاد صلاح الدين الأيوبي وخالد بن الوليد كما كان شأن ناصر أو شأن الأسد وصدام في سوريا والعراق, وكانا قد خاضا حربا طويلة ضد التحالف العثماني الألماني الإيطالي بما منحهما – شرعية - تقاسم عالم ذلك التحالف كما هو شأن كل المنتصرين في الحروب.
ولقد قدر لي أن أعيش عن قرب تفاصيل مشروع الوحدة الذي كان مقدرا له أن يتم بين عراق البكر- صدام من جهة, وسوريا حافظ أسد من جهة أخرى, بعد إقرار ميثاق العمل القومي بين البلدين وذلك في نهاية السبعينات, وأشهد إنني لم أرى وقتها لا الأخ سايكس ولا الأخ بيكو بين صفوف من قضى على ذلك المشروع الوحدوي ووأده وهو في مهده, بل إنني أحسست أن كثيرا من الرجالات القياديين التي كانوا قد – نذروا- أنفسهم لهدف إنجاز الوحدة هم الذين تمنوا عدم إنجازه.
وحينما إنقلب صدام على ذلك الميثاق وأعلن عن إزاحة البكر وذبح نصف أعضاء قيادته القطرية, فإن أحدا من أعضاء القيادة القومية من غير العراقيين وخاصة من السوريين الذين كانت لهم زعامة تلك القيادة لم ينبسوا ببنت شفة وذلك على طريقة السكوت علامة الرضى.
ويوم أن توفرت لي فرصة البقاء في السودان لفترة أربعين يوما وذلك في منتصف التسعينات فقد رأيت عن قرب كيف أن القيادات الإسلامية لتلك الدولة, بدء بالترابي والبشير, كانوا يضعون أسس قيام دولة جنوبية قبل أن يضعها " قرنق " نفسه. وهناك أيضا, وعلى خطوط التماس بين الجنوب الأفريقي المسيحي وبين الشمال العربي المسلم, لم أشاهد بيكو أو سايكس بل رأيت غرنق والبشير والترابي وهو يضربون يوميا أوتاد الدول السودانية الجديدة التي ربما تشهد قريبا دولة أخرى على أراضي دارفور.
واليوم فإن العراق يعيش في مواجهة مصير مأساوي, وإذا كان لا بد لنا وأن ندين بشدة ما أسس له الاحتلال وما شرعه من قيم تقسيمية طائفية وقومية, فإن ذلك ليس معناه أن ننسى دور العراقيين الذين احتضنوا هذا التقسيم, وفرحوا به, ثم رعوه, لكي ينتج دولة عراقية طائفوعرقية هزيلة وآيلة للتقسيم في أية لحظة.
دائما دائما.. علينا أن نتذكر آلاف السايكسويون والبيكويون الذين يعيشون بين ظهرانينا ويوجهون مصائرنا قبل أن نلقي باللوم على سايكس البريطاني أو بيكو الفرنسي.
إن التطرف في تقييم دور سايكس بيكو على صعيد التآمر على وحدة الوطن العربي وتضخيم دور العامل الأجنبي في إنجاز عمليات الهيمنة والتشتت والفرقة هو في جانب منه محاولة للتعمية على الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء جملة الكوارث والهزائم التي يخلقها العرب لأنفسهم بأنفسهم.
ولقد برزت هذه المحاولة أخيرا حال الاقتراب مما يجري في دول - الربيع العربي – وحيث رأينا الأستاذ هيكل وهو يتصدى أخيرا بموقف سلبي من هذا – الربيع- على الرغم من أننا كنا قرأنا له تأييدا كبيرا لما كان حدث في مصر ضد مبارك, فهو الآن يحذر من سايكس بيكو جديدة تتناول المجتمعات والثروات, وكأن مصر وليبيا مثلا كانتا تعيشان في عز وبحبوحة وكرامة, وكأن شعبهما راض تمام الرضا, لحتى جاء - بن سبأ -الأمريكي ليفسد عليهم دينهم, وليعلمهم كيف يثوروا ضد حكامهم, وكيف يقتلوهم أيضا.
ليس بمقدور أحد البتة أن ينكر ما للناتو من أطماع في أراضينا وثرواتنا, ولكن هل يمكن لهذه الحقيقة أن تنسينا دور مبارك في تحويل مصر إلى عزبة لأولاده وزوجته ومريديه أو هل أن بمقدور ذلك أن ينسي شعب ليبيا مقدار الامتهان الذي تعرضوا له على يد المجنون الأخضر, وهل أن ذلك سينسي العراقيين الضيم والقهر الذي عانوه على يد صدام, أو ما يعانوه اليوم على يد ورثته من أعدائه, أو ينسي السوريين ما عانوا منه على يد آل الأسد.
إن التركيز على سايكس بيكو بهذا القدر وبهذا الاتجاه هو في حقيقته سايكس بيكو جديدة لأنه دعوة للتعمية على دور الحكام العرب في تمزيق بلدانهم وتدميرها مثلما هو دعوة أيضا لكي تتخلى الشعوب عن حقوقها وترضى بالذل والخنوع دون مساعدتها على أن تكتشف طريقهاالجديد.
#جعفر_المظفر (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟