عوامل النزاع الأهلي في سوريا


معتز حيسو
الحوار المتمدن - العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 00:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

تشكل دراسة عوامل وأسباب النزاع الأهلي في سوريا، أحد القضايا الملحة والضرورية في اللحظة الراهنة. ذلك لأسباب متعددة أهمها التوصُّل إلى آليات تعيد بناء السلم الأهلي، إستناداً إلى عقد اجتماعي جديد يتوافق عليه السوريين كافة. لكن قبل نقاش القضايا المتعلقة بأسباب وطبيعة النزاع الأهلي وأشكال تجلياته، نرى أنه من الأهمية بمكان الإضاءة على بعض القضايا المتعلقة بموضوعنا قبل إسقاط الطغمة الأسدية، وذلك كون أسباب النزاع الأهلي تراكمت في سياق استقرار شكلاني ظاهري بفعل الهيمنة الأمنية على الدولة وفضاء المجتمع السوري بمستوياته المختلفة وأشكال تجلياته كافة. أما فيما يتعلق بمسألة الطوائف، فإنه تم العمل على تعويمها وتحويلها إلى ما يشبه الطائفية السياسية أثناء وبعد المجازر التي ارتكبتها السلطة الأسدية في محافظة حماه ومناطق أخرى. مع ذلك لم يكن الدستور السوري يحتوى على أي مادة ذات ملمح طائفي. علماً أنه كان يتم مراعاة التمثيل الطائفي والمناطقي والإثني في التعيينات الوظيفية، تحديداً المناصب الرئيسية الأمنية والوزارية ومجلس الشعب... . ويدلل ذلك إلى أن الدائرة الأسدية الضيقة كان لها القرار الفصل، وهي المتحكمة في كيفية استخدام المنهجية الطائفية وفق صيغ وأشكال تساهم في تمكين سيطرتها السياسية. هذا في وقت كان يتم معاقبة كل من يتكلم بالطائفية، كون ذلك من وجهة نظرها يتنافى مع أهداف حزب البعث في الوحدة والحرية والاشتراكية. علماً أن تلك الشعارات بقيت للاستهلاك الإعلامي، وبعيدة كل البعد عن ممارسات السلطة اليومية، حيث كان يتم توظيف الحزب والطائفة لتأبيد سيطرة السلطة الأسدية. اتضح ذلك جلياً أثناء وبعد مجزرة حماة في ثمانينيات القرن العشرين، حيث اعتمدت السلطة خطاباً طائفياً بامتياز، وفرضت قبضتها الأمنية على المجتمع والقوى السياسية بطريقة فاشية وطائفية. وكانت تُهم إضعاف الشعور القومي، التعامل مع الأخوان المسلمين والقوى الرجعية، وهن شعور الأمة، التخابر مع الخارج، ومعادة أهداف الثورة، توجَّه لكل ناشط سياسي. تزامن ذلك مع إعلان قانون (49) في عام 1980 حيث نصت المادة الأولى منه على تفويض قضائي يُعتبر بموجبه كل منتسب لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين مجرماً ويعاقب بالإعدام. منذ تلك اللحظة اشتغلت السلطة الأسدية بشكل واضح ومكثَّف على تجفيف منابع العمل السياسي والمدني. ورفعت شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) طبعاً لم يكن المقصود بهذا الشعار الحرب ضد إسرائيل ( والقوى الامبريالية) التي بقيت على المستوى الإعلامي الشكلاني والوظيفي. هذا في وقت كانت السجون تغص بالمثقفين والسياسيين والمفكرين الذين تعرضوا لأبشع أشكال التعذيب.هنا يمكننا القول بأن النموذج الأمني لفرض السيطرة الأسدية على المجتمع السياسي والمدني والأهلي، كان يتم في سياق الاستثمار بورقة الطوائف والأقليات. وقد شكل ذلك مدخلاً لتقسيم المجتمع عمودياً، وإلى تعميق الإقصاء، التهميش، واحتكار السلطة.
بعد أشهر من انطلاق الثورة السورية في ربيع عام 2011، ومع انحسار دور القوى السياسية والمثقفين نتيجة التصفيات المكثَّفة وحملات الاعتقال المتلاحقة والتهجير ... كان يتم دفع الثورة السورية من قبل السلطة ودول إقليمية متعددة إلى التسلُّح والأسلمة، وذلك لأسباب متعددة ومختلفة. من أهمها القضاء على فكرة المشروع الوطني الديمقراطي كونها تحمل تحديات حقيقية للسلطة الأسدية، ولغير دولة، منها إسرائيل، القضاء على الثورة بتهمة الإرهاب، إطالة أمد الصراع لتدمير بنية الدولة والمجتمع، ويتقاطع ذلك مع أهداف دولية وإقليمية سياسية واقتصادية تتعلق بقضايا النفوذ في سوريا والهيمنة عليها، إضافة إلى تحضير سوريا لدور إقليمي مختلف يخدم تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد. في تلك اللحظة كانت السلطة الأسدية تدفع باتجاه التجييش الطائفي، واستدراج بعض مكونات الثورة السورية إلى استعمال العنف، ودفعها للالتصاق بالفصائل الإسلامية، لتصبح تهمة دعم الإرهاب والعنف الطائفي والخيانة الوطنية، جاهزة لكل من شارك بالثورة السورية أو ساندها أو دعمها أو ناصرها ووقف معها. ما ساهم في تعميق الانقسام المجتمعي أفقياً وعمودياً. علماً إن معظم السوريون كانوا يدركون خطورة الاستقطاب الطائفي على المجتمع والدولة.
استناداً على ذكرناه، ونظراً لأهمية بناء السلم المجتمعي. نرى أنه من الأهمية بمكان تناول القضايا التي يمكن أن تشكِّل مدخلاً لنشوء نزاع أهلي:
ــ بناء السلطة في سياق إقصاء الأخر المختلف، واعتماد مبدأ الولاء والطاعة.
ـ استمرار ظاهرة الانتقام السياسي، نتيجة مواقف سابقة تتعلق بالسلطة الأسدية، و الثورة السورية، ومن سياسات السلطة الانتقالية.
ـ الانتقام الطائفي: أشرنا إلى أن السلطة الأسدية وظفت ملف الطوائف والأقليات لتمكين سيطرتها من جهة، ولاستخدامها في مواجهة الثورة السورية. وعليه فإن الانتقام من أبناء الطوائف والأقليات خارج إطار القانون والعدالة الانتقالية يشكل مدخلاً إلى تعميق النزاع الأهلي، وتفكيك المجتمع السوري وإدخاله في دوامة صراع وانتقام متبادل يؤسس إلى مظلوميات جديدة.
ـ صراع القوميات: عانت الأقليات القومية من تهميش واضح على مدار عقود سابقة. تقاطع ذلك مع إنكار حقوقها الثقافية والسياسية. وعليه فإن الاستمرار في ذات السياسات التي اعتمدتها السلطة الأسدية يؤسس إلى صراعات ذات ملمح قومي.
ـ غياب الممارسة الديمقراطية بالتزامن مع تمكين عقلية المكونات، يفضي إلى شعور عام لدى السوريين بالغربة عن وطنهم، وعن ذاتهم الوطنية، وإلى نشوء مظاهر الإقصاء والتهميش. ويؤسس إلى اضطهاد سياسي، إقصاء المختلفين سياسياً، بالتالي احتكار السلطة أحادياً. وجميعها تؤسس إلى صراعات سياسية.
ـ إن قلة الإطلاع على معتقدات الأقليات ووضعها الاجتماعي يؤسس إلى جهل في أساليب التعامل معها، ويمكن أن يؤسس إلى نزاع أهلي في حال تم تهميش الأقليات والتعامل معها من منطلق ديني متشدد يرفض حرية الاعتقاد الفردي ويعاديه.
ـ شكّل التدخل الدولي والإقليمي أحد أسباب إذكاء الصراع السوري وإطالة أمده وتدمير بنية الدولة والمجتمع. كان ذلك لأسباب تتعلق بمصالح ونفوذ غير دولة. ويستمر التدخل الدولي في الشأن السوري حالياً لذات الأسباب. وينعكس ذلك كما بات واضحاً سلباً على سيادة الدولة السورية واستقرارها، وعلى وحدة أراضيها. ونشير إلى أن الدعم الخارجي لأطراف داخلية مجدداً، يمكن أن يؤدي في لحظة معينة إلى نشوب صراع داخلي أهلي (أثني، عرقي).
ـ فيما يخص الوضع الاقتصادي فإن عدم وضع آليات وسياسات واضحة تضمن العدالة الاجتماعية: عدم التوزيع العادل للثروة. فتح الأسواق السورية دون ضوابط تحمي الاقتصاد الوطني. تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي. بيع أو خصخصة القطاع العام، أو الاستيلاء عليه تحت ذرائع مختلفة. اعتماد سياسات مالية ونقدية تساهم في ارتفاع معدلات التضخم، وإفقار الغالبية العظمى من السوريين. انخفاض قيمة الإجور والرواتب لدرجة لا يستطيع المواطن تلبية احتياجاته الأساسية. يدلل على ذلك إن أكثر من 90% من السوريين يرزحون تحت خط الفقر الأدنى، ما يعني أن الأمن الغذائي للأسرة السورية مهدداً بالانهيار. تراجع معدل التوظيف. ارتفاع نسبة اقتصاد الظل إلى أكثر من 70%، ارتفاع معدل البطالة. ارتفاع نسبة التحصيل الضريبي، ارتفاع أسعار المواد الأساسية والخدمية، وبشكل خاص حوامل الطاقة. تجاهل معياري الكفاءة والنزاهة في التعيين الوظيفي، يقابله اعتماد مبدأ الولاء والطاعة. الفصل التعسفي من العمل..... إضافة إلى قضايا أخرى كثيرة تؤدي إلى التهميش والإفقار والإقصاء والاغتراب. إن ما ذكرناه يُعتبر مدخلاً إلى صراعات داخلية ذات بُعد سياسي واقتصادي يمكن تحميلها في لحظة معينة على حوامل هوياتية تزعزع استقرار المجتمع السوري.
ــ هروب الرساميل والخبرات البشرية.
ــ انتشار مظاهر اقتصاد الحرب غير المشروعة.
ـ دور رجال الدين والمؤسسات الدينية: تزداد في اللحظة الراهنة المخاوف من تداعيات اتساع دوائر خطاب التحريض الطائفي. علماً أن رجال الدين والمؤسسات الدينية يمكن أن يقوموا بدور إيجابي في تمكين الاستقرار والتعايش السلمي. لكن في اللحظة الراهنة فإن كثيراً من رجال الدين والمشايخ يروجون لخطاب تحريضي ضد بعض مكونات الشعب السوري. يكشف عن ذلك دعوات التحريض والكراهية والتمييز. يتقاطع ذلك مع دعوات تمييزية مفادها بأن الشعب السوري ليس واحد، وهذا يناقض حرية الاعتقاد التي نص الإعلان الدستوري على حمايتها، ويخالف أهم شعارات الثورة السورية (الشعب السوري واحد). ما يعني إن عدم تجريم من يحرض على القتل والتهجير والسبي والخطف.... يزيد من إمكانية النزاع الأهلي. علماً أنه لا يمكن لرجل دين أن يمثل طائفة أو دين. فالتنوع داخل المذهب الواحد أو الدين الواحد لا يمكن اختصاره بموقف رجل دين واحد. وكما نعلم فإن السلطة الأسدية استعملت رجال الدين من كافة الطوائف والأديان خدمة لمصالحها، ولتأبيد سيطرتها.
في ذات السياق نشير إلى أن المكونات المجتمعية ليست مغلقة على ذاتها. فهي تخضع لقوانين التطور والتغيّر والارتقاء الموضوعي، وتشكل نسيجاً مجتمعياً منسجماً ومتداخلاً على أكثر من مستوى، ووفق أشكال متعددة ومختلفة يمكن العمل على تأطيرها ضمن إطار وطني جامع يتساوى فيها جميع السوريون على أساس مبدأ المواطنة المتساوية.
ــ تأخير العمل على بناء تفاهم مجتمعي يؤسس لبناء وحدة وطنية وهوية وطنية جامعة.
ـ عدم شمولية تطبيق العدالة الانتقالية.
ـ القطع مع الديمقراطية, التعددية، مبدأ المواطنة المتساوية, الحريات العامة، وحرية الاعتقاد.
ــ تصاعد وتيرة ومستوى خطاب التجييش والتحريض والكراهية.
ـ انتشار حالات الانتقام الفردي والجماعي بحق فئات اجتماعية محددة خارج إطار القانون.
ـ عدم محاسبة مثيري الفتن الطائفية والعرقية. ـ تفاقم حالات الثأر السياسي الطائفي العرقي.
ـ عدم قدرة السلطة على ضبط جرائم الانتقام، غض النظر عنها، تسهيل القيام بها، وعدم محاسبة مرتكبيها قضائياً.
ـ تهميش دور المؤسسات القضائية والقانونية، مقابل تفعيل دور مشايخ مرتهنين للسلطة، ومدافعين عنها.
ـ تصدع العقد الاجتماعي.
ـ عدم صياغة دستور جامع للسوريين، ومعبراً عنهم.
ـ بناء جيش فصائلي، يقطع مع الهيكلية المؤسساتية، والهوية الوطنية التي يجب أن تُعبِّر عنها طبيعة تشكيل الجيش السوري ودوره الوطني.
ـ وقوع الأسلحة بأيد جماعات العنف الطائفي والمذهبي والسياسي.
ـ انتشار بقع حرة لعمل المنظمات الإرهابية.
ـ عدم حل إشكالية السلاح المنفلت، واستمرار وجود جيوب مسلحة خارج إطار سلطة الدولة المركزية.
ـ فرض رؤية الطرف المنتصر السياسية والمذهبية، والمطالبة بثمن الدم الذي دفعه خلال الثورة، (التعامل بمنطق من يحرر يقرر، ومنطق الولاء والطاعة) مما يفاقم من
إمكانية اندلاع نزاعات أهلية.
ـ إحساس جزء كبير من المواطنين السوريين بالاغتراب وتضاؤل الشعور بالانتماء الوطني نتيجة التهميش والإقصاء والتمييز. مما يعني استمرار الهجرة القسرية لفئات اجتماعية محددة.
ـ عدم القدرة على إعادة بناء الدولة بسبب الذهنية والعقلية العاجزة عن قبول فكرة الدولة الوطنية، إضافة إلى قلة الموارد، وانتشار الفساد والنهب المنظم.
ـ تراجع دور الحكومة المركزية وطنياً لأسباب متعددة ومختلفة.
ـ عدم القدرة على مواجهة إسرائيل، مع استمرار تدخلها عسكرياً وسياسياً في غير منطقة.
ـ استخدام العقوبات على سوريا لفرض أجندات خارجية تناقض مصالح السوريين.
ـ التأخر في إعادة الإعمار، ارتهانها لمصالح قوى دولية متناقضة، وارتباطها بمصالح بعض المسؤولين.
كاتب وباحث سوري