عودة وهيب
الحوار المتمدن-العدد: 1926 - 2007 / 5 / 25 - 05:48
المحور:
الادب والفن
في المجتمع العراقي ( ولا اقول الشرقي لتباين المستوى الحضاري, كميا على الاقل, بين بلدان الشرق الاسلامي ) الذي تكتب عن نسائه الكاتبة العراقية المبدعة (جلنار صالح) يمكننا الحديث عن ظاهرة ( الاغتصاب الشرعي ) ذلك الأغتصاب الذي يجري في مخادع الزوجية وبمباركة ملفقة من الشريعة الاسلامية ..
الزواج في روح الشريعة الاسلاميه( كما يقول الفقهاء) هو عقد اختياري بين رجل وامرأة يشترط قبول ورضى الطرفين وليس قبولهما فقط, لان القبول وحده لايحقق غاية الشريعة الاسلامية من الزواج ولايحقق ايضا الغاية الفطرية والانسانية من الزواج , فغاية الشريعة الاسلاميه الاولى هي تنظيم العلاقة الجنسية في المجتمع بما يحقق الرفاه والسعادة للفرد والمجتمع فضلا عن الغايات الاخرى المتعلقة بتكوين الاسرة وانجاب الاطفال وتربيتهم لديمومة الحياة , ولاشك ان العلاقة الجنسية بين الزوجين لايمكن ان تحقق السعادة والاكتفاء البيولوجي دون ارتباطها بقيول نفسي ( شعوري ) يتمثل بدرجة حب ادناها الرضا ,لأن العلاقة الجنسية اذا افتقدت عنصر الرضا والارتياح النفسي تحولت الى عملية اغتصاب , كما ان الغاية الفطرية الانسانية من الزواج هو اولا تحقيق الارتباط الجسدي والروحي بين الزوجين وهذا الارتباط لايتحقق دون توفر مشاعر الارتياح ( الرضا) بين الزوجين .
ويتم الأغتصاب الشرعي(الأغتصاب من خلال الزواج) في المجتمع العراقي بطريقتين :
اولا :الأرغام المكشوف.
وهو ارغام المرأة بشكل سافر ومكشوف على الموافقة على الزواج من الرجل الذي اختارته عائلة الفتاة , وقد يقترن هذا الارغام باشهار الاسلحة بوجه الفتاة وتهديدها بالقتل اذا اصرت على رفضها, وهذ الشكل كان يمارس بشكل واسع في المناطق الريفية من العراق الا انه اصبح نادر الوقوع في عصرنا الحاضر.وهذا النوع من الزواج هو اغتصاب يخالف روح الشريعه مخالفة صريحة
ثانيا : الارغام المستور: وهو ارغام مبطن يتخفى وراء حرية خيار شكليه فالمرأة ليس امامها غالبا غير القبول فهي غير حرة في اختيارها لان حرية الأختيار تشترط توفر البدائل ساعة الأختيار .
وهذا النوع ينتشر في المجتمعات المغلقة التي تلتزم بفرض الحجاب والنقاب على المراة ومنع اختلاطها بالرجال , وفي هكذا مجتمعات لاتحرم المراة فقط من حرية البحث عن زوج المستقبل , بل وتحرم ايضا من حرية الاختيار الحقيقية . صحيح ان المراة تمتلك شكليا حق الرفض والقبول لمن يتقدم لخطبتها لكن هذا الرفض والقبول يتم تقريره بوسائل لاتمنح المرأة تكوين صورة تفصيليه عن المتقدم لخطبتها كما لاتمنحها ( تلك الوسائل ) فرصة حقيقية لأكتشاف او بلورة مشاعرها , وفي حالة كهذه تكون الفروق بين أي متقدم لخطبتها وغيره فروق ثانوية لاصلة لها بموضوع الرضا الحقيقي والقبول النفسي التام او الشعور بالارتياح فضلا عن مشاعر الحب.
في هذا الزواج لابد ان تحصل احدى ثلاث احتمالات:
1 – حدوث انسجام وتوافق تام تتبلور اثنائه مشاعر حب صادقة بين الزوجين 2 – حدوث درجة مقبوله من الرضا والارتياح النفسي لاترقى الى درجة الحب ولكنها تحقق مستوى مقبولا من الانسجام والتوافق .
3 - حدوث حالة نفور من قبل احد الزوجين او من كلاهما .
ورغم ان الشريعة الأسلاميه اباحت الطلاق الا أن قيم المجتمع العراقي وظروف المراة الاقتصادية والاجتماعية ومسالة حضانة الاطفال كلها جعلت طلب المراة للطلاق ليس فقط ( ابغض الحلال ) بل كارثة تحيق بكيان المرأة مما يرغمها على العيش مع زوج يسبب وجودها معه تعاسة كبرى لها.
هذا النموذج من النساء هو موضوعة ( الأنتزاع ) للكاتبه ( جلنار صالح ) المنشور في الحوار المتمدن العدد 1924 في 23-5-2007
قدمت لنا (جلنار صالح) من اول وهلة امرأة ( بلا اسم ككل مخلوقات جلنار صالح)استطاعت ان تبعد زوجها عن جسدها , وهي نموذج غير متوفر دائما بين المتزوجات اللواتي ينفرن من ازواجهن ,هذه المرأة بتمردها ورفضها (الأغتصاب الشرعي ) لجسدها لم تواجه فقط غضب وردود فعل زوجها ( الكاتبه لم تشر الى الصراع الذي دار بين الزوجين والذي تكلل بنجاحها في ابعاده عن جسدها لأن مايهما في هذه المرحله الاولى من الصراع هو امكانية نجاح المراة في ابعاد من تنفر منه عن جسدها ) بل انها ستواجه غضب المجتمع الذي سيستكثر عليها نومة هادئة, فهذا المجتمع ( رمزت له الكاتبه بالرجل) يريدها ان تستمر بدفع ثمن تمردها ليل نهار فهو (لم يعد ينام منذ إن تفجر بركان جنونها الأخير تطالبه إن يبتعد عن جسدها إلى الأبد ورغم انه فعل إلا انه لم يصدق إن بإمكانها إن تنام بهذا العمق بعيدا عنه
صارت تراوده فكرة أنها حين تغمض عينيها وتختطف النوم أو يختطفها تغادر أسوار المكان والزمان الذي يحتله.. فوجهها المتشنج يتحول حين تنام إلى وجه هادئ يخلو من تعابير الهم والغضب الذي يرتسم فوقه طيلة يومها, بينما يغرق هو في غضبه لأنه لا يستطيع إن يعرف إلى أين تذهب في سكونها هذا) كما انه سوف يستخدم كل (ابواق) قيمه وعاداته وموروثاته كي يحرمها من نشوة الانتصار ولذا (..سيطرت عليه بشدة فكرة منعها من النوم , أضاء المكان وشغّل كل جهاز يمكنه إن يصدر ضجيجا يشق السكون العميق, وبقي ساكنا ينتظر إن تفتح عينيها, لكنها لم تفعل رغم تعابير وجهها التي تدل على أنها كانت مستيقظة ,وإنها تجاهد كي لأتفتح عينيها ..) ولن يكتفي المجتمع بضغوطه المتنوعة التي تطير النوم من عينيها بل سيحاربها فكريا لألغاء ايمانها بحقها في الأعتراض على ( الأغتصاب الشرعي) وسيقول لها (,بان ماتشعر به هي ليس إلا غضب عابر ورفض لابد إن ينتهي مثل كل مرة بقبول وخضوع ........... وحين تستيقظ في الغد ستنسى كل عبارة نطقت بها في هذا الجو المشحون بالتعب والتوتر ..) ان هذه الضغوط لم تجعلها تستسلم وترمي اسلحتها بعيدا فحسب حيث (استدارت نحوه بجسدها المتعب وسحبته نحوها بهدوء) بل ان هذه الضغوط ستؤدي الى انتزاع نظام تفكيرها الانثوي (تركته يفتش جسدها ويدخل يده في رأسها يبحث في زوايا عقلها يبعثر الأشياء القليلة الموجودة فيه ويقلّب الفراغ الممتد داخله بشراسة وحين صارت يده تمسك بذلك الجزء الذي يجعلها تحلق بعيدا كل ليلة انفتحت عينيها برعب وألم ظاهر بينما راحت شفتاها تتمتم بلعنات خفية حتى انتزع ذلك الجزء بوحشية تامة لم تجبرها إن تطلق صرخة واحدة) وبعد اتمام عملية الأنتزاع تم مسخ نظام تفكيرها الانثوي ( الأمومي ) ليحل محله التفكير الذكوري الذي سيجعل الأنثى تدافع عن عبوديتها لذكورية المجتمع. وللتعبير عن معنى المسخ هذا استعارت ( جلنار صالح) الوصف الذي اطلقته على الرجل في بداية النص (بينما يشير شعر رأسه المتشابك إلى قتامه الأفكار التي تدور تحته .. ) لأطلاقه على بطلتها بعد تعرضها لل (أنتزاع) في نهاية النص(بينما يشير شعر رأسها المتشابك إلى قتامه الأفكار التي تدور تحته ...)
ان هذا النص يحكي لنا , بصورة رمزية , قصة مقاومة المرأة بعد تحول المجتمع الأنساني من مجتمع امومي الى مجتمع ذكوري ( بطريركي ) ويوضح لنا كيف حدث انتزاع نظام التفكير ( الامومي ) من راس المرأة ليحل محله نظام تفكير ذكوري سيجعل المرأة ليس فقط راضية ببؤس واقعها بل ومدافعة عن هذا البؤس .. انه الأنتزاع
#عودة_وهيب (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟