أمير أمين
الحوار المتمدن-العدد: 1922 - 2007 / 5 / 21 - 08:11
المحور:
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
مرت في الثامن عشر من أيار الحالي , ذكرى مرور أربعين يوماً على إستشهاد المشرف التربوي , ومدرس الكيمياء المعروف الخال ( بدري عرب ) حيث فجعت عوائلنا المنتشرة داخل الوطن , في الناصرية وبغداد , وخارجه في الدنمارك والسويد وهولندا والنرويج , بنبأ إختطافه ثم إستشهاده , بعد أقل من ساعتين ,على يد خاطفيه , من القتلة ألآرهابيين , لقد أُختُطف الفقيد ظهر يوم ألاحد المصادف الثامن من نيسان 2007 من بين طلابه في حي الجهاد في بغداد , وتمت تصفيته بسرعة قياسية , بحيث لم نستطع أن نفكر , ولو قليلاً , بحجم الفدية التي سيتقاضاها منا المجرمون لو قدموا لنا عرضاً بتسليمه حياً , ويبدو أنهم خططوا للجريمة جيداً ونفذوها بتصميم ودراية , منهين حياة إنسان مسالم , وهو في أوج نشاطه العلمي والحيوي ,حيث إختطفوه من بين طلابه الذين أحبهم , والذين أمضى في تدريسهم أكثر من خمس وثلاثين سنة متواصلة , كما قاموا بسرقة سيارته ومقتنياته الشخصية ! رامين جثته في الشارع , بعد ربط عينيه وتوثيق يديه , وإطلاق رصاصتين ألآولى في صدغه والثانية بين عينيه ! والسؤال الذي يشغلنا ألآن هو: من هم هؤلاء المجرمون الذين إغتالوه ؟ وما هي دوافعهم ؟ وإلى أي جهة ينتمون ؟ ولماذا إختاروه دون غيره , في الوقت الذي كان بإمكانهم أن يختطفوا طلابه معه , وقد أخذوه من بينهم , بل من بيت أحدهم ! ؟ وهل سيتم إلقاء القبض عليهم في يوم ما , وتقديمهم للعدالة ؟ علماً إنهم لم يرتبكوا هذه الجريمة وحدها دون شك ! هذه التساؤلات وغيرها فكرت بها ولا زالت تشغل مخيلتي , ولم أجد حلاً لفك الغازها المحيرة ! حيث إنني أعرف خالي بدري جيداً , فهو لم يكن سياسياً أو متديناً طائفياً , ولم يكن من قادة النظام السابق أو الحالي ! ولم يُحسب على جهة دينية أو طائفية ! ولم يكن من الصحفيين أو ألآدباء أو الشعراء , ولم يكن من كوادر الحزب الشيوعي , ولا من الطيارين الذين قصفوا مدن إيران أبان الحرب العراقية الآيرانية ! ولم تكن له أية علاقة بقوات ألآحتلال ! ولم يعمل مترجماً ولا دليلاً لهم ! وعلى المستوى ألآجتماعي , فلم يعادي أحداً , ولم نسمع أن أحداً قد عاداه ! كانت حياته تشبه حياة أي موظف عادي , فهو مهتم بالعلم والتدريس ومتابعة أخبار كرة القدم العراقية والعالمية , إضافة لشؤون أسرته الصغيرة , المتكونة من زوجة وإبنتين , بالآضافة لولد متزوج ! إذن لماذا قُتل في تلك الظهيرة ؟ في الوقت الذي كانت فيه أسرته تنتظره ليشاركها الغداء ! وهل هناك سبب واقعي يبرر تلك الجريمة الشنيعة ؟
سأحاول تناول بعض الآحتمالات لتفسير هذا اللُغز المحير , وأنا أشارك أفراد عائلاتنا حزنهم على فقدانه الآليم , خصوصاً وأن الخال بدري كان يتمتع بحب الجميع وبمكانة خاصة لدينا لمواقفه المساندة عند كل أزمة , ولطيبته وصدقه ووضوحه .
نسمع كثيراً في وسائل إعلامنا ومن أفواه مسؤولي دولتنا العراقية , من المدنيين والعسكريين , عند تناولهم للملف ألامني المتدهور قولهم , إن أسباب ذلك تعود للصداميين والتكفيريين والعصابات ألاجرامية , فهي حسب وجهة نظرهم المسؤولة الوحيدة عن عمليات الخطف والاغتيال والتفجير والحرائق والتفخيخ ورمي الجثث مجهولة الهوية في مناطق متفرقة من بغداد ومدن العراق الآخرى ! ولو فرضنا جدلاً أن هذه المسميات فقط هي المسؤولة عن قتله , فلنرى هل لها مصلحة في ذلك ؟ فإذا كان القتلة هم من الصداميين , فلم لم يقتلوه في العقود الثلاثة الماضية , حيث كان يعمل على مقربة منهم , وأمام أنظارهم , وموظف في دولتهم ؟ ! كان يسكن قريباً منهم , ويدرس أولادهم وبناتهم , وكانوا يعرفون أنه غير منتم لحزبهم , ولا يتعاطف مع سياستهم !( أشير هنا الى أن عدداً لا يستهان به من الجرائم والاغتيالات التي حصلت في السنوات ألآربع الآخيرة ليست بمنأى عن يد الصداميين ! ) وإذا كان القتلة من العصابات الآجرامية , فهي لم تستفد كثيراً من الغنائم التي إستحوذت عليها عند قتله , وكان يمكن للعصابة التي قتلته أن تتفاوض مع عائلته لقبض فدية تصل لعشرات الالاف من الدولارات , فلماذا إكتفت بسرقة سيارته فقط وببعض المقتنيات الشخصية البسيطة من الناحية المادية ! وإذا كان القتلة من الفئة المسماة بالتكفيريين المعادين للطوائف الآخرى , فإن هؤلاء هم من نفس طائفة الفقيد ! الذي كان والده كردياً من السليمانية , ومعروف الى أي طائفة ينتمي !
إذن هناك جهة أخرى من المرجح أن تكون هي الفاعلة لهذا العمل المشين , وبدوافع طائفية من جهة ولحقدها على رجال العلم والاكاديميين من جهة أخرى ! لقد جاء القتلة للبيت الذي يدرس فيه الفقيد سبعة من طلابه في حي الجهاد , جاءوا وهم مكشوفو الوجوه , وفي وضح النهار , ولم يخافوا أن يكشفهم الطلبة أو يشوا بهم ! بل من المؤكد أنهم يجوبون الآن شوارع بغداد , بل وحي الجهاد نفسه , بسيارة المارسيدس المسلوبة من الفقيد ! دون خوف أو إرتباك ! ولكن هل يعلم هؤلاء القتلة الطائفيون , والمدعومون من الكتل المتنفذة في الحكومة والبرلمان أن الفقيد الخال بدري كان يترك مقعده الجامعي في بغداد أيام عاشوراه , أواخر الستينات , ليشارك أبناء مدينته الناصرية وأهله وأصدقائه اللطم على الشهيد الحسين ! وهل يعرف القتلة الطائفيون أن والدة الفقيد وأخته الوحيدة وزوجته هم جميعاً من نفس طائفتهم , ثم هل يعلم قتلته الطائفيون , أن والد الفقيد ووالدته وجميع الميتين من عائلته مدفونون في مقبرة السلام في النجف الاشرف ! لم يكن الفقيد متديناً ولكنه كان يحترم الدين والمتدينين , وأذكر حينما التقيته في بغداد في العام الماضي , سألني مستنكراً الرسومات التي أساءت للرسول محمد , والتي رسمت في الدنمارك ! ولم يكن مرتاحاً لذلك ! أقول إنها لغة الدم تلك التي قتلت الخال بدري ,إنها نزعة القتل المتأصلة في نفوس بعض العراقيين الساديين المنتشرين في كل مكان ومن كل لون , مهما كانت الوان وأحجام وأشكال العمائم التي يضعونها فوق رؤوسهم , ومهما طالت لحاهم أو قصرت , وحتى لو كانوا من غير المعممين !
نبذة عن حياة الفقيد
ولد الفقيد بدري محمد أحمد ( عرب ) عام 1950 في مدينة الناصرية , وفيها درس الابتدائية والمتوسطة والثانوية , وكان من المتفوقين , خصوصاً في الرياضيات والدروس العلمية , دخل كلية التربية فرع الكيمياء في جامعة بغداد , وتخرج مدرساً للمادة حيث عين في الناصرية قبل إنتقاله للتدريس في بغداد .
تزوج للمرة الاولى ورزق بابنه عادل قبل إنفصاله أواخر السبعينات , ثم تزوج ثانية ليرزق بولد وإبنتين من زوجته الثانية , وفي 13 | 12 | 2003 ( يوم القبض على صدام ) قتل إبنه البكرعادل في حادث سيارة ! كان الفقيد يتميز بالطيبة والكرم والجرأة والشهامة , وكان يحب مساعدة الاخرين , فقد ساعدنا مادياً ومعنوياً , أواخر السبعينات , عندما إختفينا وتركنا وظائفنا ومدينتنا الناصرية , وخرج معظمنا فيما بعد خارج العراق , وعندما طردت المدرسة ثلاث من اخواتي , لعدم إنتمائهن للاتحاد الوطني , ذهب هو , في ذلك الزمن الصعب , محتجاً على القرار , ومتهجماً على نهج النظام , مما حدى بمدير الآمن في الناصرية لتحذيره من مغبة سلوك كهذا !
لم يكن الفقيد مهتماً بالسياسة , ولكنه كان محباً ومتعاطفاً مع الحزب الشيوعي العراقي , وقد جرب أن ينتمي للحزب الشيوعي أواسط السبعينات , ولكن ترشيحه سرعان ما سُحب بسبب عدم جديته في حضور الاجتماعات وتحضير مواد التثقيف , وبقي صديقاً للحزب !
#أمير_أمين (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟