أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - حازم كويي - مواجهة صعود اليمين تبدأ من اليسار: نحو استقطاب سياسي جديد















المزيد.....


مواجهة صعود اليمين تبدأ من اليسار: نحو استقطاب سياسي جديد


حازم كويي

الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 16:13
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


لاندروس فيشر(*)
ترجمة: حازم كويي

بعد الاختراق الذي حققه حزب البديل من أجل ألمانيا في ولاية ساكسونيا أنهالت، يدور النقاش مجدداً حول جدار العزل السياسي والسياسة الاقتصادية المناهضة للفاشية. لكن اليسار لا يحتاج إلى إدارة للأزمات، بل إلى سردية خاصة به تقوم على التناقض والصراع السياسي.

إن نسبة الـ44 في المئة التي حصل عليها حزب البديل من أجل ألمانيا في الانتخابات الأخيرة في ولاية ساكسونيا أنهالت، والنقاش الذي أعقبها حول كيفية التعامل مستقبلاً مع اليمين الجديد، يتبعان منذ ما يسمى بـ«أزمة اللاجئين» عام 2015، إلى حد كبير، الأنماط نفسها دائماً. فمن جهة، تجري محاولة «فهم» خلفيات الناخبين الذين يصوتون لحزب البديل من أجل ألمانيا، ومن جهة أخرى، ومع تزايد حالة الإنذار، تُطالب الأصوات بتسريع الجهود الرامية إلى حظر حزب البديل من أجل ألمانيا.
ولا تشكل الاختراقات اللافتة التي حققها اليسار في المدن الكبرى، كما حدث مؤخراً في برلين، ثقلاً موازناً كافياً في مواجهة التقدم اليميني على المستوى الاتحادي. فقد فاز حزب اليسار في انتخابات برلين في ظل ظروف خاصة جداً، من بينها الأهمية الكبيرة لقضية الإيجارات، وكذلك الاستقطاب الشديد حول القضية الفلسطينية في أحياء مثل نويكولن. وحتى في برلين، تمكن حزب البديل من أجل ألمانيا من احتلال المرتبة الأولى في أربع عشرة دائرة انتخابية في برلين الشرقية، من بينها معاقل سابقة لحزب الاشتراكية الديمقراطية (PDS).
ويمكن فهم الموقف الحالي لتحالف سارا فاكنكنيشت«BSW» باعتباره نتيجة منطقية لمحاولة «فهم» الناخبين اليمينيين، إذ أشار التحالف بالفعل إلى استعداده للحوار مع حزب البديل من أجل ألمانيا. وفي ذلك يجري التقليل من خطورة طبيعة حزب يتجه بصورة متزايدة نحو الفاشية؛ فبحسب هذا الطرح، فإن حزب البديل من أجل ألمانيا هو قبل كل شئ نتيجة لفشل الأحزاب التقليدية في مجال السياسة الاجتماعية. ويُنظر إلى حقيقة أن 61 في المئة من العمال في ولاية ساكسونيا أنهالت صوتوا لصالح اليمين على أنها دليل على الطابع الاحتجاجي المزعوم للحزب.
هناك أصوات أخرى في المعسكر الليبرالي وصلت، بعد سنوات من التحذيرات الكارثية، إلى حد الاستعداد الآن لقبول تولي حزب البديل من أجل ألمانيا الحكم في ساكسونيا أنهالت، إن لم تكن تؤيده صراحة. والأمل المعقود على ذلك هو أن الحزب سيفقد بريقه بمجرد وصوله إلى الحكم، مثلًا عندما تفتقر الولاية نتيجة سياساته إلى العمال المهاجرين الذين تحتاج إليهم بشدة في قطاعي المطاعم والرعاية.
وكثيراً ما يُشار في هذا السياق إلى جورجيا ميلوني ودونالد ترامب، باعتبارهما من الشخصيات السياسية القريبة فكرياً من حزب البديل من أجل ألمانيا. فقد عجزت ميلوني في نهاية المطاف عن إقامة فاشية إيطالية جديدة، كما أن ترامب سبق أن خسر الانتخابات. لكن ما يتم تجاهله هنا، كما يوضح مثال ترامب تحديداً، هو أن مثل هذا «فقدان البريق» لا يؤدي بالضرورة إلى تحول نحو اليسار، بل يمكن أن يؤدي بالقدر نفسه إلى مزيد من التطرف في القاعدة اليمينية.

انتخاب احتجاجي أم غوغاء عنصري؟ السؤال خاطئ
لكن ما يمكن اعتباره مؤكداً هو الفشل النهائي لما يسمى «جدار العزل». وقد تبنى اليسار هذا النهج أيضاً بصورة كارثية، عندما أعلن مراراً استعداده للدخول في ائتلاف مع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، بهدف إبقاء حزب البديل من أجل ألمانيا بعيداً عن تحمل مسؤولية الحكم. وقد ثبت أن الاعتقاد بأن تسليط الضوء على الانحرافات النازية الجديدة الصادرة عن مسؤولين بارزين في حزب البديل من أجل ألمانيا من شأنه أن ينفّر الناخبين، كان اعتقاداً ساذجاً.
غير أن السؤال المُهيمن حول دوافع الناخبين الذين يصوتون لحزب البديل من أجل ألمانيا، أي: هل هو تصويت احتجاجي مشروع، أم دليل على وجود نزعة فاشية متأصلة لدى «الغوغاء»؟، يمثل تشتيتاً خطيراً. فهو يهدد بإغفال التناقضات ونقاط الضعف لدى اليمين الجديد. فلا تحسين التسويق السياسي الموجه إلى ناخبي حزب البديل من أجل ألمانيا، ولا الهستيريا الليبرالية ذات الطابع النخبوي العكسي، قادران على مواجهة صعود اليمين.
وقد أثبت جدار عزل مكوّن من أحزاب الوضع القائم واليسار أنه أحد أكبر العوامل التي ساعدت حزب البديل من أجل ألمانيا انتخابياً، في حين أن محاولة أحزاب، من الاتحاد الديمقراطي المسيحي وصولاً إلى تحالف «BSW»، تبني برامج حزب البديل من أجل ألمانيا لم تنجح بوضوح. وفي حالة تحالف «BSW»، يتضح بصورة متزايدة أن تقديم مواقف حزب البديل من أجل ألمانيا بشأن الهجرة والأمن الداخلي على أنها مواقف «يسارية» يسهم، بدلاً من إضعاف اليمين، في زيادة شرعيته. وفي ساكسونيا أنهالت، حصل تحالف «BSW» على 2000 صوت فقط من ناخبي حزب البديل من أجل ألمانيا، مقارنة بـ15 ألف صوت حصل عليها من ناخبي حزب اليسار.
أما التحدي الحقيقي أمام حزب البديل من أجل ألمانيا، فيمكن أن يتمثل في استقطاب سياسي من اليسار. ولا يتعلق الأمر هنا بالدرجة الأولى بمسألة كيفية استقطاب ناخبي حزب البديل من أجل ألمانيا إلى اليسار أو إمكانية ذلك، بل بما إذا كان اليسار المجتمعي قادراً، من خلال إبراز تناقضات سياسية أخرى، على إطلاق ديناميكية خاصة به، بدلاً من أن يُنظر إليه باعتباره ملحقاً بجدار عزل غير ذي مصداقية. ولتحقيق ذلك، سيتعين على الحزب أن يتخلى من جهة عن تركيزه أحادي الموضوع على مفهوم مجرد ومتزايد التجريد من الطابع السياسي لـ«العدالة الاجتماعية»، وأن ينظر من جهة أخرى إلى التطورات السياسية بصورة أكبر في سياقها العالمي.

مآزق «السياسة الاقتصادية المناهضة للفاشية»
في المقابل، يهيمن جزئياً على النقاش الاستراتيجي الحالي عدد من المقاربات التي تهدف إلى تحسين الإدارة الاقتصادية. ومن أبرزها النهج الذي تتبناه عالمة الاقتصاد إيزابيلا فيبر تحت مسمى «السياسة الاقتصادية المناهضة للفاشية»، والذي ينظر إلى التدابير الاقتصادية باعتبارها حصناً ديمقراطياً في مواجهة الفاشية. ويرى هذا النهج أن أسباب نمو الأحزاب الفاشية تكمن بصورة أساسية في تزايد انعدام الأمان الاجتماعي لدى قطاعات واسعة من السكان. ومن الناحية التقنية، فإن نهج فيبر، الذي يركز بدرجة أكبر على التحكم الاستراتيجي في الأسعار وتكاليف المعيشة بدلاً من التحكم في الطلب الاقتصادي الكلي، لا يمثل عودة صارمة إلى الكينزية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
ومع ذلك، فإن الافتراضات السياسية التي تقوم عليها «السياسة الاقتصادية المناهضة للفاشية» تشبه بصورة لافتة تلك التي كانت سائدة في ألمانيا الغربية القديمة. فقد شكّلت الضرورة المطلقة المتمثلة في عدم تكرار تجربة فايمار أحد الأسس الأيديولوجية لجمهورية بون بالفعل. ولتحقيق ذلك، لم يكن من المفترض أن يضمن وجود دولة رفاه اجتماعي قوية هذا الهدف فحسب، بل أيضاً العتبة الانتخابية المرتفعة بشكل خاص، والبالغة خمسة في المئة مقارنة بالمعايير الدولية، والتي كان من المفترض أن تؤدي إلى نظام برلماني قائم على التوافق.
لكن هنا تبدأ بالفعل مشكلات «السياسة الاقتصادية المناهضة للفاشية». فمن الناحية التاريخية، كان هناك دائماً في ألمانيا الغربية القديمة قدر كبير من الإمكانات لظهور حزب فاشي. وعدم تحول هذه الإمكانات، باستثناء اختراقات قصيرة الأمد حققتها أحزاب هامشية على مستوى الولايات، إلى تقدم لقوة شبيهة بحزب البديل من أجل ألمانيا، كان مرتبطاً بالفعل أيضاً بالاستقرار الاقتصادي للرأسمالية في ألمانيا الغربية.
لكن جزءاً كبيراً من برنامج حزب البديل من أجل ألمانيا يسعى إلى العودة إلى نظام اجتماعي كان في حد ذاته جزءاً من توافق دولة الرفاه الاجتماعي في فترة ما بعد الحرب. فقد كانت جمهورية بون مجتمعاً عنصرياً وأبوياً بعمق. ولم تقتصر هذه العنصرية على التمييز القانوني والعزلة الاجتماعية التي تعرض لها «العمال الضيوف» وأحفادهم، بل تجلت أيضاً في أعمال العنف والإرهاب اليميني المتطرف الدموي ضد المهاجرات والمهاجرين. ويمكن للازدهار والعنصرية والأفكار ذات الطابع الفاشي أن تتعايش فيما بينها بالفعل.
هناك بالفعل حزب يمكن تصنيف مطالبه الاقتصادية باعتبارها أحد أشكال السياسة الاقتصادية المناهضة للفاشية. لكن باستثناء برلين وغيرها من المدن الكبرى، يعاني حزب اليسار من حالة جمود في الولايات ذات المساحات الواسعة، ففي ساكسونيا أنهالت لم يحصل سوى على 8.6 في المئة. ولم تكن الإشارات المتكررة إلى البرنامج الاقتصادي القائم على أصولية السوق الذي يتبناه حزب البديل من أجل ألمانيا كافية لوقف تقدم اليمين بين العمال والفئات الهشة. فوجود علاقة بين التدهور المعيشي والفاشية لا يعني بالضرورة وجود علاقة سببية بينهما.
وقد حققت قوى فاشية، مثل الجبهة الوطنية آنذاك في فرنسا وحزب الحرية النمساوي، مكاسب انتخابية بالفعل خلال فترة الليبرالية الجديدة المزدهرة والمدفوعة بالائتمان في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. أما في اليونان التي كانت تعاني من أزمة بين عامي 2008 و2015، فقد استند صعود حزب سيريزا اليساري جزئياً إلى مجموعة واسعة من الحركات الاجتماعية. وشدد كثير منها على التضامن بين اليونانيين المُهددين بالتدهور الاجتماعي والمهاجرات اللواتي وصلن إلى البلاد في ظل الأزمة المتزامنة لنظام الحدود الأوروبي. ورغم أن منظمة الفجر الذهبي النازية الجديدة شهدت هي الأخرى نمواً في ظل تزايد التدهور المعيشي، فإن التضامن الذي نشأ خلال تلك السنوات كان عنصراً أساسياً في النضال الناجح الذي انتهى عام 2020 بإدانة الحزب باعتباره «منظمة إجرامية».
وفي مقابلة بالغة الدلالة، يؤكد عالم اللاهوت والناشط في المجتمع المدني من ألمانيا الشرقية دافيد بريغيش أن كثيراً من ناخبي حزب البديل من أجل ألمانيا يدركون تماماً أن أوضاعهم الاقتصادية لن تتحسن في ظل حكومة يقودها حزب البديل من أجل ألمانيا. لكن مجرد احتمال أن تتدهور أوضاع «الآخرين» نتيجة لذلك، أي المهاجرات وطالبي اللجوء و«الألمان من أصول مهاجرة»، يسهم تحديداً في زيادة جاذبية اليمين. وتظهر مثل هذه الأمثلة أن التدهور الاجتماعي والفقر المدقع لا يؤديان في حد ذاتهما إلى تقوية اليمين، بل إن ما يؤدي إلى ذلك بدرجة أكبر هو تفكك التضامن المجتمعي، إلى جانب التجربة المنتشرة على نطاق واسع المتمثلة في انعدام البدائل، والتي أصبحت سمة مميزة لليبرالية الجديدة الراهنة في ظل الأزمات.
وأخيراً، يقوم نهج السياسة الاقتصادية المناهضة للفاشية على سوء فهم أساسي لأسباب الفاشية. فالأشخاص المهددون بالتدهور الاجتماعي أو الذين تدهورت أوضاعهم بالفعل لا يصبحون «بشكل عفوي» عرضة لرسائل اليمين. كما أن توجههم نحو الفاشية ينبع من الانتشار الواسع لأفكار معينة في ظل الرأسمالية «العادية»، وهي أفكار يمكن أن تتطرف في أوقات الأزمات.
وهكذا، فإن تأكيد حزب البديل من أجل ألمانيا على مصالح «نا» لا يعكس فقط القومية الاقتصادية المنتشرة في أجزاء من الحركة النقابية، بل يعكس أيضاً نزعة الانتصار التي سادت في السنوات الماضية بشأن الهيمنة الألمانية داخل الاتحاد الأوروبي. ولا يقتصر تأثير عنصرية حزب البديل من أجل ألمانيا والداروينية الاجتماعية التي يتبناها على دفع سياسات الأحزاب التقليدية نحو اليمين، بل تستمد هذه الأفكار قوتها أيضاً من التأثير الأيديولوجي لهياكل مثل نظام الحدود الأوروبي، ونظام التعليم الثلاثي النخبوي، وتحويل رهاب الإسلام منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى شكل من أشكال العنصرية «المقبولة».
وتتنافس هذه الأفكار بدورها في أذهان الناس مع تصورات أخرى تتحداها، وكذلك مع التجارب الجماعية اليومية للتضامن التي يعيشها الناس في أماكن العمل أو الجامعات أو المدارس. لكن لكي تتحول هذه التجارب الأخيرة إلى قوة مضادة متماسكة، فإنها تحتاج إلى فاعل سياسي يجمعها ضمن تناقض سياسي أكبر.
لا تكمن مشكلة حزب البديل من أجل ألمانيا في أنه يجمع الناس خلفه فحسب، بل إنه خلق ديناميكية تدفع الطيف السياسي بأكمله نحو اليمين، في حين لا يبدو أن أمام القوى اليسارية سوى خيارات قليلة تتجاوز التكيف أو «الدفاع عن الديمقراطية» في تحالف فعلي مع مستشار غير محبوب(المقصود المستشار الحالي ميرتس). ولذلك لا جدوى كبيرة من بناء نموذج مثالي لـ«ناخب حزب البديل من أجل ألمانيا» بهدف فهم ما الذي يدفع هذا الناخب أو ذاك.
ومن المرجح أن يضم الناخبون اليمينيون في ساكسونيا أنهالت طيفاً كاملاً: من الساذج، إلى الناخب الاحتجاجي، وصولاً إلى العامل العنصري الفرداني، وبالطبع النازي الذي يمارس العنف. أما نقطة الانطلاق الأفضل لليسار المجتمعي، فتتمثل في العمل على صياغة تناقض سياسي آخر.

المزيد من الاستقطاب
لكن حزب اليسار يواجه صعوبة في صياغة هذه التناقضات. ففي الوقت الذي يستغل فيه حزب البديل من أجل ألمانيا كل أزمة، من أزمة اليورو إلى «أزمة اللاجئين» وكورونا والحرب في أوكرانيا، يتجنب حزب اليسار صراحةً بعض القضايا. وبدلاً من ذلك، يحاول من خلال التشديد على «العدالة الاجتماعية» التقليل من أهمية هذه الأزمات ذات الطابع السياسي العميق، وتحويل التركيز إلى القضايا «الحقيقية»، مثل ارتفاع الإيجارات والرعاية والتضخم وانعدام الأمان الاجتماعي.
وفي الوقت نفسه، يحاول الحزب تعويض افتقاره إلى التوجه الاستراتيجي من خلال المزيد من التكتيكات، مثل الحملات الانتخابية الناشطة التي تطرق أبواب الناخبين. وقد تكون هذه الأساليب ناجحة على المدى القصير، لكنها لا تستطيع حل المشكلات الاستراتيجية للحزب على المدى الطويل. كما يجري تجاهل حقيقة أن الحزب يحقق نجاحاته كلما نُظر إليه باعتباره قوة تسير عكس التيار. وينطبق ذلك، على سبيل المثال، على الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي وقف فيها الحزب بمفرده ضد التحول نحو اليمين الذي تبنته بقية الأحزاب في قضية اللجوء.
أما في الصراعين الجيوسياسيين الكبيرين في عصرنا، أي الحرب في أوكرانيا والإبادة الجماعية في غزة، فقد كان أداء قيادة الحزب حتى الآن متردداً للغاية ويفتقر إلى الحسم. صحيح أن الحزب ينتقد «الصندوق الخاص» للجيش الألماني وعسكرة البلاد، لكنه يفعل ذلك دائماً انطلاقاً من افتراض أن الحرب في أوكرانيا ليست سوى صراع من أجل بقاء دولة تعرضت للهجوم، وليس في الوقت نفسه حرباً بالوكالة بالغة الخطورة، يتحمل الغرب قدراً كبيراً من المسؤولية عن تصعيدها.
ويقدم حزب اليسار في ولاية مكلنبورغ- فوربومرن مثالاً سيئاً بشكل خاص على غياب الاستراتيجية في السياسة الخارجية، إذ تراجع الحزب يوم الأحد الماضي إلى 6.5 في المئة. وكان فرع الحزب في الولاية قد دعم في عام 2025 الموافقة على القروض الحربية الفعلية التي طلبتها حكومة ميرتس من خلال مكلنبورغ- فوربومرن.
فيما يتعلق بغزة، يتأرجح الحزب بين الاحتجاج من جهة، والاستبعاد البيروقراطي للنشطاء المتضامنين مع فلسطين من جهة أخرى. وفي الوقت الذي يُعاد فيه طرح الاتهام المعروف بـ«معاداة السامية اليسارية» ضد حكومة يسارية محتملة في برلين، يظل من المستغرب للغاية أن يكتفي فرع الحزب في الولاية بالتأكيدات على أنه ليس معادياً للسامية، بدلاً من الانتقال إلى الهجوم المضاد. فليس حزب اليسار هو الذي لديه ما يخجل منه هنا، بل الأحزاب الأخرى التي جعلت من برلين ساحة تحظى باهتمام عالمي للعنف العنصري الذي تمارسه الشرطة ضد أشخاص خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على دعم حكومتهم لارتكاب إبادة جماعية.
ومن المرجح أن أسباب هذا التحفظ لا تكمن بدرجة أقل في عيوب أيديولوجية، بل في تزايد مؤسساتية الحزب، وكذلك في رغبته في عدم إغضاب شركاء الائتلاف المستقبليين، على الأقل على مستوى الولاية. لكن يبقى من المشكوك فيه للغاية مقدار المجال الذي ستتيحه مثل هذه الائتلافات مع أحزاب مثل الحزب الاجتماعي الديمقراطي والخضر أمام السياسة الاجتماعية في ظل سياسة تقشف متزايدة. وليس أمام حزب اليسار، في ظل الظروف الراهنة، مستقبل إلا بوصفه حزباً احتجاجياً في مواجهة الوضع القائم.

نقطة ضعف اليمين: العسكرة
لكن حزب البديل من أجل ألمانيا ليس مستقراً ولا حتمي التقدم كما يُفترض غالباً. فهو يتسم بتناقضات متعددة تمثل سمة واضحة لليمين العالمي بأكمله، الذي يتقارب معه فكرياً. ويقدم موقف الحزب من قضية سانغرهاوزن دليلاً جيداً على ذلك. ففي هذه المدينة الصغيرة في ساكسونيا أنهالت، من المقرر مستقبلاً إنشاء مصنع لشركة «إلبيت سيستمز» الإسرائيلية لصناعة الأسلحة. وقد أيد سيغموند، المرشح الرئيسي لحزب البديل من أجل ألمانيا، بناء المصنع، مشيراً إلى الأسلحة التي ستحتاج إليها ألمانيا لتنفيذ مشروع حزب البديل من أجل ألمانيا المتمثل في «إعادة الترحيل». وهذه محاولة واضحة للغاية للتغطية على تناقضات حزب البديل من أجل ألمانيا المزعوم بأنه «حزب السلام» من خلال العنصرية.
ومهما كانت الإشارة إلى «القسوة المضبوطة بعناية» التي يسعى اليمين إلى ممارستها تجاه المهاجرات والمهاجرين صادمة، فإن الهدف الحقيقي كان شيئاً آخر: الحفاظ على صورة حزب البديل من أجل ألمانيا باعتباره حزباً للسلام في منطقة تحظى فيها المساعدة الألمانية للحرب في أوكرانيا بشعبية منخفضة للغاية. فحزب البديل من أجل ألمانيا يؤيد من حيث المبدأ عسكرة المجتمع وزيادة تسليح الجيش الألماني، وهما هدفان يجري تمويلهما بالديون، ومن المفترض أن يدفع العاملون في هذا البلد تكاليفهما من خلال المزيد من تقليص الإنفاق الاجتماعي. ويرفض الحزب الحرب في أوكرانيا من منظور المصالح الألمانية، لكنه لا يجد حرجاً كبيراً في فرض هذه المصالح نفسها عسكرياً، وما يرتبط بذلك من تكاليف اجتماعية.
كما أن قضية سانغرهاوزن تعد مثالاً على الترابط بين العسكرة والدعم الرسمي من الدولة للإبادة الجماعية الإسرائيلية في فلسطين. فحزب البديل من أجل ألمانيا يؤيد التكامل المتزايد بين المجمع الصناعي العسكري الألماني والإسرائيلي. لكن أغلبيات واضحة من السكان ترفض مواصلة دعم إسرائيل بالأسلحة الألمانية. وهنا تتاح لحزب اليسار إمكانية استغلال التناقضات الداخلية لليمين في السياسة الخارجية، وكشف الخطاب السلمي الزائف لحزب البديل من أجل ألمانيا.
وقد أظهرت الحرب الأخيرة مع إيران مدى انقسام الحزب في رؤيته للعالم في مجال السياسة الخارجية. ففي حين دعت قيادة الحزب بزعامة أليس فايدل إلى ضبط النفس في السياسة الخارجية، مستندة إلى احتمال تدفقات اللاجئين و«المصالح الألمانية»، تتبنى أجزاء أخرى من الحزب النهج الحربي لدونالد ترامب. وتظهر قضية سانغرهاوزن أن حتى الأجزاء «المتحفظة في السياسة الخارجية» داخل الحزب، لا تجد مشكلة في دعم العسكرة والمساهمة في الإبادة الجماعية، طالما أن ذلك يخدم هدف جعل ألمانيا «قادرة على خوض الحرب».
لا يمكن لليسار استغلال هذه التناقضات بنجاح إلا إذا تحدث بوضوح وصراحة. ففي حالة الحرب في أوكرانيا، لا يكفي الاكتفاء بتناول الآثار الاجتماعية السلبية للعسكرة. بل يجب التصدي بصورة صريحة للأساس الذي تقوم عليه السياسة الغربية، والتي تريد تحقيق الانتصار في الصراع الجيوسياسي مع روسيا حتى آخر أوكراني. وفي حالة فلسطين، لم تعد الاستعانة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الذي جرى إفراغه من مضمونه كافية أيضاً. فألمانيا هي ثاني أكبر مورّد للأسلحة إلى إبادة جماعية تُبث مباشرة، وهي حقيقة أتاحت حدوثها أيضاً المساندة الفعالة من جانب وسائل الإعلام، وكذلك أحزاب «الوسط». ويجب قول ذلك أيضاً.
وحتى عندما يتناول حزب اليسار المسألة الاجتماعية، لم يعد من الممكن تقييم مطالبه وفق مدى قابليتها للتنفيذ في إطار ائتلاف حكومي، ثم صياغتها والتواصل بشأنها وفقاً لذلك. ويجب أن تتصدر المشهد بصورة أكبر مطالب التأميم الفوري لشركة السكك الحديدية الألمانية وخفض أسعار خدماتها باعتبار ذلك إجرءاً عاجلاً لمواجهة كارثة المناخ، وكذلك مطالب نزع ملكية شركات العقارات الكبرى. وفي هذا السياق، يجب التأكيد صراحةً على الترابط بين التدمير الاجتماعي وسياسة القوة الألمانية، لا الاكتفاء بذكره «بشكل عابر».
وينبغي ألا يكون الهدف في المقام الأول هو التنفيذ الفوري، وهو أمر يكاد يكون مستحيلاً في ظل موازين القوى الحالية، بل تشكيل مزاج معارض لليسار داخل المجتمع، قادر أخيراً على دفع موازين القوى نحو اليسار. ويشمل ذلك أيضاً اتخاذ موقف واضح تجاه الحزب الاجتماعي الديمقراطي وحزب الخضر باعتبارهما من المشاركين في التسبب في البؤس الاجتماعي الراهن. ويجب على حزب اليسار أن يصوغ تناقضاته السياسية الخاصة والمتقاطعة مع مجالات متعددة من القضايا، في مواجهة «من هم في الأعلى». ولا يمكنه التهرب من اتخاذ موقف واضح تجاه أهم الصراعات السياسية في عصرنا، على أمل أن تعود قضية «العدالة الاجتماعية» إلى الواجهة يوماً ما.
ومن خلال هذا التوجه، لن يختفي حزب البديل من أجل ألمانيا فجأة. فظهور القوى الفاشية يمثل بالأحرى سمة متكررة للأزمات الرأسمالية، تحديداً لأن الفاشية تشكل إمكانية سياسية كامنة داخل الرأسمالية. لكن الاستقطاب من اليسار ستكون لديه فرصة أفضل لدفع اليمين إلى موقع الدفاع، مقارنة بالتمسك بنظام آخذ في الانهيار.

«الدفاع عن الديمقراطية» فخ
على الرغم من العمل الجدير بالاحترام الذي يقوم به العديد من أعضاء حزب اليسار، سواءاً في دعم الاحتجاجات ضد الإبادة الجماعية في غزة أو في مواجهة إدخال الخدمة العسكرية الإلزامية، فإن نهج إقامة جدار عزل من أجل «الدفاع عن الديمقراطية» يضعف مصداقية اليسار المجتمعي بأكمله. فلم يكن التصور السائد للديمقراطية في ألمانيا الاتحادية ليبرالياً على نحو خاص في أي وقت من الأوقات. بل إنه يقوم تاريخياً على أيديولوجيا سلطوية معادية لليسار إلى حد كبير، أي على مفهوم «الديمقراطية القادرة على الدفاع عن نفسها»، التي كانت دائماً تغض الطرف عن اليمين. والأحزاب «الديمقراطية» هي تحديداً التي تعمل اليوم على تشديد قانون اللجوء وتسحب الجنسية من أشخاص بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.
وهذا لا يعني أن الديمقراطية البرجوازية الحالية، التي جرى إفراغها من مضمونها، يمكن مساواتها ببرنامج حزب البديل من أجل ألمانيا. بل يجب على اليسار الدفاع عن المكتسبات الديمقراطية التي انتُزعت تاريخياً من الأسفل، وبناء أكبر وحدة نضالية ممكنة في الشارع في مواجهة حزب البديل من أجل ألمانيا. وبدلاً من تقديم نفسه باعتباره مدافعاً عن الوضع القائم، ينبغي له أن يرى نفسه قوة دافعة نحو دمقرطة شاملة للمجتمع. ولا يمكنه القيام بذلك بصورة ذات مصداقية إلا إذا كان لديه موقف استقطابي بشأن جميع القضايا المهمة.


لاندروس فيشر(*): أستاذ مساعد في الفلسفة والسياسة والاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت فرع قبرص.



#حازم_كويي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ترامب والإمبريالية الأمريكية المتراجعة: خطر متزايد على العال ...
- الثورة الاجتماعية في إسبانيا ضد الفاشية
- مالذي يمكن لليسار أن يتعلمه من أسلوب زهران ممداني في التواصل
- السياسة الواقعية الثورية في البلديات
- الشعبويون لا يصنعون أغلبية
- الاشتراكية الديمقراطية أم إدارة النقص
- كيف يستمر الحكم الاستعماري حتى يومنا هذا
- طفرة الذكاء الاصطناعي لم يطلبها أحد: من يدفع ثمن عواقبها؟
- مؤشر مبكر على العواصف السياسية
- لماذا تُعد أطروحة الإقطاع التكنولوجي ماركسية؟
- أكثر من مجرد مقرّ حزبي – لماذا ينبغي لنا أن نفكر إلى ما هو أ ...
- ترامب يستخدم البيروقراطية لمصلحة الأثرياء، وممداني يسعى لتخف ...
- خمسة أوهام تُبقينا أسرى الرأسمالية
- استعمار التكنوقراط
- من هم -حزب الصراصير- الشعبي في الهند، ولماذا يُنظم الاحتجاجا ...
- كيف نظهر الرقي في طريقة تواصلنا؟
- من يتقدم؟الولايات المتحدة أم الصين
- سردية العِرق والطبقة في حوارات طرق الأبواب
- بناء حزب اليسار، تنظيم الأمل والنضال.الجزء الثاني
- بناء حزب اليسار، تنظيم الأمل والنضال


المزيد.....




- الحكومة اليمنية تعلن بدء عملية عسكرية واسعة ضد الحوثيين
- الاتحاد الإفريقي يرد بعد انتقادات مصرية لبيانه حول الأزمة مع ...
- محاكمة قتلة المؤثرة الصينية في هونغ كونغ آبي تشوي بعد العثور ...
- برلماني أوكراني يقرع جرس الإنذار بعد عجز حكومة بلاده عن تغطي ...
- قوات متمردة إثيوبية تنسحب من عاصمة إقليم تيغراي
- تقرير: مساعد طيار -فلاي دبي- خطط لقتل القائد والاصطدام بناطح ...
- بعد أزمة -السد العالي-.. إثيوبيا تصدم مصر بإعلان جديد عن سدو ...
- تدريب أطقم طائرات الـ-MiG-31- خلال المناورات الاستراتيجية -ت ...
- طائرات مسيرة روسية تستهدف مواقع عسكرية أوكرانية في مقاطعة خي ...
- مشاهد لعمل ورشة ميدانية لصيانة وإصلاح المعدات العسكرية في مح ...


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - حازم كويي - مواجهة صعود اليمين تبدأ من اليسار: نحو استقطاب سياسي جديد