|
|
اليسار العراقي بين صفحات التاريخ وسيكولوجيا النقد والانتقاد ومنصات التواصل الأجتماعي
عامر صالح
(Amer Salih)
الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 16:47
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
قد يكون استهلال المقال في الفرق بين النقد والانتقاد مفيدا كي لا نعتبر كلاهما شيء واحد وبالتالي يخلط المفاهيم فيشوه اللغة ومعانيها باعتبارها وسيلة دقيقة لنقل المعنى.
الفرق الأساسي: النقد هو عملية تقييم موضوعية تهدف إلى الإصلاح والتحسين وبناء الحلول، بينما الانتقاد هو تركيز سلبي على الأخطاء والعيوب بغرض اللوم أو التقليل من شأن الآخرين دون تقديم بديل أو حل.
1. النقد
الهدف: التقويم، الإصلاح، وإبراز مواطن القوة والضعف بموضوعية.
الأسلوب: يعتمد على معايير واضحة وأدلة، ويقدم مقترحات وحلولاً بديلة لتطوير العمل أو السلوك.
الأثر: بناء وتطوير؛ لأنه يتعامل مع الفعل أو الفكرة لا مع الشخص ذاته.
2. الانتقاد
الهدف: تصيّد الأخطاء، إظهار العيوب فقط، أو الإساءة والتشهير.
الأسلوب: غالباً ما يكون عاطفياً أو هجومياً، ويفتقر إلى المعايير الموضوعية أو تقديم النصح الحقيقي.
الأثر: هدم وإحباط؛ لأنه غالباً ما يوجه طعناً لشخصية الإنسان أو يقلل من إنجازاته بدافع الاستفزاز أو الانتقاص.
أذن بين النقد والانتقاد فرق شاسع، وبينهما معاني عديدة متناقضة كفيلة بأن توضح هذا الفرق الذي يبدو أن البعض لا يدركه، فيصبح النقد والانتقاد لديه سيان، دون أن يدرك بأن النقد هو فعل غير منحاز يوضح الإيجابيات والسلبيات دون اعتداء أو اتهام، بينما الانتقاد هو فعل يهتم بتصيد الأخطاء واكتشاف مواضع الخلل من دون تصويب، ليأتي استخدامه دائماً للانتقاص من الآخر.
في الأعمال الأدبية والعلمية والسياسية والمؤلفات على اختلافها يكثر النقد ويتجلى، وله علم قائم بذاته وأناس كرسوا قدراتهم وأنفسهم لأجله، ليعملوا على تصويب الأفكار والأعمال التي يطل بها الكتاب والأدباء والشعراء ومن يسير في دروبهم، والذين ينظرون للنقد بعين إيجابية، لما فيه تجويد لأعمالهم واعادة انتاج انشطة فكرية بجودة عالية.
تعتبر مسيرة الحزب الشيوعي العراقي بأعتباره نموذجا لليسار ونضال أعضائه عبر العقود صفحة استثنائية في تاريخ العراق الحديث، تحمل في طياتها تضحيات جساماً وإرثاً فكرياً واجتماعياً ترك أثراً عميقاً في وجدان الشعب العراقي. وعند التفكير في هذا الإرث بعيداً عن أيديولوجيات الحقد أو الاصطفافات السياسية الضيقة، تبرز حقائق ناصعة تُنصف هؤلاء المناضلين وما قدموه للوطن:
. الرواد والأسبقية في النضال الوطني كان الشيوعيون العراقيون في مقدمة القوى الوطنية التي تصدت للاستعمار والهيمنة الأجنبية. منذ تأسيس الحزب في ثلاثينيات القرن الماضي، ارتبط اسمه بالدفاع عن سيادة العراق الوطنية، ومقاومة معاهدات التبعية (مثل معاهدة بورتسموث عام 1948)، وتعبئة الشارع العراقي في وثبات وثورات شعبية طالبت بالحرية والكرامة.
. التضحيات الجسام والثبات على المبادئ قدّم الشيوعيون العراقيون أبهى صور الصمود في مواجهة بطش الأنظمة المتعاقبة. فمن إعدام مؤسسي الحزب وسكرتيره العام فهد (يوسف سلمان يوسف) ورفاقه عام 1949، إلى الملاحقات والتصفية والتعذيب في السجون والمقابر الجماعية خلال العقود التالية، ظل الشيوعي العراقي رمزاً للإصرار والثبات على العقيدة الوطنية والإنسانية، رافضاً المساومة على أفكاره.
. انحياز أصيل للفقراء والكادحين لم تكن نضالات الشيوعيين العراقيين تنظيراً فكرياً فحسب، بل كانت حراكاً ميدانياً انحاز بصدق إلى الطبقات الضعيفة: العمال، الفلاحين، والكسبة. أرسوا ثقافة المطالبة بالحقوق النقابية، وتحديد ساعات العمل، وضمان أجور عادلة، وقوانين الإصلاح الزراعي التي أعادت للفلاح العراقي كرامته وأرضه بعد عقود من الإقطاع.
. الإرث الثقافي والتنويري شكل التيار الشيوعي واليساري العراقي الحاضنة الأكبر للمبدعين والفنانين والأدباء. فلولاه لما شهد العراق ذلك الزخم الفكري والثقافي الذي خرج منه قامات في الشعر والأدب والفن والمسرح والتشكيل (مثل بدر شاكر السياب في بداياته، الجواهري، غائب طعمة فرمان، وفؤاد التكرلي، وسعدي يوسف وغيرهم الكثير). لقد نشروا قيم العقلانية، التنوير، والقراءة، وجعلوا من الثقافة سلاحاً للتغيير.
. الترسيخ الحقيقي للمواطنة العابرة للطائفية والقومية تمكّن الحزب الشيوعي العراقي من دمج كافة مكونات الشعب العراقي في تنظيم واحد يعلو فيه مفهوم "الوطن" على أي انتماء فرعي. فضم في صفوفه العرب، الأكراد، التركمان، السريان، والمندائيين، ومن مختلف المكونات الاجتماعية والدينية، ليقدموا نموذجاً مبكراً للمواطنة الحقيقية والوحدة الوطنية التي تستند إلى العدالة الاجتماعية.
سيكولوجيا نقد الحزب الشيوعي العراقي
النقد الموجه إلى الحزب الشيوعي العراقي ليس ظاهرة نفسية واحدة؛ فهو قد يصدر عن دوافع مختلفة، بعضها فكري وسياسي موضوعي، وبعضها مرتبط بالهوية والانتماء والصراع الأيديولوجي. ومن هنا يمكن تحليل الظاهرة عبر مستويات عدة:
1. نقد التجربة وليس رفض الفكرة
قد ينتقد بعض الشيوعيين أو المتعاطفين مع الحزب مواقف سياسية أو تنظيمية معينة مع استمرار إيمانهم بالقيم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية. هذا النوع من النقد يمكن أن يكون تعبيراً عن الانتماء النقدي لا عن القطيعة.
2. الصراع بين الهوية الحزبية والضمير الفردي
عندما يشعر العضو أن سياسة الحزب لا تنسجم مع قناعاته، ينشأ توتر بين حاجته إلى الانتماء وبين حاجته إلى الاستقلال الفكري. ويمكن أن يتحول هذا التوتر إلى نقد داخلي، أو إلى انسحاب إذا أصبح التناقض شديداً.
3. الذاكرة السياسية وأثر التجارب التاريخية
الحزب الشيوعي العراقي يحمل تاريخاً طويلاً من العمل السياسي السري والقمع والاعتقالات والصراعات والانقسامات. لذلك قد يكون نقد بعض مواقفه مرتبطاً بقراءة مختلفة لذلك التاريخ، لا بمجرد موقف أيديولوجي من الشيوعية.
4. سيكولوجيا الخصومة الأيديولوجية
في المقابل، قد يتحول الاختلاف مع الشيوعية إلى صورة نمطية عن الشيوعي باعتباره خصماً سياسياً أو اجتماعياً. هنا ينتقل النقد من "أنا أختلف مع أفكار الحزب" إلى "أنا أرفض الحزب وأعضاءه". وهذا الانتقال مهم نفسياً لأنه يحوّل الاختلاف الفكري إلى هوية صراعية.
5. الإسقاط السياسي
أحياناً لا يُناقش الحزب من خلال برامجه ومواقفه الفعلية، وإنما تُسقط عليه مواقف أو أخطاء منسوبة إلى الشيوعية عموماً أو إلى تجارب شيوعية خارج العراق. وهنا يصبح النقد أقل ارتباطاً بالحزب العراقي نفسه وأكثر ارتباطاً بصورة ذهنية مسبقة عنه.
6. نقد الرفاق للحزب: ظاهرة مختلفة
نقد أعضاء الحزب ورفاقه يستحق دراسة مستقلة؛ لأن الناقد الداخلي يمتلك علاقة وجدانية وتنظيمية بالحزب. ولذلك قد يكون نقده أكثر حدة، لكنه في الوقت نفسه قد يكون نابعاً من الرغبة في تصحيح المسار والحفاظ على الهوية السياسية، خصوصاً عندما يشعر أن القيادة ابتعدت عن بعض المبادئ أو المسلمات التي تأسس عليها الحزب.
7. بين النقد والانتقاد
سيكولوجياً، هناك فارق كبير بين النقد الذي يقول: "هذا الموقف السياسي كان خاطئاً"، وبين الأنتقاد الذي يقول: "الحزب فاشل أو أعضاؤه سيئون". الأول يناقش السلوك أو القرار، أما الثاني فيحوّل الخلاف السياسي إلى حكم شامل على الأشخاص والجماعة.
أما بخصوص سيكولوجيا الهجوم على الحزب الشيوعي العراقي في مواقع التواصل الاجتماعي والتي تعني من النقد السياسي إلى نزع الشرعية الأيديولوجية فيمكن تلخيصها بأختصار شديد:
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد فضاء لتبادل المعلومات والآراء، بل أصبحت ساحة أساسية للصراع السياسي وصناعة الصور الذهنية عن الأحزاب والتيارات السياسية. وفي العراق، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بسبب الاستقطاب السياسي، وضعف الثقة بالمؤسسات الإعلامية، ووجود حملات تضليل وحسابات غير أصيلة تسهم أحياناً في التأثير في النقاش العام. وقد وثقت تقارير عن البيئة الرقمية العراقية استخدام جهات سياسية وحسابات منتحلة لنشر معلومات مضللة أو التشهير بالخصوم.
وفي هذا السياق، يمكن دراسة الهجوم على الحزب الشيوعي العراقي في مواقع التواصل الاجتماعي ليس فقط باعتباره خلافاً سياسياً، وإنما باعتباره ظاهرة نفسية واجتماعية تتداخل فيها الأيديولوجيا مع الهوية السياسية والذاكرة التاريخية والاستقطاب.
السؤال المركزي هنا ليس: لماذا ينتقد بعض العراقيين الحزب الشيوعي؟ فالنقد السياسي حق مشروع في المجتمع الديمقراطي، وإنما:
متى ينتقل النقد من مناقشة أفكار الحزب وبرنامجه ومواقفه إلى محاولة نزع الشرعية عن الحزب وعن أفراده وهويتهم السياسية؟
أولاً: من النقد السياسي إلى الهجوم الشخصي
النقد السياسي يقوم على مناقشة الأفكار والمواقف والبرامج والتحالفات والقرارات. أما الهجوم السياسي فيتحول أحياناً إلى استهداف للهوية نفسها، بحيث لا يعود موضوع النقاش هو ما يقوله الحزب أو يفعله، وإنما يصبح مجرد انتماء الشخص إلى الحزب سبباً للهجوم عليه.
وهنا يحدث انتقال نفسي مهم:
نقد الفكرة - نقد الحزب - مهاجمة العضو - مهاجمة الهوية السياسية. وهذا الانتقال هو أحد المداخل الأساسية لفهم نزع الشرعية السياسية.
ثانياً: الصورة النمطية للشيوعي في الفضاء الرقمي
تنتشر في النقاشات السياسية صور مختزلة عن الشيوعي، مثل ربط الشيوعية تلقائياً بالإلحاد أو التبعية الخارجية أو العداء للدين أو انتهاء الصلاحية السياسية.
ولا يعني ذلك أن كل انتقاد لهذه القضايا خاطئ؛ فهذه موضوعات قابلة للنقاش التاريخي والسياسي. لكن المشكلة النفسية تظهر عندما تتحول الصورة النمطية إلى حكم مسبق على الفرد، بحيث يصبح الشخص مرفوضاً قبل الاستماع إلى موقفه.
وهنا يعمل مفهوم التصنيف الاجتماعي: "نحن لا نناقش الشخص بوصفه فرداً، بل بوصفه عضواً في جماعة نعتقد أننا نعرفها مسبقاً".
ثالثاً: نزع الشرعية السياسية
نزع الشرعية لا يعني بالضرورة منع الحزب قانونياً؛ فقد يحدث بصورة رمزية ولغوية.
ومن آلياته:
- التشكيك المستمر في الوطنية. - تصوير الحزب باعتباره خارجاً عن المجتمع. - استخدام السخرية لإضعاف صورته. - إعادة نشر أخطائه التاريخية بصورة انتقائية. - تعميم أخطاء بعض الأفراد على الحزب بأكمله. - تحويل الاختلاف الأيديولوجي إلى اتهام أخلاقي.
وتزداد خطورة هذه الآلية عندما تصبح وسائل التواصل بيئة لإعادة نشر الادعاءات دون التحقق منها.
رابعاً: سيكولوجيا السخرية السياسية
السخرية أداة قوية في الصراع السياسي. فبدلاً من محاولة إثبات أن فكرة سياسية خاطئة، يمكن تحويل صاحبها إلى موضوع للسخرية.
وهنا يصبح الهدف النفسي: إضعاف المكانة الاجتماعية للخصم قبل مناقشة أفكاره. فالإنسان قد ينسى تفاصيل الحجة السياسية، لكنه قد يتذكر الصورة الساخرة المرتبطة بالخصم. ولهذا فإن الميمات والتعليقات الساخرة ليست دائماً مجرد ترفيه؛ فقد تكون جزءاً من عملية تشكيل الصورة الذهنية.
خامساً: الاستقطاب السياسي وغرف الصدى
تساعد وسائل التواصل على تكوين جماعات سياسية متجانسة؛ إذ يتفاعل المستخدم بصورة أكبر مع المحتوى الذي يؤكد قناعاته السابقة.
وبذلك يمكن أن تظهر ظاهرة: أنا أقرأ ما يؤكد أنني على حق، وأتجنب ما يمكن أن يشكك في موقفي. في هذه البيئة يصبح الشيوعي محاطاً بمؤيدين يكررون روايته للدفاع عن نفسه، بينما قد يكون خصومه داخل بيئة رقمية تعيد إنتاج رواية معاكسة باستمرار. والنتيجة ليست بالضرورة زيادة المعرفة، وإنما أحياناً زيادة اليقين والانغلاق على الموقف السابق.
سادساً: الذاكرة التاريخية كسلاح في الصراع الرقمي
يمتلك الحزب الشيوعي العراقي تاريخاً طويلاً، ولذلك يمكن استدعاء أحداث تاريخية متعددة في النقاشات المعاصرة.
لكن المشكلة تظهر عندما يُستخدم الماضي بطريقة انتقائية:
انتقاء حدث تاريخي واحد - عزله عن سياقه - تعميمه على الحزب الحالي - استخدامه لنزع شرعيته. وفي المقابل، فإن الدفاع عن الحزب لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار أخطائه أو إخفاقاته التاريخية. المنهج العلمي يقتضي دراسة الإيجابيات والأخطاء معاً.
سابعاً: لماذا يكون الهجوم أكثر حدة على الهوية الشيوعية؟
يمكن تفسير ذلك من خلال مفهوم الهوية الأيديولوجية. كلما أصبحت الهوية السياسية جزءاً عميقاً من تعريف الإنسان لذاته، أصبح نقدها قابلاً لأن يُفهم نفسياً بوصفه تهديداً للذات وليس مجرد نقد لفكرة.
وبالتالي قد يحدث:
نقد الشيوعية - أشعر أن هويتي مهددة - أدافع عن الجماعة - أهاجم الجماعة المقابلة. وهذه الآلية لا تخص الشيوعيين وحدهم؛ فهي قابلة للظهور لدى مختلف الجماعات السياسية والأيديولوجية.
ثامناً: هل كل هجوم على الحزب نزعٌ للشرعية؟ طبعا لا وهذه نقطة منهجية أساسية.
هناك فرق بين:
النقد السياسي المشروع
- نقد البرنامج. - نقد التحالفات. - نقد القرارات. - نقد الأداء الانتخابي. - نقد المواقف الاقتصادية والاجتماعية. - نقد الأخطاء التاريخية.
وبين:
الهجوم على الهوية
- إهانة الشيوعي بسبب انتمائه. - التشهير الشخصي. - نشر معلومات كاذبة. - التعميم على جميع أعضاء الحزب. - تحويل الخلاف الخلاف الفكري إلى اتهام أخلاقي شامل. لذلك لا ينبغي للبحث أن يفترض مسبقاً أن كل منتقد للحزب مدفوع بالتعصب؛ بل ينبغي أن يسأل متى ولماذا وكيف يحدث الانتقال من النقد إلى نزع الشرعية؟
تاسعاً: البيئة الرقمية العراقية
تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر لأن تقارير عن الإنترنت في العراق تشير إلى وجود تلاعب بالمعلومات من قبل جهات سياسية وقوى مؤثرة، إضافة إلى انتشار الحسابات غير الأصيلة التي تنتحل شخصيات سياسية وأحزاباً ووسائل إعلام بهدف نشر معلومات مضللة أو التشهير بالخصوم. وهذا يعني أن دراسة الهجوم الرقمي على الحزب الشيوعي ينبغي ألا تركز على نفسية المهاجم فقط، بل على البيئة التي تسمح للمعلومة أو الشائعة أو الصورة النمطية بالانتشار.
عاشراً: النموذج السيكولوجي المقترح يمكن بناء نموذج تحليلي للظاهرة على النحو الآتي:
اختلاف أيديولوجي - تصنيف اجتماعي - صورة نمطية- استقطاب عاطفي- تعميم- سخرية وتشويه- نزع الشرعية
تحول الخصم السياسي إلى "آخر" اجتماعي وهنا تصبح مواقع التواصل الاجتماعي مضاعِفاً لهذه العملية بسبب سرعة الانتشار وإعادة المشاركة والتفاعل العاطفي.
الهجوم على الحزب الشيوعي العراقي في مواقع التواصل الاجتماعي يستحق الدراسة بوصفه جزءاً من ظاهرة أوسع هي سيكولوجيا الصراع الأيديولوجي في العراق. والقضية الأساسية ليست الدفاع عن الحزب أو مهاجمته، وإنما فهم الحدود بين النقد السياسي المشروع والتحيز الأيديولوجي ونزع الشرعية.
فالديمقراطية لا تحتاج إلى اختفاء الاختلاف، بل تحتاج إلى أن يبقى الاختلاف داخل حدود النقاش السياسي، بحيث يكون الخصم السياسي منافساً يمكن نقده لا عدواً يجب إلغاء شرعيته.
تستند سيكولوجيا الهجوم على الحزب الشيوعي العراقي عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى ديناميات نفسية واجتماعية وسياسية مرّكبة، تتجاوز حدود النقد السياسي التقليدي المستند إلى تقييم الأداء أو البرامج، لتدخل في مساحة «نزع الشرعية الأيديولوجية والوجودية». يمكن تفكيك البنية النفسية والأساليب المتبعة في هذا الهجوم عبر المحاور التالية: . آليات نزع الشرعية النفسية لا يستهدف الهجوم الأيديولوجي السلوك السياسي بقدر ما يستهدف «حق الطرف الآخر في الوجود». وتعتمد هذه العملية على عدة ميكانيزمات نفسية-اجتماعية:
الوأد الغريب للأيديولوجيا: يتم تصنيف الحزب الشيوعي كـ "آخر غريب" لا ينتمي إلى النسيج الهوياتي السائد (القومي أو الطائفي او الوطني). هذا التصنيف يسهل على المهاجمين سلب الصفات الوطنية أو الأخلاقية عن أعضائه ومؤيديه.
الشيطنة والتشويه : استخدام موروثات واختزالات تاريخية (مثل ربط الشيوعية بـ "الإلحاد" أو "الفوضى") واستدعاء أطر مفاهيمية جاهزة لقطع الطريق أمام أي نقاش عقلاني حول الطروحات الاقتصادية أو الاجتماعية للحزب.
الوصم وسلب الأهلية: بدلاً من تفنيد موقف سياسي معين (مثل التحالفات الانتخابية أو الموقف من السلطة)، يتم التجييش بأسلوب الهجوم الشخصية لوصف الموالين أو القيادات بأوصاف تسلبهم الأهلية الأخلاقية أو السياسية.
. بيئة وسائل التواصل الاجتماعي كـ "مُعزّز سلوكي" توفر منصات التواصل الاجتماعي (مثل X/تويتر سابقاً، وفيس بوك، وتيك توك) بيئة مثالية لمثل هذه الهجمات النفسية لعدة أسباب:٠
الخصائص المنصاتية الأثر النفسي والسلوكي غرف الصدى تعزيز القناعات المسبقة وتضخيم الكراهية تجاه "العدو المشترك" لتأكيد الانتماء للمجموعة.
وبغض النظر عن التعمق بسهولة الاختفاء خلف الحسابات الوهمية أو الانخراط في "سلوك القطيع" الإلكتروني دون تحمّل مسؤولية أخلاقية فردية.
اقتصاد الانتباه: الخوارزميات ترفع من وصول المحتوى الأكثر إثارة للغضب والاستقطاب على حساب التحليل الهادئ.
3. التحول من النقد السياسي إلى نزع الشرعية الأيديولوجية يمر الهجوم النفسي عادة بـ 3 مستويات متصاعدة: النقد السياسي: مناقشة قرارات الحزب، التحالفات، الأداء النيابي، أو الخيارات البرامجية (وهو نقد صحي ومعتاد في أي بيئة ديمقراطية).
التشكيك في النوايا : اتهام الحزب بالتبعية للشرق أو الغرب، أو السعي وراء المكاسب الشخصية، وهو بداية التحول نحو الهجوم الشخصي. نزع الشرعية الوجودية: تصوير الفكر الشيوعي على أنه "فكر دخيل"، "معادٍ للدين/التقاليد"، أو "منتهي الصلاحية تاريخياً"، بهدف دفع الجمهور إلى رفضه جذرياً دون النظر إلى مواقفه المحددة.
. الدوافع النفسية للمُهاجمين تتنوع الدوافع النفسية خلف التجييش ضد الحزب الشيوعي العراقي على المنصات الرقمية: التهديد الهوياتي: بالنسبة للتيارات الدينية أو القومية المتطرفة، يمثل الفكر المدني/الشيوعي تهديداً للمنظومة القيمية أو السلطوية التي يستمدون منها مشروعيتهم.
التفريغ الانفعالي والإسقاط: إسقاط الفشل السياسي العام على طرف محدد باعتباره "شماعة" أو شريكاً سابقاً في أطر سياسية محددة.
الصراع على المجال العام: محاولة تقليص المساحة المتاحة للخطاب المدني والعلماني في شبكات التواصل لإطباق الهيمنة الأيديولوجية.
نقد اليسار العراقي والحزب الشيوعي العراقي في مقدمته ليست نزهة في الأجتهاد من الصلاحية الأجتماعية من عدمها بل هو حاجة ملحة لأصطفاف كل قوى اليسار لأنقاذ العراق من الطائفية السياسية والأثنية العفنة وانقاذ العراق من نظام المحاصصة إلى نظام يتسع للجميع باختلاف الهويات الفرعية ونحو فضاء عراقي يجمع الجميع للحفاظ على عراق حر مستقل بعيدا عن الأملاءات والأشتراطات ضيقة الأفق.
#عامر_صالح (هاشتاغ)
Amer_Salih#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في السيكولوجيا الأجتماعية والسياسية لعسكرة المجتمع وضرورة نز
...
-
في الحرب على ايران والأشكالية السيكولوجية السياسية للدور الأ
...
-
رؤية سيكولوجية- سياسية للحرب الدائرة بين امريكا وايران وصعوب
...
-
في سيكولوجيا الهجوم على الشيوعية واليسار ومخاطر ذلك على المج
...
-
سيكولوجيا ثورة 14 تموز 1958 بين الأسئلة التاريخية والدروس ال
...
-
محاربة الفساد المالي والإداري والسياسي بين صولة فجر الخضراء
...
-
سيكولوجيا الفساد الأداري والمالي والأخلاقي في العراق وخصوصية
...
-
سيكولوجيا التاريخي والسياسي والأجتماعي في أحياء الحزب الشيوع
...
-
في سيكولوجيا اللهاث وراء المناصب والسمعة المزيفة في العراق
-
رئيس الوزراء العراقي وصعوبة تحديد المصطلحات
-
في اللواكة وشر البلية ما يضحك
-
في تكليف رئيس وزراء للعراق
-
الموقف السيكولوجي والسياسي من النظام والدولة في الصراعات الد
...
-
ترامب وسيكولوجيا الكذب الأسود
-
الطبيعة السايكولوجية لترامب والحوار مع أيران
-
في الهجوم على جهاز المخابرات العراقية ودلالته في الصراع الدا
...
-
في النجوم على جهاز المختبرات العراقية ودلالته في الصراع الدا
...
-
في مفهوم النصر بين الأعداء والتمنيات بسقوط النظام الأيراني
-
من هو الفاعل?
-
في الحرب الدائرة بين التحالف الأمريكي الأسرائيلي ضد أيران
المزيد.....
-
طالبة تصف خيبة أملها من إدارة جامعة كورنيل بعد اعتداء جنسي م
...
-
السعودية.. الداخلية تعلن تنفيذ -حد الحرابة- بحق مواطن وتكشف
...
-
حمدان بن محمد يزور طيار -فلاي دبي-: جسد أعلى درجات الشجاعة
-
زلة لسان تثير الجدل.. ترامب و-مصانع مخدرات- في المنشآت النوو
...
-
شرط جديد من طهران للسماح لوكالة الطاقة الذرية بالتفتيش مجددا
...
-
التلفزيون الإيراني: انفجار بناقلة نفط في هرمز أوقفت نظام تتب
...
-
فلسطينيون يشتكون من هجوم مستوطنين على محاصيلهم الزراعية في ق
...
-
نتنياهو يأمر بإعداد قضية قانونية ضد أردوغان.. صراع إسرائيل و
...
-
ضربة أمنية واسعة ضد -داعش- في تركيا.. توقيف 51 مشتبهًا بهم ف
...
-
شتاينماير في ذكرى الوحدة الألمانية: -الديمقراطية ليست للبيع-
...
المزيد.....
-
اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات
/ رشيد غويلب
-
قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند
/ زهير الخويلدي
-
مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م
...
/ دلير زنكنة
-
عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب
...
/ اسحق قومي
-
الديمقراطية الغربية من الداخل
/ دلير زنكنة
-
يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال
...
/ رشيد غويلب
-
من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية
/ دلير زنكنة
-
تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت
...
/ دلير زنكنة
-
تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت
...
/ دلير زنكنة
-
عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها
...
/ الحزب الشيوعي اليوناني
المزيد.....
|