أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - رشيد غويلب - الماركسي السجين بوريس كاغارليتسكي.. حول الوضع في روسيا، وآفاق اليسار















المزيد.....

الماركسي السجين بوريس كاغارليتسكي.. حول الوضع في روسيا، وآفاق اليسار


رشيد غويلب

الحوار المتمدن-العدد: 8839 - 2026 / 9 / 25 - 18:13
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


اعداد

نشرت جريدة تيويزدويجلان في 14 أيلول 2026 حوارا مع عالم الاجتماع الماركسي بوريس كاغارليتسكي السجين تحدث فيه عن ظروف السجن والأوضاع العامة في روسيا وآفاق قوى اليسار الروسي، وقبل ان نعرض ما دار في الحوار لابد من تعريف مختصر بكاغارليتسكي.
ولد بوريس كاغارليتسكي في موسكو عام ١٩٥٨، وهو عالم اجتماع. انخرط خلال دراسته في تيار "الماركسية النقدية" - التي كانت محظورة في الاتحاد السوفيتي - وطُرد من الجامعة عام ١٩٨٠. بعد ذلك بفترة وجيزة، حُكم عليه بالسجن لمساهمته في مجلة يسارية. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١، ظل كاغارليتسكي، على عكس العديد من المثقفين في أوروبا الشرقية، متمسكًا بالرؤية ر الماركسية. أسس معهد دراسات العولمة والحركات الاجتماعية، وعمل في العديد من الشبكات الدولية، وكان آخر مشاركاته في إنشاء قناة "رابكور" اليسارية الروسية على يوتيوب.
بسبب إدانته للغزو الروسي لأوكرانيا عام ٢٠٢٢، أقيمت ضده دعوى بتهمة ادانة الغزو، وأُلقي القبض عليه، وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات عام ٢٠٢٤. يقضي حاليًا عقوبته في سجن المستعمرة العقابية رقم ٤، على بُعد حوالي ٢٥٠ كيلومترًا شمال موسكو..

وتقول الجريدة ان المقابلة معه أُجريت بواسطة المراسلة، وتحت رقابة أمنية. ورغم وجود تبادل للرأي حول المحتوى في وقت سابق، لم يكن من الممكن اجراء مناقشة تفصيلية لطروحات كاغارليتسكي بواسطة أسئلة توضيحية او مختلفة مع ما يطرح. ونتيجةً لذلك، تبدو بعض الإجابات مقتضبة.
نظم ديمتري بوشيداييف اجراء هذه المقابلة ورتّبها. وقد دأب خبير التنمية الاقتصادية، لا سيما منذ سجن كاغارليتسكي، على المبادرة بنشر أبحاث ومساهمات نقاشية مشتركة مع السجين السياسي. وشكرت الجريدة بوشيداييف على هذا العمل التضامني الدؤوب.
ظروف السجن
وصل كاغارليتسكي إلى المستعمرة العقابية في أيار 2024. وقبل ذلك، حل في سجون مختلفة: سيكتيفكار، وموسكو، وتفير، ورزييف. وفي كانون الأول 2023، أُفرج عنه لفترة وجيزة، كما يقول، ربما كانت السلطات تأمل مغادرته البلاد. لكنه صممً على البقاء، فسُجن مجدداً. أما بالنسبة لظروف السجون، فهي تختلف اختلافاً كبيراً من سجن لآخر. ويصف ظروف السجن في المستعمرة العقابية في تورجوك بالمعتدلة نسبياً، مقارنة بسجون أخرى.
فليس هناك حظر على التواصل مع العالم الخارجي، بل إن كاغارليتسكي نشر اخيرا بعض المقالات. ولهذا يقول كاغارليتسكي، رسميًا، الرقابة معتدلة ومحددة بوضوح: لا يُسمح بمناقشة خطط الهروب، أو تسريب معلومات شخصية عن موظفي السجن، أو إرسال رسائل تهديد إلى الخارج. بالطبع، يختلف تفسير الرقابة لواجباتها من مكان لآخر. المعلومات تقول إنه في سجون أخرى، حتى الأمور غير الضارة تمامًا كانت تُحذف من الرسائل. لكن في سجن المستعمرة لا يحدث هنا. وفي سجن زيلينوغراد، كانت المسؤولة عن الرقابة امرأة مثقفة كانت تزور كاغارليتسكي بين الحين والآخر لمناقشة المسائل الفلسفية والتاريخية التي أثيرت في مراسلاته.
المشاركة في الحرب مقابل الافراج

تُنشر إحصائيات الذين يغادرون سجن المستعمرة العقابية شهريًا للاطلاع العام. وبصفته عالم اجتماع، يجد كاغارليتسكي ان الأمر مثيرًا للاهتمام. ومنذ وصوله الى السجن في ايار 2024، كان 35 - 40 سجينًا يغادرون المستعمرة شهريًا للانضمام إلى ما يُسمى رسميًا "العملية العسكرية الخاصة" (أي الحرب). وفي عام 2023، أفادت التقارير أن العدد بلغ 200 سجين. وفي العام الفائت، انخفض الرقم إلى 8 -12 سجينا شهريًا. أما هذا العام، فلم يتجاوز العدد أربعة سجناء قط. عادةً ما يكون العدد سجينًا واحدًا أو اثنين، ولكن هناك أيضًا أشهر لا يُبلغ فيها عن اي مغادرة.

طبيعة الحرب
في صفوف اليسار العالمي هناك قراءتان لطبيعة الحرب في أوكرانيا، فالتيار الاوسع من قوى اليسار العالمي ترى في الحرب صراعا على هيمنة بين المراكز الرسمالية تجري على الأرض الأوكرانية، وان النظام في روسيا ذا طبيعة استبدادية، ولا يتبنى توجهات تحررية هو جزء من النظام الرأسمالي العالمي، وهناك من يصدق الرواية الليبرالية التي تزعم أن بوتين كان وراء دونالد ترامب. أما في بلدان الجنوب العالمي، فيسود رأي مفاده أن روسيا ضحية لحلف الناتو، وأن الصراع في أوكرانيا كان من تدبير الغرب. ومعروف ان كاغارليتسكي لا يتفق مع أي من هذين التحليلين. ويقد تفسيره الخاص لما يحدث.

يرى كاغارليتسكي ان النقاش حول طبيعة الحرب يعكس إلى حد كبير الصراعات الفكرية التي دارت خلال الحرب العالمية الأولى 1914- 1918. وكما هو معروف، أيد جزء من اليسار آنذاك نزعته الإمبريالية. نتذكر جيدًا الدور الذي لعبه الديمقراطيون الاجتماعيون الألمان. في المقابل، أيد الديمقراطي الاجتماعي الروسي جورجي بليخانوف القيصرية. بينما اتخذ آخرون، مثل زعيم المناشفة الروس يوليوس مارتوف، موقفًا مفاده أن كلا الطرفين
يجب أن "يصاب بالطاعون".
أما لينين فقد طرح السؤال بشكل مختلف تمامًا. بالنسبة له، لم تكن النقطة الحاسمة هي أي إمبريالية تتحمل مسؤولية أكبر عن اندلاع الحرب، بل كيف يمكن استغلال الوضع لصالح الثورة. من الواضح أن هزيمة القيصرية فتحت الباب أمام التغيير الثوري في روسيا. لهذا السبب، وُصف لينين بأنه "انهزامي". لكنه لم يدعم الإمبراطورية الألمانية قط، رغم أن خصومه اتهموه بذلك زوراً. يبدو موقف لينين وثيق الصلة بواقعنا اليوم.
يؤكد كاغارليتسكي ما ورد في كتابه الصادر عام ٢٠٠٧ بعنوان "إمبراطورية الأطراف"، أنه على الرغم من أن روسيا انتهجت سياسات إمبريالية في مرات عديدة عبر تاريخها، إلا أن هذا التوسع كان مدفوعًا في نهاية المطاف بضعف اقتصادي. فقد توغلت أوروبا الغربية في روسيا إمبرياليًا، ومع ذلك انتهجت روسيا سياساتها الاستعمارية الخاصة في آسيا. ويضيف، من المهم الإشارة إلى أنه بعد الهزائم في حرب القرم في القرن التاسع عشر، والحرب الروسية اليابانية ١٩٠٤١٩٠٥، وأخيرًا الحرب العالمية الأولى، شهدت روسيا باستمرار فترة من التحول الاجتماعي والسياسي. ومن المهم أيضًا فهم أن هذه الحروب لم تكن بأي حال من الأحوال نتيجة نوايا خبيثة لحكام أفراد، بل كانت انعكاسًا للتناقضات المنهجية للرأسمالية العالمية والأزمات الداخلية المنهجية للنظام الحاكم في روسيا. وهذا تحديدًا ما يُعدّ جوهريًا إذا أردنا فهم الصراع الحالي. فالسيناريو نفسه يتكرر، على الرغم من أن عصرنا يتميز بطبيعة الحال بخصائصه الفريدة.
امبريالية اليوم
يقود التحليل السابق ان نقد التعامل السياسي للأفراد مثل ترامب وبوتين، ليس بديلا لبناء مفهومًا ماديًا للإمبريالية. يتفق كاغارليتسكي مع هذا الاستنتاج، ويذكر بما ورد في كتابه „من الإمبراطوريات إلى الإمبريالية"، الذي مثل محاولة لشرح، ان الفوارق بين هذه الظواهر والمفاهيم. تفترض الإمبريالية وجود بنية رأسمالية محددة ونظام تراكم مرتبط بها، حيث ترتبط الدولة ارتباطًا وثيقًا بالشركات الاحتكارية الرائدة. وهذا بدوره يُشكّل فهم الجماعات الحاكمة للمصلحة الوطنية. لكن التوسع والغزو والهيمنة ليست دائمًا أدوات لتراكم رأس المال أو تأمين أسواق للشركات. فالسياسة أيضًا تتحدد بما يمكن أن نسميه المصالح المتحيزة للجماعات الحاكمة. وفي هذا الصدد، تُعد روسيا حالةً مثيرةً للاهتمام. فشركاتها السلعية غنيةٌ للغاية، لكنها ضعيفةٌ هيكليًا وتكنولوجيًا وتنظيميًا. تحاول الدولة أن تتصرف كقوة إمبريالية نموذجية - وإن كانت أقرب إلى تلك التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر منها في القرن العشرين، إذ تحتل أراضٍ وتدافع عن مناطق نفوذها. وفي الوقت نفسه، تفتقر البلاد إلى الموارد اللازمة. ويمكن وصف هذا الوضع بأنه "إمبريالية فاشلة".

اقتصاد ضعيف
يتفق كاغارليتسكي مع القول إن ضعف روسيا ليس سياسيًا، بل اقتصاديًا. فالدوائر الحاكمة تستنزف الموارد الموروثة من الاتحاد السوفيتي استنزافًا تامًا. وينطبق الأمر نفسه على أوكرانيا. بعد اندلاع الحرب عام ٢٠٢٢ بُذلت بعض المحاولات لتحديث روسيا وإعادة تصنيعها، لا سيما في قطاع الدفاع، وإن لم يقتصر الأمر عليه. إلا أن هذه الجهود تعثرت ليس بسبب التخلف التكنولوجي الذي يُناقش كثيرًا، بل بسبب المصالح الهيكلية للنخبة الحاكمة. من المستحيل تحديث البلاد دون إزاحة هذه الجماعات الطفيلية من السلطة. لكن المشكلة تكمن في أنهم يشكلون بأنفسهم السلطة.
وصف الاشتراكيون في مطلع القرن العشرين، مفهوم الامبريالية على النحو التالي: يتركز رأس المال في احتكارات من خلال المنافسة، ويندمج رأس المال الصناعي والمالي. ولأن الأسواق المحلية تصبح ضيقة للغاية، يتوسع رأس المال الاحتكاري خارج الحدود بدعم من الدولة، مما يؤدي إلى صراع مع رؤوس أموال احتكارية أخرى منظمة على مستوى الدولة القومية. ويُظهر النظام الرأسمالي اليوم اختلافات جوهرية: فشبكات الإنتاج ورأس المال المالي مُنظمة على نطاق عابر للحدود الدولة القومية بشكل أكبر بكثير مما كانت عليه في عام 1900.
وصحيح أن الترابطات العابرة للحدود كانت موجودة قبل الحرب العالمية الأولى، وإن لم تكن بنفس القدر الذي هي عليه اليوم. وقد برهن عالم الاجتماع الامريكي إيمانويل والرشتاين (1930 – 2019)، المنظّر لنظرية النظم العالمية، بشكل مقنع كيف نشأت الرأسمالية في البداية كنظام اقتصادي عالمي، وكيف تطورت الرأسماليات الوطنية على هذا الأساس. وتُجسّد الحرب في أوكرانيا، من وجهة نظر معينة، هاتين النقطتين: حتمية الصراع ومدى الاعتماد المتبادل. والسؤال الآن: لماذا استمرت كل هذه المدة؟ في بداية الحرب، كان منظّرو السياسة الروسية يتحدثون باستمرار عن ضعف الغرب. وقد تغيّر هذا الوضع الآن، ولم تعد أوروبا الغربية تبدو ضعيفة - على الأقل من وجهة النظر الروسية. من ناحية أخرى، لا يبدو الغرب موحداً أيضاً.
ويعود ذلك وفق رؤية كاغارليتسكي الى ان، النخب الغربية لم ترَ ضرورة لمحاربة جيرانها الروس بين عامي 2022 و2024. فرغم كل الخطب الحادة بشأن نظام بوتين، فقد تعاملوا معه بشكل جيد. واتبعوا سياسة تهدف إلى إعادة روسيا إلى رشدها، قائلين لها باختصار: "لقد أخطأتِ عندما هاجمتِ أوكرانيا. لن نعاقبكِ بشدة على ذلك، لكننا بحاجة إلى ممارسة بعض الضغط عليكِ لتُدركي عبثية الموقف". إلا أن هذا فُسِّر في روسيا على أنه ضعف.
في نهاية عام 2025، اتخذ الاتحاد الأوروبي وبريطانيا موقفًا أكثر صرامة، رغم إدراكهما أن أي تغيير محتمل في النظام الروسي قد يُفضي إلى عواقب اجتماعية واقتصادية غير مرغوب فيها على الإطلاق من قِبل القوى الحاكمة في أوروبا. في المقابل، لا تزال إدارة ترامب تعتمد على الإقناع، جزئيًا لأنها تعتبر أوروبا والصين هما المشكلتين الحقيقيتين، وتستطيع استخدام روسيا ضدهما. لكن هذا لن يُجدي نفعًا.

الصراعات القومية
أكد باحثون ماركسيون معاصرون مثل كوستاس لابافيتساس (1961، اقتصادي يوناني، وويليام آي. روبنسون (1959، عالم اجتماع امريكي) أن تدويل رأس المال مستمر رغم هذه الصراعات. ففي هذا السياق، تدير صناديق استثمارية مقرها الولايات المتحدة رؤوس أموال روسية وعربية، بل وحتى صينية. فلماذا إذن تتعمق الصراعات بين هذه الدول؟
هنا يشير كاغارليتسكي الى مناقشاته المستفيضة وويليام روبنسون حول هذه المسألة. بالطبع، طرأت تغييرات كثيرة فيما يتعلق برأس المال العابر للحدود. لكن الشركات العابرة للحدود لا تمتلك المؤسسات التي تُمكّنها من السيطرة على الأراضي والسكان. فهي لا تملك جيوشًا ولا قوات شرطة ولا محاكم؛ ولا تُسيطر على تطوير البحوث الأساسية، التي بدونها يستحيل تحقيق التقدم التكنولوجي وما يُسمى بـ „الابتكارات".
كثيرًا ما ينتقد الليبرتاريون (تيار ليبرالي متطرف يدعو الى الغاء دور الدولة الاقتصادي ويتحدثون عن عجزها) اليساريين لاستخدامهم هواتف آيفون، متناسين أن ثلث التقنيات المستخدمة في هذه الهواتف، وفقًا للتقديرات، على الأقل، نتاج أبحاث ممولة من القطاع العام. فبدون الدولة، لا يمكن أن توجد أسواق مستقرة، وبالتالي لا يمكن للرأسمالية أن تقوم. وشعار "عجز الدولة"، الذي شاع في تسعينيات القرن العشرين وأوائل الألفية، لم يكن إلا تغطية لسياسات الدولة الرامية إلى تقويض الإنجازات الاجتماعية للعاملين. في كتابه "الإقطاعية التكنولوجية"، يصف يانيس فاروفاكيس صعود مجموعات الشركات المرتبطة بدول ومناطق محددة: الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، وأوروبا الغربية، التي يعتبرها أضعف بكثير. ويعبر كاغارليتسكي عن عدم اعجابه بعنوان الكتاب، فهو لا يمت بصلة إلى "الإقطاعية التكنلوجية"، ويرى بل إن "الإمبريالية التكنولوجية" أنسب. لكن للمشكلة بُعد مجتمعي أيضًا، فخلافًا لتوقعات الكثيرين، لم تظهر طبقة برجوازية عابرة للحدود. في الوقت نفسه، ضعفت المؤسسات للبرجوازية في الدولة القومية، وتراجعت شبكاتها، وتضاءلت مصالح الطبقات الحاكمة على المستوى الوطني. ومنذ تسعينيات القرن العشرين، وربما قبل ذلك بقليل، كان هناك نوعًا من تراجع مكانة البرجوازية. وقد استخدم الخبير الاقتصادي أندريه غوندر فرانك (1929 – 2005، عالم اجتماع ومؤرِّخ اقتصادي أميركي ذو أصول ألمانية) لوصف برجوازية أمريكا اللاتينية في ستينيات القرن العشرين. مصطلح "البرجوازية الرثة". وقد انتشرت هذه الظاهرة، وروسيا مثال صارخ عليها، حيث خضعت الطبقة الحاكمة بأكملها لهذه "الرثاثة".
الحرب والاستبداد
بالتوازي مع تصاعد العسكرة والاستعداد للحرب، يتزايد نفوذ الحركات الاستبدادية في جميع أنحاء العالم. ويعود ذلك وفق رؤية كاغارليتسكي الى استنفاذ نموذج الليبرالية الجديدة. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال الأزمة المالية العالمية 2008-2010. لكن من كانوا في السلطة رفضوا تعديل مسارهم أو حتى تغييره جذريًا. ونتيجة لذلك، انهار الوسط الليبرالي، ومعه الديمقراطية الاجتماعية "المعتدلة". إلا أن المشكلة لا تكمن هنا، بل تكمن في ضعف البديل اليساري، الذي همّشه، في مطلع القرن الحالي الليبراليون والديمقراطيون الاجتماعيون اليمينيون سياسيًا. وقد ملأ الشعبيون اليمينيون الفراغ الأيديولوجي والسياسي الناتج. وفي غياب بدائل حقيقية وجوهرية، أصبحت مؤسسات الديمقراطية البرلمانية عديمة الجدوى في سياق الأزمة. وفي ظل هذه الخلفية، يسهل فهم سبب خيبة أمل عامة الناس من الديمقراطية. ومن المفارقات أن الوضع في روسيا أفضل. فالروس العاديون يشعرون بالإحباط من الاستبداد.
مقارنة
الحرب الدائرة اليوم تكرارًا لمأساة عام ١٩١٤، حين اجتاحت الطبقة العاملة موجة من الحماس القومي، والمقارنة في هذه الحالة في محلها تماما. مع ذلك، لم تشهد روسيا في عامي ٢٠٢٢٢٠٢٣ حماسًا للحرب كتلك التي أعقبت اندلاع الحرب العالمية الأولى في ألمانيا وفرنسا والإمبراطورية الروسية. بل ساد الارتباك ونوع من الاستسلام للقدر أمام الدولة: "قيل لنا إن علينا القتال، فقاتلنا". لم يتجاوز الأمر ذلك. كان ثلث السكان معارضًا للحرب منذ البداية، وهو ما يفسر العدد الكبير من السجناء السياسيين الذين لا صلة لهم بأحزاب أو منظمات المعارضة.
اما في أوكرانيا، فالوضع مختلف نوعًا ما. وهنا أيضًا، قد يكون من المفيد استذكار الحرب العالمية الأولى. حين كانت القوات الألمانية على بُعد ٧٠ كيلومترًا من باريس، كان من الصعب للغاية القيام بأي تحرك مناهض للحرب. لم تتضح الطبيعة الإمبريالية للحرب في فرنسا إلا بعد فوات الأوان. وهناك شيئاً مماثلاً يحدث في المجتمع الأوكراني اليوم.
صراع اليسار واليمين
نجاحات اليسار الأمريكي تثير الإعجاب. فرغم أن الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين كانوا لفترة طويلة منظمة هامشية، ورغم شكوى المثقفين اليساريين في نيويورك وبيركلي، في حينها، من عدم فهم المجتمع لهم، إلا أن الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين يحققون الآن انتصارات في الانتخابات التمهيدية، بل وفازوا بانتخابات رئاسة بلدية نيويورك. وأداء مامداني في الوقت الراهن يُبهر الجميع، والمهم هو كيفية سيكون تطوره مستقبلا.

وبالمقارنة، يُقدم اليسار الأوروبي صورة أقل تفاؤلاً. ومع ذلك، فإن انتصار اليمين المتطرف ليس حتمياً بأي حال من الأحوال، فالمعركة الحقيقية لم تبدأ بعد. وبالفعل، يبرز اليسار كقوة رئيسية في الدفاع عن الديمقراطية، لكنه يحتاج إلى برامج اجتماعية واقتصادية أكثر جدية وشمولية. لقد غابت عن اليسار قضية الملكية العامة، واستبدل النضال من أجل الإصلاحات الهيكلية بالدفاع عن حقوق الأقليات. وللأسف، لا تُقدم هذه السياسة في نهاية المطاف سوى القليل من المساعدة حتى للأقليات والمهاجرين، الذين يعاني معظمهم ليس فقط من التمييز، بل أيضاً من الأزمة الاقتصادية.
اما في روسيا، فسيؤدي فشل السياسات الحالية إلى أزمة مفتوحة. من الصعب رؤية مدى استعداد اليسار لها، ومن المستحيل الاستعداد حقاً لمثل هذه الأحداث. ومع ذلك، فاليسار أكثر استعداداً من أي حركة سياسية أخرى في روسيا.



#رشيد_غويلب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حملة عدوانية يمينية ضد حزب اليسار في برلين
- انتصار تاريخي وغير مسبوق لحزب اليسار في برلين
- الرؤية الجذرية قادت حزب اليسار السويدي إلى النجاح
- الاشتراكية كسرت قيود الاحتواء في الولايات المتحدة الأمريكية
- تقرير لوزارة الحرب الامريكية: تكاليف الحرب لا تقل عن 33 مليا ...
- النتائج الأولية للانتخابات السويدية.. تقدم قلق لأحزاب يسار ا ...
- ما هي التوجهات الغربية في -الماركسية الغربية-؟
- قراءة في انتخابات ولاية ساكن انهالت الالمانية
- الاقتصاد يرسم ملامح التنافس قبيل الانتخابات الرئاسية الفرنسي ...
- عن توظيف التاريخ كسلاح
- في الذكرى السبعين لحظر الحزب الشيوعي في ألمانيا KPD
- العناصر الفاشية في الخطاب السياسي والفكري لإدارة ترامب
- منصبي ليس امتيازا وأنا ليس أفضل من غيري
- المطارات الإيطالية ساحات للتضامن مع الشعب الفلسطيني
- بوليفيا.. احتجاجات ووعود حكومية كاذبة، وشعبية اليمين في تراج ...
- الحرب وأرباح شركات النفط الهائلة
- أسطول الصمود العالمي يدعم انتفاضة الشعب الألباني
- الاشتراكية الايكولوجية.. لقد كانت زيادة الإنتاج المعيار الأس ...
- الصراع الجيوسياسي يوقظ هستيريا العسكرة في اليابان
- مئوية ميلاد صديقي فيدل كاسترو


المزيد.....




- بعد تراجع مكانتها.. ماكدونالدز تراهن بـ 8.5 مليار دولار لاست ...
- العليمي يعلن التعبئة العامة ويفتح -باب العفو- أمام المقاتلين ...
- مستشار خامنئي يوجه رسالة إلى رئيس وزراء العراق إثر إغلاق مطا ...
- ألمانيا - إعانات الأطفال ستصبح تلقائية دون الحاجة لتقديم طلب ...
- بوتين: أنوي المشاركة في قمة أبيك.. والقرار النهائي مرهون بال ...
- ترامب دعا زيلينسكي إلى زيارة موسكو للقاء بوتين
- وكالة -فارس-: المزاعم بشأن محادثات إيرانية-أمريكية عارية عن ...
- شهباز شريف: جمعنا واشنطن وطهران تحت سقف واحد.. ندعم السعودية ...
- مقتل شخصين وإصابة 10 آخرين في هجمات أوكرانية على غورلوفكا
- زاخاروفا: سيكورسكي -داس على الدبلوماسية وحطمها كمهنة-


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - رشيد غويلب - الماركسي السجين بوريس كاغارليتسكي.. حول الوضع في روسيا، وآفاق اليسار