|
|
العدالة الشمولية
عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 18:13
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
يساعدنا تحليل علم الاجتماع الأفلاطوني في عرض برنامجه السياسي بسهولة أكبر. حيث نستطيع التعبير عن مطالبه الأساسية في صياغتين، الأولى تتقابل مع نظريته المثالية عن التغيير والسكون، والثانية مع طبيعانيته. إليكم الصيغة المثالية: أوقفوا كل تغيير سياسي! التغيير شر، السكون خير. ويمكن وقف كل تغيير إذا صُنعت الدولة من نسخة مطابقة من أصلها، من شكل أو فكرة المدينة. وفي حال السؤال عن كيف يتحقق ذلك عملياً، نستطيع الجواب بالصيغة الطبيعانية: العودة إلى الطبيعة! العودة إلى دولة الأسلاف الأصلية، الدولة البدائية المؤسسة وفقاً للطبيعة البشرية، ولذلك مستقرة؛ العودة إلى الأبوية القبلية من الزمن السابق على السقوط، إلى الحكم الطبقي الطبيعي للقلة الحكماء على الأكثرية الجهلة.
أعتقد أنه يمكن استخلاص كل عناصر برنامج أفلاطون السياسي من هذه المطالب التي تقوم، بدورها، على تاريخانيته؛ ويجب جمعها مع معتقداته الاجتماعية بخصوص الشروط اللازمة لاستقرار الحكم الطبقي. إليكم بعض مما يحضرني من العناصر الرئيسية:
(أ) التقسيم الصارم للطبقات؛ يجب تحقيق الفصل الصارم بين الطبقة الحاكمة المؤلفة من الرعاة وكلاب الحراسة وبين الرعية البشرية. (ب) ربط مصير الدولة بمصير الطبقة الحاكمة؛ والاهتمام الحصري بهذه الطبقة، وبوحدتها؛ وتحقيقاً لهذه الوحدة، وضع القواعد الصارمة لاستيلاد وتعليم هذه الطبقة، والرقابة الصارمة على مصالح أعضائها وتوحيدها. . من هذه العناصر الرئيسية، يمكن استخلاص أخرى، مثل الآتي: (ج) تمتلك الطبقة الحاكمة احتكاراً على أشياء مثل الفضائل والتدريب العسكري، والحق في حمل السلاح وتلقي التعليم من أي نوع؛ لكنها تُستبعد من أي مشاركة في الأنشطة الاقتصادية، وخاصة من كسب المال. (د) يجب فرض رقابة صارمة على كل الأنشطة الفكرية للطبقة الحاكمة، ودعاية مستمرة تهدف إلى تشكيل وتوحيد عقولهم. ويُمنع أو يُقمع كل ابداع في التعليم والتشريع والدين. (ه) يجب أن تكون الدولة مكتفية ذاتياً. يجب أن تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي الاقتصادي؛ لأن الحكام خلافاً لذلك إما أن يعتمدوا على التجار، أو أن يصبحوا هم أنفسهم تجاراً. الأول من هذين البديلين قد يؤدي إلى تقويض سلطتهم، والثاني وحدتهم واستقرار الدولة.
أعتقد أن برنامجاً بهذا الوصف يستوفي عن جدارة معايير البرنامج الشمولي. وهو بالتأكيد مؤسس على علم اجتماع تاريخاني.
لكن هل ذلك كل شيء؟ ألا توجد سمات أخرى لبرنامج أفلاطون، عناصر لا هي شمولية ولا مؤسسة على التاريخانية؟ ماذا عن تحمس أفلاطون الطاغي للخير والجمال، أو عشقه للحكمة والصدق؟ ماذا عن طلبه بوجوب أن يحكم الحكماء، الفلاسفة. ماذا عن أمانيه لجعل مواطني دولته فضلاء وسعداء؟ ماذا عن طلبه بوجوب أن تؤسس الدولة على العدل؟ حتى الكتاب الذين ينتقدون أفلاطون يرون في معتقده السياسي، رغم تشابهات معينة، اختلافات جلية عن الشمولية الحديثة بحجة أهدافه النبيلة، مثل سعادة المواطنين وتحقيق العدل. سنجد، مثلاً، أن كروسمان، الذي يتضح توجهه النقدي من ملاحظته أن ’فلسفة أفلاطون تمثل الهجوم الأكثر همجية وعمقاً على الأفكار الليبرالية في كل التاريخ البشري‘، لا زال على ما يبدو يصدق في أن خطة أفلاطون كانت ’بناء لدولة كاملة حيث يعيش كل مواطن سعيداً بحق‘. ويعرض سيريل جود مثالاً آخر حيث يناقش التشابهات بين برنامج أفلاطون وبرنامج الفاشية ببعض الاستفاضة، لكنه يزعم بوجود اختلافات جوهرية، لأن في دولة أفلاطون الفاضلة ’يحظى الشخص العادي .. من السعادة ما يتناسب مع طبيعته‘، ولأن دولته مبنية على أفكار ’الخير المطلق والعدل المطلق‘.
رغم كل هذه الحجج لازلت أعتقد أن برنامج أفلاطون السياسي، بعيداً عن السمو الأخلاقي على الشمولية، هو في الأساس مماثلاً لها. وأرى أن الاعتراضات ضد هذه النظرة مبنية على تحيز قديم وعميق الجذور لإحاطة أفلاطون بهالة من المثالية. نرى أن كروسمان قد فعل الكثير للتنبيه من هذه النزعة ولتدميرها حين قال: ’قبل الحرب العظمى .. كان فيما ندر.. أن يُدان أفلاطون صراحة بالرجعية، والمعارضة الشرسة لكل مبادئ العقيدة الليبرالية. لكن بدلاً من ذلك كان يُرتقى به إلى منزلة عالية، .. بعيداً عن واقع الحياة العملية، حيث يحلم بمدينة الرب السماوية.‘ غير أن كروسمان نفسه لم ينجو من نفس هذه النزعة التي يهاجمها بوضوح. ومن الغريب أن يستمر وجود هذه النزعة الجلية لزمن طويل رغم حقيقة تنبيه غروت وجوبيرز إلى الطابع الرجعي لبعض المعتقدات في الجمهورية والقوانين. لكن حتى هذين المفكرين الكبيرين لم يريا كل مضامين تلك المعتقدات؛ ولم يشكا قط في أن أفلاطون كان، بالأساس، إنسانوياً. وقوبل نقدهما العكسي بالتجاهل، أو فُسر كإخفاق منهما في فهم وتقدير أفلاطون، الذي رأي فيه المسيحيون ’مسيحياً قبل المسيح‘، ورأى فيه الثوريون ثورياً. لا يزال هذا النوع من الإيمان الأعمى بأفلاطون سائداً دون شك، الأمر الذي دفع فيلد، على سبيل المثال، إلى استشعار ضرورة تنبيه قراءه إلى ’أننا نسيء فهم أفلاطون كلياً إذا اعتبرناه مفكراً ثورياً‘. هذا، بالطبع، قول صحيح تماماً؛ وما كانت له حاجة لولا الذيوع الواسع لنزعة جعل أفلاطون مفكراً ثورياً، أو على الأقل تقدمياً. لكن يعاب على فيلد أيضاً نفس الايمان بأفلاطون؛ لأنه حين يمضي إلى القول أن أفلاطون كان ’معارضاً قوياً لتخريبية تلك الميول الجديدة‘ في زمانه، كان بالتأكيد يقبل عمياناً بشهادة أفلاطون حول تخريبية تلك الميول الجديدة. ولم يفطن إلى أن أعداء الحرية دائماً ما يتهمون أنصارها بالتخريب. وفي الغالب ينجحون في إقناع أصحاب العقول البسيطة والبريئة.
لا تشع هالة المثالية حول المثالي الأعظم من التفاسير حول كتابات أفلاطون فقط، لكن من الترجمات أيضاً. حيث كان يحدث دائماً طمس أو إعادة صياغة ملاحظات أفلاطون الدامغة التي لا تتفق مع رأي المترجم عما ينبغي سماعه من مفكر إنسانوي بمثل هذه القامة الشامخة. يبدأ هذا الميل حتى من ترجمة عنوان ما يسميها أفلاطون ’الجمهورية‘. أول ما يتبادر إلى ذهننا حين نسمع هذا العنوان هو أن يكون المؤلف مفكراً ليبرالياً، إذا لم يكن ثورياً. بينما العنوان ’جمهورية‘، ببساطة تامة، ليس سوى الصيغة الإنجليزية من التعبير اللاتيني عن كلمة يونانية لا تنطوي على إيحاءات من هذه النوعية، وقد تكون ترجمتها الإنجليزية الصحيحة هي ’الدستور‘ أو ’الدولة المدينة‘ أو ’الدولة‘. ومما لا شك فيه أن الترجمة التقليدية ’جمهورية‘ قد أسهمت في تكوين قناعة عامة باستحالة أن يكون أفلاطون مفكراً رجعياً.
بالنظر إلى كل ما يقوله أفلاطون حول الخير والعدل وسائر الأفكار المذكورة، تحتاج أطروحتي حول شمولية ولاإنسانية مطالبه السياسية إلى أدلة تؤيدها. وحتى أقدم هذه الأدلة، سأضطر خلال الفصول الأربعة القادمة إلى تنحية تحليل التاريخانية جانباً والتركيز بدلاً على دراسة نقدية للأفكار الأخلاقية المذكورة، ولدورها في مطالب أفلاطون السياسية. في الفصل الحالي، سأنظر في فكرة العدل؛ وفي الفصول الثلاثة التالية، في عقيدة أن الأحكم والأفضل يجب أن يحكم، وفي الأفكار عن الصدق والحكمة والخير والجمال.
أولاً ماذا نعني حقاً حين نتحدث عن ’العدل‘؟ لا أظن أن أسئلة شفهية من هذه النوعية تشكل أهمية خاصة، أو أنه بالإمكان إعطاء أجوبة محددة لها، بالنظر إلى استخدام هذه المصطلحات دائماً بمغازي مختلفة. مع ذلك أحسب أن معظمنا، خاصة هؤلاء من أصحاب التوجه الإنسانوي العام، يقصدون شيئاً مثل الآتي: (أ) توزيع متساوي لأعباء المواطنة، أي تلك الحدود على الحرية الضرورية في الحياة الاجتماعية؛ (ب) معاملة متساوية للمواطنين أمام القانون، شريطة، بالطبع، أن (ج) لا تُظهر القوانين محسوبية لصالح أو تمييزاً ضد مواطنين أفراد أو مجموعات أو طبقات منهم؛ (د) حيادية ساحات العدل؛ و(ه) حصة متساوية في الامتيازات (وليس في الأعباء فقط) التي قد تضفيها العضوية في الدولة على مواطنيها. إذا كان أفلاطون يقصد بلفظة ’العدل‘ أي شيء من هذا النوع، يصبح من شبه المؤكد خطأ ادعائي حول الشمولية الخالصة لبرنامجه السياسي وصواب كل هؤلاء الذين يصدقون في أن سياسة أفلاطون تقوم على أساس إنسانوي مقبول. لكنه في الحقيقة كان يقصد من لفظة ’العدل‘ شيئاً مختلفاً بالكامل.
ما الذي كان أفلاطون يعنيه من ’العدل‘؟ أظن أنه استخدم في الجمهورية المصطلح ’عادلة‘ كمرادف ’لذلك الذي يكون في مصلحة الدولة الفاضلة‘. وما هو ذلك الذي في مصلحة هذه الدولة الفاضلة؟ إيقاف كل تغيير، من خلال المحافظة على التقسيم الطبقي الصارم والحكم الطبقي. إذا كنت محقاً في هذا التفسير، إذن يجب أن نقول أن مطلب أفلاطون للعدل يترك برنامجه السياسي عند مستوى الشمولية؛ ويجب أن نخلص إلى وجوب توخي الحذر من الانخداع بمجرد الكلمات البراقة.
يشكل العدل الموضوع المركزي في الجمهورية؛ في الحقيقة، ’عن العدل‘ هو العنوان الفرعي المعتاد لهذا الكتاب. في تحريه عن طبيعة العدل، يستخدم أفلاطون المنهج المذكور في الفصل الفائت؛ حيث يحاول بداية التفتيش عن هذه الفكرة في الدولة، ثم يتجه إلى تطبيق النتيجة على الفرد. لا أحد يستطيع القول أن سؤال أفلاطون ’ما هو العدل؟‘ يجد إجابة سريعة، التي لا تقدم إلا في الكتاب الرابع. سوف نتناول بالتحليل الاعتبارات الموصلة لإجابته بمزيد من التفصيل لاحقاً في هذا الفصل. ونكتفي هنا بعرض موجز.
تتأسس المدينة على الطبيعة البشرية، احتياجاتها وحدودها. ’قلنا، وستتذكرون، مراراً وتكراراً أن كل شخص في مدينتنا يجب أن يشتغل بعمل واحد فقط؛ بالتحديد ذلك العمل الذي يتناسب مع طبيعته على أفضل وجه.‘ من ذلك يخلص أفلاطون إلى أن كل فرد يجب أن يهتم بعمله؛ أن النجار يجب أن يكرس نفسه للنجارة، صانع الأحذية لصناعة الأحذية. رغم ذلك لن يقع ضرر كبير إذا ما بدل عاملان أماكنهما الطبيعية. ’لكن في حال تمكن أحد هو بطبيعته عامل (أو بخلاف ذلك عضو من طبقة كسب المال) .. من التسلل إلى طبقة الأوصياء، من دون أن يكون جديراً بها؛ .. حينئذٍ قد ينطوي هذا النوع من التغيير ومن التآمر الخبيث على مخاطر سقوط المدينة.‘ من هذه الحجة المرتبطة بقوة بمبدأ أن حمل الأسلحة يجب أن يكون امتيازاً طبقياً، يستخلص أفلاطون استنتاجه الأخير أن أي تغيير أو اختلاط داخل الطبقات الثلاثة لن يكون عادلاً بالضرورة، وأن العكس، لذلك، هو العدل: ’حين تهتم كل طبقة في المدينة بأعمالها، طبقة كسب المال وكذلك المعاونين والأوصياء، عندئذٍ سيكون ذلك عدلاً.‘ ثم يعيد التأكيد على هذا الاستنتاج ويلخصه بعد قليل: ’تكون المدينة عادلة .. إذا اهتمت كل واحدة من طبقاتها الثلاثة بعملها.‘ لكن ذلك القول يعني أن أفلاطون يربط العدل بمبدأ الحكم الطبقي وبمبدأ الامتياز الطبقي. لأن مبدأ أن كل طبقة يجب أن تهتم بعملها يعني، باختصار وبلا مواربة، أن الدولة تكون عادلة إذا كان الحاكم يحكم، وإذا كان العامل يعمل، وإذا كان العبد يعبد.
سيتبين أن مفهوم أفلاطون عن العدل يختلف جوهرياً عن نظرتنا المعتادة المبينة أعلاه. حيث يدعو أفلاطون الامتياز الطبقي ’عدلاً‘، بينما نحن في العادة نقصد بالعدل انتفاء نفس هذا الامتياز. لكن الاختلاف بين النظرتين أبعد من ذلك. نحن نقصد بالعدل نوعاً ما من المساواة في المعاملة بين الأفراد، بينما لا يعتبر أفلاطون العدل نوعاً من العلاقة بين الأفراد بقدر ما يعتبره خاصية للدولة ككل، مبنية على علاقة بين طبقاتها. الدولة تكون عادلة إذا كانت مزدهرة، قوية، متحدة- مستقرة.
ثانياً
لكن ألا يحتمل أن يكون أفلاطون محقاً؟ ألا يرجح أن ’العدل‘ تعني فعلاً ما يقوله؟ لا أنوي مناقشة أسئلة من هذه الشاكلة. وإذا أصر أحد على أن ’العدل‘ تعني الحكم المطلق لطبقة ما، حينئذٍ سأجيبه ببساطة أنني أقف قلباً وقالباً في صف اللاعدل. بتعبير آخر، أعتقد أن لا شيء يعتمد على الكلمات، وكل شيء يعتمد على مطالبنا العملية أو على مقترحات السياسات التي نقرر تبنيها. خلف تعريف أفلاطون للعدل يقف، في الأساس، مطلبه لحكم طبقي شمولي، وقراره لتأسيس هذا الحكم.
لكن ألا يحتمل أن يكون أفلاطون محقاً بمغزى مختلف؟ ألم تكن فكرته عن العدل مأخوذة ربما من الطريقة اليونانية لاستعمال هذه الكلمة؟ ألا يرجح أن اليونانيين ربما قصدوا بكلمة ’العدل‘، شيئاً كلانياً، مثل ’مصلحة الدولة‘، وأليس من غير المنصف وغير التاريخي تماماً أن نتوقع من أفلاطون استباق فكرتنا الحديثة عن العدل باعتباره المساواة بين المواطنين أمام القانون؟ قد أجيب على هذا السؤال بالإيجاب، وقد قدمت الحجة أن فكرة أفلاطون الكُلاَّنية عن ’العدالة الاجتماعية‘ كانت سمة للنظرة اليونانية التقليدية، و ’العبقرية اليونانية‘ التي ’لم تكن، مثل نظيرتها الرومانية، قانونية بحتة‘، لكن بالأحرى ’ميتافيزيقية بحتة‘. لكن هذه الحجة باطلة. في الحقيقة كانت الطريقة اليونانية لاستعمال الكلمة ’عدل‘ مماثلة بدرجة مدهشة لاستعمالنا الفرداني والمساواتي الحالي.
حتى أبين ذلك، يجب العودة أولاً إلى أفلاطون نفسه الذي يتحدث، في الحوار غورغياس (الذي يسبق الجمهورية)، عن نظرة أن ’العدالة هي المساواة‘ كنظرة تغلب على الأغلبية العظمى من عامة الناس، وكنظرة لا تتفق مع ’التقليد‘ فحسب، لكن مع ’الطبيعة ذاتها‘. سوف أقتبس أيضاً عن أرسطو، وهو معارض آخر للمساواتية، الذي، تحت تأثير من طبيعانية أفلاطون، قدم من جملة أشياء أخرى نظرية أن بعض الناس يولدون بطبيعتهم ليكونوا عبيداً. قد لا نجد أحداً أقل اهتماماً بنشر تفسيراً مساواتياً وفردانياً للمصطلح ’عدل‘. لكنه حين يتحدث عن القاضي، الذي يصفه باعتباره ’تجسيداً لكل ما هو عادل‘، يقول أرسطو أن مهمة القاضي تقتضي منه ’استعادة المساواة‘. ثم يخبرنا أن ’كل الناس يظنون أن العدل هو نوع من المساواة‘، مساواة، على وجه التحديد، ’تتصل بالأشخاص‘. (تتفق النظرة أن ’العدل‘ يعني نوعاً من ’المساواة في توزيع الغنائم والامتيازات على المواطنين‘ مع آراء أفلاطون في القوانين، حيث يميز بين نوعين من المساواة في توزيع الغنائم والامتيازات- ’المساواة ’العددية‘ أو ’الحسابية‘ والمساواة ’التناسبية‘؛ الثانية منهما تأخذ في الحسبان مقدار امتلاك الأشخاص محل النظر الفضيلة والسلالة والثروة- وحيث يقال أن هذه المساواة التناسبية تشكل ’عدالة سياسية‘.) وحين يناقش أرسطو مبادئ الديمقراطية، يقول أن ’العدالة الديمقراطية هي تطبيق مبدأ المساواة الحسابية (باعتبارها منفصلة عن المساواة التناسبية)‘. كل ذلك ليس بالتأكيد مجرد انطباعه الشخصي حول معنى العدل، ولا يرجح أن يكون مجرد وصف للطريقة التي قد استعملت بها الكلمة، بعد أفلاطون، تحت تأثير من غورغياس والقوانين؛ بل هو تعبير صريح عن استعمال شائع وقديم ومتبع لكلمة ’العدل‘.
في ضوء هذا الدليل، يمكن اعتبار أن التفسير الكُلاني واللامساواتي للعدل في الجمهورية كان بدعة، وأن أفلاطون حاول تسويق حكمه الطبقي الشمولي في صورة ’العادل‘ بينما كان الناس العاديون يقصدون من الكلمة ’عدل‘ النقيض تماماً.
قد تكون هذه النتيجة صادمة وتستدعي عدداً من الأسئلة. لماذا ادعى أفلاطون، في الجمهورية، أن العدل يعني عدم المساواة طالما كان، في العرف العام، يعني المساواة؟ قد لا أجد رداً على هذا السؤال سوى أنه أراد من وراء ذلك الدعاية لدولته الشمولية عبر تسويقها للناس كدولة ’عادلة‘. لكن هل كان هذا المسعى جديراً بالمحاولة، على اعتبار أن ما يهم الناس ليست الكلمات بحد ذاتها بل ما نعنيه بها؟ بالطبع كان جديراً؛ نستطيع التأكد من ذلك من حقيقة نجاحه المبهر في إقناع قراءه، وصولاً إلى يومنا هذا، أنه كان نصيراً صادقاً للعدل، نفس ذلك العدل التي كانوا يضحون بأرواحهم من أجله. وفي الحقيقة قد أذاع بذلك الشك والبلبلة وسط مناصري المساواة والفردانية ممن، تحت تأثير من سلطته، بدأوا يسألون أنفسهم ما إذا كانت فكرته عن العدل هي الأصوب والأفضل من أفكارهم. وحيث كانت الكلمة ’عدالة‘ تجسد لنا هدفاً نبيلاً على قدر عظيم من الأهمية، وكان الكثيرون على استعداد لتحمل أي شيء من أجلها، ولفعل كل شيء بمقدورهم من أجل تحقيقها، كان بالتأكيد تجنيد تلك الطاقات الإنسانوية، أو على الأقل إجهاض المساواتية، هدفاً جديراً باقتفائه من قبل شخص مؤمن بالشمولية. لكن هل كان أفلاطون يعي أن العدل يشكل هذه الأهمية للبشر؟ كان يعي؛ لأنه يكتب في الجمهورية: ’حين يوقع الرجل بغيره الظلم، .. أليس صحيحاً أن كبريائه يأبى عليه أن يعترف؟ لكن حين يقع عليه الظلم، ألا ينتفض كبريائه وغضبه في التو واللحظة؟ وأليس صحيحاً بالتساوي أنه حين يخوض معركة في صف قضية يؤمن بعدالتها، يتحمل الجوع والبرد، وكل أنواع المشقة في سبيلها؟ وألا يستبسل حتى يظفر، محتسباً على تلك الحالة الحماسية حتى تتحقق له إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة؟‘
حين نقرأ ذلك لا نشك لحظة في أن أفلاطون كان يعرف جيداً قدرة الإيمان، وفوق كل شيء الإيمان بالعدل. ولا نشك في أن هدفه من الجمهورية كان زعزعة هذا الإيمان، واستبداله بإيمان آخر مغاير تماماً. في ضوء الدليل المتاح، يبدو لي أن أفلاطون كان على الأرجح يعي تماماً ما يفعل. كانت المساواتية عدوه اللدود، وكان عازماً على تدميرها؛ في قرارة نفسه كان يرى فيها شراً مستطيراً وخطراً داهماً. لكن هجومه على المساواتية لم يكن من نوعيه هجوم الشجعان. حيث لم يجرؤ أفلاطون على مواجهة عدوه وجهاً لوجه.
أسوق إليكم الآن الأدلة المؤيدة لهذا الزعم.
ثالثاً
ربما تكون الجمهورية أعظم ما كُتب عن العدل في كل التاريخ. يستعرض هذا الحوار تنوعاً من الآراء حول العدل، ويفعل ذلك بطريقة تقودنا إلى تصديق أنه لم يغفل ذكر أي من النظريات الأوسع انتشاراً وتأثيراً في عصره. في الحقيقة يذكر أفلاطون أنه بسبب محاولاته غير المجدية للاهتداء إلى فكرة عن العدل وسط النظريات الحالية، يجد نفسه مجبراً على معاودة البحث عنه من جديد. وحتى في استعراضه ومناقشته للنظريات الحالية، لم يورد أبداً ذكر نظرية أن العدل يعني المساواة أمام القانون. لا يمكن تفسير هذا الإغفال إلا بطريقتين. إما أن يكون قد سهى عن ذكر النظرية المساواتية، أو قد تعمد إغفالها. يبدو الاحتمال الأول غير مرجح جداً إذا أخذنا بعين الاعتبار العناية الفائقة التي ألف بها الجمهورية، وضرورة أن يحلل أفلاطون نظريات معارضيه إذا ما أراد تقديم حجة دامغة من طرفه. لكن هذا الاحتمال يبدو حتى أكثر ابتعاداً إذا أخذنا بعين النظر الذيوع الواسع للنظرية المساواتية. من جهة أخرى، لا نحتاج إلى الركون على مجرد حجج محتملة حيث يمكن بسهولة إظهار أن أفلاطون لم يكن مطلعاً على النظرية المساواتية فحسب بل كان يعي جيداً أهميتها حين كتب الجمهورية. كما ذكرت بالفعل في هذا الفصل (في القسم ثانياً)، وسوف أبين بالتفصيل لاحقاً (في القسم ثامناً)، لعبت المساواتية دوراً كبيراً في الحوار الأسبق زمنياً غورغياس حيث وصل به الأمر إلى حد الدفاع عنها هناك؛ ورغم حقيقة عدم التطرق بجدية لمزايا أو عيوب المساواتية في أي موضع من الجمهورية، إلا أن أفلاطون لم يغير قناعته بخصوص تأثيرها، لأن الجمهورية في حد ذاته شاهد على ذيوعها الواسع. وهو يلمح إليها هناك باعتبارها معتقد ديمقراطي واسع الانتشار؛ لكنه لا يعاملها إلا بازدراء، وكل ما نسمعه عنها عبارة عن بضع كلمات من التهكم والسخرية، منسجمة مع خطه العام في مهاجمة الديمقراطية الأثينية، وأتت في موضع حيث لم يكن العدل موضوع النقاش. بالتالي يُستبعد الاحتمال أن يكون أفلاطون قد سهى عن ذكر النظرية المساواتية عن العدل، ويستبعد كذلك الاحتمال أنه لم يرى حاجة لمناقشة نظرية مؤثرة تتعارض كلياً مع نظريته. ولا يمكن تفسير حقيقة سكوته في الجمهورية الذي لم يكسره إلا ببضع ملاحظات تهكمية (التي ربما رآها أفضل من أن تُكبت) إلا كرفض واعي ومتعمد لمناقشتها. على هذه الأرضية، لا أرى كيف يمكن توفيق منهج أفلاطون في إيهام قرائه بأنه قد استعرض لهم كل النظريات المهمة مع معايير الأمانة الفكرية؛ لكن ذلك لا يجب أن يمنعنا من التعقيب أن هذا الإخفاق يعزى دون شك إلى إخلاصه التام لقضية كان مؤمناً بعدالتها أشد الإيمان.
لكي نقف على حيثيات سكوت أفلاطون غير المنقطع عملياً بشأن هذه القضية، يجب أن نعرف أولاً بوضوح أن الحركة المساواتية كما عاصرها أفلاطون كانت تمثل كل ما يكرهه، وأن نظريته الخاصة، في الجمهورية وفي كل أعماله اللاحقة، كانت إلى حد كبير رداً على هذا التحدي الجلل من الحركتين المساواتية والإنسانوية الجديدتين. حتى أبين ذلك، سوف أناقش المبادئ الرئيسية للحركة الإنسانوية وأقارنها مع المبادئ المقابلة للشمولية الأفلاطونية.
تطرح النظرية الإنسانوية عن العدل ثلاثة مطالب أو مقترحات رئيسية، هي (أ) المبدأ المساواتي القح، أي مقترح القضاء على كافة أشكال الامتيازات ’الطبيعية‘، (ب) المبدأ العام للفردانية، و(ج) مبدأ وجوب أن تكون مهمة الدولة والغرض منها هو حماية حرية مواطنيها. يقابل كل واحد من تلك المطالب أو المقترحات السياسية مبدأ معاكس تماماً من المبادئ الأفلاطونية، هي (أ1) مبدأ الامتياز الطبيعي، (ب1) المبدأ العام للكُلاَّنية أو الجماعية، و(ج1) مبدأ وجوب أن تكون مهمة الفرد والغرض منها هو الحفاظ على استقرار الدولة وتقويته- سأناقش هذه النقاط الثلاثة بالترتيب، وأخصص لكل واحدة منها أحد الأقسام رابعاً وخامساً وسادساً من هذا الفصل.
رابعاً
تعني المساواتية القح مطلب وجوب أن يلقى مواطنو الدولة معاملة غير منحازة. هي مطلب وجوب ألا يكون للمولد أو الصلة العائلية أو الثروة تأثيراً على من يطبقون القانون على المواطنين. بتعبير آخر، هي لا تقر أي امتيازات ’طبيعية‘، رغم إمكانية أن يضفي المواطنون امتيازات معينة على من يختارون.
كان أول من صاغ هذا المبدأ المساواتي بمنتهى الفصاحة هو بريكليس قبل سنوات قليلة من ميلاد أفلاطون، في خطبة حفظها لنا ثوقيديدس. سأقتبس هذه الخطبة بمزيد من التفصيل في الفصل 10، لكني أكتفي هنا بجملتين فقط، حيث يقول ثوقيديدس: ’قوانيننا تتيح عدالة متساوية للكل دون استثناء في نزاعاتهم الخاصة، لكننا لا نتجاهل حقوق التميز. حين يتميز مواطن عن الآخرين، عندئذٍ يصبح هو الأجدر بالعمل العام، ليس كمسألة امتياز، لكن كمكافأة للجدارة؛ ولا يمنعه فقره من ذلك...‘ تعبر هاتين الجملتين عن بعض الأهداف الأساسية للحركة المساواتية العظيمة التي، كما رأينا، لم تتردد لحظة في مهاجمة العبودية. كان يمثل هذه الحركة من جيل بريكليس كل من يوربيديس وأنتيفون وهيبياس، الذين نقلت عنهم جميعاً في الفصل الفائت، وأيضاً هيرودوتس. ثم مثلها في جيل أفلاطون كل من ألكيداماس وليكوفرون، اللذين اقتبست عنهما أعلاه؛ وهناك نصير آخر هو أنطستينوس، ابن أحد أعز أصدقاء سقراط.
بالطبع كان مبدأ أفلاطون عن العدل يتناقض كلياً مع كل ذلك. كان يطالب بامتيازات طبيعية للقادة الطبيعيين. لكن كيف جادل ضد المبدأ المساواتي؟ وكيف أسس لمطالبه الخاصة؟
نتذكر من الفصل الفائت أن بعض من أشهر صياغات المطالب المساواتية كانت مغلفة بعبارات بليغة لكن ضحلة حول ’الحقوق الطبيعية‘، وجادل بعض ممثلوها لصالح تلك المطالب على خلفية المساواة ’الطبيعية‘، أي البيولوجية، بين البشر. وقد رأينا أن هذه الحجة لم تكن وجيهة؛ أن الناس متساوون في بعض الأوجه الهامة، وغير متساويين في أخرى؛ وأنه لا يمكن استخلاص مطالب عرفية من هذه الحقيقة، أو من أي حقيقة أخرى. بالتالي لم تكن الحجة الطبيعانية محل ترحيب من كل المساواتيين، وحتى بريكليس، مثلاً، لم يلمح إليها.
سرعان ما اكتشف أفلاطون أن الطبيعانية كانت نقطة ضعف في العقيدة المساواتية، وعمل على تحقيق أقصى الاستفادة من هذا الضعف. لا أحد ينكر الجاذبية العاطفية في إخبار الناس أنهم جميعاً متساوون كأسنان المشط. لكن هذه الجاذبية تتضاءل مقارنة بما تستطيع أن تحققه دعاية تخبرهم بعلوهم على الآخرين، وأن الآخرين أحط منهم. هل تصدق أنك متساوي طبيعياً مع جواريك، مع عبيدك، مع العامل اليدوي الذي لا يتميز عن الحيوان في شيء؟ مجرد السؤال يبدو سخيفاً! كان أفلاطون أول من اكتشف إمكانيات رد الفعل ذلك، وأول من سخر مشاعر الازدراء والكبر والسخرية ضد ادعاء المساواة الطبيعية. وهو ما يفسر حرصه على إلقاء الحجة الطبيعانية على أكتاف حتى هؤلاء من خصومه الذين لم يسبق لهم قط استعمالها؛ في مينيكسينوس، وهي محاكاة ساخرة لخطبة بريكليس، يصر أفلاطون على الربط بين المساواة أمام القانون وبين المساواة الطبيعية، حيث يقول ساخراً: ’الأساس الذي بني فوقه دستورنا هو المساواة في المولد. نحن كلنا أخوة، وكلنا أبناء لأم واحدة؛ .. وتدفعنا المساواة الطبيعية في المولد إلى المطالبة بالمساواة أمام القانون.‘
ثم لاحقاً، في القوانين، يلخص أفلاطون رده على المساواتية في الصيغة: ’المعاملة المتساوية لغير المتساويين لابد أن تنجب لامساواة‘؛ ثم طور أرسطو هذه الصيغة إلى ’المساواة للمتساوين، واللامساواة لغير المتساوين‘. تجسد هذه الصيغة ما يمكن تسميته الاعتراض القياسي على المساواتية؛ الاعتراض أن المساواة ممتازة فقط إذا كان الناس متساوون، لكنها في الحقيقة مستحيلة لكونهم غير متساوين، ولاستحالة جعلهم متساوين. نفس هذا الاعتراض الواقعي للغاية ظاهرياً يعد، في الحقيقة، الأكثر لاواقعية، بالنظر إلى عدم اعتماد الامتيازات السياسية أبداً على فوارق طبيعية في الشخصية. ويبدو أن أفلاطون لم يضع ثقة كبيرة في هذا الاعتراض أثناء كتابة الجمهورية، حيث لا يستعمله هناك سوى في موضع السخرية من الديمقراطية التي يتهمها ’بتوزيع المساواة على المتساويين وغير المتساويين على حد سواء.‘ بمعزل عن هذه الاستهزاء العابر، نجده يفضل تجاهل المساواتية، لا المجادلة ضدها.
خلاصة القول أن أفلاطون لم يغفل عن أهمية النظرية المساواتية، التي حظيت بتأييد أحد العظماء من أمثال بريكليس، لكنه لم يخصها بكلمة واحدة في الجمهورية؛ بل هاجمها، بطريقة غير مباشرة ومستترة.
لكن كيف حاول أفلاطون إقامة معارضته للمساواتية، مبدأه عن الامتياز الطبيعي؟ قدم في الجمهورية ثلاثة حجج مختلفة، اثنتان منهما واهية. حيث تأتي الأولى في الملاحظة الغريبة أنه بعد الانتهاء من فحص كل فضائل الدولة الثلاثة الأخرى، لا يتبقى أمامه سوى الفضيلة الرابعة، ’أن يهتم كل واحد بعمله‘، التي لابد أنها تمثل ’العدل‘. لا أستطيع الجزم أن مقولة من هذا النوع يمكن أن تربو إلى مرتبة حجة؛ لكن الأرجح أنها كانت، لأن الناطق بلسان أفلاطون، ’سقراط‘، يمهد لها بالسؤال: ’هل تعلمون كيف أصل إلى هذا الاستنتاج؟‘ ثم تبدو الحجة الثانية أكثر غرابة، لكونها محاولة لإظهار إمكانية استخلاص معتقده اللامساواتي من النظرة المعتادة (أي المساواتية) عن كون العدل يعني عدم الانحياز. إليكم الفقرة بالكامل. بعد الإشارة إلى أن حكام المدينة سيكونون هم أيضاً قضاتها، يقول ’سقراط‘: ستكون الغاية من قضائهم ألا يأخذ أحد ما يخص آخر، وألا يسلبه ما يملك؟‘- ’نعم‘، كما سيأتي الرد من محاوره ’قولاكن‘، ’تلك ستكون نيتهم‘.- ’لأن ذلك سيكون عادلاً؟‘- ’نعم‘- ’وبناء عليه، سنتفق جميعاً على أن العدل يعني الاحتفاظ والاستمتاع بما يخصنا وملك يميننا.‘ هكذا يثبت أن ’الاحتفاظ والاستمتاع بما يخص المرء‘ هو مبدأ القضاء العادل، وفقاً لأفكارنا المعتادة عن العدل. هنا تنتهي الحجة الثانية، لتفسح الطريق أمام الثالثة (نحللها أدناه) التي توصل إلى الاستنتاج أنه من العدل أن يلزم المرء مكانه (أو أن يؤدي المرء عمله)، الذي هو مكان (أو عمل) الطبقة أو الطائفة التي ينتمي إليها المرء.
سنلاحظ أن الغرض الوحيد من هذه الحجة الثانية هو ايهام القارئ أن ’العدل‘، بالمغزى المعتاد للكلمة، يتطلب منا أن نلزم مكاننا، أن نحتفظ دائماً بما يخصنا. الذي يعني القول أن أفلاطون يريد من قراءه الوصول إلى الاستنتاج: ’أنه من العدل الاحتفاظ والاستمتاع بما يخص المرء. مكاني (أو عملي) هو ملكي. هكذا يكون من العدل لي الاحتفاظ بمكاني (أو ممارسة عملي)‘. وهو قول يبدو على نفس القدر من الوجاهة مثل الحجة: ’أنه من العدل الاحتفاظ والاستمتاع بما يخص المرء. وبما أن هذه الخطة لسرقة أموالك تخصني، هكذا يصبح من العدل لي الاحتفاظ بخطتي، ووضعها موضع التنفيذ، ما يعني سرقة أموالك.‘ من الواضح أن الاستنتاج الذي يريد منا أفلاطون الوصول إليه ليس سوى متاهة بلا مخرج داخل ما يعنيه من المصطلح ’خاصة المرء‘. (لأن المشكلة تكمن فيما إذا كان العدل يتطلب أن يكون كل شيء بمغزى ما ’خاصتنا‘، مثل الطبقة ’خاصتنا‘، وبالتالي يجب معاملته ليس كملكية لنا فحسب، لكن كملكية لا تقبل التفريط. لكن أفلاطون نفسه لا يؤمن بهذا المبدأ؛ لأنه ببساطة كان سيجعل النقلة إلى الشيوعية مستحيلة. وماذا عن الاحتفاظ بالأطفال خاصتنا؟) هذه المتاهة المسدودة هي طريقة أفلاطون لإنشاء ما يسميها آدم ’نقطة اتصال بين نظرته الخاصة عن العدل وبين المعنى .. الشائع للكلمة‘. وتلك هي الطريقة التي يحاول بها أعظم فيلسوف في كل الزمان اقناعنا أنه قد اكتشف طبيعة العدل الحقة.
تأتي حجة أفلاطون الثالثة والأخيرة على قدر أكبر كثيراً من الجدية. حيث تقوم على مبدأ الكُلاَّنية أو الجماعية، وتتصل بمبدأ أن الغرض من الفرد هو الحفاظ على استقرار الدولة. سنناقش هذه الحجة بمزيد من التفصيل في التحليل أدناه، في القسمين خامساً وسادساً.
لكن قبل المضي إلى هذه النقاط، أود لفت الانتباه إلى ’المقدمة‘ التي وضعها أفلاطون قبل أن يصف ’الاكتشاف‘ محل فحصنا الآن. ويجب النظر فيها تحت ضوء ما قدمنا من ملاحظات حتى اللحظة. حين النظر فيها تحت هذا الضوء، تبدو ’المقدمة المطولة‘- كما يصفها أفلاطون نفسه- محاولة عبقرية لتهيئة القارئ من أجل ’اكتشاف العدل‘، بجعله يعتقد في وجود حجة أمامه بينما هو في واقع الحال ليس أمام سوى عرض من الألاعيب الدرامية، المصممة لغرض تنويم ملكاته النقدية.
بعد اكتشاف الحكمة باعتبارها الفضيلة الحق للأوصياء والشجاعة باعتبارها الفضيلة الحق للمعاونين، يعلن ’سقراط‘ عن نيته القيام بمحاولة أخيرة لاكتشاف العدل. يقول: ’يتبقى شيآن سيتعين علينا اكتشافهما في المدينة: الاعتدال، وأخيراً ذلك الشيء الآخر الذي يعد الموضوع الرئيسي لكل استقصائنا، وهو العدل.‘-’بالضبط‘، يجيبه قولاكن. ثم يقترح سقراط استبعاد الاعتدال. لكن قولاكن يحتج وحينها يتراجع سقراط، قائلاً أنه ’من الخطأ‘ (أو ’المعيب‘) أن يرفض. هذه المشادة الكلامية العابرة تهيء القارئ لإعادة تقديم العدل، وتوحي له أن سقراط يمتلك الوسيلة من أجل ’اكتشافه‘، وتطمئنه إلى أن قولاكن يراقب بيقظة أمانة أفلاطون الفكرية في إقامة الحجة ومن ثم لا يحتاج القارئ إلى اليقظة لكي يراقبها بنفسه.
ثم يمضي سقراط إلى مناقشة الاعتدال، الذي يكتشف أنه الفضيلة الوحيدة الحق للعمال. (بالمناسبة، يمكن الإجابة بسهولة على السؤال المحير حول ما إذا كانت ’عدالة‘ أفلاطون قابلة للتمييز من ’اعتداله‘. حين يعني العدل أن يلزم المرء مكانه؛ ويعني الاعتدال أن يعرف المرء مكانه- بما يعني القول، بدقة أكبر، أن يرضى به. عندئذٍ، هل توجد فضيلة أخرى أحق بالعمال الذين يملئون بطونهم مثل البهائم؟) بعد الانتهاء من اكتشاف الاعتدال، يسأل سقراط: ’وماذا عن المبدأ الأخير؟ من الواضح أنه سيكون العدالة.‘- ’من الواضح‘، كما يجيب قولاكن.
يقول سقراط: ’الآن، عزيزي قولاكن، يجب علينا، مثل الصيادين، تطويقها بالحبال ومراقبتها عن كثب، وعدم السماح لها بالهرب والإفلات من بين أيدينا؛ لأن العدالة حتماً ولابد تختبئ على مقربة من هذه البقعة. عليك الخروج وتفتش المكان عنها. وإذا كنت أول من يعثر عليها، نادني بسرعة!‘ بالطبع لا يقدر قولاكن، مثل القارئ، على القيام بشيء من هذا القبيل، وبالتالي يستجدي سقراط لكي يتقدم للمهمة. يجيبه سقراط: ’إذن ادعو الله لي بالتوفيق واتبعني.‘ لكن حتى سقراط يجد الطريق ’شاق ووعر على المسير، نظراً لكثرة العوائق؛ مظلم، وعسير على الاستكشاف .. لكن‘، كما يقول، ’علينا مواصلة السير فيه‘. وبدلاً من الاحتجاج ’متابعة السير في ماذا؟ في استكشافنا، أي في حجتنا؟ لكننا لم نكاد نبدأ حتى. ما من ذرة مغزى فيما قلت حتى الآن‘، نجد قولاكن، والقارئ الساذج معه، يجيب ببلاهة: ’نعم، علينا مواصلة السير.‘ الآن يقرر سقراط أنه قد ’اهتدى لشيء‘ (لم نهتدي له) وتغمره النشوة. ويصرخ في محاوره: ’أسرع! أسرع! يا قولاكن! أرى هناك مخرجاً! أنا موقن الآن أن الله لن يخذلنا!‘- ويجيب قولاكن: ’تلك أخبار سارة‘. ويضيف سقراط: ’صدقني، كنا حمقى منذ البداية. ما كنا نفتش عنه بعيداً عنا، كان ملقى هنا تحت أقدامنا طيلة الوقت! ولم نره أبداً!‘ ثم يتابع سقراط مع الكثير من علامات التعجب والمزاعم المكررة من هذا النوع، حتى يقاطعه قولاكن، الذي يعبر حينها عن مشاعر القارئ ويسأل سقراط عما وجده. لكن حين يكتفي سقراط بالقول ’كنا نتحدث عنه طوال الوقت، دون أن ندرك أننا كنا نصفه فعلاً‘، يعبر قولاكن عن نفاد صبر القارئ ويقول: ’هذه المقدمة قد طالت أكثر من اللازم؛ تذكر أن كل ما أريده هو معرفة ما تقصده منها.‘ عندئذٍ فقط يمضي أفلاطون فعلاً إلى تقديم ’الحجتين‘ اللتين قد لخصتهما أعلاه.
يمكن تفسير ملاحظة قولاكن الأخيرة كإشارة إلى أن أفلاطون كان يعرف ما يريده من هذه ’المقدمة المطولة‘. لكني لا أجد فيها أكثر من محاولة- حققت نجاحاً باهراً- لتخدير ملكات القارئ النقدية، وتشتيت انتباهه بعرض درامي من الألعاب النارية اللفظية بعيداً عن الوهن الفكري لهذه القطعة المتقنة الصنعة من الحوار. وقد أضيف أن أفلاطون لم يخفى عليه ضعف حجته، لكنه عرف كيف يداريه.
خامساً
يوجد ارتباط وثيق بين مشكلة الفردانية والجماعية ومشكلة المساواة واللامساواة. قبل الخوض في مناقشة هذا الارتباط، إليكم بعض الملاحظات الاصطلاحية.
يمكن استخدام المصطلح ’فردانية‘ (وفقاً لقاموس أوكسفورد) على وجهين مختلفين: (أ) في تضاد إلى الجماعية، و(ب) في تضاد إلى الإيثارية. لا توجد كلمة أخرى للتعبير عن المعنى الأول، لكن هناك عدة مرادفات للأخير، مثل ’الأناوية‘ أو ’الأنانية‘. لهذا السبب سوف أستعمل فيما هو قادم المصطلح ’فردانية‘ حصراً بالمغزى (أ)، مع استعمال مصطلحات مثل ’أناوية‘ أو ’أنانية‘ حين يكون المغزى (ب) هو المراد. وفي هذا الصدد، قد يساعدنا جدول صغير: (أ) الفردانية في تضاد إلى (أ^) الجماعية. (ب) الأنانية في تضاد إلى (ب^) الإيثارية.
الآن هذه المصطلحات الأربعة تصف توجهات، أو مطالب أو قرارات، أو مقترحات معينة لمدونات من القوانين العرفية. ورغم ما يكتنفها من غموض واضح، إلا أنني أرى إمكانية استجلائها بسهولة بواسطة الأمثلة، وبالتالي استخدامها بالدقة الكافية لغرضنا الحالي. دعونا نبدأ بالجماعية، نظراً لمعرفتنا السابقة بهذا التوجه من خلال مناقشتنا لكلانية أفلاطون. قد أوضحنا في الفصل الفائت، في بضع فقرات، مطلبه الخاص بوجوب تسخير الفرد لخدمة مصالح الكل، سواء كان هذا الكل الوجود أو المدينة أو القبيلة أو السلالة أو أي جسم جماعي آخر. سأكتفي هنا باقتباس فقرة واحدة مجدداً، لكن بشمول أكبر: ’الجزء يوجد لأجل الكل، لكن الكل لا يوجد لأجل الجزء... أنت مخلوق من أجل الكل وليس الكل من أجلك أنت.‘ لا يوضح هذا الاقتباس الكلانية والجماعية فحسب، بل يوصل أيضاً جاذبيتهما العاطفية القوية كما أدركها أفلاطون جيداً (كما نرى من مقدمة الفقرة.) وتعود جاذبيتهما إلى مشاعر شتى، مثل الحنين إلى الانتماء لجماعة أو قبيلة؛ وينطويان على عامل من الجاذبية الأخلاقية لصف الإيثارية وضد الأنانية أو الأناوية. يقول أفلاطون أنك إذا لم تستطع التضحية بمصالحك من أجل الكل، إذن أنت أناني.
من مجرد نظرة على جدولنا الصغير نعرف الآن أن الأمر ليس كذلك. حيث لا تقف الجماعية على الضد من الأنانية، ولا هي متماثلة مع الإيثارية أو نكران الذات. بل هناك أنانية جمعية أو جماعية، مثل الأنانية الطبقية، شائعة جداً (كان أفلاطون يعرف ذلك جيداً)، وهو ما يظهر بوضوح كاف أن الجماعية بهذه الصورة لا تقف على الضد من الأنانية. على الجانب الآخر، بمقدور اللاجماعي، أي الفرداني، أن يكون في الوقت نفسه إيثارياً؛ بمقدوره تقديم تضحيات بهدف مد يد العون لأفراد آخرين. ربما تعرض شخصية ديكنز أحد أفضل الأمثلة على هذا التوجه. حيث سنجد صعوبة في تحديد أيهما الأقوى، كراهيته العاطفية للأنانية أم اهتمامه العاطفي بالأفراد رغم كل نواقصهم البشرية؛ ويختلط هذا التوجه بنفور، ليس فقط من ما نسميها الآن أجسام جمعية أو جماعيات، لكن حتى من إيثارية مخلصة بحق إذا كانت موجهة نحو مجموعات عامة أكثر منها نحو أفراد محددين. (أذكر القارئ بالسيدة جيليباي في البيت الموحش، وهي سيدة متفانية في خدمة الواجبات العامة‘.) أرى أن هذه الأمثلة تفسر بدرجة كافية من الوضوح المعنى الذي نقصده من مصطلحاتنا الأربعة؛ وتظهر أن أي من المصطلحات في جدولنا يمكن خلطه بأي من المصطلحين في الصف المقابل (الذي يعطينا أربعة خلائط محتملة).
نلاحظ الآن أنه بالنسبة لأفلاطون، وبالنسبة لمعظم الأفلاطونيين (مثل ديكنز على سبيل المثال) لا يمكن أن توجد فردانية إيثارية. حيث يرى أفلاطون أن البديل الوحيد للجماعية هو الأنانية؛ هو ببساطة يربط كل الإيثارية بالجماعية، وكل الفردانية بالأنانية. سنعرف أن المسألة ليست مسألة مصطلحات، مجرد كلمات، لأنه بدلاً من الاحتمالات الأربعة، لم يعترف أفلاطون سوى باثنين فقط. وهو ما تسبب في إرباك هائل للفلسفة الأخلاقية، وصولاً إلى يومنا الحالي.
سنلاحظ أن ربط أفلاطون للفردانية بالأنانية يمنحه سلاحاً قوياً للدفاع عن الجماعية فضلاً عن مهاجمة الفردانية. في الدفاع عن الجماعية، يمكنه العزف على وتر مشاعرنا الإنسانية نحو نكران الذات؛ وفي هجومه، يمكنه قذف كل الفردانيين بالأنانية، بالعجز عن التفاني في سبيل أي شيء عدا ملذاتهم. هذا الهجوم، رغم أن أفلاطون يستهدف به الفردانية بمغزانا الحديث، أي ضد حقوق الأفراد البشريين، لا يصيب سوى هدف مختلف جداً، الأنانية. لكن هذا الاختلاف لا يلقى دائماً سوى التجاهل من أفلاطون ومن أغلب الأفلاطونيين.
لماذا حاول أفلاطون مهاجمة الفردانية؟ أظن أن أفلاطون كان يعرف جيداً ما يفعل حين صوب طلقات كلمات صوب هذا الحصن، لأن الفردانية، ربما حتى أكثر من المساواتية، كانت تمثل الخط الأول في دفاعات المعتقد الإنسانوي الجديد. في الواقع كان تحرير الإنسان الفرد هو الثورة الروحية الكبرى التي قادت إلى انهيار القبلية وظهور الديمقراطية. وأتت عبقرية أفلاطون الاجتماعية في براعته في اكتشاف العدو الحقيقي حيثما التقى به.
كانت الفردانية جزء من الفكرة البديهية القديمة عن العدل الذي لم يكن، كما أراده أفلاطون، وحدة ووئام الدولة، بل بالأحرى طريقة معينة في معاملة الأفراد، لخصها لنا أرسطو حين قال أن ’العدل شيء يخص الأشخاص‘. وقد أكد نفس هذا العنصر الفرداني جيل بريكليس، الذي قال بوجوب أن تكفل القوانين عدالة متساوية ’للكل على حد سواء في منازعاتهم الخاصة‘؛ لكنه مضى حتى أبعد من ذلك حين قال: ’نحن لا نجد غضاضة في أن نترك لجارنا مطلق الحرية لكي يفعل بحياته الشخصية ما يشاء.‘ (قارن ذلك مع ملاحظة أفلاطون أن الدولة لا تنتج رجالاً ’حتى تترك لهم الحبل على السائب، كل منهم يعيش على مزاجه الخاص...‘). ويصر بريكليس على وجوب ربط هذه الفردانية بالإيثارية: ’تعلمنا منذ نعومة أظافرنا... ألا نغفل أبداً عن إغاثة المحتاج‘؛ ثم توج موعظته بضرب مثال لشاب أثيني تعلم كيف ’يتقن شتى المهارات ويعتمد على نفسه.‘
قد شكلت هذه الفردانية، المرتبطة بالإيثارية، الأساس المتين الذي قامت عليه الحضارة الغربية. وتشكل المعتقد المركزي في المسيحية (يقول الكتاب المقدس ’أحب جارك‘ وليس ’أحب قبيلتك‘)؛ وتدخل في صلب كل المعتقدات الأخلاقية التي قد نمت من رحم هذه الحضارة وغذتها. كما تشكل أيضاً، على سبيل المثال، المعتقد العملي المركزي (’اعلم دائماً أن الأفراد البشر غايات بحد ذاتهم، ولا تستعملهم كمجرد وسائل لبلوغ غايتك الشخصية‘). ما من فكرة أخرى أحدثت هذا القدر من الأثر في التطور الأخلاقي للبشر.
كان أفلاطون محقاً حين رأى في هذا المعتقد العدو اللدود لدولته الطائفية؛ وقد خصه بكراهية أشد من كل المعتقدات ’الهدامة‘ الأخرى السائدة في عصره. حتى أبين لكم أكثر، دعوني اقتبس عنه فقرتين من القوانين أظن أن كثيرين لم يفطنوا حتى يومنا هذا إلى عدائهما الشرس تجاه الفرد. تشتهر الأولى بكونها إشارة إلى الجمهورية، حيث يناقش ’مجتمع النساء والأطفال والأملاك‘. هنا يصف أفلاطون دستور الجمهورية باعتباره ’الشكل الأسمى للدولة‘ وفي هذا الشكل الأسمى، كما يخبرنا، ’توجد ملكية مشتركة على الزوجات وعلى الأطفال وعلى كل الرعية. حيث تم تطهير حياتنا من كافة النواحي وبكل السبل الممكنة من كل ما هو شخصي وفردي. إلى أقصى ما نستطيع، حتى تلك الأشياء التي قد جعلتها الطبيعة نفسها شخصية وفردية قد أصبحت بطريقة ما ملكية مشتركة للجميع. حتى عيوننا وآذانا وأيدينا نفسها أصبحت ترى وتسمع وتعمل، كما لو كانت لا تخص الأفراد بقدر ما تخص المجتمع ككل. ويتم تنشئة كل الرجال حتى يكونوا مجتمعين على قلب رجل واحد في الثناء والذم، وحتى الفرح والحزن نحو الأشياء نفسها، وفي الوقت نفسه. ووضعت كل القوانين لتوحيد المدينة لأقصى حد.‘ ثم يمضي أفلاطون إلى التأكيد على أن ’ما من شخص يستطيع أن يجد معياراً لأفضل دولة أفضل من المبادئ المقدمة حالاً‘؛ حيث يخص هذه الدولة بصفات ’الإلهية‘، أو ’النموذج‘ أو ’القالب‘ أو ’الأصل‘ الذي نشأت منه الدولة، أي باعتبارها تجسد شكل أو فكرة الدولة. تلك كانت نظرة أفلاطون الخاصة للجمهورية، وقد عبر عنها في وقت منحنا الأمل لبلوغ مثله السياسي الأعلى بكل عظمته.
سنجد الفقرة الثانية، من القوانين كذلك، تعبر بجرأة أكبر عن نفس الفكرة. جدير بالذكر أن هذه الفقرة تتعامل في المقام الأول مع الحملات العسكرية ومع الانضباط العسكري، لكن أفلاطون يحرص على تأكيد أن نفس هذه المبادئ العسكرية يجب أن تطبق ليس في زمن الحرب فقط، لكن أيضاً ’في زمن السلم، وطوال حياة الرجل، من المهد إلى اللحد‘. مثل بقية العسكريين الشموليين والمفتونين بالعسكرية الإسبرطية، يؤكد أفلاطون أن متطلبات الانضباط العسكري البالغة الأهمية يجب أن تطبق، حتى في زمن السلم، ويجب أن تشمل حياة كل المواطنين من كل الأوجه؛ ليس فقط المواطنين البالغين (الذين هم جميعاً جنود) والأطفال، لكن أيضاً الوحوش نفسها يجب أن تقضي كل حياتها في حالة من الاستنفار الدائم والشامل. ‘ هكذا يكتب: ’المبدأ الأعظم على الإطلاق هو أن لا أحد، سواء ذكر أو أنثى، يجب أن يترك أبداً بلا قائد. يجب ألا يترك عقل حراً من أمره ليفعل ما يشاء بمبادرته الشخصية، لا بدافع الحماس ولا حتى بدافع الترويح. لكن ينبغي عليه في زمن الحرب وفي زمن السلم أن يضع عينه على قائده، ويتبعه بكل إخلاص. حتى في أبسط المسائل عليه أن يقتدي بالقيادة. على سبيل المثال، يجب ألا يستيقظ من نومه، أو ينهض من فراشه، أو يغسل وجهه أو يتناول فطوره .. إلا بعدما يطلب منه قائده ذلك بالأمر المباشر.. خلاصة القول، عليه أن يروض نفسه، بطول المران، ألا يحلم أبداً أن يتصرف باستقلالية، وألا يملك أبداً القدرة على أن يفعل شيئاً من تلقاء نفسه. بهذه الطريقة سوف تنقضي حياة الكافة في خدمة المجتمع ككل. لا يوجد، ولن يوجد أبداً، قانون أسمى من هذا القانون، أو أفضل أو أكثر كفاءة منه لضمان النجاة والنصر في زمن الحرب. وفي زمن السلم، يجب تطبيقه من المهد إلى اللحد- يجب تعويد الرجال على حكم الآخرين، وعلى الخضوع لحكم الآخرين. واستئصال كل ذرة تسيب من حياتهم، وحتى من حياة الوحوش البرية الخاضعة لحكم الرجال.‘
هذه كلمات قوية بحق. حيث لم يسبق لرجل قط أن بلغ هذا المستوى من العداء تجاه الفرد. هذه الكراهية متجذرة بعمق في الثنائية الجوهرية لفلسفة أفلاطون؛ كانت كراهيته للفرد وحريته تعادل كراهيته للتفاوت بين التجارب الخاصة، والتباين في عالم الأشياء الحسية المتغير. في مجال السياسة، كان الفرد في نظر أفلاطون هو الشر ذاته.
الغريب أن هذا التوجه، المناقض للتوجهات الإنسانوية والمسيحية، قد أُحيط دوماً بهالة من المثالية. حيث تم تفسيره كتوجه إنساني مفعم بنكران الذات والمشاعر الإيثارية وحتى المسيحية. هكذا يرى إي بي انجلاند، على سبيل المثال، في أولى هاتين الفقرتين من القوانين ’نكراناً شجاعاً للأنانية‘. ويستعمل باركر كلمات مشابهة حين يناقش نظرية أفلاطون عن العدل. حين يجزم أن غاية أفلاطون كانت ’استبدال الأنانية والنزاع المدني بالوئام‘، وأن ’الوئام القديم بين مصالح الدولة والفرد .. قد عاد بهذا الشكل في تعليمات أفلاطون؛ لكنه عاد على مستوى جديد وأسمى، لأنه قد ارتقى إلى شعور واعي بالوئام‘. يمكن بسهولة تفسير هذه العبارات وما لا يحصى من أمثالها حين نتذكر أن أفلاطون قد ربط الفردانية بالأنانية؛ لأن جميع هؤلاء الأفلاطونيون يعتقدون في كون اللافردانية مرادف لنكران الذات. وهو ما يؤكد زعمي أن هذا الارتباط قد ترك أثراً أشبه بأثر حملة ناجحة من الدعاية المضادة للإنسانوية، أربك التأمل الفلسفي حول الإشكاليات الأخلاقية نزولاً إلى زمننا الحاضر. لكن علينا أن نعي أيضاً أن هؤلاء الذين خدعهم هذا الارتباط وخدعهم جرس الكلمات البليغة لازالوا يحتفلون بأفلاطون كواعظ أخلاقي ويعلنون للعالم أن أخلاقياته تعد المقاربة الأوثق لروح المسيحية قبل المسيح، وبهذا الشكل يعبدون الطريق أمام الشمولية وتحديداً أمام تفسير شمولي لامسيحي للمسيحية. سندرك مدى خطورة الأمر إذا علمنا أن المسيحية قد خضعت بالفعل لسيطرة أفكار شمولية خلال حقب عديدة من حياتها. كما عرفت المسيحية في الماضي محاكم التفتيش، لا يستبعد أن تعرفها مجدداً، ولو في ثوب عصري .
لذلك ربما يجدر بنا التريث قليلاً لعرض بعض الأسباب الإضافية التي أقنعت هؤلاء المخدوعين بتصديق إنسانية نوايا أفلاطون. من هذه الأسباب أن أفلاطون أثناء حرث الأرض توطئة لوضع بذور معتقداته الجماعية، كان يبدأ عادة باقتباس الحكم أو الأقوال المأثورة (التي استعار أغلبها من سلفه فيثاغورس): ’ مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى‘. تلك بلا شك مشاعر إيثارية ونبيلة وممتازة. ومن يشك في أن حجة تبدأ بهذه الفرضية المحمودة قد ينتهي بها الحال إلى استنتاج منافي للإنسانوية بالكلية؟ ثمة نقطة أخرى مهمة هي وجود العديد من العواطف الإنسانوية بحق المعبر عنها في حوارات أفلاطون، خاصة التي كتبت قبل الجمهورية حين كان لا يزال تحت تأثير سقراط. أذكر هنا على وجه التحديد عقيدة سقراط، في غورغياس، ’ يا بخت من بات مظلوم ولا بات ظالم‘. هذه العقيدة ليست إيثارية فحسب، بل هي فردانية أيضاً؛ لأن النظرية الجماعية عن العدل مثل الموجودة في الجمهورية هي عمل ضد الدولة، ليس ضد شخص بعينه، ومع أن الشخص قد يأتي بعمل ظالم، لكن الجماعة وحدها هي التي يقع عليها فعل الظلم. غير أننا في غورغياس لا نعثر على شيء من هذا النوع. نظرية العدل هناك عادية بالكامل، والأمثلة عن الظلم التي يعطيها ’سقراط‘ (الذي ربما يعكس هنا أصدق صورة من سقراط الحقيقي) تبدو مثل توجيه اللكمات لرجل على أذنه، وجرحه أو قتله. سنلحظ تشابهاً كبيراً بين وعظ سقراط أن من الأفضل أن تبيت مظلوماً على أن تبيت ظالماً وبين تعاليم المسيحية، وتماهي معتقده عن العدل بدرجة ممتازة مع روح بريكليس. (سنحاول توضيح ذلك أكثر في الفصل 10.)
الآن يعرض الجمهورية عقيدة مستحدثة عن العدل لا تتطابق فقط مع هذه الفردانية، لكن تعاديها أشد العداء. غير أن القارئ البريء قد يصدق بسهولة أن أفلاطون لا زال متمسك بعقيدة غورغياس. لأن أفلاطون في الجمهورية يلمح باستمرار إلى عقيدة أن تبيت مظلوماً خير لك من أن تبيت ظالماً، رغم حقيقة أن ذلك ليس أكثر من كلام فارغ من منظور النظرية الجماعية عن العدل كما عرضت هناك. أكثر من ذلك، نسمع في الجمهورية على لسان خصوم ’سقراط‘ عن نظرية مضادة، أن تبيت ظالماً خير لك من أن تبيت مظلوماً. بالطبع هذا القول يثير اشمئزاز كل إنسانوي، وحين يصيغ أفلاطون أهدافه على لسان سقراط: ’أخشى من الوقوع في الخطيئة إذا ما أجزت مثل هذا الكلام الآثم عن العدل في حضوري، من دون فعل أقصى ما أستطيع للدفاع عنه‘، عندئذٍ قد يصدق القارئ ببراءة في حسن نية أفلاطون، ويصبح على استعداد لاتباعه أينما يذهب به.
يتضح أثر هذا الانخداع في أفلاطون أكثر حين نعرف أن مداخلته أتت بعد، وفي معارضة مع، مداخلات هدامة وأنانية وردت على لسان ثراسيماخوس، الذي يصور كمنشق سياسي آثم. في الوقت نفسه يستدرج القارئ إلى ربط الفردانية بأفكار ثراسيماخوس الهدامة، وتصديق أن أفلاطون في نضاله ضد هذه الأفكار إنما يناضل ضد كل الميول الهدامة والعدمية في زمانه. لكن علينا الحذر ألا تنطلي علينا خدعة هذا الفرداني المنافق ثراسيماخوس (هناك تشابه وثيق بينه وبين منافقي الجماعية المحدثين في ’البلشفية‘) حتى لا نقع في غواية شكل شيطاني آخر من الهمجية أكثر حقيقة وأكثر خطورة لمجرد كونه أقل وضوحاً. كل ما في الأمر أن أفلاطون يستبدل عقيدة ثراسيماخوس التي تعطي الحق للقوة الفردية بعقيدة لا تقل عنها همجية تعطي الحق لكل ما يصون استقرار الدولة ويعزز قوتها.
خلاصة القول. جماعية أفلاطون المتطرفة تمنعه حتى من الاهتمام بتلك المشكلات التي يسميها الناس عادة مشكلات العدل، ما يعني القول الحياد في تحكيم الدعاوى المتنازعة بين الأفراد. ولا يهتم أيضاً بالحياد في التحكيم بين دعاوى الفرد ودعاوى الدولة. لأن الفرد في نظره يشغل منزلة متدنية كليتاً. هكذا يقول أفلاطون: ’أنا أشرع ونظري منصب على ما هو أفضل للدولة ككل.. لأني بأمانة أضع مصالح الفرد على مستوى أدنى من القيمة.‘ هو لا يشغله سوى الكل الجماعي بهذا الشكل، والعدل في نظره ليس سوى ازدهار ووحدة واستقرار الجسم الجماعي.
سادساً
إلى الآن قد رأينا أن الأخلاقيات الإنسانوية تتطلب تفسيراً مساواتياً وفردانياً للعدالة؛ لكننا لم نستعرض بعد النظرة الإنسانوية للدولة على هذا النحو. من ناحية أخرى، قد رأينا أن نظرية أفلاطون عن الدولة شمولية؛ لكننا لم نوضح بعد تطبيق هذه النظرية على أخلاقيات الفرد. سنضطلع الآن بكلا هاتين المهمتين، والثانية أولاً؛ وسأبدأ بتحليل الثالثة من حجج أفلاطون لدى ’اكتشافه‘ للعدالة، وهي حجة لم نعرض لها بالتفصيل الكافي حتى الآن. إليكم حجة أفلاطون الثالثة:
يقول سقراط: ’لنرى الآن إذا كنتم تتفقون معي. هل تظنون أنه مما يلحق ضرراً جسيماً بالمدينة أن يشرع النجار في صنع الأحذية بينما يشتغل صانع أحذية بالنجارة؟‘- ’لا، ليس ضرراً بالغاً‘- ’لكن إذا أفلح شخص هو بطبيعته عامل، أو عضو من الطبقة الكادحة .. في الالتحاق بطبقة المحاربين؛ أو محارب التحق بطبقة الأوصياء من دون أن يكون جديراً بها؛ عندئذٍ، هل قد يؤدي هذا النوع من التغيير ومن التحايل الخبيث إلى سقوط المدينة؟‘- ’يقيناً، نعم.‘- مدينتنا مكونة من ثلاث طبقات، وأعتبر أن أي تحايل أو تغيير من هذا النوع من طبقة إلى أخرى يعد جريمة عظمى بحق المدينة، ويمكن ادانته عن حق كأحد أبشع الجرائم؟‘- ’حتماً.‘- لكنكم بالتأكيد ستعلنون أن الظلم هو أبشع الجرائم بحق مدينتنا؟‘- ’يقيناً، أتفق معكم.‘- ’هذا إذن هو الظلم. وفي المقابل نقول أن كل طبقة في المدينة حين تهتم بعملها، طبقة الكادحين مثل المعاونين والأوصياء، يكون هذا إذن هو العدل.‘
الآن إذا نظرنا في هذه الحجة، نجد (أ) الفرضية الاجتماعية أن أي تراخي في النظام الطائفي المتزمت لابد أن يفضي إلى سقوط المدينة؛ (ب) التأكيد المتكرر على الحجة أن من الظلم إلحاق الضرر بالمدينة؛ و(ج) الاستنتاج أن العدل هو نقيض الظلم. الآن قد نجيز هنا الفرضية الاجتماعية (أ) لأن أفلاطون يستهدف في نهاية المطاف إيقاف التغيير الاجتماعي، ولأنه يعني باللفظة ’ضرر‘ كل ما قد يؤدي إلى تغيير؛ وربما لا يوجد من سبيل آخر لوقف التغيير الاجتماعي إلا من خلال نظام طائفي متزمت. كما قد نجيز الاستنتاج (ج) أن العدل هو نقيض الظلم. لكن ما يهمنا فعلاً هو الحجة (ب)؛ من مجرد النظر على حجة أفلاطون سيتبين أن توجهه الفكري الكامل يسير في فلك السؤال: هل هذا الشيء ضار بالمدينة؟ هل يلحق بها ضرراً جسيماً أم طفيفاً؟ وسنجده يؤكد باستمرار على أن كل ما يهدد المدينة هو أخلاقياً شرير وظالم.
نرى هنا أن أفلاطون لا يجيز سوى معيار نهائي وحيد، مصلحة الدولة. كل ما يعززها خير وفاضل وعادل؛ وكل ما يهددها سوء وشر وظلم. التصرفات التي تخدمها حميدة؛ التصرفات التي تهددها خبيثة. (بتعبير آخر، مدونة أفلاطون الأخلاقية شديدة النفعية؛ هي مدونة من النفعية الجماعية أو السياسية. معيار الأخلاق هو مصلحة الدولة. والأخلاق ليست أكثر من استقامة سياسية.
تلك هي النظرية الجماعية، القبلية، الشمولية عن الأخلاق: ’الخير هو ما يصب في مصلحة جماعتي؛ أو قبيلتي؛ أو دولتي.‘ من السهل رؤية ما عنته هذه الأخلاق للعلاقات الدولية: أن الدولة نفسها لا يمكن أبداً أن تكون مخطئة في أي من تصرفاتها، طالما كانت قوية؛ أن للدولة الحق، ليس فقط لممارسة العنف ضد مواطنيها، إذا كان من شأن ذلك أن يفضي إلى زيادة قوتها، لكن أيضاً لمهاجمة الدول الأخرى، شريطة ألا يتسبب قيامها بذلك في إضعافها نفسها. (هذا الاستنتاج، الإقرار الصريح بلاأخلاقية الدولة، وبالتالي الدفاع عن العدمية الأخلاقية في العلاقات الدولية، قد استخلصه هيجل.)
من وجهة نظر الأخلاقيات الشمولية، من وجهة نظر المنفعة الجماعية، يمكن القول أن نظرية أفلاطون عن العدل صحيحة تماماً. الفضيلة هي أن يلزم المرء مكانه. هذه الفضيلة المدنية تشبه تماماً فضيلة الانضباط العسكري. وتؤدي بالضبط ذلك الدور الذي يؤديه ’العدل‘ في منظومة الفضائل الأفلاطونية. لأن التروس في ماكينة الدولة الضخمة تُظهر ’الفضيلة‘ بطريقتين. الأولى، يجب أن تكون مناسبة لمهمتها، بفضل مقاسها، شكلها، قوتها، الخ؛ والثانية، يجب أن يتناسب كل ترس مع مكانه الصحيح ويجب أن يبيت في مكانه المخصص. لكن الفئة الأولى من الفضائل، التناسب لمهمة محددة، ستفضي إلى تفاضل، بحسب المهمة المحددة لكل ترس. ستكون تروس معينة فاضلة، أي مناسبة لمهمتها، فقط إذا كانت (’بطبيعتها‘) كبيرة؛ وأخرى إذا كانت قوية؛ وثالثة إذا كانت ملساء. لكن فضيلة أن يلزم المرء مكانة ستبقى مشتركة بينها جميعاً؛ وستبقى في الوقت نفسه فضيلة للكل: ذلك المتناسب كلياً مع بعضه- المتوائم مع نفسه. هذه الفضيلة الجامعة يسميها أفلاطون ’العدل‘. هذا الإجراء منسجم ومبرر بالكامل من وجهة نظر الأخلاق الشمولية. إذا كان الفرد ليس أكثر من ترس في ماكينة عملاقة، إذن ليست الأخلاقيات سوى دراسة لكيفية تنسيبه في الكل.
أود هنا توضيح قناعتي بصدق شمولية أفلاطون. لا أحد يشكك في قوة مطلبه بالهيمنة المطلقة من طبقة واحدة على البقية، مع ذلك لم تكن غايته تحقيق أقصى استغلال للطبقات العاملة من قبل الطبقة الأعلى؛ بل كانت ضمان الاستقرار للكل كوحدة واحدة. لكن السبب الذي يعطيه للحاجة إلى إبقاء الاستغلال ضمن حدود، هو مرة أخرى سبب نفعي محض. وهو خدمة مصلحة استقرار الحكم الطبقي. إذا حاول الأوصياء الحصول على أكثر مما ينبغي، كما يجادل، عندئذٍ سينتهي بهم المطاف إلى الحصول على لا شيء على الإطلاق. ’إذا لم يرضوا بحياة من الاستقرار والأمن، .. وغرتهم قوتهم على أن يستأثروا لأنفسهم بكل ثروات المدينة، عندئذٍ سيعرفون بأم أعينهم كم كان هسيودوس حكيماً حين قال، "النصف يساوي أكثر من الكل". لكن علينا ألا نغفل أن حتى هذا الميل لتقييد استغلال الامتيازات الطبقية ليس سوى عنصراً شائعاً في الشمولية. الشمولية ليست ببساطة لاأخلاقية. بل هي تعبير عن أخلاق المجتمع المغلق- أو أخلاق الجماعة أو أخلاق القبيلة المغلقة؛ هي من دون شك ليست أنانية فردية، لكنها أنانية جمعية.
على خلفية صراحة وتماسك حجة أفلاطون الثالثة، لابد أن نتساءل عن السبب الذي جعله يحتاج إلى ’مقدمة مطولة‘ فضلاً عن الحجتين السابقتين. لماذا كل هذا اللف والدوران؟ (بالطبع سيرد الأفلاطونيون أن هذا اللف والدوران ليس له وجود إلا في عقلي. قد يكون. مع ذلك هذا لا يزيل الصعوبة في إيجاد تفسير للحاجة إلى تضمين هذه الفقرات اللاعقلانية.) أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال تكمن في عجز قراء أفلاطون عن فهم واستساغة ماكينته الجماعية إذا ما قدمها لهم مباشرة بكل قبحها وخوائها. كان أفلاطون يعي جيداً ويخشى كثيراً من قدرات وجاذبية القوى التي كان يحاول تكسيرها. لذلك لم يجرؤ على تحديها مباشرة، بل حاول كسبها لصفه حتى تخدم أغراضه الخاصة. هل كانت كتابات أفلاطون محاولة مستترة ومقصودة لاستغلال المشاعر الأخلاقية للحركة الإنسانوية المستحدثة لأغراضه الخاصة، أم هل كانت بالأحرى جهداً صادقاً لكي يقنع ضميره المخلص بشرور الفردانية، هذا ما لن نعرفه على وجه اليقين أبداً. لكن انطباعي الشخصي يميل إلى الوضع الأخير، وإلى أن هذا الصراع الداخلي كان بمثابة السر الأعظم وراء افتتاننا بأفلاطون. أظن أن الأفكار الجديدة قد هزت أفلاطون من أعماق روحه، وقد تأثر بشدة بالفرداني الكبير، معلمه سقراط، وبمأساة استشهاده. وأظن أنه قد كافح ضد هذا التأثير على نفسه فضلاً عن الآخرين بكل ما أوتي من قوة فكرية لم يضاهيه فيها أحد، لكنه لم يفعل ذلك جهاراً على الدوام. هذا يفسر أيضاً لماذا نعثر من وقت لآخر، وسط كل شموليته، على بعض الأفكار الإنسانوية المبعثرة هنا وهناك. ويوضح السبب الذي يجعل الفلاسفة يعدون أفلاطون في مصاف الإنسانويين.
ثمة حجة قوية تؤيد هذا التفسير هي الطريقة التي قد عامل بها أفلاطون، أو بالأحرى أساء بها معاملة، النظرية الإنسانوية والعقلانية عن الدولة، وهي نظرية قد تطورت للمرة الأولى في جيله.
يقتضي العرض الواضح لهذه النظرية استخدام لغة المطالب السياسية أو لغة المقترحات السياسية (انظر الفصل 5، ثالثاً)؛ ما يعني القول ألا نحاول الإجابة على السؤال الجوهراني: ما هي الدولة، ما هي طبيعتها الحقة، معناها الحقيقي؟ وألا نحاول الإجابة على السؤال التاريخاني: كيف نشأت الدولة، وما هو أصل الالتزام السياسي؟ بل يجدر بنا طرح سؤالنا بهذه الطريقة: ما الذي نطلبه من الدولة؟ ما الذي نقترح أن نعتبره الغاية المشروعة من وجود الدولة؟ ولكي نكتشف ما هي مطالبنا السياسية الأساسية، قد نسأل: لماذا نفضل العيش في دولة حسنة التنظيم عن العيش بدون دولة، أي في فوضى؟ هذه الطريقة في طرح سؤالنا هي الطريقة العقلانية. وهذا هو السؤال الذي يجب على التقني أن يحاول الإجابة عليه قبل الشروع في إنشاء أو إعادة إنشاء أي مؤسسة سياسية. لأنه لابد أن يعرف ما يريد أولاَ قبل أن يقرر إذا كانت مؤسسة معينة مؤهلة أو لا لأداء وظيفتها.
الآن إذا طرحنا سؤالنا بهذه الطريقة، سيأتينا هذا الرد من الإنسانوي: ما أطلبه من الدولة هو الحماية؛ ليس لنفسي فقط، لكن للآخرين أيضاً. أطلب الحماية لحريتي كما لحرية الآخرين. لا أريد العيش تحت رحمة أحد لمجرد أن قبضته أكثر بطشاً أو سلاحه أشد فتكاً. بتعبير آخر، أريد حمايتي ضد العدوان من الأشخاص الآخرين. أريد الاعتراف بالفرق بين العدوان والدفاع، وتدعيم الدفاع بما تملكه الدولة من قوة نظامية. (الدفاع هنا له مغزى الحفاظ على الوضع القائم، والمبدأ المقترح يربو إلى هذا- وجوب عدم تغيير الوضع القائم بالوسائل العنيفة، لكن وفقاً للقانون فقط، عبر التسوية أو التحكيم، عدا حيث لا يوجد إجراء قانوني لمراجعة هذا الوضع.) أنا على أتم الاستعداد للقبول بأن تحد الدولة من حرية حركتي بعض الشيء، شريطة أن أستطيع الحصول على الحماية لما يتبقى من تلك الحرية، حيث أنني أعرف أن بعض الحدود على ’حريتي‘ ضرورية؛ على سبيل المثال، يجب التنازل عن ’حريتي‘ الهجومية، إذا كنت أريد من الدولة تدعيم الدفاع ضد كل هجوم. لكني أطلب ألا نغفل الغرض الأساسي من الدولة؛ أعني، حماية تلك الحرية التي لا تؤذي مواطنين آخرين. وعليه أطالب الدولة بالحد من حرية المواطنين بأقصى قدر ممكن من المساواة، ودون تجاوز ما هو ضروري لتحقيق حد متساوي للحرية.
من هذه الشاكلة سيكون مطلب الإنسانوي، والمساواتي، والفرداني. هو مطلب يمكن التقني الاجتماعي من مقاربة المشكلات السياسية مقاربة عقلانية، أي من وجهة نظر هدف واضح ومحدد بدرجة جيدة.
عدة اعتراضات قد أثيرت ضد الادعاء بإمكانية صياغة هدفاً من هذه الشاكلة بالقدر الكافي من الوضوح والتحديد. قيل أنه بمجرد الإقرار بضرورة الحد من الحرية، سينهار مبدأ الحرية بالكامل، ولا يمكن حسم مسألة ما هي الحدود الضرورية وما هو التسيب بطريقة عقلانية، بل من خلال السلطة فقط. هذا الاعتراض يعود إلى التباس. هو يخلط بين المسألة الأساسية المتعلقة بما نريد من الدولة وبين صعوبات تقنية مهمة معينة في الطريق إلى تحقيق أهدافنا. هناك بالتأكيد صعوبة في تقرير ما هي بالضبط درجة الحرية التي يمكن تركها للمواطنين من دون أن نعرض للخطر تلك الحرية التي يقع على عاتق الدولة حمايتها. لكن التجربة أثبتت إمكانية إنجاز تقرير تقريبي لتلك الدرجة، وهي حقيقة يبرهن عليها وجود الدول الديمقراطية في حد ذاتها. في الواقع، تأتي هذه العملية من التقرير التقريبي كواحدة من أبرز مهام التشريع في الديمقراطيات. بالطبع هي عملية صعبة، لكن المؤكد أن صعوباتها ليست بالقدر الذي يفرض علينا تغييراً في مطالبنا الأساسية. هذه المطالب، بإيجاز شديد، هي وجوب اعتبار الدولة مجتمعاً لمنع الجريمة، أي العدوان. وقد نجد الرد على الاعتراض الكلي بصعوبة معرفة أين تنتهي الحرية وتبدأ الجريمة، من حيث المبدأ، في القصة الشهيرة عن الفوضوي الذي احتج بحقه، كونه مواطناً حراً، لكي يحرك قبضة ذراعه في أي اتجاه يشاء؛ عندئذٍ جاءه الرد من قاض حكيم: ’حرية حركة قبضة ذراعك تنتهي عند حدود موقع أنف جارك.‘
يمكن دعوة صورة الدولة كما عرضتها هنا باسم ’الحمائية‘. وقد استخدم المصطلح ’حمائية‘ كثيراً لوصف ميول معارضة للحرية. حيث يعني الاقتصادي بالحمائية تلك السياسة الخاصة بحماية مصالح صناعية معينة ضد المنافسة؛ ويعني بها الأخلاقي مطلب أن يفرض مسؤولو الدولة وصاية أخلاقية على السكان. رغم عدم اتصال النظرية السياسية التي أسميها الحمائية بأي من هذه الميول، ورغم كونها نظرية ليبرالية بالأساس، أعتقد أن الاسم قد يُستعمل للإيحاء بكونها، رغم ليبراليتها، لا تمت بصلة لسياسة عدم التدخل التام (التي تسمى عادةً لكن خطئاً نظرية ’دعه يعمل‘). في حقيقة الأمر، لا يوجد تعارض بين الليبرالية وتدخل الدولة. بل على العكس، من المستحيل تحقيق أي نوع من الحرية من دون أن تكون الدولة هي الضامنة له. على سبيل المثال، درجة ما من سيطرة الدولة في التعليم ضرورية، إذا أردنا حماية صغارنا من الإهمال الذي قد يحرمهم من اكتساب القدرة للدفاع عن حريتهم، ويجب على الدولة أن تتيح كل المرافق التعليمية للجميع. لكن سيطرة الدولة أكثر من اللازم على الأمور التعليمية يشكل خطراً عظيماً على الحرية، لأنه سيؤدي حتماً إلى التلقين. كما بينت بالفعل، لا يمكن أبداً حسم السؤال المهم والصعب حول حدود الحرية بصيغة واحدة قاطعة وجامعة ونهائية. بل يجب دوماً الترحيب بحقيقة أنه ستبقى هناك دائماً حالات عبر المنطقة الرمادية، لأنه من دون حافز المشكلات السياسية والنضالات السياسية من هذا النوع، سوف تتلاشى سريعاً جهوزية المواطنين للنضال من أجل حريتهم، وستتلاشى معها حريتهم نفسها. (حين النظر إليه تحت هذا الضوء، يتبين أن الصدام المزعوم بين الحرية والأمن، بمعنى الأمن الذي تكون الدولة هي الضامنة له، ليس أكثر من وهم. لأنه لا توجد حرية أصلاً إذا لم تكن الدولة هي الضامنة لها؛ وفي المقابل، وحدها الدولة التي يسيطر عليها مواطنون أحرار هي القادرة على أن توفر لهم أي درجة معقولة من الأمن.)
صياغة النظرية الحمائية بهذه الطريقة تساعد في تنقيتها من أي عناصر من التاريخانية أو الجوهرانية. هي لا تقول أن الدولة قد نشأت في صورة تجمع من الأفراد بهدف حمائي، أو أن أي دولة فعلية في التاريخ قد حكمت قط عن قصد طبقاً لهذا الهدف. كما لا تقول شيئاً حول الطبيعة الجوهرية للدولة، أو حول الحق الطبيعي في الحرية. ولا تقول أي شيء حول الطريقة التي تعمل بها الدولة فعلياً. كل ما تفعله هو صياغة مطلباً سياسياً، أو بدقة أكبر مقترحاً لتبي سياسة معينة. أظن أن عدداً لا بأس به من التقاليديين ممن تصورا نشأة الدولة من تجمع لغرض حماية أعضائه، كانوا يريدون التعبير عن نفس هذا المطلب لكنهم فعلوا ذلك بلغة غائمة ومضللة- لغة التاريخانية. هناك بالمثل طريقة مضللة للتعبير عن هذا المطلب يعرضها الزعم بأن جوهر وظيفة الدولة هو حماية أعضائها؛ أو الزعم بأنه يجب تعريف الدولة كتجمع من الأفراد لأغراض الحماية المشتركة. كل هذه النظريات يجب أن تترجم إلى لغة المطالب أو المقترحات لخطط عمل سياسية حتى يمكن مناقشتها بجدية. عدا ذلك، سنضيع في دائرة لا تنتهي من السجالات الكلامية العقيمة.
دعونا نعرض مثالاً لهذه الترجمة. هناك النقد لما أدعوها الحمائية قدمه أرسطو، وكرره من بعده بورك مع كثير من الأفلاطونيين المحدثين. يزعم هذا النقد أن الحمائية تنظر باستخفاف بالغ لمهام الدولة التي (باستخدام كلمات بورك) ’يجب النظر إليها باحترام أكبر، لكون الدولة ليست مجرد شراكة فيما يضمن مجرد الوجود الحيواني المحض من طبيعة عابرة وزائلة‘. بتعبير آخر، يقال أن الدولة شيء أسمى وأنبل من مجرد ائتلاف ذو نهايات عقلانية؛ الدولة جديرة بالعبادة لذاتها لأنها تؤدي مهام أسمى من مجرد حماية الكائنات البشرية وحقوقها؛ الدولة تؤدي وظائف روحية. على حد قول أرسطو: ’تأتي حراسة الفضيلة في صدارة اهتمامات الدولة الجديرة حقاً بهذه التسمية.‘ حين نحاول ترجمة هذا النقد إلى لغة المطالب السياسية، نجد أن منتقدي الحمائية هؤلاء يريدون شيئين اثنين. أولاً، يرغبون في تأليه الدولة وعبادتها كعبادتهم للآلهة. من جهتنا، ليس لدينا ما نقوله ضد هذه الرغبة. تلك مشكلة دينية ويجب على عبدة الدولة هؤلاء أنفسهم إيجاد طريقة ما لتوفيق عقيدتهم تلك مع معتقداتهم الدينية الأخرى، على سبيل المثال مع الوصية الأولى. ثم هناك مطلب ثاني سياسي. في الممارسة، قد يعني هذا المطلب ببساطة وجوب أن يحرس مسؤولو الدولة روحانيات المواطنين، وأن يستعملوا سلطتهم ليس لحماية حرية المواطنين بقدر ما يستعملوها لإحكام السيطرة على حياتهم الروحية. بعبارة أخرى، هو المطلب بوجوب زيادة حيز القانونية، بمعني الأعراف التي تفرضها الدولة، على حساب حيز الروحانية الحق، بمعني الأعراف التي لا تفرضها الدولة لكن تفرضها قراراتنا الروحية الشخصية- تفرضها ضمائرنا. هذا المطلب أو المقترح يمكن مناقشته مناقشة عقلانية؛ وقد يقال ضده أن هؤلاء الذين يرفعون هذه المطالب ربما لا يرون في ذلك نهاية للمسؤولية الروحية على الفرد، ونسف للروحانية من أساسها لا تقويتها. لأن ذلك سيستبدل المسؤولية الشخصية بالمحرمات القبلية وباللامسوؤلية الفردية الشمولية. ضد هذا التوجه كله، يجب أن يُصر الفرداني على أن روحانية الدول (إذا كان يوجد ما يمكن تسميته بهذا الاسم) أحط كثيراً من روحانية المواطن العادي، وبالتالي وجوب أن تخضع روحانية الدولة لسيطرة المواطنين وليس العكس. ما نحتاج وما نريد حقاً هو روحنة السياسة، وليس تسييس الروحانيات.
جدير بالذكر، من وجهة النظر الحمائية، أن الدول الديمقراطية القائمة ورغم بعدها عن الكمال لا تزال تمثل إنجازاً عظيماً في النوعية الصحيحة من الهندسة الاجتماعية. قد نجحت هذه الدول في منع أو على الأقل الحد من عديد الجرائم والاعتداءات على حقوق الأفراد البشر من طرف أفراد آخرين، وفي تمكين المحاكم من فرض القانون وتطبق العدالة على أصعب صراعات المصالح. يرى كثيرون أن توسيع مدى هذه الوسائل لتشمل الجرائم الدولية والصراعات الدولية ليس أكثر من حلم طوباوي؛ لكن علينا تذكر أنه في زمن ليس ببعيد كانت مؤسسات السلطة التنفيذية القادرة على حفظ السلم الأهلي تبدو كذلك حلماً طوباوياً في عيون ضحايا تهديدات المجرمين، في بلدان حيث يصان السلم الأهلي هناك الآن بيد من حديد. من جهتي لا أرى أن هندسة مشكلات السيطرة على الجريمة الدولية بهذه الدرجة من الصعوبة، إذا ما واجهناها بصراحة وعقلانية. حين يخضعون المشكلة للدراسة الجادة، لن يكون من الصعب على الناس الاتفاق على المؤسسات الحمائية الضرورية، سواء على الصعيد الإقليمي أو العالمي. دعوا عبدة الدولة يعبدونها كما يشاءون، كل ما نحتاجه هو المطالبة بتمكين التقنيين المؤسساتيين ليس فقط من تحسين الآليات الداخلية لعمل الدولة، لكن أيضاً من بناء تنظيم دولي قادر على منع الجريمة الدولية.
سابعاً
بالعودة الآن إلى تاريخ هذه الحركات، سيتبين أن النظرية الحمائية عن الدولة قد عُرضت لأول مرة من قبل السفسطائي ليكوفرون، تلميذ غورغياس الذي أشرنا بالفعل إلى أنه كان (مثل ألسيداماس، تلميذ غورغياس أيضاً) من أوائل من هاجموا نظرية الامتياز الطبيعي. يذكر أرسطو أن ليكوفرون كان من دعاة النظرية التي قد أسميتها ’الحمائية‘، ووصفه بطريقة تجعلنا نرجح أن يكون هو منشئها. ونعلم من نفس المصدر أنه قد صاغها ببلاغة لم يضاهيه فيها قط أي ممن خلفوه.
يخبرنا أرسطو أن ليكوفرون اعتبر قانون الدولة بمثابة ’ميثاق يضمن بواسطته الناس العدل لبعضهم البعض‘ (وأنه ليس من مهام الدولة أن تجعل المواطنين صالحين أو عادلين). ويخبرنا كذلك أن ليكوفرون اعتبر الدولة بمثابة أداة لحماية مواطنيها من أعمال الظلم (ولتمكينهم من الاختلاط السلمي، بالتحديد المقايضة)، مع المطالبة بوجوب أن تكون الدولة ’ائتلاف تعاوني لمنع الجريمة‘. نلاحظ غياب أي إشارة في رواية أرسطو إلى تعبير ليكوفرون عن نظريته في شكل تاريخاني، أي في صورة نظرية تُرجع الأصل التاريخي للدولة إلى عقد اجتماعي. على العكس، نلاحظ بوضوح من سياق أرسطو انكفاء نظرية ليكوفرون حصراً على الغاية المنشودة من الدولة؛ حيث يحتج أرسطو على إغفال ليكوفرون لحقيقة أن الغاية الجوهرية من الدولة هي أن تجعل مواطنيها فضلاء. من ذلك يتضح أن ليكوفرون قد فسر هذه الغاية بطريقة عقلانية، من وجهة نظر تقنية، تتبنى مطالب المساواتية والفردانية والحمائية.
بهذا الشكل، تكتسب نظرية ليكوفرون حصانة منيعة ضد الاعتراضات التي طالت نظرية العقد الاجتماعي التاريخانية التقليدية. حيث يقال غالباً، من قبل باركر مثلاً، أن ’المفكرين المحدثين قد فندوا نظرية العقد نقطة بنقطة‘. قد يكون الأمر كذلك حقاً؛ لكن حين نستعرض نقاط باركر سنجدها يقيناً لا تفند نظرية ليكوفرون، التي يرى فيها باركر (وفي هذه النقطة أميل إلى الاتفاق معه) المؤسس المرجح لأبكر شكل من النظرية التي سميت لاحقاً نظرية العقد. يمكن تلخيص نقاط باركر كالآتي: (أ) من المنظور التاريخي، لم يكن هناك أبداً ما يسمى عقد؛ (ب) من المنظور التاريخي، لم تؤسس أبداً ما تسمى دولة؛ (ج) لا يعود أصل القوانين إلى المواثيق، بل إلى التقليد، القوة الغالبة، وربما الغريزة، الخ؛ وتلك كانت عادات قبل أن تصبح قوانين؛ (د) لا تكمن قوة القوانين في العقوبات، في القوة الحمائية التي تفرضها الدولة، بل في استعداد الفرد لطاعتها، في إرادة الفرد الروحية.
سيتبين حالاً أن الاعتراضات (أ) و(ب) و(ج)، التي لا يمكن التشكيك في صحتها النسبية (رغم وجود بعض العقود) تتصل بالنظرية فقط في شكلها التاريخاني ولا تمت بصلة لنسخة ليكوفرون. بالتالي لسنا بحاجة إلى النظر فيها أصلاً. لكن الاعتراض (د) جدير ببعض التريث. ما الذي نعنيه من هذا الاعتراض؟ تشدد النظرية موضع الهجوم على ’إرادة‘، أو بالأحرى قرار الفرد، أكثر من أي نظرية أخرى؛ في الحقيقة، توحي الكلمة ’عقد‘ بوجود موافقة من ’إرادة حرة‘؛ وتوحي، ربما أكثر من أي نظرية أخرى، بأن قوة القوانين تكمن في استعداد الفرد لقبولها وطاعتها. كيف، إذن، يمكن أن تكون (د) اعتراض ضد نظرية العقد؟ التفسير الوحيد على ما يبدو هو أن باركر لا يرى أن العقد ينشأ من ’الإرادة الروحية‘ للفرد، بل بالأحرى من إرادة أنانية؛ هذا التفسير أقرب إلى الصواب لانسجامه مع النقد الذي قدمه أفلاطون. لكن لا يحتاج المرء إلى أن يكون أنانياً حتى يكون حمائياً. حيث لا يشترط أن تعني الحماية حماية النفس؛ الكثيرون منا يؤمنون على حياتهم بهدف ضمان الحماية لآخرين وليس لأنفسهم، وبنفس الطريقة قد يطالبون بحماية الدولة أساساً من أجل آخرين، وبدرجة أقل (أو ليس على الإطلاق) من أجلهم أنفسهم. تلك هي الفكرة الأساسية وراء الحمائية: حماية الضعيف من الوقوع ضحية لعدوان القوي. هذا المطلب لا يرفعه الضعفاء فقط، لكن في الغالب الأقوياء أيضاً. ومن التضليل والمخادعة، إذا لم يكن أشنع، وصفه بالمطلب الأناني أو اللاأخلاقي.
أعتقد أن حمائية ليكوفرون بريئة من كل تلك الاعتراضات. بل هي تجسد أصدق تعبير للحركة الإنسانوية والمساواتية السائدة خلال عصر بريكليس. لكن ذلك لا ينفي أنها قد خُطفت وسُلمت للأجيال اللاحقة في صورة مشوهة؛ في صورة نظرية تاريخانية عن أصل الدولة في عقد اجتماعي؛ أو في صورة نظرية جوهرانية تدعي أن طبيعة الدولة الحقة تكمن في ميثاق؛ وفي صورة نظرية عن الأنانية، مبنية على افتراض أن طبيعة الإنسان هي طبيعة لاأخلاقية بالأساس. كل ذلك يعود إلى التأثير الجارف لسلطة أفلاطون.
ثامناً
لا شك أن أفلاطون كان على معرفة جيدة بنظرية ليكوفرون، لأنه كان (في أغلب الظن) معاصراً لليكوفرون ويصغره سناً. في الحقيقة، يمكن بسهولة تمييز التماثل بين هذه النظرية ونظرية ورد ذكرها أولاً في غورغياس ثم لاحقاً في الجمهورية. (لا يذكر أفلاطون مؤلفها في أي من هذين الحوارين؛ وهو إجراء يتبعه عادةً حين يكون خصمه لا يزال على قيد الحياة.) في غورغياس، تُقدم النظرية على لسان كاليكلس، وهو عدمي عرقي مثل ثراسيماخوس في الجمهورية. ثم تُقدم في الجمهورية على لسان قولاكن. وفي كلتا الحالتين لا يربط المتحدث نفسه بالنظرية التي يقدمها.
هناك الكثير الذي يجمع بين الفقرتين. كل منهما تعرض النظرية في شكل تاريخاني، في صورة نظرية عن أصل ’العدل‘. كل منهما تعرضها كما لو كانت فرضياتها المنطقية أنانية وحتى عدمية بالضرورة؛ كما لو كانت النظرة الحمائية للدولة لا تلقى التأييد إلا من قبل هؤلاء الذين يريدون إتيان الظلم، لكنهم أضعف من فعل ذلك، والذين لهذا السبب يطالبون بوجوب أن يمتنع القوي عن فعل الشيء نفسه أيضاً؛ بالتأكيد هذا العرض غير منصف، لكون الفرضية الضرورية الوحيدة للنظرية هي مطلب وجوب قمع الجريمة، أو الظلم.
حتى الآن، لا تفترق الفقرتان في غورغياس وفي الجمهورية الطريق، وهو ما قد استرعى عادة انتباه المعلقين. رغم ذلك يبقى هناك اختلاف شاسع بينهما لم يسترعي منهم، على حد علمي، الاهتمام الواجب. إليكم هذا الاختلاف. في غورغياس، تُقدم النظرية على لسان كاليكلس كإحدى النظريات التي يهاجمها؛ وبالنظر إلى هجومه ضد سقراط أيضاً، لا تتعرض النظرية الحمائية، ضمنياً، للهجوم بل بالأحرى تلقى دفاعاً عنها من قبل أفلاطون. لكن سيتبين من نظرة أقرب أن سقراط يستعير بعضاً من خصائصها في هجومه ضد العدمي كاليكلس. بينما في الجمهورية، يعرض قولاكن نفس النظرية في صورة شرح وتطوير لآراء ثراسيماخوس، العدمي الذي يحل هنا محل كاليكلس؛ بتعبير آخر، تُقدم النظرية في شكل عدمي، وسقراط في صورة البطل الذي يحتفي بهدم هذا المعقل الشيطاني للأنانية.
هكذا، في حقيقة الأمر، تكشف الفقرتان اللتان يجد فيهما معظم المعلقين تشابهاً بين الميول في غورغياس وفي الجمهورية عن تبايناً كاملاً في المعنى. إذ رغم العرض العدائي على لسان كاليكلس، سنجد التوجه في غورغياس يميل لصالح الحمائية؛ لكنه في الجمهورية يميل بعنف ضدها.
إليكم مقتطفاً من خطبة كاليكلس في غورغياس: ’القوانين تصنعها الحشود الغفيرة من الناس المؤلفين بالأساس من الضعفاء. هؤلاء يصنعون القوانين .. بهدف حماية أنفسهم ومصالحهم. بهذه الطريقة يردعون الأقوى منهم .. وكل الآخرين الذين قد يستغلونهم، من فعل ذلك؛ .. هم يقصدون من الكلمة ’ظلم‘ سعى المرء لاستغلال جيرانه؛ ولوعيهم بهوانهم وقلة حيلتهم، سنجدهم، إذا جاز لي القول، يفرحون ويستبشرون كثيراً إذا ما أمكنهم الحصول على المساواة.‘ حين نمعن النظر في هذه الرواية وننقيها مما يعود إلى ازدراء وعداء كاليكلس البين، سنعثر فيها على كل عناصر نظرية ليكوفرون: المساواتية والفردانية والحماية ضد الظلم. حتى الإشارة إلى ’الأقوياء‘ وإلى ’الضعفاء‘ الواعين بهوانهم وقلة حيلتهم تنسجم تماماً مع النظرة الحمائية، بعد تنظيفها من العناصر التهكمية. بالتالي لا يستبعد إطلاقاً أن تكون عقيدة ليكوفرون قد رفعت صراحة المطلب بوجوب أن تكفل الدولة حماية الضعفاء، وهو مطلب لا يمكن بأي حال وصفه بالخسة. (الأمل في أن يتحقق هذا المطلب يوماً ما قد عبرت عنه الموعظة المسيحية: ’طوبى للودعاء، لأنهم يرثون الأرض.‘)
كاليكلس نفسه لا يحب الحمائية؛ بل نجده يفضل عليها حقوق الأقوى ’الطبيعية‘. ونلاحظ أيضاً أن سقراط، في حجته ضد كاليكلس، يهب لنجدة الحمائية؛ ذلك لأنه يربطها بأطروحته المركزية- يا بخت من بات مظلوماً ولم يبت ظالماً. حيث يقول، على سبيل المثال: ’ألا تجمعون الرأي، كما سمعتكم مؤخراً، على اعتبار أن العدل يعني المساواة؟ وتقولون أيضاً أن من يبيت مظلوماً خير له من أن يبيت ظالماً.‘ ويضيف في موضع لاحق: ’.. الطبيعة نفسها، وليس الميثاق فقط، تؤكد أن الإتيان بالظلم جريمة أبشع من تجرعه، وأن العدل يعني المساواة‘. (رغم توجهاته الفردانية والمساواتية والحمائية، يظهر غورغياس أيضاً بعض الميول القوية في معاداة الديمقراطية. الأمر الذي يمكن تفسيره إذا علمنا أن أفلاطون حين كان يكتب غورغياس كان لا زال لم يستكمل بعد نظرياته الشمولية؛ ومع أن ميولة كانت بالفعل معادية للديمقراطية، لكنه كان لا يزال واقع تحت تأثير سقراط. لا أستطيع استيعاب كيف يمكن لأحد تصديق أن يكون غورغياس والجمهورية في ذات الوقت روايتين صادقتين لآراء سقراط.)
دعونا نتحول الآن إلى الجمهورية، حيث يعرض قولاكن الحمائية في نسخة منطقية أكثر إحكاماً لكنها من الناحية الأخلاقية لم تشهد تغيراً عن عدمية ثراسيماخوس. يقول قولاكن: ’حديثي منصب على أصل العدل، وماذا يكون هذا الشيء حقاً. وفقاً للبعض أن توقع الظلم بحق الآخرين هو بطبيعته شيء ممتاز، لكن أن تتجرعه شيء سيء. لكنهم يضيفون أن مرارة تجرع الظلم تتجاوز كثيراً لذة إيقاعه. لزمن طويل بقي الناس يقترفون الظلم بحق بعضهم البعض، وبالطبع يتجرعون من كأسه، حتى عرفوا جيداً طعم كليهما. ثم في نهاية المطاف قرر هؤلاء الذين ليسوا أقوياء بما يكفي لردعه، أو للتلذذ بإيقاعه، أنه من الأفضل لهم الانضمام في عقد، يضمن لأطرافه ألا يوقع أحد ظلماً بالآخر، أو يتجرعه على يد الآخر. بهذه الطريقة قد نشأت القوانين... وكانت تلك هي طبيعة وأصل العدل، وفقاً لتلك النظرية‘.
إلى حد ما يذهب محتواها العقلاني، سنجدها بوضوح نفس النظرية؛ وتتشابه الطريقة المقدمة بها أيضاً بالتفصيل مع خطبة كاليكلس في غورغياس. لكن ذلك لا ينفي أن أفلاطون قد أدخل عليها تبايناً كاملاً في ظلال المعنى. حيث لا تجد النظرية الحمائية الآن من يدافع عنها بعد ضد الزعم بتأسيسها على أنانية بغيضة؛ على العكس. سوف تُستغل الآن مشاعرنا الإنسانوية ونفورنا الأخلاقي إزاء عدمية ثراسيماخوس، لتحويلنا إلى أعداء للحمائية. بذلك تتحول هذه النظرية، التي كانت شخصيتها الإنسانوية بادية في غورغياس، إلى الظهور بمظهر معادة الإنسانوية على يد أفلاطون، وهي نتيجة حتمية للعقيدة الفاسدة وغير المقنعة أن الظلم شيء طيب جداً- بالنسبة لهؤلاء الذين يستطيعون الإفلات به. وهو لا يتردد في استغلال هذه النقطة لأقصى حد. في استمرار مسهب للفقرة المقتبسة، يصقل قولاكن بكثير من التفصيل على المنطلقات أو الفرضيات الضرورية المزعومة للحمائية. ويذكر من ضمنها، على سبيل المثال، نظرة أن إيقاع الظلم هو ’أفضل الأشياء‘؛ أن العدل ينشأ فقط لأن الكثرة أضعف من ارتكاب الجرائم؛ وأن حياة الجريمة تعود بربح أكبر على المواطن الفرد. ثم يسوق ’سقراط‘، أي أفلاطون، البراهين المؤيدة لتفسير قولاكن للنظرية المعروضة. بهذه الطريقة يبدو أن أفلاطون قد نجح في إقناع معظم قرائه، وبالتأكيد جميع الأفلاطونيين، بتماثل النظرية الحمائية المطورة هنا مع أنانية ثراسيماخوس البغيضة وعديمة الرحمة؛ والأكثر أهمية من ذلك أن جميع أشكال الفردانية تربو إلى الشيء نفسه، وهو الأنانية. لكن نجاحه ذلك لا يقتصر على المعجبين به فقط؛ بل نجح أيضاً في إقناع حتى خصومه، وتحديداً دعاة نظرية العقد. من كارنيادس حتى هوبس، لم يكتفي هؤلاء بتبني عرضه التاريخاني الكارثي فحسب، بل تبنوا أيضاً تأكيدات أفلاطون أن أساس نظريتهم يقوم على عدمية أخلاقية.
الآن يجب أن نعلم أن كل ما ساقته حجة أفلاطون ضد الحمائية كان مجرد إسهاب حول أساسها الأناني المزعوم؛ وبالنظر إلى مساحة هذا الاسهاب، قد نفترض باطمئنان أن ما منع أفلاطون من تقديم حجة أفضل لم يكن العناد والمكابرة بقدر ما كان افتقاره إلى حجة متماسكة أصلاً. لهذا ضرب الحمائية في مقتل بسهام عواطفنا الأخلاقية- باعتبارها عار على فكرة العدل، ونقيض لمشاعرنا عن الرحمة.
تلك كانت طريقة أفلاطون في التعامل مع نظرية لم تشكل خصماً خطراً على معتقده نفسه فقط، بل كانت أيضاً ممثلاً للعقيدة الإنسانوية والفردانية الجديدة، في قول آخر العدو اللدود لكل ما آمن به أفلاطون. كانت طريقة ذكية حقاً وأحرزت نجاحاً باهراً. لكن النزاهة تقتضي مني الاعتراف باعتراضي على طريقة أفلاطون غير الأمينة تلك. حيث لم تكن النظرية موضع الهجوم بحاجة لأي فرضية أكثر لاأخلاقية من أن الظلم شر، وبالتالي ينبغي الابتعاد عنه والسيطرة عليه. كان أفلاطون يعرف خير المعرفة أن هذه النظرية لم تؤسس على الأنانية، بعدما عرضها في غورغياس ليس كمتماثلة مع النظرية العدمية التي ’استخلصت‘ منها في الجمهورية، لكن كالضد لها.
في الخلاصة، يمكن القول أن نظرية أفلاطون عن العدل، كما عرضها في الجمهورية والأعمال اللاحقة، كانت محاولة مقصودة منه لاستغلال الاتجاهات المساواتية والفردانية والحمائية المنتشرة في زمانه، وإعادة بعث دعاوى القبلية عن طريق تطوير نظرية أخلاقية شمولية. في الوقت ذاته، كان هو نفسه شديد التأثر بالأخلاقيات الإنسانوية الجديدة؛ لكن بدلاً من محاربة الإنسانوية بالحجج، تحاشى حتى مناقشتها. ونجح في تجنيد المشاعر الإنسانوية، التي كان يعرف حق المعرفة مدى قوتها، في خدمة قضية الحكم الطبقي الشمولي لعرق الأسياد السامين بطبيعتهم.
ادعى أفلاطون أن تلك الامتيازات الطبقية كانت ضرورية لصون استقرار الدولة. وبالتالي شكلت جوهر العدل. في النهاية، سنلاحظ أن مثل هذا الادعاء يُبنى على حجة أن العدل نافع لرفعة ورخاء واستقرار الدولة؛ وهي حجة وثيقة الشبه بالتعريف الشمولي الحديث: القوة هي كل ما ينفع لرفعة بلادي أو طبقتي أو طائفتي.
لكن تلك ليست القصة الكاملة بعد. بتشديدها على الامتياز الطبقي، تضع نظرية أفلاطون عن العدل المشكلة ’من ينبغي أن يحكم؟‘ في صلب النظرية السياسية. كان جوابه على هذا السؤال أن الأحكم، والأفضل، هو من ينبغي أن يحكم. ألا يغير هذا الجواب الممتاز من شخصية نظريته؟
#عبد_المجيد_إسماعيل_الشهاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الطبيعة والتقليد
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
-
نظرية أفلاطون عن الأشكال أو الأفكار
-
هيراقليطس
-
سحر أفلاطون
-
المجتمع المفتوح وأعداؤه
-
ضد الاستبداد وأعوانه
-
هل يستطيع الإنسان أن يحيا بلا دين؟
-
هل الله ذَكَر؟
-
نظرة دينية لكن بالمقلوب
-
هل صحيح أن المسلمين يقدسون محمداً أكثر من تقديسهم لله؟
-
هل صحيح أن القرآن كلام الله؟
-
هل صحيح أن ليس في الإسلام كهنوت؟
-
هل تُنجب المسلمة من هندوسي؟
-
دعوة التوحيد
-
بين الوطنية واللصوصية- أزمة دولة ناصر
-
لماذا فشلت الجمهوريات الثورية ونجحت الممالك الرجعية؟
-
خيبة الأمل في 23 يوليو
-
المصريون بين طرحةً ناصر وحجاب المُرشد
-
شكوى إلى الله ضد إسرائيل
المزيد.....
-
الكابينت الإسرائيلي يجتمع وسط التأهب لإيران.. هل تستعد تل أب
...
-
خطة ترامب.. اختبار نوايا أوروبا بأوكرانيا
-
ترامب يعلن القمر ملكية أمريكية وينشر أكثر من 30 صورة مولدة ب
...
-
بريطانيا تعترض قاربا على متنه 140 مهاجرا غير شرعي في بحر الم
...
-
السعودية.. جائزة الأميرة صيتة تكرّم 30 فائزا بجوائزها الاجتم
...
-
مقتل 5 أشخاص إثر تحطم طائرة شحن في ميامي الأمريكية
-
ساكسونيا-أنهالت: حزب البديل يحقق فوزا كبيرا في انتخابات حاسم
...
-
إيران تعلن إقامة -منطقة محظورة- قرب مضيق هرمز وتهدد السفن بع
...
-
بعد 31 مليون اختبار.. قميص مصمم لخداع أنظمة المراقبة الذكية
...
-
اليابان.. عرض موسيقي لغزال في أحد أنفاق مدينة نارا
المزيد.....
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
المزيد.....
|