|
|
تجارب التفلسف عبر التاريخ والمذاهب، مقاربة ايتيقية
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 08:31
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
مقدمة "التفلسف هو أن تعيش وفق نظام الطبيعة وتهتدي بأوامر العقل في قراراتك وأفعالك " تمثل تجربة التفلسف ظاهرة إنسانية أصيلة تتجاوز مجرد إنتاج منظومات فكرية أو مذاهب نظرية، لتغدو ممارسة وجودية وإيتيقية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم وبالآخر. فالتفلسف ليس مجرد نشاط ذهني مجرد، بل هو تجربة حية تنطوي على تحول داخلي، ومساءلة مستمرة، وسعي نحو الخير أو الفضيلة أو الحياة المستقيمة. ومن منظور إيتيقي، يظهر التفلسف بوصفه ممارسة تروم تهذيب النفس، وتوجيه الإرادة، وإعادة ترتيب القيم، سواء أكان ذلك صريحاً في مذاهب أخلاقية محددة أم ضمنياً في طرائق التفكير والتأمل. كما تثير تجارب التفلسف عبر تاريخ الفلسفات ومذاهب الفلاسفة إشكالية عميقة تتجاوز مجرد سرد التحولات النظرية أو تصنيف المدارس، لتطال طبيعة الفعل الفلسفي ذاته بوصفه تجربة حية لا مجرد منظومة أفكار. فهل التفلسف تجربة واحدة تتكرر بصور مختلفة عبر العصور، أم أنه يتعدد بتعدد السياقات التاريخية والثقافية حتى يغدو من الصعب الحديث عن وحدة جوهرية؟ وهل يمكن فصل المذهب الفلسفي عن التجربة التي أنتجتها وعاشها الفيلسوف، أم أن كل مذهب ليس سوى تعبير نظري عن كيفية معينة في مساءلة الوجود وتوجيه الحياة؟ ثم إن السؤال الأعمق يكمن في علاقة النظر بالعمل: أكان التفلسف في جوهره بحثاً عن الحقيقة النظرية، أم ممارسة تحولية تهدف إلى تغيير النفس والعالم؟ إن مقاربة هذه القضايا من زاوية استشكالية تفرض علينا ألا ننطلق من إجابات جاهزة، بل أن نتتبع كيف تشكلت تجارب التفلسف تاريخياً، وكيف انعكست في المذاهب المختلفة، كاشفين التوترات الكامنة بين الدهشة الأولى والمنهج، بين التأمل النظري والتمرين الروحي، وبين السعي إلى اليقين والانفتاح على القلق والمسؤولية. بهذا الأفق الاستشكالي نحاول أن نعيد طرح سؤال التفلسف لا بوصفه مفهوماً مكتملاً، بل بوصفه تجربة مفتوحة تتجدد مع كل عصر وكل مذهب. فماهي تجارب التفلسف عبر التاريخ؟ وبماذا تتميز عن بعضها البعض؟ والى أي مدى كانت قريبة من واقعها ومارست تأثيرا مباشرا؟ التفلسف وفق الأسلوب الاغريقي «الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش» سقراط في البدايات اليونانية، برزت تجربة التفلسف بوصفها انفصالاً عن الرأي الشائع وممارسة للدهشة والمساءلة. لم يكن الفيلسوف مجرد ناقل لمعارف، بل باحثاً يعيش التفلسف كأسلوب حياة. فالسؤال السقراطي لم يكن تقنية حجاجية فحسب، بل تمريناً إيتيقياً يهدف إلى كشف الجهل الذاتي وتحريك النفس نحو العناية بنفسها. كانت المحاورة تجربة مشتركة تكشف التناقضات الداخلية، وتدعو المحاور إلى مراجعة حياته. هنا يتحول التفلسف إلى ممارسة علاجية للنفس، حيث يصبح الوعي بالذات شرطاً للفضيلة. أما في الأفلاطونية، فترتبط تجربة التفلسف بصعود النفس نحو المثل، وهو صعود ليس معرفياً صرفاً بل إيتيقي بامتياز؛ فالجمال والخير والحق يلتقيان في وحدة تجعل التأمل فعلاً تحويلياً يطهر النفس من الانشغال بالمحسوسات الزائلة. وفي الأرسطية، ينتقل التركيز إلى الفعل والتوسط والعادة، فتصبح الفضيلة ثمرة تكرار الممارسات الصحيحة، ويغدو التفلسف تفكيراً عملياً يوجه الحياة السياسية والأخلاقية نحو السعادة الحقيقية بوصفها نشاطاً موافقاً للفضيلة. التفلسف وفق الأسلوب الإغريقي كان تجربة حية لا تقتصر على بناء النظريات المجردة، بل تُمارس كفنٍّ للعيش وأسلوب وجودي يبدأ بالدهشة أمام الوجود ويتجلى في الحوار السقراطي الذي يفضح الجهل ويوقظ العناية بالنفس. كان الفيلسوف الإغريقي يسير في الأسواق والمحافل يطرح الأسئلة لا ليُلقي أجوبة جاهزة، بل ليحرك المحاور نحو مراجعة حياته وتهذيب انفعالاته، فيغدو التفلسف تمريناً يومياً على الفضيلة والاعتدال والانسجام مع العقل والطبيعة. بهذا المعنى لم يكن التفكير الإغريقي منفصلاً عن الفعل، بل كان مساراً إيتيقياً يحول النفس من الاضطراب إلى الطمأنينة، ومن الرأي الشائع إلى الرؤية الواضحة، فيجعل الفلسفة حياةً تُعاش لا مجرد خطاب يُقال. التفلسف وفق الطريقة الهلنستية " غاية الفلسفة هي بلوغ الطمأنينة عبر تقليص الرغبات غير الضرورية" ابيقور انتقلت تجربة التفلسف في الحقبة الهلنستية إلى طابع أكثر فردية وعلاجياً. ففي الرواقية والأبيقورية والشكوكية، أصبح التفلسف تمريناً يومياً على التحكم في الانفعالات وإعادة تقييم الأحكام. لم تعد المسألة بناء منظومة كونية فحسب، بل تحويل النفس بحيث تتوافق مع الطبيعة أو تبلغ الاطمئنان. الرواقي يتدرب على التمييز بين ما يعتمد عليه وما لا يعتمد عليه، فيمارس التفلسف كفن للعيش الحر داخلياً رغم القيود الخارجية. والأبيقوري يبحث عن اللذة الهادئة عبر تقليص الرغبات غير الضرورية، فيغدو التفلسف حساباً إيتيقياً للرغبات. أما الشكوكية فتمارس تعليق الحكم كوسيلة لبلوغ السكينة، محولة التفلسف إلى تقنية لإزالة الاضطراب الناتج عن الاعتقادات المتصلبة. في كل هذه الحالات، تكون التجربة الفلسفية إيتيقية في جوهرها لأنها تروم تغيير طريقة الوجود لا مجرد وصف العالم. التفلسف وفق الطريقة الهلنستية تحوّل إلى ممارسة علاجية يومية تهدف إلى تحقيق السكينة الداخلية والحرية النفسية أكثر مما تهدف إلى بناء منظومات كونية كبرى. ففي هذا العصر، لم يعد الفيلسوف يكتفي بالحوار النظري، بل راح يتدرب على تمارين روحية مستمرة: الرواقي يراجع أحكامه كل مساء ليحرر نفسه من الانفعالات الناتجة عن التعلق بما لا يقع تحت سيطرته، والأبيقوري يحسب رغباته بدقة ليقتصر على الضروري ويبلغ اللذة الهادئة الخالية من الألم، والشكي يعلق الحكم ليتخلص من اضطراب الاعتقادات المتصلبة. بهذا الأسلوب صار التفلسف فناً للعيش يُمارَس في الحياة اليومية، يحوّل النفس تدريجياً من الاضطراب إلى الطمأنينة، ويجعل الفلسفة دواءً للإرادة ومرشداً للسلوك أكثر مما يجعلها مجرد بحث عن الحقيقة المجردة. التفلسف على الطريقة الإسلامية والمسيحية واليهودية " كمال النفس يكون بـالعلم والعمل" ابن سينا في السياقات الإسلامية والمسيحية واليهودية في العصور الوسطى، اكتسب التفلسف بعداً جديداً مرتبطاً بالوحي والعقل والإيمان. لم يعد التفلسف منفصلاً عن السعي نحو الخلاص أو القرب من الإلهي. ففي التراث الفلسفي الإسلامي، يظهر التفلسف أحياناً كممارسة تزكوية تجمع بين النظر العقلي والتهذيب الأخلاقي. يسعى الفيلسوف إلى الارتقاء بالنفس عبر معرفة المبادئ الأولى، وفي الوقت ذاته عبر ضبط الشهوات وتوجيه الإرادة نحو الكمال. يصبح التأمل في الوجود والواجب تجربة تحول تجعل العقل أداة لإصلاح السلوك. أما في التقليد المسيحي، فقد ارتبط التفلسف أحياناً بالتأمل في الخلق والخطيئة والنعمة، حيث يتحول التفكير إلى صلاة عقلية أو تمرين على التواضع والمحبة. وفي السياقات اليهودية، ظهرت تجارب فلسفية تربط بين العقل والشريعة، فتغدو المساءلة الفلسفية وسيلة لتعميق الالتزام الأخلاقي والديني. في هذه الحقبة، لم يكن التفلسف مجرد معرفة نظرية، بل مساراً إيتيقياً يربط بين الحقيقة النظرية والفضيلة العملية. التفلسف على الطريقة الإسلامية والمسيحية واليهودية في العصور الوسطى لم يكن بحثاً عقلياً منفصلاً عن الإيمان، بل مساراً روحياً وإيتيقياً يسعى إلى الارتقاء بالنفس نحو الكمال والقرب من الإلهي. ففي السياق الإسلامي امتزج النظر العقلي بالتزكية الأخلاقية، فأصبح التأمل في الوجود والواجب تمريناً يطهر النفس من الشهوات ويوجهها نحو السعادة الحقيقية. وفي التقليد المسيحي تحوّل التفلسف إلى تأمل في الخلق والخطيئة والنعمة، حيث يغدو التفكير صلاة عقلية وتمريناً على التواضع والمحبة. أما في الفكر اليهودي فقد ارتبط العقل بالشريعة، فصارت المساءلة الفلسفية وسيلة لتعميق الالتزام الأخلاقي والديني. وهكذا اشتركت هذه التقاليد في جعل التفلسف تجربة تحولية تجمع بين الحقيقة النظرية والفضيلة العملية، وتجعل العقل خادماً لإصلاح السلوك والسعي نحو الخلاص. التجربة الحديثة في التفلسف " التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي هو مسؤول عنه، ويرتبط التفلسف باستقلال العقل العملي وقدرته على التشريع الأخلاقي الذاتي" عمانويل كانط مع الحداثة، شهدت تجربة التفلسف تحولاً جذرياً نحو الذاتية واليقين والمنهج. بدأ ديكارت من الشك المنهجي كتجربة جذرية تعيد تأسيس الذات العارفة، لكنها في الوقت ذاته تجربة إيتيقية لأنها تفرض على الفيلسوف ضبط أحكامه وعدم قبول أي شيء دون وضوح وتميز. يصبح التفلسف تمريناً على الصدق الفكري والاستقلالية العقلية. ثم يأتي كانط ليربط التفلسف بالإيتيقا ربطاً عضوياً؛ فالعقل العملي يشرع القانون الأخلاقي، وتصير تجربة التفلسف تجربة للحرية والكرامة والواجب. ليس التفلسف هنا مجرد تفكير في العالم، بل ممارسة للاستقلال الذاتي الذي يجعل الإنسان غاية في ذاته. وفي المثالية الألمانية، امتدت التجربة إلى أبعاد تاريخية ووجودية، حيث يصبح التفلسف وعياً بالحرية المطلقة أو مساراً للروح نحو ذاتها. التجربة الحديثة في التفلسف اتسمت بتحول جذري نحو الذاتية والمنهج والاستقلال العقلي، حيث لم يعد الفيلسوف يبدأ من العالم الخارجي أو من التراث المتلقى، بل من الذات المفكرة نفسها. ففي لحظة ديكارت أصبح الشك المنهجي تجربة وجودية وإيتيقية تفرض على الفيلسوف ضبط أحكامه ورفض كل ما لا يتسم بالوضوح والتميز، فغدا التفلسف تمريناً على الصدق الفكري والحرية الداخلية. ثم تعمقت هذه التجربة مع كانط الذي ربط الفلسفة بالعقل العملي، فصارت ممارسة للتشريع الذاتي للأخلاق، حيث يكتشف الإنسان في داخله قانون الواجب ويؤكد كرامته كغاية لا وسيلة. وهكذا تحول التفلسف في الحداثة إلى تجربة تحرر واستقلال، يسعى فيها العقل إلى تأسيس ذاته وتوجيه إرادته نحو الحرية المسؤولة، جاعلاً من التفكير فعلاً أخلاقياً يعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. التجربة المعاصرة في التفلسف "الإنسان محكوم عليه بالحرية، والتفلسف هو تحمل مسؤولية الاختيار الأصيل" جان بول سارتر في الفلسفة المعاصرة، تنوعت تجارب التفلسف وتنوعت معها المقاربات الإيتيقية. ظهرت الوجودية لتعيد التفلسف إلى التجربة الحية للقلق والحرية والمسؤولية. يصبح التفلسف مواجهة صريحة للوجود الفردي، حيث يختار الإنسان ذاته ويتحمل تبعات اختياره. هنا تكون الإيتيقا متجذرة في التجربة الأصيلة لا في قواعد مجردة. أما في الفينومينولوجيا، فيتحول التفلسف إلى وصف دقيق للتجربة المعيشة، بما في ذلك التجربة الأخلاقية للوجه والآخر والمسؤولية اللامتناهية. وفي بعض التيارات التحليلية، يركز التفلسف على توضيح المفاهيم اللغوية والأخلاقية، فيغدو التمرين الفلسفي تمريناً على الدقة الفكرية التي تخدم الوضوح الأخلاقي. وفي فلسفات أخرى، يظهر التفلسف كممارسة نقدية تكشف آليات السلطة والهيمنة، فتكتسب التجربة بعداً تحريرياً وإيتيقياً يسعى إلى مقاومة أشكال الظلم. التجربة المعاصرة في التفلسف اتسمت بتنوع شديد وتفكك للمنظومات الكبرى، حيث لم يعد التفلسف بحثاً عن حقيقة مطلقة واحدة، بل ممارسة نقدية ووجودية ولغوية تكشف عن شروط التجربة الإنسانية ذاتها. ففي الوجودية أصبح التفلسف مواجهة مباشرة للقلق والحرية والمسؤولية، يختار فيها الإنسان ذاته ويتحمل تبعات وجوده الأصيل. وفي الفينومينولوجيا تحول إلى وصف دقيق للمعيش، بما في ذلك تجربة الوجه والآخر والمسؤولية اللامتناهية. أما في التيارات التحليلية فقد صار تمريناً على توضيح المفاهيم وفضح الأوهام اللغوية، وفي الفلسفات النقدية بات أداة لكشف آليات السلطة والهيمنة والسعي إلى التحرر. وهكذا غدت التجربة المعاصرة إيتيقية في جوهرها، إذ تدعو إلى عيش أكثر وعياً ومسؤولية، وتحول الفلسفة من بناء الأنساق إلى ممارسة يومية للمساءلة والمقاومة وإعادة اكتشاف معنى الوجود في عالم متعدد ومضطرب. التفلسف وفق المقاربة الايتيقية " التفلسف لم يكن يوماً نشاطاً نظرياً صرفاً، بل تجربة حية تتنوع أشكالها وتتفق في كونها دعوة مستمرة إلى تحويل الذات وإعادة توجيه الحياة" من منظور إيتيقي شامل، يمكن القول إن تجارب التفلسف عبر التاريخ تشترك في كونها محاولات لإعادة توجيه الحياة. سواء أكانت الممارسة سقراطية حوارية، أم رواقية تدريبية، أم كانطية تشريعية، أم وجودية اختيارية، فإنها تنطوي على بعد تحويلي. التفلسف يفرض على صاحبه موقفاً من ذاته: موقفاً من الجهل، أو من الرغبة، أو من الواجب، أو من الآخر. وهو بذلك ممارسة إيتيقية حتى حين يدعي الحياد النظري، لأن اختيار الموضوع وطريقة السؤال والأولويات القيمية كلها أفعال أخلاقية. كما أن تاريخ المذاهب الفلسفية يكشف عن جدل مستمر بين النظر والعمل، بين الحقيقة والخير، بين المعرفة والفضيلة. ففي كل مذهب، نجد تجربة معينة للتعاطي مع هذا الجدل: أحياناً بالدمج، وأحياناً بالفصل، وأحياناً بإخضاع أحدهما للآخر. إن المقاربة الإيتيقية لتجارب التفلسف تكشف أيضاً عن مخاطرها وإمكاناتها. فمن جهة، قد يتحول التفلسف إلى مجرد لعبة ذهنية منفصلة عن الحياة، فيفقد بعده التحويلي. ومن جهة أخرى، قد يغدو أداة لتبرير مواقف أخلاقية مسبقة دون مساءلة حقيقية. لكن في أفضل حالاته، يظل التفلسف تجربة مفتوحة تسمح بإعادة اكتشاف الذات والعالم، وتدعو إلى حياة أكثر وعياً ومسؤولية. وهو بذلك لا ينتهي عند مذهب معين، بل يستمر كلما جدد الإنسان سؤاله عن معنى وجوده وعن كيفية العيش الجيد. خاتمة "التفلسف هو مساءلة مستمرة للمجتمع وتمرين على العناية بالذات وتحمل مسؤولية تدبير العالم والعناية بالآخرين" في نهاية المطاف، تظهر تجارب التفلسف عبر تاريخ الفلسفات بوصفها مسارات متعددة لممارسة إيتيقية واحدة في جوهرها: السعي إلى تحويل النفس والعالم عبر التفكير. هذه التجارب ليست مجرد سرد تاريخي لمذاهب، بل شهادات حية على قدرة الإنسان على مساءلة ذاته وتوجيه حياته نحو ما يراه خيراً أو حقاً أو جميلاً. والمقاربة الإيتيقية تسمح برؤية هذه التجارب لا كمنظومات مغلقة، بل كدعوات مستمرة إلى العيش الفلسفي، أي إلى جعل الفكر جزءاً لا يتجزأ من الفعل الأخلاقي. يمكن القول إن تجارب التفلسف عبر تاريخ الفلسفات ومذاهب الفلاسفة، على اختلاف العصور والمدارس، تلتقي في جوهرها عند بعد إيتيقي أصيل يحول الفكر إلى ممارسة تحولية للنفس والحياة. فمن الحوار السقراطي الذي يوقظ العناية بالذات، إلى التمارين الروحية الهلنستية التي تبحث عن السكينة، إلى المسارات الوسيطة التي تمزج العقل بالإيمان في سبيل تزكية النفس، إلى التجربة الحديثة التي تؤسس لاستقلال الذات وحرية الواجب، وصولاً إلى التنوع المعاصر الذي يواجه القلق والمسؤولية ويكشف آليات السلطة، يظل التفلسف مساراً واحداً في عمقه: سعي الإنسان إلى إعادة توجيه وجوده نحو ما يراه خيراً أو حقاً أو أصيلاً. إن المقاربة الإيتيقية تكشف أن الفلسفة لم تكن يوماً مجرد بناء نظري منفصل عن الحياة، بل دعوة مستمرة إلى تحويل الذات، وتهذيب الإرادة، وتحمل المسؤولية أمام الذات والآخر والعالم. وبهذا المعنى تبقى تجارب التفلسف عبر التاريخ شاهداً حياً على قدرة الفكر على أن يكون فعلاً أخلاقياً، ودعوة مفتوحة لكل عصر لأن يعيد اكتشاف معنى العيش الفلسفي في مواجهة تحديات وجوده الخاص. فكيف يتسنى لنا دراسة تجربة سقراط الايتيقية؟ وهل ساعدت ممارسة كانط على إيجاد أخلاق كونية؟ وبأي معنى يمثل الفعل التواصلي عند هابرماس والحكمة العملية عند بول ريكور تجربة تفلسف كونية في العصر الراهن؟
#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الرهان الأساسي من التعليم العصري المستنير والتربية العقلانية
...
-
في طريق الفلسفة بين حقيقة الثورة في عالم الإنسان وأضواء على
...
-
تشكل الامبرياليات الرأسمالية في بداية القرن 21 بين الانتشار
...
-
النزعة الحوارية في الفلسفة الريكورية بين الذات والنص والآخر
...
-
الفكر الاقتصادي النقدي والأزمات المالية العالمية
-
دراسة مقارنة بين جنيالوجيا المعرفة والسلطة عند ميشيل فوكو وف
...
-
قراءة سوسيو-اقتصادية للأحداث الجارية في المنطقة
-
اعتراف فيلسوف قراءة معمقة في أجوبة مارسيل كونش على أسئلة أند
...
-
دراسة مقارنة بين سيكولوجية كارل يونغ وسايكولوجية سغموند فروي
...
-
البحث عن الفكرة الناظمة للفلسفة الباشلاردية
-
التمييز بين هيدجر الوجود والزمان وهيدجر المنعطف، أو في تعقب
...
-
مفهوم الفعل عند بيير جانيه بين اللغة والذهن والذكاء، مقاربة
...
-
تلقي فلسفة فريدريك نيتشه في السياق الشرقي
-
علاقة الفرد بالمجتمع بين تأكيد الذات وفقدان الأصالة
-
من هم الفلاسفة الذين تاهوا عن الطريق الفلسفي الخاص بهم ؟ ولم
...
-
التمايز وإعادة الإنتاج والعنف الرمزي كعناصر في نظرية النسق ا
...
-
تغلغل الماوية في الفكر السياسي العربي، قراءات في أعمال ناجي
...
-
نانسي فرايزر وتصديها لاقتلاع الرأسمالية الكانيبالية المتوحشة
...
-
العمل السياسي الهادئ والبطيء والطوعي والذي يغلب عليه طابع ال
...
-
تحولات الفلسفة الوجودية بين العبثية المتمردة والعدمية اليائس
...
المزيد.....
-
شاهد.. عاصفة قوية تتسبب بأضرار جسيمة في ملعب حفلات شهير بتور
...
-
ديزني تراهن على الحنين إلى الماضي.. مشاريع وتجارب جديدة في م
...
-
قرار أثار عاصفة من الجدل.. لماذا أُلغي معرض جون غاليانو في ن
...
-
عراقجي يرد على وزير خارجية الأردن وتصريح بدء هجوم إيران -بعد
...
-
هل تمهد -المناطق التجريبية- الطريق لانسحاب إسرائيل من الأراض
...
-
ضغوط أميركية على إيران وتصعيد مستمر بالمنطقة.. إسرائيل تعلن
...
-
السفير الأمريكي لدى تل أبيب: عنف المستوطنين -إرهاب-.. لكن ال
...
-
أطلق النار على نفسه.. انتحار قيادي عسكري مرتبط بنظام الأسد ع
...
-
88 ألف دولار لصورة مع ترامب و250 ألفاً للجلوس إلى طاولته.. ه
...
-
أكثر من 80 قتيلاً في معارك اليمن.. اشتباكات عنيفة تتسع بين ا
...
المزيد.....
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
المزيد.....
|