أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - معروفي العيد - الأنطولوجيا حين تصغي إلى واقعانيتها. قراءة تأويلية في «الأنطولوجيا، والهرمينوطيقا الواقعانية» عند مارتن هايدغر. بقلم: د. معروفي العيد.















المزيد.....

الأنطولوجيا حين تصغي إلى واقعانيتها. قراءة تأويلية في «الأنطولوجيا، والهرمينوطيقا الواقعانية» عند مارتن هايدغر. بقلم: د. معروفي العيد.


معروفي العيد

الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 07:52
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الأنطولوجيا حين تصغي إلى واقعانيتها.
قراءة تأويلية في «الأنطولوجيا، والهرمينوطيقا الواقعانية» عند مارتن هايدغر.
بقلم: د. معروفي العيد.
ليس هايدغر في «الأنطولوجيا، هرمينوطيقا الواقعانية» بصدد إضافة فصل جديد إلى تاريخ الأنطولوجيا، ولا بصدد اقتراح تقنية أخرى من تقنيات التأويل؛ إن ما يحدث في هذا النص أعمق من ذلك بكثير، لأنه يمسّ الموضع الذي منه أمكن للفلسفة، منذ الإغريق، أن تسأل عن الوجود. فالسؤال الهايدغري لا يعود يبدأ من الموجود لكي يصعد منه إلى الوجود، ولا من الذات لكي تجعل العالم موضوعًا لمعرفة ممكنة، وإنما يبدأ من ذلك الكائن الذي يجد نفسه دائمًا مُلقى في وجود لم يختره، وفي عالم لم يؤسسه، وفي تاريخ يتكلم فيه قبل أن يتكلم هو. ومن هنا فإن «الواقعانية» ليست واقعية بالمعنى الذي يجعل الواقع كتلة من الأشياء القائمة خارج الذات؛ إنها بالأحرى اسم لما لا يستطيع الدازاين أن ينسحب منه، لذلك الذي يسبقه ويحتويه ويكشف نفسه فيه، أي فعلية الوجود قبل أن يتحول الوجود إلى مفهوم.
ولذلك يبدو عنوان الكتاب نفسه وكأنه يضع ثلاث كلمات في مواجهة تاريخ الفلسفة كله: الأنطولوجيا، الهرمينوطيقا، الواقعانية. غير أن هذه الكلمات الثلاث لا تقف متجاورة، بل يتولد بعضها من بعض؛ فالأنطولوجيا لا تستطيع أن تبلغ سؤالها إلا إذا دخلت في هيرمينوطيقا الدازاين، والهرمينوطيقا لا تجد مجالها الحقيقي إلا في واقعانية الحياة، والواقعانية لا تظهر إلا بوصفها كيفية انكشاف وجود الدازاين لنفسه. إننا هنا أمام انتقال لا يتعلق بالمنهج فحسب، بل يتعلق بما يمكن تسميته بإعادة توطين السؤال الأنطولوجي في صميم الحياة.
ولهذا فإن هايدغر لا يسأل: ما الوجود؟ وكأنه ينتظر تعريفًا يمكن تثبيته في صيغة منطقية؛ بل يسأل، بصورة أكثر إرباكًا وأشد قربًا من أصل السؤال: كيف ينكشف الوجود لذلك الكائن الذي لا يكون إلا في انفتاحه عليه؟ إن السؤال هنا لا يقف خارج الوجود، لأن السائل نفسه متورط في ما يسأل عنه. وهذه هي النقطة التي تجعل التفكير الهايدغري مختلفًا عن الميتافيزيقا التي تفترض إمكانية الوقوف في موضع محايد أمام الوجود. ليس ثمة موضع محايد. نحن دائمًا في الوسط، في قلب ما نريد فهمه؛ وما نسمّيه «الموضوع» ليس شيئًا يقابلنا من الخارج، بل هو شيء يظهر لنا داخل شبكة من الدلالات التي سبق أن وجدنا أنفسنا فيها.
ومن هنا ينبغي فهم انقلاب هايدغر على الصورة التقليدية للأنطولوجيا. فالأنطولوجيا لا تكون أنطولوجيا لأنها تتحدث عن «الوجود» في تجريداته العليا، وإنما لأنها تستطيع أن تقترب من الوجود في كيفية انكشافه الفعلية. ولذلك لا يكون الدازاين موضوعًا من موضوعات الأنطولوجيا، بل يصبح الطريق الذي لا يمكن الالتفاف عليه نحو سؤال الوجود. فالإنسان، في هذا الأفق، ليس ذلك الحيوان الذي أضيفت إليه خاصية العقل، وإنما ذلك الكائن الذي تتوقف كيفية وجوده على علاقته بإمكان وجوده. إنه الكائن الذي لا يطابق نفسه تطابق الشيء مع ماهيته، لأنه دائمًا أكثر من واقعه وأقل من اكتماله؛ إنه مشروع مفتوح على إمكاناته، ولذلك فإن فهمه لنفسه ليس معرفة عرضية، بل هو جزء من كينونته نفسها.
وهنا تكتسب «الهرمينوطيقا» معناها الهايدغري الحاسم. لم يعد التأويل نشاطًا معرفيًا يأتي بعد وجود الأشياء، ولا تقنية لفهم النصوص، بل أصبح طريقة في وجود الدازاين نفسه. الدازاين موجود في التأويل قبل أن يبدأ في ممارسة التأويل؛ إنه لا يلتقي بالعالم أولًا بوصفه مجموعًا من الوقائع، وإنما يلتقي به داخل شبكة من الدلالات التي تجعل الأشياء أشياءً بالنسبة إليه. ولهذا فإن الهرمينوطيقا الهايدغرية لا تعني أن الإنسان يضع معنى على العالم، بل تعني أن العالم ينكشف للإنسان داخل أفق سابق من الفهم.
وهذا ما يفسر انتقال الهرمينوطيقا من كونها نظرية في النص إلى كونها أنطولوجيا للحياة. وقد أكدت القراءات الفرنسية أن هايدغر، في هذه المرحلة، يقطع مع الهرمينوطيقا التقليدية التي كانت تنشغل بقواعد تفسير النصوص، لكي يجعل الهرمينوطيقا متعلقة بالوجود نفسه؛ فالـDasein يعيش دائمًا داخل نوع من الإيضاح أو التفسير السابق لذاته والعالم. [1]
لكن ماذا يعني أن يكون الدازاين «واقعانيًا»؟ إن هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه إذا فهمنا الواقعانية بوصفها مطابقة بين الوعي وواقع خارجي. الواقعانية، عند هايدغر، هي ذلك الطابع الذي يجعل الدازاين دائمًا في كيفية معينة من الإنجاز الوجودي. إنه لا يوجد في فراغ، ولا يبدأ من إمكان نظري مجرد، بل يجد نفسه منذ البداية في عالم، وفي لغة، وفي تقاليد، وفي علاقات، وفي تاريخ، وفي إمكانات لم يختر شروطها الأولية. إنه لا يستطيع أن يعود إلى نقطة صفرية يشرع منها في تأسيس ذاته. إن وجوده قد سبقه. وهذا السبق هو أحد أعمق معاني الواقعانية.
لذلك لا ينبغي أن نترجم الواقعانية إلى «واقع» وحسب؛ فالواقعانية هي كون الوجود قد وقع بالفعل قبل أن يصبح موضوعًا للتفكير. إنها تلك الواقعة الأصلية التي تقول للدازاين: أنت هنا. ولكن «هنا» ليست إحداثية جغرافية؛ إنها انفتاح وجودي، مقام يجد فيه الإنسان نفسه وقد أصبح مسؤولًا عن إمكان وجوده، مع أنه لم يكن مسؤولًا عن مجيئه إلى الوجود أصلًا. من هذه المفارقة تولد الهرمينوطيقا: أنا لا أختار أن أكون في هذا العالم، لكنني مطالب بأن أفهم كيف أكون فيه.
ومن هنا فإن «الحياة الواقعانية» ليست مجرد حياة يومية بالمعنى السيكولوجي، وإنما هي الحياة كما تُعاش قبل أن تقوم الفلسفة بتجريدها. إنها الحياة وهي تتحرك في عاداتها، ومشاغلها، ومخاوفها، وعلاقاتها، وانشغالاتها، وذاكرتها، وفي كل ذلك الذي يجعل الإنسان قريبًا من نفسه إلى حد أنه لا يعود يراها. ولعل المفارقة الأشد عمقًا هنا أن الإنسان قد يكون أقرب ما يكون إلى وجوده، ومع ذلك يكون أبعد ما يكون عن فهمه؛ فالإلفة لا تكشف دائمًا، بل قد تحجب. وما نعيش فيه كل يوم قد يصبح، بسبب فرط قربه، أكثر الأشياء استعصاء على الرؤية.
ولهذا كان هايدغر يطلب من التفكير أن يمكث قريبًا من الشيء، وأن لا يستعجل القبض على ماهيته في تعريف جاهز. فالوجود لا يعطي نفسه لمن يقتحمه بمفاهيم مسبقة؛ إنه يتطلب نوعًا من التريث الأنطولوجي، أي أن نترك ما هو كائن يظهر في كيفية ظهوره، بدل أن نُكره ظهوره على أن يوافق شبكة مفاهيمنا. وهذا هو البعد الفينومينولوجي العميق في المشروع الهايدغري. وقد ورد في العرض العربي للكتاب أن الإمساك بالكينونة يقتضي المكث بتريث وبطء بالقرب مما يشغلنا، مع يقظة تحول دون إفلات كينونة الشيء من الشيء نفسه.
لكن المشكلة أن الدازاين لا يعيش غالبًا في هذه اليقظة. إنه يعيش في اليومي، واليومي ليس مجرد تتابع للأحداث، بل طريقة في الوجود تجعل الإنسان يتلقى معنى حياته من خارج إمكانه الخاص. وهنا يظهر ما سيصبح لاحقًا مفهوم الـ«هم» (das Man): ذلك المجهول الجمعي الذي يقول للإنسان كيف يتكلم، وكيف يحكم، وما الذي ينبغي أن يريده، وما الذي ينبغي أن يخافه، وما الذي ينبغي أن يعتبره مهمًا أو تافهًا.
إن «الهم» ليس شخصًا آخر، بل هو ضمير الحياة حين تتكلم بصيغة لا أحد.
يقولون إن هذا هو الصحيح؛
يقولون إن هكذا ينبغي أن نعيش؛
يقال إن هذا مهم؛
يقال إن ذاك لا يستحق التفكير.

وفي هذا «يقال» يضيع الإنسان.
إن أخطر اغتراب ليس أن يفقد الإنسان العالم، بل أن يفقد إمكان أن يرى أن العالم الذي يعيش فيه قد فُسّر له مسبقًا. ولذلك فإن الهرمينوطيقا عند هايدغر لا تكتفي بفهم ما هو موجود، بل تحاول أن تجعل الدازاين واعيًا بالبنية التي تجعل الموجود يظهر له على النحو الذي يظهر به.إنها، بهذا المعنى، ليست تفسيرًا، بل إيقاظًا.
ولعل هنا تحديدًا يكمن البعد الفلسفي الأكثر أصالة في مشروع هايدغر: الفلسفة ليست إنتاج معرفة جديدة بقدر ما هي تحرير للرؤية من سلطان البداهة. إنها لا تضيف دائمًا شيئًا إلى العالم؛ أحيانًا يكفيها أن تجعلنا نرى ما كان حاضرًا أمامنا ولم نكن نراه. وهذا الحضور الغافل هو مادة الحياة الواقعانية نفسها.
فالإنسان لا يعيش في العالم مثل متفرج يجلس في مقعد أمام مسرح. إنه في العالم، وهذه الـ«في» ليست علاقة مكانية، وإنما بنية أنطولوجية. العالم ليس صندوقًا كبيرًا توجد الأشياء داخله، وإنما هو أفق الدلالة الذي يجعل الأشياء قابلة لأن تُفهم بوصفها أشياء ذات معنى. ومن هنا تأتي أهمية مفهوم Bedeutsamkeit، أي الدلالية أو المعنوية، في بناء هايدغر المبكر؛ فالشيء لا يظهر بوصفه «شيئًا محايدًا» ثم يكتسب معنى لاحقًا، وإنما يظهر منذ البداية ضمن سياق دلالي معين. وتشير الدراسات الفرنسية إلى أن هايدغر يحدد «وجود-هنا العالم» Terminologiquement بواسطة significativité، أي الدلالية التي تجعل الموجود يلقى بوصفه ذا معنى محدد. [2].
وعند هذه النقطة يصبح واضحًا لماذا لا يمكن فصل الهرمينوطيقا عن الأنطولوجيا. فإذا كان العالم لا ينكشف إلا داخل شبكة من الدلالات، وإذا كان الدازاين لا يوجد إلا وهو منفتح على هذه الدلالات، فإن فهم العالم ليس عملية خارجية، بل هو أحد أشكال وجود الدازاين. نحن لا نفهم العالم لأننا نقف خارجه؛ نحن نفهمه لأننا نسكنه.
وهنا تتخذ عبارة «الوجود في العالم» معناها العميق: ليست المسألة أن للإنسان مكانًا اسمه العالم، بل أن وجود الإنسان نفسه لا يُفهم إلا من داخل هذا الانغماس. ولذلك فإن كل محاولة لبناء أنثروبولوجيا من خلال ذات مجردة تفقد منذ البداية شيئًا من حقيقة الإنسان. إن الإنسان الذي تبحث عنه الفلسفة ليس ذاتًا شفافة لنفسها، وإنما كائن غارق في التاريخ، يتكلم لغة سبقت صوته، ويحمل ماضيًا لم يختره، ويتجه إلى مستقبل لم يأت بعد.
ولهذا كان مفهوم الدازاين أكثر راديكالية من مفهوم «الإنسان». فـ«الإنسان» يمكن أن يُفهم بوصفه ماهية، أما الدازاين فيُفهم بوصفه إمكانًا. الإنسان ليس ما هو عليه فقط؛ إنه أيضًا ما يمكن أن يكونه. ولذلك فإن وجوده لا يساوي مجموع صفاته الحالية. إن وجوده يتقدم على نفسه في صورة إمكان.
ومن هنا تصبح الهرمينوطيقا حركة بين ما نحن عليه وما يمكن أن نكونه.
إنها لا تستعيد «جوهرًا» ضائعًا، لأن الإنسان ليس جوهرًا مكتملًا مخبأ وراء اليومي. إنها تستعيد إمكانًا كان قد احتجب تحت طبقات العادة والرتابة والإلفة. ومن هنا يمكن فهم أصالة الوجود عند هايدغر لا باعتبارها استقلالًا فرديًا ساذجًا، بل باعتبارها قدرة الدازاين على استرداد وجوده من الصيغة المجهولة التي يتكلم بها «الهم».
ولهذا فإن الأصالة لا تعني الانعزال عن الآخرين. الدازاين كائن مع الآخرين أصلًا. المشكلة ليست في الـ«مع»، وإنما في أن يتحول هذا الـ«مع» إلى استسلام وجودي، بحيث يصبح الآخرون هم الذين يحددون مسبقًا ما ينبغي أن يكون عليه وجودي. الأصالة ليست أن أخرج من العالم، بل أن أعود إلى العالم دون أن أفقد إمكانية أن أكون نفسي.
إن الهرمينوطيقا، في هذا المستوى، ليست مجرد تأويل للوجود، وإنما هي مقاومة لابتذال الوجود.
ومن هنا نستطيع أن نفهم لماذا تشكل هذه المحاضرات واحدة من أهم العتبات التي قادت إلى الكينونة والزمان. فهي محاضرات سنة 1923، وقد كان هاجس هايدغر فيها تبيين الحياة الواقعانية للدازاين بواسطة هيرمينوطيقا مطعمة بالفينومينولوجيا، ولذلك تعد من الإرهاصات المباشرة للمشروع الذي سيبلغ صيغته الأشهر سنة 1927.
إن الكينونة والزمان لم يولد إذن فجأة من رأس فلسفي مكتمل، وإنما خرج من هذا المختبر الذي كانت فيه الحياة، والواقعانية، والفهم، والعالم، والدازاين، والهيرمينوطيقا تتحرك داخل سؤال واحد: كيف يمكن للوجود أن يظهر من داخل وجود الكائن الذي يسأل عنه؟
وهنا تتضح قيمة كتاب «الأنطولوجيا، هرمينوطيقا الواقعانية». إنه لا يقدم مجرد مرحلة مبكرة في تطور فكر هايدغر؛ إنه يكشف لحظة كان فيها السؤال الأنطولوجي يبحث عن مكانه الصحيح. ذلك أن الوجود لا يُستعاد بالابتعاد عن الحياة، وإنما بالعودة إلى الحياة قبل أن تُشوَّه بالتجريدات التي تتحدث عنها.
الفلسفة، في هذا الأفق، لا تبدأ عندما نبتعد عن اليومي، وإنما عندما نكتشف أن اليومي نفسه يخفي أنطولوجيته. لا تبدأ عندما نغادر العالم، بل عندما نصير قادرين على رؤية العالم الذي كنا نعيش فيه دون أن نراه. ولا تبدأ عندما نمتلك معنى الوجود، بل عندما نكتشف أن وجودنا نفسه قد صار سؤالًا.
لذلك فإن الهرمينوطيقا الهايدغرية ليست علمًا للتفسير بقدر ما هي أنطولوجيا للانكشاف.
إنها تسأل عن الكائن الذي لا يستطيع أن يكون إلا وهو يفهم، وعن الفهم الذي لا يكون إلا لأنه نمط من أنماط الوجود. وهنا يلتقي التأويل بالكينونة في أعمق نقطة: لا يعود التأويل شيئًا يفعله الدازاين، بل يصبح شيئًا هو إياه.
وهذا هو الدرس الأكثر راديكالية في «الواقعانية»: إننا لا نملك وجودنا كما نملك شيئًا، ولا نقف أمامه كما يقف الناظر أمام موضوع؛ إننا مُلقى بنا فيه، ومن داخل هذه الإلقائية يبدأ إمكان الفهم.
إن الوجود يسبقنا، لكننا لا نملك سوى أن نؤول الطريقة التي نوجد بها فيه.
ومن هنا يمكن القول إن هايدغر لا يريد أن يعلمنا كيف نفسر العالم، بل يريد أن يوقظ فينا السؤال عن الكيفية التي صار بها العالم قابلًا لأن يُفسَّر لنا بهذه الصورة دون غيرها.
وهنا يصبح التأويل أكثر من قراءة؛ يصبح استعادةً للدهشة. والفلسفة أكثر من معرفة؛ تصبح عودةً إلى السؤال.
والدازاين أكثر من إنسان؛ يصبح ذلك الكائن الذي لا تنكشف كينونته إلا في اللحظة التي يتوقف فيها عن الهرب من سؤالها.
ولذلك فإن الأنطولوجيا لا تبلغ ذروتها حين تقول لنا ما الوجود، وإنما حين تجعلنا نسمع رجع الوجود في واقعيتنا نفسها.
هناك، في هذا الموضع الذي يسبق النظرية، حيث الإنسان لا يزال قريبًا من قلقه، ومن يوميته، ومن تاريخه، ومن عالمه، ومن إمكانه، تبدأ الهرمينوطيقا.
وهناك أيضًا، في ذلك الصمت الذي يسبق كل تعريف، يبدأ التفكير.
---

الهوامش:
[1] مارتن هايدغر، الأنطولوجيا، هرمينوطيقا الواقعانية، ترجمة وتقديم: عمارة الناصر، منشورات الجمل، بيروت، 2015، ص. 48.
[2] المصدر نفسه، ص. 127-128.
[3] المصدر ذاته، ص. 13. وتُحال هذه العنونة لدى بعض الدراسات العربية إلى أهمية الكتاب بوصفه من الإرهاصات المبكرة لـالكينونة والزمان.
[4] المصدر ذاته، ص. 48-49؛ انظر أيضًا: مارتن هايدغر، الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2012، ص. 87-88.
[5] مارتن هايدغر، الأنطولوجيا، هرمينوطيقا الواقعانية، ترجمة عمارة الناصر، ص. 127-128.
[6] مارتن هايدغر، الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2012، ص. 100-102.
[7] مارتن هايدغر، الأنطولوجيا، هرمينوطيقا الواقعانية، ترجمة عمارة الناصر، ص. 48؛ انظر أيضًا: هانس-غيورغ غادامير، طرق هايدغر، ص. 358-359.
[8] عمارة الناصر، «فكرة الواقعانية ومفهوم الإنسان: تأليف مارتن هيدغر – ترجمة وتعليق»، مجلة أبعاد، مجلد 1، العدد 1، 2014، ص. 73-89. وتوضح الدراسة أن المحاضرات تعود إلى سنة 1923 وأنها تمثل من أهم الإرهاصات الأولى لـالكينونة والزمان.
[9] مارتن هايدغر، الأنطولوجيا، هرمينوطيقا الواقعانية، ترجمة عمارة الناصر، ص. 127-128؛ انظر أيضًا: مارتن هايدغر، الأنتولوجيا، تأويليات الحدثية، ترجمة محمد أبو هاشم محجوب، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، الرباط، 2019، ص. 210-215.
[10] عادل مصطفى، فهم الفهم: مدخل إلى الهرمينوطيقا، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، 2017، ص. 121-126.
[11] مارتن هايدغر، الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني، ص. 88؛ انظر في السياق نفسه: هانس-غيورغ غادامير، طرق هايدغر، ص. 365-366.
[12] مارتن هايدغر، الأنطولوجيا، هرمينوطيقا الواقعانية، ترجمة عمارة الناصر، ص. 127-128.
Références françaises
[13] Martin Heidegger, Ontologie : Herméneutique de la factivité, trad. Alain Boutot, Paris, Gallimard, « Bibliothèque de philosophie », 2012, p. 33-34. وهذه الصفحات موثقة في دراسة فرنسية تناولت مفهوم Faktizität
الانتقال من الهرمينوطيقا النصية إلى هيرمينوطيقا الوجود.
[14] Martin Heidegger, Ontologie : Herméneutique de la factivité,op. cit., pp. 116-117. وفي هذه الصفحات يظهر تحديد العالم من خلال مفهوم significativité.
[15] Martin Heidegger, Ontologie : Herméneutique de la factivité, op. cit., p. 15. وانظر أيضًا: Alain Boutot، الحوار المتعلق بترجمته للكتاب إلى الفرنسية في France Culture، 11 octobre 2012.
[16] Hans-Georg Gadamer, L’herméneutique en rétrospective, trad. Jean Grondin, Paris, Vrin, pp. 84-85؛ في سياق حديث غادامير عن التحول الذي أحدثه هايدغر في المعنى الفلسفي للهرمينوطيقا.
[17] Jean-François Courtine (-dir-.), Heidegger 1919-1929 : De l’herméneutique de la facticité à la métaphysique du Dasein, Paris, Vrin, 1996.
[18] Martin Heidegger, Être et Temps, trad. François Vezin, Paris, Gallimard, 1986.
[19] Jean Grondin, L’universalité de l’herméneutique, Paris, Presses Universitaires de France, 1993.
----------



#معروفي_العيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسفة السياسة عند ألكسندر دوغين: من نقد الكونية الليبرالية إ ...
- مشكلتنا أننا لانحسن التفلسف في العالم العربي؟
- حين يصبح المضيق أرضًا): قراءة تأويلية في العبارة الترامبية ع ...
- زيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر: الدبلوماسية الهادئة في مواجه ...
- هل أزمة اللغة في الجزائر أزمة تعددٍ لغوي، أم أزمة ذاتٍ لم تح ...
- كيف يصبح الشر ممكنًا حين يغيب التفكير والحكم والمسؤولية؟ قرا ...
- الضيافة عند جاك دريدا: أو كيف يسكن الآخرُ بيتَ الذات؟
- الفلسفة ومجابهة الحمقى: أو كيف يُنتج الفكر اختلافه في مواجهة ...
- «الهوية الجزائرية في زمن العولمة: قراءات تأويلية وتفكيكية»
- الفلسفة بين شرعية الحضور ومفارقة الغياب
- «الفلسفة واليومي: تأويل في المعنى الذي يسكن العادي»
- « عندما يتألم الفلاسفة: في أنطولوجيا الجرح وتأويل الألم»
- الفلاسفة والحرب من منظُور صاحِب رائعة الفلسفة الشريدة
- الفلاسفة والحرب من منظُور صاحِب رائعة الفلسفة الشريدة الفيلس ...
- سيرة الاعتراف، سيغموند فرويد وفضله الكبير على الفليسوف بول ر ...
- قراءة في رائعة أُم الزين بن شيخة ، قصيدة -أعراس الماء-
- كيف نقرأ نيتشه اليوم؟ قراءة في كتاب- ضيف الله فوزية كلمات ن ...


المزيد.....




- مصادر لبي بي سي: الولايات المتحدة تخطط لقطع المساعدات العسكر ...
- موقع بريطاني يكشف -حرب تجسس- تديرها سفارة روسيا في لندن
- ترمب: وقعنا أضخم صفقة نفط في العالم مع فنزويلا
- رحلة علاج تتحول إلى فاجعة.. مقتل سيدة يمنية وابنتها في مصر
- أصبح مليونيرا.. تحضيرات لتوجيه اتهامات لعسكري أمريكي بسبب ره ...
- مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي يخفف شروط التوظيف لممارسي ...
- سلطات الهجرة الأمريكية تحتجز المحرض اليميني المتطرف ميلو يان ...
- ارتفاع حصيلة ضحايا الفيضانات في نيبال إلى 579 قتيلا ونحو ألف ...
- هواية تعود إلى الواجهة في الولايات المتحدة وتتسبب في موجة تس ...
- بيت هيغسيث ينفي تقارير عن نيته الترشح للرئاسة الأمريكية


المزيد.....

- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - معروفي العيد - الأنطولوجيا حين تصغي إلى واقعانيتها. قراءة تأويلية في «الأنطولوجيا، والهرمينوطيقا الواقعانية» عند مارتن هايدغر. بقلم: د. معروفي العيد.