صالح دغسن
باحث في فلسفة الفن وجماليات الحداثة
الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 07:21
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
قراءة في كتاب في فن ابتكار أنفسنا مقاربات فلسفية في الجغرافيا الابداعية للفيلسوفة والشاعرة والأديبة الدكتورة أم الزين بن شيخة المسكيني
تصدير
الخطير ليس فقط استعمار الأرض بل استعمار العقول والخيال والخطاب. بحيث أن المطلوب هو مساءلة ابستيمولوجيا الشمال بوصفها قد فرضت هيمنة معرفية وجمالية على شعوب جنوب الحداثة»ص، 215
ما معنى أن نبتكر أنفسنا هل هو سؤال فلسفي أم جمالي أم يجتمع كلاهما على أرضه ولكن هل في وسع الأنفس أن تبتكر وإذا كان كذلك فأي طريق في وسعنا أن نسلكها في رحلة إبتكار أنفسنا ونحن القابعين أسفل خط الحداثة, فنحن المهمشين والمشردين, ونحن المقهورين والمقموعين, ونحن المقتلين واللاجئين بين حدود الدول, ونحن اللّاوطن, لأن الوطن إختراع عظيم لا تصنعه الأيادي المرتعشة. فهل في وسعنا أن نتخلص من خطيئة التبعية التي فرضها علينا الغرب الإستعماري نحن القابعين جنوب الحداثة؟
كل هذه الأسئلة تتفرع من سؤال مركزي واحد نعثر عليه في الكتاب الجديد للفيلسوفة والشاعرة والأديبة د/ أم الزين بن شيخة المسكيني «في فن ابتكار أنفسنا مقاربات فلسفية في الجغرافيا الإبداعية» وهو الكتاب الذي يتموقع بكل قوة في المنعرج الديكولونيالي لما يحمله من نفس مقاوم تجتمع فيه الفلسفة الجمال لتخط إستطيقاجديدة يمكن أن نسميها إستطيقا جنوب الحداثة. كيف لا وهي التي تؤسس حديقتها من الإقليمي والمحلي في إستقلال تام عن الإستطيقا الغربية التي بقيت حبيسة الذوق والذاتية الغربية وإدعاءاتها الكاذبة للعالمية والكونية هذه المفاهيم التي من خلالها تريد تدجين الآخر وصهره في ثقافتها الليبرالية المتوحشة على أساس أنها النمط الأمثل والطريقة المثلى للعيش في التزمينة المعاصرة معتقدة أنها الحقيقة المطلقة وأبعد ما يمكن أن يبلغه الكائن البشري الشيء الذي هيأ لها رسم معالم النهايات واختزال كل ثقافات العالم في نموذجها
نعم تلك هي حقيقة الغرب الإمبريالي التي يتغاضى عنها الكثير, لكن هناك من المؤلفات والكتابات التي ترفض هذه التبعية المطلقة لتقف جدار صد وصرخة مدوية تفضح إنحراف العقل الغربي عن خطه التنويري. وهذه الصرخة الفلسفية والجمالية التي نحن بصددها هي ما يصنع مقولاتنا الوجودية التي تخصنا نحن وتخترع براديغم ما بعد النهايات الذي يكشف ما زرعته وتزرعه الإمبريالية الغربية المتوحشة في جغرافياتنا السياسية من تدمير وخراب لعل الأشدها قسوة وألما هي ما تنسجه في خرائطنا المحلية من حروب وحروب بالوكالة وتطهير عرقي ياتي على بشرنا وحجرنا لنجد أنفسنا واقفين على حافة الكارثة.
فكيف لنا أن نقف على أشلاء جثثنا و خراب مدننا لنبتكر أنفسنا من جديد والرهان المركزي لهذا الكتاب الذي تلتقي فيه الفلسفة بالفن لتولد على أرضه أنفسنا الجديدة التي تبدأ من رفض كل هويه جاهزة أو عملية نمذجة أو تنميط؟
تقديم الكتاب
بعد الإهداء والشكر والديباجة تحرص المؤلفة على وضع خريطة الكتاب تضع فيها البنية العامة والعناوين الرئيسية لكتابها وربما إختارت هذه الطريقة حرصا منها على رفع العناء وتوفير أقصى مستويات الراحة للقارئ وتشكلت هذه الخريطة من مقدمة عامة للكتاب وأربع أبواب رئيسية تخللت كل منها بعض الفصول ثم ختمت بملحق تعرضت فيه لشهادات الفنانين الذين أثثت بإبداعاتهم حديقتها الإستطيقية التي تتموقع كإستطيقا ديكولونيالية تخصنا نحن سكان جنوب الحداثة الذين أهملتهم الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة و جعلت منهم مجرد تبع لنموذجها الليبرالي المتوحش وربما لذلك جعلت من سؤال كيف نبتكر أنفسنا من جديد كذوات تقاوم الذات الغربية هاجسها المركزي في هذا الكتاب بعد أن كشفت الذات الغربية عن وجهها العدائي القبيح تجاه المختلف الثقافي وصنعت من مفهوم الهيمنة ناموسا وتشريعا لبسط سيطرتها على عالم الجنوب لتجد المؤلفة في التأويل الفلسفي لبعض الابداعات الفنية المحلية طريق لمقاومة هذا الإنحراف الهووي والقيمي لتخط بذلك حفريات ديكولونيالية تأخذ من تأويل الآثار الفنية منهجا لتفتيك هذه المنظومة الكولونيالية الغربية وفي هذا لا نجدها تحيد عن خطها المقاوم لكل أشكال الهيمنة فمنذ كتاباتها الأولى حملت على عاتقها مهمة الوقوف لكل الشقوق الراديكالية والإنحرافات التي أرتكبت في هذا الوجود المعاصر بدءا من فضح كل المسوخ الحداثية من تطرف وإرهاب وعنصريةفي مجتمعاتنا الجنوبية وما حملته لنا من إنحرافات إجتماعية و إقتصادية و قيمية أيضا أضرت كثيرا بالمستوى المعيشي و الحياتي للجموع والحشود التي حكمتها نظم رجعية والكلمة هنا تتجاوز المعنى السياسي إلى المقاربات المتعددة التي تشكل وجودها كذوات بشرية
تجدر الإشارة هنا إلى أن الفيلسوفة جعلت من مقولة المقاومة الميكانيزم الأساسي الذي تستهدف من خلاله مسألة جوهرية وأساسية لذواتنا الما بعد حداثية ونقصد بذلك مسألة الوعي عند الجماهير لأنها تعلم جيدا أن كل تغيير ينطلق دائما من مقولة الوعي
كما أن الكتاب بالإضافة الى أنه يجد موقعه ضمن المقولات الديكولونيالية التي تخوضها ثقافة جنوب الحداثة في خضم هذا الصراع الوجودي العنيف وهي مقاربة تقترح فتح آفاق غير غربية وغير كولونيالية جماعية وغير رأسمالية تمنح الكلمه لسكان جنوب الحداثة من أجل بناء هوياتهم والعودة إلى أقاليمهم في أفق عدالة معرفية وإبداعية بين الثقافات
وبذلك حاولت مؤلفة الكتاب البحث في إمكانية إبتكار أنفسنا فلسفيا وجماليا وموقعتها الجغرافية في العالم هذا العالم الذي يمكن أن يتفرع إلى عوالم عدة حسب ما تقترحه مخيلة المبدع للأثر الفني ويتفرع السؤال المركزي الى أسئلة فرعية. سؤال أنطولوجي وجودي, وسؤال معرفي, وكذلك سؤال أخلاقي
1. كيف نبتكر أنفسنا فلسفيا
تنطلق المؤلفة من قراءة نقدية لأهم وأبرز العلامات الفلسفية الغربية التي تتجاوز فيها ما يمكن أن نسميه التبعية المعرفية والتي وللأسف يسقط فيها بعض نخبنا الأكاديمية حيث لا يقع الإنتباه إلى مسألة جوهرية وهي أن هذه المفاهيم والأسئلة المطروحة في الفلسفة الغربية خاصة منها فلسفة التنوير والحداثة هي بالأساس مفاهيم هووية حكرا على الثقافة الغربية المسيحية بنيت في صميمها من أجل إحكام السيطرة والهيمنة على الآخر ضمن ما يسمى سياسة التثاقف وإحتواء الآخر فما معنى أن يقضي باحث أو متفلسف حياته في بحث مفهوم الذات عند ديكارت أو الأنا الأعلى عند نيتشه دون أن يتفطن إلى أن تلك المفاهيم والمقولات هي مسيحية غربية حتى الإشباع وتفتقر إلى مفهوم أساسي ألا وهو الإعتراف لأن هذا المفهوم هو وحده الكفيل بأن يجعلنا نتبنى هذه المقولات وندافع عنها بشراسة عمياء.
أما غير ذلك فهي لا تتجاوز الأعلاف الإبستمولوجية التي تجترها النخب والطلبة و تتناسى بذلك السؤال المركزي الذي تفطنت له المؤلفة في هذا الكتاب وهو من نحن وما موقعنا في خريطة هذا العالم المعاصر؟
طبعا لذلك تحاول المؤلفة إنتقاء مفرداتها بعناية فائقة وهذا ما نقف عليه منذ البداية وبالتحديد من العنوان حيث تبدع في إختيار الألفاظ المشكلة له حتى تتخلص من كل سقوط في القوالب الجاهزة التي يمكن أن تضعها في دائرة الهووي. هذا المفهوم الذي كان في لحظة ما السبب وراء تدمير هذا العالم حين تبنته الفلسفة الغربية الحديثة في مفهوم الذات الغربية الذي تحول إلى إيديولوجيا دموية تسعى إلى القضاء على كل مختلف ثقافي أو عرقي أوديني. من أجل ذلك تخيرت لكتابها عنوانا أحسنت فيه التخلص من الإيديولوجيا وترسبات التراث فكان في فن إبتكار أنفسنا عنوانا لا يحمل أي إدعاء جاهز حول هوياتنا التي هي دوما قيد الإبتكار« ثمة فرق بين إدعاء التأسيس وفن الإبتكار»ص، 18 فلفظ فن وكذلك إبتكار كلاهما يحوز مفهوم الإبداع والتجديد ويحمل بين ضلعيه أدوات تحرره من كل دائرة مفهومية وسردية جاهزة, بل يذهب إلى الحدود القصوى لما عبرت عنه بمفهوم «التشابك الثقافي» حيث المقصي والمهمش الذي أرادت كولونيالية التاريخ التنويري للحداثة طمره ونسيانه كما طمرت الولايات المتحدة الأمريكية أجساد السكان الأصليين الهنود الحمر في وحل مدنها وناطحات سحابها
إلى ذلك وإمعانا منها في إكساب هذا العنوان جدارته الفلسفية إختارت له صيغة النحن عوضا عن الفردنة والذاتية التي تقذف به إلى نوع من النرجسية والأنانية التي يطفح بها التاريخ التنويري للذاتية الغربية, لتطرح صيغة النحن في العنوان نوعا من التناسج والتضامن البيني للجماعة وهو شكل من أشكال الورش الثقافية لما بعد الكولونيالية والتي تجد في الإختلاف والإعتراف والتضامن شكلا من أشكال التأسيس لمشروع الجماعة الما بعد كولونيالية. ويأتي هذا التصور كإجابة عن سؤالها« من أنت تحديدا؟»ص، 19 حيث تقول أنه لا يتعلق الأمر هنا بالإشتغال على الهويات الفردية أو الشخصية, بقدر ما نطمح إلى تصور فلسفي إبداعي جماعي ثقافي لعبارة «نحن أنفسنا»ص، 20
بعد الكم الهائل من الرضوض والندوب التي ألحقتها إيديولوجيا الهيمنه الغربية في شكلها الإمبريالي المتوحش بالمختلف الثقافي لتحيل جغرافية هذه الجموع والحشود إلى معابر وخرائط مشوهة وأرواح منهكة وأجساد معطوبة وهنا تستدعي ما قاله «إيمي سيزار في خطاب الإستعمار» للتعبير عما أرتكب من فضعات في حق هذه الشعوب حيث يقول« أنا أتكلم عن مجتمعات أفرغت من نفسها , عن ثقافات مداسة, ومؤسسات ملغومة, وأراضي مصادرة, وديانات مقتولة, وروائع فنية دمرت, وإمكانيات خارقه قمعت... أنا أتكلم عن ملايين من الرجال أنتزعوا من آلهتهم, من أرضهم, من عاداتهم ومن حياتهم, من الحياة والرقص والحكمة»ص، 20
أمام هذه الفضاعة وهذا التدمير الممنهج وسياسات محو الذاكرة التي إنتهجتها إيديولوجيا الهيمنة الغربية المتوحشة تراهن المؤلفة على الحاضر الإبداعي للنحن وليست النحن بالمعنى الكوني لأنها اخر السياسات التي إنتهجتها الإمبريالية الغربية المتوحشة في نوع من النمذجة والتدجين المقرف الذي تسعى من خلاله الى مواصلة سياسة الهيمنة التي تفرضها على المختلف الثقافي بل تقصد بالنحن ما يمكن أن نسميه بالأقلمة وهو نوع جديد من الإنتماء إلى الإنسانية الما بعد كولونيالية. وهي الجماعات« العابرة للحدود و للأعراق وللهويات الجندرية»ص، 21 في نوع من الإبتكار لذوات بشرية تنتمي إلى الإنسانية الكبرى عن طريق ما يبدعه الفنانون كأفق لمستقبل يمكن أن يعاش. ليقف الإبداع الفني في هذه التجربة موقف الجدار الأخير الذي يحمي هذه الذوات المعطوبة من واقع متأزم ومستقبل يثير الرعب والقلق. فكيف يستطيع الفن إبتكار نحن الإقليمية ضمن جغرافيا مغايرة لخرائط الإمبريالية ليصبح الفن بمختلف تعبيراته إمكانية لمقاومة كل أشكال القهر والسيطرة؟
2. كيف نبتكر أنفسنا جماليا
لقد إختارت المؤلفة لكتابها هذا أن يكون ورشة جمالية مفتوحة يستدعي فيها التفكير الفلسفي مختلف التجارب الفنية المحلية من الفن التشكيلي إلى المسرح والأدب بتفرعاته السردية والشعرية ومختلف الفنون البصرية الأخرى متجاوزة بذلك كلاسيكيات النقد الأدبي لتفتح بذلك أفقا لإنتاج أشكال من الكينونة الإقليمية للنحن المحلي في تخلص واضح من كل أنماط الوصاية المفروضة علينا من الثقافة الغربية المهيمنة. وهي نوع من تحرير العقل المحلي ليفكر وفق متطلباتنا نحن وليس كما تمليه علينا مركزية العقل الغربي. بالإضافة إلى ذلك فإن هذه التجربة الإبداعية التي تستدعي فيها الفلسفة مختلف التجارب الفنية لها إسهام في إخراج الفلسفة من ثوبها النظري الجامد إلى الجوانب العملية التي تتصف بالدينامية والفاعلية لتصبح الفلسفة ممارسة تضبط وتخترع قيمنا المعرفية التي تترجم بها إبداعات الفنانين الذين يعيدون إختراع أشكالا جديدة من الحياة التي يمكن أن تعاش في شكل من أشكال مقاومة اليومي الناضح بالبؤس لتصبح الفلسفة والفن ذلك المعول الذي يشتغل من أجل إبتكار أنفسنا عن طريق سرد وتأثيث قضاياها وقصصها وهويتها التي تخصها متخلصة بذلك من هوية الرجل الأبيض الأوروبي بدءا من أفلاطون واكتمالا مع كانط الذي صنع هوية الأوروبي تحت ما أسماه ثنائيةالذات والموضوع ضمن مفهوم الإنسان الذي مثل السؤال الرابع والجامع للميتافيزيقا الكانطية الحديثة والذي يأتي بعد سؤال ماذا يمكنني أن أعرف الميتافيزيقا وماذا يجب علي أن أفعل الأخلاق وماذا يحق لي أن آمل الدين. غير أن هذه الأسئلة الكانطية موجهة للإنسان بمنظوره الكوني كما كان يعتقد بعض الشراح والمشتغلين على هذه الفلسفة« بعد أن تحولت سردية الحداثة الغربية إلى سردية تبرر لتفوق الغرب على باقي شعوب الأرض وتصوغ لإستعمار أي شعب يقع خارج خرائطها بتعلّة نشر الحضارة والمعرفة في جغرافيات لا تملك نفس نمط الوجود في العالم» ص، 35 هذا الإدعاء والغطرسة شرعت مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين إلى ظهور فلسفات ما بعد حديثة حاولت إنصاف الآخر المختلف عن الذات الأوروبية من أهمها فلسفة دولوز وليوتار ودريدا وفوكوثم تواصل هذا الخط مع التيار النقدي للمقاربات الإستشراقية التي وجدت في الدراسات الما بعد كولونيالية« منذ إدوارد سعيد عبارتها القصوى لم تكن غير لحظة نقد للمقاربة الغربية للإنسان» ص، 36ـ37»
هذا النهج تم تجذيره مع أقطاب الفكر الديكولونيالي «الذين إعتبروا أن الحداثة مشروع كولونيالي وأن المطلوب من شعوب جنوب الحداثة هو العصيان المعرفي والجمالي والأنطولوجي ضد إبستيمولوجيا الرجل الأبيض»ص، 37
كل هذه المقاربات بالإضافة إلى المقاربة الوجودية مع سارتر وهايدجير فتحت الباب أوسع على قراءات أوسع وأشمل لمفهوم الإنسان الذي تحرر مع هايدجير من عزلته عن العالم كما هو الشأن في الكوجيتو الديكارتي« ان هايدجير يحرر الإنسان من عزلته ويلقي به وسط العالم»ص، 39 ومن ثم ظهرت تيارات في الفلسفة الغربية بدأت تعترف بوجود الآخر أو المختلف الثقافي ليتطور هذا الخط مع الفلسفات الديكولونيالية ولعل الأكثرهم جرأة على الإعتراف بالآخر الثقافي والعرقي كما تشير المؤلفة إلى ذلك «فرانز فانون» في كتابه «بشرة سوداء, أقنعة بيضاء» الذي حاول فيه إنصاف الآخر في حركة مضادةللكولونيالية والإستعمار الغربي الحديث وهنا تتم معالجة مسالة الهوية «السوداء» إنطلاقا من خطورة ثنائية الإنسان الأبيض والإنسان الأسود «إن تلك الثنائية الإيديولوجية قد مثلت الأرضية النظرية لتبرير الإستعمار بكل فظاعاته. فما أخطر الفكرة وما أصغر الذين يحولونها إلى وسيلة لإستعباد الاخرين وإهانتهم»ص، 46 ومن هنا كان جهد فرانز فانون منصب على تفكيك ثنائية الغرب اللعينة أو ثنائية الأبيض والأسود والتي أشار إلى أنها حالة مرضية أطلق عليها تسمية «العصاب الجماعي» التي يجب على الإنسانية أن تشفى منها وهي «عملية تحرير نفسية من أمراض سيكولوجية خلفتها فظاعات التوحش الإستعماري»ص، 47 وهي من أشد أمراض الهويات فتكا بالإنسان حيث كتب تاريخ هذا العصاب الجماعي بدماء الأبرياء من الزنوج إلى الهنود الحمر وحديثا بدماء العرب والمسلمين على يد الإمبريالية الغربية المعاصرة وأداتها الطولى المتجسدة في الصهيونية وما حدث ويحدث في العراق وأفغانستان والسودان وسوريا واليمن وليبيا ولبنان و إيران وفلسطين وخاصة غزة إلى تاريخ للعنصرية الدموية الغربية كتب بأجساد ضحاياها ولم تكتفي المؤلفة بذلك بل دعما لحجتها في فن إبتكار أنفسنا إستدعت تجربة «جيل دولوز وفيليكس غاتاري» في كتابهما «أوديب المضاد»الذي مثل حسب قولها «منعرجا فلسفيا أساسيا في فهم مسألة الاخر بوصفه برنامجا نضاليا ضد جهاز الدولة الرأسمالية المتوحشة» حيث يخوض المؤلفان معركة فلسفية ضد مؤسسة التحليل النفسي لفرويد التي تحولت من دور معرفي إلى مؤسسة سلطة تمارس بطشها على الذاتيات والأجساد يقترح المؤلفان بديلا عن التحليل النفسي « التحليل السكيزوفريني» حيث يصرحان في كتابهما بما يلي «حتى فرويد لم يخرج من هذه الرؤية الضيقة للأنا»ص، 50 ولذلك قاما بمحاولة تقديم مقاربة جديدة لمفهوم الرغبة حتى تتحرر من دائرة أسطورة أوديب «التي تحمل في طياتها صيغة مسيحية مقنعة عن أسطورة الخطيئة الأولى وعن مسألة التأثيم والشعور بالذنب. وكل المشاعر الإرتكاسية لتعذيب النفس والتحكم بالأجساد»ص، 51 وبذلك يصبح اللاوعي في مؤسسة التحليل النفسي إختزال للرغبة ورمي له بالنقص والشعور بالذنب ضمن ما أسمته المسيحية بالمحرمات بل هو بمنظور ديكولونيالي مجال سياسي وإجتماعي وجغرافي وأسطوري وكذلك ديني لينتقل اللاوعي من إنية الفردنة إلى ما هو جماعي ونتاج للاشكال التاريخية وللمسارات القمعية لتصبح بذلك حسب المؤلفة أطروحة أوديب المضاد «إلا بوصفها نقدا ردكاليا للرأسمالية التي تقوم على مفهوم الفرد كذات مكبوتة بائسة»ص، 51 لنكتشف معها العلاقة الخفية بين مؤسسة التحليل النفسي وأوديب بالرأسمالية بوصفها إيديولوجيا تسلط وقمع. وما التحليل النفسي و أوديب إلا سردية إستعمارية ناطقة بلسان الكولونيالية الغربية المعاصرة «إنه رعب الرأسمالي الكولونيالي الذي تمت صناعته ضمن نموذج التحليل النفسي عبر سردية اوديب المرعبة»ص، 56 هذه السردية التي إعتبرتها المؤلفة مجرد جهاز لإنتاج ضرب من الذات الباطنية وشكل من أشكال الإستعمار والهيمنة على الشعوب لتستنتج من ذلك أن اوذيب بمثابة الجدار الأصم ووجه من وجوه أوروبا الكولونيالية التي تسعى إلى تابيد الهيمنة على الجغرافيا والتاريخ العالمي. لهذا نجدها تدعو إلى مقاومة هذه السردية الإستعمارية بتنشيط قصصنا نحن من أجل إعادة إبتكار أنفسنا وسط هذا العالم ومن هنا تقترح علينا الإنخراط في براديغم جديد يقع في أفق لغتنا العربية بوصفها لغة قصصنا وحكاياتنا وناظمة لقصائدنا وأغنياتنا كمنوال جمالي يخصنا ويعنى بالبعد المعرفي للفنون كبديل للدراسات الإستطيقيةالغربية التي إعتبرتها منوال جمالي معرفي دخيل على ثقافتنا.
3. المنعرج الجمالي الديكولونيالي
في هذا السياق تتناول المراحل التاريخية لتطور مفهوم الإستطيقا الغربية بدءا من بومجارتن وكانط وشيللر إلى هيغل ونيتشة وأدرنو ووصولا إلى رانسيار ثم مفهوم الجماليات ما بعد الكولونيالية وتحديدا مع إدوارد سعيد وكتابه «الإستشراق» الذي يعتبر فيه أن لفظ «الشرق» ما هو إلا إبتداع غربي للشعوب والثقافات المختلفة عنه ما جعله يقترح «إرساء خطاب جمالي وثقافي ومعرفي مضاد للإمبريالية الغربية التي وجدت تبريرها العميق في الإستشراق»ص، 71 لنفهم معه أن لفظ الشرق ليس سوى إختراع غربي للهيمنة على الثقافات التي إستعمرتها وتواصل هذا الفعل معرفيا وإبداعيا لتتضح بذلك العلاقة المشبوهة التي وضعها الغرب بين المعرفة والسلطة وخطاب طبقي يضع الإنسان الغربي في درجة عليا في حين يقذف بالآخر المختلف إلى درجة الدونية ليصبح السؤال مع إدوارد سعيد هو كيف نحرر أنفسنا من هذه الهوية الدونية؟ .
ضمن هذا الجدل تنبه المؤلفه إلى خطوره الإستشراق كخطاب كولونيالي يجب التحرر منه وتستعين في ذلك بما وقعه إدوارد سعيد في كتابه «الثقافة والإمبريالية» الذي يفضح فيه الخطاب الغربي وسياساته الإقصائية البشعة التي تنزع الإنسانية عن غير الأوروبي . من أجل ذلك يدعو إلى إعادة النظر فيما يسمى براديغم الإستطيقا الغربية وكل الإدعاءات القائلة بحيادية وكونية وموضوعية الحقيقة. لذلك نجده يدعو في كتابه «العالم والنص والناقد» إلى إستعادة قدراتنا الإبداعية على تمثيل أنفسنا كرهان أساسي للجماليات ما بعد الكولونيالية كضرب من الابتكار لهويات هجينة وغير أصيلة كشكل من أشكال مقاومة سياسات الهوية الغربية التي تدعي الصفاء والنقاء وتحتكر الحياة والحقيقة. في سبيل ذلك يصوغ مقاربته الثقافية والفلسفية والنقدية كحركة مضادة ومقاومة للإمبريالية الغربية المهيمنة. ثم تترحل بنا مع تجربة ديكولونيالية و إبداعية أخرى تتبنى هذا الخط المقاوم للهيمنة الغربية لتقف بنا عند تجربة «عفيف بهنيسي» وكتابه «جماليات الفن العربي» الذي يشتغل فيه على إمكانيه نحت مجال خاص بالجماليات العربية بوصفها نمطا إبداعيا يخص الثقافة العربية والممثل الشرعي للفنون التي تظهر في جغرافيتنا التي توحدها لغة الضاد وتنتمي إلى نفس الذاكرة. في ذلك يدفع إلى دحض القراءة الإستشراقية التي وقع تحت طائلتها ما يسمى «بالفن الإسلامي» بكون اللغة العربية سابقة عن الإسلام ويبين أن هذا المفهوم الإستشراقي أي الفن الإسلامي فيه «نوع من الخلط الماكر بين الدين والفن, يفترض ضمنيا طمس إمكانية الحديث عن فن عربي له خصوصياته الثقافية التي تجعله مختلفا عن التعريف الغربي الحديث للفن»ص، 78 و لدحض هذا المكر ورفع هذا الخلط المتعمد يدعو بهنيسي إلى تحرير الإستطيقا الغربية من وهم التفوق ومنها رفض وهم الإعتقاد بأن الفن التشكيلي كما عرفه الغرب هو الصورة الوحيدة المشروعة للفن ثم اعطاء الفن العربي و الإسلامي درجة الفن الصحيحة بعد أن حرمته الإستطيقا الغربية هذه الدرجة مدعية أنه مجرد فن زخرفي لا يرقى إلى درجة الفن وثالثا التعليل الغربي لعدم ظهور الفن التشكيلي في البلاد العربية بكونه راجع إلى منع الإسلام التصوير التشبيهي وكل هذه الإدعاءات الغربية من وجهة نظره ليست سوى إفتراءات كولونيالية تؤسس للهيمنة الغربية على الفن وعدم فهم هذا الغرب لعمق ومضمون اللغة والحرف العربي التي نشأت منهما فنون «الخط والرقش والأرابيسك» التي لم يستطع الغرب فهمها وفق براديغمات الإستطيقا الحديثة»ص، 82 التي بقيت سجينة جهلها بعمق الثقافات الأخرى ووهم التفوق وحب السلطة والهيمنة. كل هذه الأسباب وقفت حائلا حسب المؤلفة وكل التجارب التي عرضتها في كتابها إلى خلق نوع من العزلة وعدم الإعتراف بالثقافات المختلفة الأخرى عن الثقافة الغربية وحرمان فنون الشعوب الأخرى من درجة الفن وإعتبارها مجرد فلكلور وصناعات تقليدية وزخرف ويأتي ذلك ضمن ما عبرت عنه بكولونيالية المشروع الغربي الحديث الذي «يتم فيه التمييز بين كولونيالية الطبيعة و كولونيالية الكينونة و كولونيالية المعرفة وأخيرا كولونيالية المحسوس»ص، 83 من أجل ذلك تدفع وتحث الشعوب على مقاومة هذه الكولونيالية الغربية لإنتزاع ما أسمته بالعدالة الإبستيمولوجية والإقتصادية والبيئية وكذلك الإبداعية «وذلك في أفق إختراع بدائل جديدة للحقيقة وللجمال وللوجود»ص، 84 وهذا المطلب التحرري لا يمكن تحقيقه حسب رأيها إلا بما أسمته العصيان الجمالي للإستطيقا الغربية وبإرساء معادلة جمالية جديدة لا يكون فيها الفن الغربي غير مجرد فصل إلى جانب الفصول الأخرى التي تنحدر من ثقافات مغايرة كالعربية والهندية والصينية والإفريقية ضمن أفق جمالي يمنح المحل الريادة ضد الكوني والمعولم. لهذا السياق تحاول الفيلسوفة الإستفادة قدر المستطاع من الفلسفات الديكولونيالية والعمل على تأثيث فلسفة للأمل كبديل عن فلسفات الهوية والموضوعية والحقيقة و إدعاءات الكونية الكاذبة وهو ما يتطلب حسب رأيها قدرا من الشجاعة الفلسفية حتى نستطيع هدم هذه الجذور الميتافيزيقية التي حكم بها اللوغوس الغربي وسيطر على العالم ولخوض هذه التجربة الجمالية المقاومة تستدعي لنا أحد كبار الفلسفة الديكولونيالية وهو «ريتشارد رورتي» وكتابه «المتهكم الليبرالي» كأرضية وبديل لإنهيار فلسفات الذات الأوروبية ذلك أن مهمة إبتكار أنفسنا عبر فنون السرد تعني تحديدا إمكانية أن نجعل الآخر واحدا منا وليس آخرا على نحو غريب وإقصائي وبالتالي فإبتكار أنفسنا يبدأ كمسار شخصي لكنه مسار يتضامن مع الآخر المتألم حيث يستعمل رورتي مفهوم المتهكم الليبرالي «الذي يصبو إلى يوتوبيا ورهانه الوحيد التضامن مع المتألمين في العالم, وهي يوتوبيا تعوّل على الخيال ضد العقل وعلى الحرية ضد النظرية وعلى الأمل ضد الحقيقة»ص، 93 في نفس السياق تبدأ من الوقوف على مقصد الفيلسوف من مفهوم المتهكم الليبرالي حيث تعرفه «بوصفه أسلوبا أدبيا في التربية الجمالية ما بعد إنهيار فلسفات الذات»ص، 88 ويحمل هذا الأسلوب مطلبا أساسيا يحاول من خلاله هدم المنظومة الإستطيقية الغربية التي حاولت تثبيت الجميل في مقولة الكونية الكانطية ليصبح التعدد والكثرة صنوان الجميل في مفهومه الديكولونيالي الذي يوجد فيه الفنان والمفكر من أجل المجتمع ويبحثان في إستئنافه كرهان لبناء الأمل عوضا عن المطلب المعرفي للإستطيقا الغربية وبذلك يتخلص رورتي بمفهوم المتهكم الليبرالي من مفهوم الفرد الليبرالي النرجسي والمغلق داخل المنظومة السلعية فيتحول إلى شخص يحمل مشروعا فنيا رهانه الإعتراف والتضامن مع الآخر ضمن دائرة التثاقف التي تراهن على التآزر والتضامن مع كل المتألمين في العالم من أجل إبتكار ذوات جديدة ديدنها الشك في كل ما إدعاه الغرب من حقائق جاهزة وذلك بإختراع إمكانيات مغايرة وإبداع قصص جديدة تنطلق من الإقليمي والمحلي بدلا عن إدعاءات العالمية والكونية الغربية الليبرالية التي وجدت من أجل إحكام السيطرة على الآخر وتذويب ثقافته المحلية في الثقافة الليبراليةالغربية التي مارست كل أشكال القسوة على المتألمين في العالم.
هكذا يدعو رورتي إلى إستبدال كل المفاهيم التي إبتدعتها فلسفة التنوير والحداثة الغربية من «قبيل الحقيقة والموضوعية والكونية»ص، 96 بوصفها إدعاء ميتافيزيقي غربي يعتقد في كونها الصياغة النهائية للحقيقة التي تتطابق مع الواقع وهو سلوك ميتافيزيقي يسجن الإنسانية في حقائق وهويات جاهزة وعليه يصبح التهكم مقاومة للنموذج الغربي الليبرالي بما يخترعه المبدع من مهارات أدبية وفنية بوصفها سلوك فلسفي ما بعد ميتافيزيقي يطلب ويأمل في إعادة إبتكار أنفسنا على نحو أجمل وهي دعوة إلى تخليص الفلسفة من الطابع المعرفي النظري و التأملي والميتافيزيقي وتحويلها الى ممارسة إبداعية تنشغل بهموم المجتمع و مشاغله اليومية «إن أهم ما يميز المتهكم عن الميتافيزيقي هو أنه في حين يعتقد الميتافيزيقي أن الانسان كائن من أجل المعرفة. فإن المتهكم يتصور أن الإنسان لا ينفك عن إبتكار ذاته على نحو أفضل »ص، 97مما يتعرض له البشر في ظل هيمنة ثقافة الأقوى من قسوة وإهانة «لذلك لا تحتاج حياة الناس إلى الحقيقة بوصفها تمثيلا بقدر حاجتها إلى الأمل في عالم أقل إهانة للبشر»ص، 97 هذا العالم الذي يخترعه الفيلسوف والمبدع ليس عالما واحدا بل عوالم متعدده يبتكرانها بأنفسهما حيث الزمان والمكان الجغرافي الذي يوجدان فيه ليتحول الإبداع في كل مرة وكل زمان ومكان ولادة جديدة وهو ما يعنيه بأن يلد الإنسان نفسه «لا شيء يوجد كل شيء يولد ويتجدد فينا بقدر قدرتنا على إبداع انفسنا»ص، 101
هكذا تضع الفيلسوفة قراءتها ضمن المنعرج الديكولونيالي في إبتكار البشر لأنفسهم كشكل من أشكال المقاومة لمركزية العقل الغربي والهيمنة الثقافية الليبرالية المتوحشة التي جعلت من البشر جملة من المستهلكين والمتألمين
4. لحظة إبتكار أنفسنا
حين يلتقي الفن بالفلسفة في المنعرج الديكولونيالي على أرض المحلي والإقليمي تتجلى معالم الطريق إلى الخلاص من سياسة الهيمنة التي فرضتها الثقافة الليبرالية الغربية كنموذج واحد وأوحد للحياة البشرية. فتبرز هذه اللحظة كإثبات أنطولوجي ومعرفي وأخلاقي على وجودنا كأنفس بشرية نتقاسم مع غيرنا من الأنفس في هذا الوجود الذي بوسعه أن يتسع للجميع دون ألم وقسوة من أحد. غير أن هذه اللحظة لا يمكن لها أن تبنى إلا بمقاومة هذه المركزية الغربية ومن أجل ذلك ومن أجل توقيعها في واقعنا الملموس تستدعي الفيلسوفة بعض التجارب الجمالية والأدبية المحلية التي مثلت الجغرافيا الإبداعية في فن إبتكار أنفسنا وذلك بعد التشديد في الفصل الرابع من الكتاب على قيمة مفهوم المواطنة للتخلص من ثنائية الرجل والمرأة. هذا التمييز الذي جعل مفهوم المواطنة محصورا في كونها مجرد مسالة سياسية لذلك تحاول المؤلفة العثور على إمكانية ما لتخليص هذا المفهوم من دائرة السياسة وجلبه إلى المجال الإبداعي. أو بالأحرى إنتزاع المواطنة كقيمة إنسانية في ذاتها من إنتهازية السياسة والسياسيين الذي يستغلونه وقت الحاجة عندما يمس مصالحهم وعادة ما تقع هذه الممارسات عندما تفتح صناديق الإنتخابات أفواهها أو في تمرير بعض القوانين والمشاريع ذات المصلحة الحزبية أو عندما تقترن بمصالح اللوبيات الإقتصادية والسياسية النافذة و لتجاوز هذه النقيصة ومن أجل ترسيخ المواطنة الإبداعية تعود المؤلفة إلى بعض التجارب الجندرية التي خاضت في هذه المسألة من أمثال «سيمون دي بوفوار وكتابها الجنس الثاني» الذي تطرقت فيه إلى التمييز الجنسي بين الرجل والمرأة وتطرح فيه قضية هوية المرأة كما صنعها نظام الهيمنة الذكوري الذي يحرص عبر تاريخه الطويل على جعل المرأة جنسا ثانيا كتمييز بيولوجي يجعلها في درجة دونية عن الرجل داخل نظام الهيمنة الذكورية. ولإثراء هذه التجربة تعرضت المؤلفة أيضا لنص «روزا لوكسمبورغ» الذي ألفته تحت عنوان «الإقتراع النسائي والنضال الطبقي» سنة 1912 وبعد إغتيال هذه الأخيرة بتاريخ 15 جانفي 1919 وتحديدا مع أربعينيات القرن الماضي وقع الإعتراف بالمواطنة للنساء والمشاركة في الحياة السياسية غير أن سيمون دي بوفوار مثلت مقاربتها مشغلا فلسفيا نسويا عبرت عنه الفيلسوفة الفرنسية «لوس إريغاري» التي ألفت كتابا بعنوان «مرآة المرأة الأخرى» وتعرضت فيه لأطروحة ثنائية الكينونة كبديل لمفهوم الجنس الثاني لتنظر إلى المرأة كذات عوضا عن آخر وترفض بذلك ثنائية الرجل والمرأة «القائمة على التمييز الجنسي والعنف الوجودي»ص، 111 وتطرح بذلك بديل «ثنائية الكينونة القائمة على الإختلاف الجنسي كقانون طبيعي كوني»ص، 111 وهي أطروحة فلسفية تجد ترحيبا من المؤلفة لتقول عنها بأنها «بمثابة الثورة الأنطلوجية والأخلاقية»ص، 112 لتشكل علامة في تاريخ الفلسفة المعاصرة إلى حد ظهور الدراسات الجندرية مع «جوديت بتلر» التي حاولت تجاوز هذا الأفق إلى أفق تاويلي يختلف عن الهويات الجندرية وخارج ثنائية المذكر والمؤنث والنموذج الجنساني الذي إعتبرته مصدرا لأشكال خطيرة من العنف على الغيرية و إعادتها إلى كونها ليست نتاجا فقط للهيمنة الذكورية بل هي أيضا «هشاشة ناتجة عن توحش الإمبريالية في علاقة بالظلم الإجتماعي والقهر الإستعماري المسلط على شعوب برمتها لا تزال تعاني من مختلف أشكال الإهانة والذل والبؤس المعولم»ص، 116 لتكتسب هذه المقولة جدتها تقرأ المؤلفة بعض الإبداعات النسوية في أفق ما يسمى بالجماليات النسوية التي جعلت الإبداع تيمة من تيمات المواطنة المعاصرة وبالتالي محاولة لتخليصها من المجال الحقوقي و القانوني المؤسساتي بل تدفع به إلى كونه منجز جمالي تؤسسه حرية الفنون «وبوصفه ضربا من الإستثناء الوجودي بما هو عمل نضالي ضد كل أشكال الإعتراض التقليدية على الإبداع النسائي»ص، 121 وعندها تحقق حرية الإبداع الفني ما تعجز عنه الدول بمؤسساتها السياسية والحقوقية والقانونية لتصبح المواطنة الإبداعية ملعبا مشتركا للنساء والرجال تجمعهم رؤية مشتركة للأفراح والآلام للمستحيل والممكن ليكون الفن طريقة حياة جديدة وفعل مواطني ديدنه الإعتراف بالمهمش والمقصي مهما كان جنسه ولونه عرقه «وليس كالفنون إقتدارا على إختراع المواطنة كضامن للحياة المشتركة الممكنة بشكل مغاير للمواطنة الحقوقية والسياسية»ص، 121 لتتشكل بذلك المواطنة الإبداعية كإختراع لأوطان جديدة وحياة مغايرة عن التي فرضت على الإنسان ووعد بالأمل في عالم أفضل عن العالم الذي نعيشه
الخاتمة
حتى يصبح هذا الرهان حقيقة تترحل بنا الفيلسوفة بين شتى أنواع الفنون من التشكيل إلى المسرح ومن الرواية والسرد إلى الشعر ومن النحت إلى الفنون الرقمية كحديقة ينضدها فنانون محليون يقاومون بإبداعاتهم الفنية كل أشكال الضيم والقهر والقمع يحدوهم في ذلك الأمل بحياة أفضل ووطن لا ظلم فيه وعالم يتسع للجميع دون ميز جنسي أو عرقي أوديني
هكذا هو كتاب «في فن ابتكار أنفسنا» الذي يكتمل في صورته كإعادة تنضيد للإنسان الكامن فينا «فنحن لا نصرخ من أجل التعبير عن الرعب, بل من أجل التحرر من عنف لم يعد قابلا للإحتمال»ص، 133 لتلتقي الفلسفة بالفن في ثنايا هذا الكتاب كصرخة مقاومة لقبح العالم المعيش, لأن الفيلسوف والفنان بوسعهما أن يمنحا للبشر القدرة على الصمود ضد كل أشكال القهر المعمم وكل أنواع العنف وسياسات التطهير العرقي التي تمارسها الرأسمالية المتوحشة بما تبثه من قبح معولم. وهو دعوة لأن نثق بقدراتنا مهما كانت ضعيفة أومعدومة على تشكيل أنفسنا نحن كما نريد لا كما تريد لنا الكولونياليات الغربية الإستعمارية التي إستوطنت التاريخ والجغرافيا لتحيلنا إلى كائنات مشوهة ومعطوبة لا تقوى على القيمومة والمقاومة لكل سياسات التدمير والخراب التي تبثها في هذا العالم. لهذا فهي تدعونا لأن نرمم أنفسنا وننهض من جديد لأنه وعلى لسانها هي «كل لغة تموت من فرط سكوتها عن الحقيقة»ص، 225 لأن إكتفاءنا بتقبل الأشياء كما هي إنما هو إعلان لموتنا «الهويات الجاهزة قد تتحول دوما إلى هويات قاتلة»ص، 293 وبذلك لم تكن الفكرة المركزية لهذا الكتاب في فن إبتكار أنفسنا شعارا نخبويا مترفا أو حذلقة فكرية, لكنه يمثل بالنسبة لنا ضرورة حيوية وإيتيقية في عصر يتم فيه إفراغنا من أنفسنا كل يوم بكل أشكال الذل الإمبريالي تجويعا وتفقيرا و تشريدا وتهجيرا وإبادة ونشرا للحروب الدائمة وبالوكالة في جغرافيتنا الحزينة ٠لتعبُرَ الفيلسوفة بكتابها من الكتابات التقنية والحرفية التي لا تصلح إلا علفا إبستيمولوجيا إلى الكتابة الملتزمة بفكرة ، هذه الفكرة هي تدريب القارئ على مفهوم المقاومة وزرع سياسات الأمل كبديل عن الخضوع واليأس والتّبعيّة٠
#صالح_دغسن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟