أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية














المزيد.....

الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 14:24
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" تتشكل صورة الآخر من خلال تاريخ علاقتنا به، لكن الخلاف قد يعيد ترتيب هذا التاريخ، فتتقدم لحظة الجرح على سنوات المودة، ويصبح الماضي أسيراً لمعنى صنعه الحاضر " (الكاتب).

يهدف المقال إلى توضيح كيف تؤثر لحظات الخلاف في طريقة استدعاء الإنسان لتاريخ علاقاته، وكيف يمكن للألم والانفعال أن يجعلا الذاكرة انتقائية، فتضخم المواقف الجارحة وتهمش ما راكمته العلاقة من مودة وثقة وتجارب مشتركة، بما يؤدي إلى إعادة تفسير العلاقة بأكملها من خلال لحظة واحدة.

تكشف لحظات الخلاف جانباً دقيقاً من طبيعة العلاقات الإنسانية، فالإنسان في أوقات الاستقرار يرى العلاقة من خلال تاريخها الكامل، بينما تضيق رؤيته عندما يشتد التوتر، فيصبح الموقف المؤلم أكثر حضوراً من سنوات المودة والتعاون. عندها تستدعي الذاكرة ما ينسجم مع الشعور القائم، فتظهر الأخطاء القديمة، وتستعيد الكلمات التي كانت قد تجاوزتها الأيام، بينما تتراجع المواقف الجميلة إلى الخلف. وهكذا يتحول الخلاف من موقف عابر إلى عدسة ينظر الإنسان من خلالها إلى العلاقة كلها، فيمنح اللحظة قدرة على تغيير صورة الماضي.

ويزداد الأمر تعقيداً عندما يبدأ الإنسان في تفسير الماضي من خلال الحاضر. فالموقف الذي كان يفهم سابقاً باعتباره زلة يمكن أن يتحول أثناء الخلاف إلى دليل على طبيعة الشخص، والتصرف الذي جرى تجاوزه يصبح فجأة جزءاً من سجل طويل من الإساءة. فالإنسان في لحظة الغضب لا يستعيد ما حدث كما وقع، وإنما يعيد ترتيب الأحداث وفقاً للمعنى الذي أصبح يمنحه للعلاقة في تلك اللحظة. وعندئذ قد يكون الألم حقيقياً، بينما يتجاوز الحكم عليه حدود الحدث نفسه.

وتظهر خطورة الخلاف عندما يتحول الماضي إلى مادة للمواجهة، حيث يبدأ كل طرف في استحضار مواقف قديمة لإثبات روايته، فتتحول الذكريات من مساحة مشتركة صنعتها سنوات العلاقة إلى أدلة تستخدم ضد الآخر. ومع تكرار هذا الاستحضار تتشكل صورة جديدة للعلاقة، يطغى فيها المؤلم على الجميل، ويصبح الآخر محكوماً بالمواقف التي أثارت الخلاف. عند هذه النقطة تتراجع القدرة على رؤية الإنسان في تعدده، فالشخص الذي كان قريباً ووفياً وداعماً قد يختزل في أخطائه، وكأن السنوات التي صنعت مكانته فقدت معناها دفعة واحدة.

وتحمل هذه الظاهرة دلالة اجتماعية أعمق، فالعلاقات لا تقوم على الأحداث وحدها، وإنما على المعاني التي تتراكم حولها. فالمودة والثقة والوفاء والتجارب المشتركة تمنح العلاقة سياقاً يجعل الخطأ قابلاً للفهم داخل تاريخ أوسع. وحين يفقد الإنسان هذا السياق، يصبح الحدث الواحد قادراً على اكتساب معنى أكبر من حجمه. لذلك تقتضي عدالة الحكم أن يبقى الألم في موضعه من القصة، وأن يحتفظ الجميل بحضوره فيها، فالاعتراف بالإساءة يحفظ صدق التجربة، بينما تذكر ما كان جميلاً يحفظ توازنها.

لهذا ترتبط الحكمة في التعامل مع الخلاف بقدرة الإنسان على مقاومة الرغبة في إعادة كتابة التاريخ تحت تأثير الغضب. فلكل علاقة لحظات مؤلمة، لكنها لا تختزل تاريخها كله. وقد يكون من حق الإنسان أن يغضب، وأن يرفض الإساءة، وأن يعيد النظر في العلاقة، لكن من العدل أن يفعل ذلك وهو يرى الماضي كما كان، لا كما أصبح يبدو له في لحظة الغضب. فالخلاف يكشف أحياناً خللاً يستحق المراجعة، وقد يكون مؤشراً إلى حدود تحتاج العلاقة إلى الاعتراف بها وإعادة النظر فيها. وأخطر ما يفعله الخلاف أنه يمنح لحظة مؤلمة سلطة على تاريخ كامل، فيجعل الذاكرة تحفظ ما جرحنا أكثر مما تحفظ ما جمعنا.

وفي نهاية المطاف، قد تمنحنا الخلافات في بعض الأحيان فرصة لاكتشاف الطريقة التي بنيت بها العلاقة من البداية. فبعض العلاقات تقوم على الصمت أكثر مما تقوم على الحوار، وعلى المجاملة أكثر مما تقوم على المصارحة، وعلى تجنب المواجهة أكثر مما تقوم على معالجة أسبابها. ومع مرور الوقت تتراكم أمور كثيرة لم تجد طريقها إلى المناقشة، حتى تأتي لحظة الخلاف فتظهر دفعة واحدة. عندها يصبح ما يبدو انفجاراً بسبب موقف صغير تعبيراً عن تراكم اجتماعي طويل لم يجد مساحة للتفاوض والتصحيح. ومن هنا تصبح سلامة العلاقة مرتبطة بقدرتها على إنتاج حوار مستمر حول ما يتغير فيها، لأن ما يترك خارج المناقشة لا يختفي بالضرورة، وإنما قد يعود في لحظة لا يكون فيها الطرفان مستعدين لاستقباله.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية
- لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم
- هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا
- الاستقلال المادي والحرية... كيف تتسع مساحة الاختيار؟
- الظلم الاجتماعي المعاصر (الفقر وإعادة إنتاج التفاوت في مجتمع ...
- الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم
- كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟
- القوة والهيبة في العلاقات الإنسانية بين الخوف والاحترام
- لماذا يكبر بعض الناس قبل أوانهم؟ (تأمل في أثر التجربة والحيا ...
- سوسيولوجيا التبرير: كيف يعيد المجتمع إنتاج أخطائه؟
- قيمة الإنسان بين يقين الذات وسلطة الأحكام الاجتماعية
- متى يتعلم العرب من أخطائهم؟ (قراءة في البنية السياسية والاجت ...
- بين الوهم والوعي... رحلة العقل نحو الحقيقة
- الخصوصية في سوق الترند... عندما تصبح الحياة الشخصية سلعة تبا ...
- وهم الانتصار على الشيخوخة في المجتمع المعاصر
- أزمة القدوة في المجتمع المعاصر من المرجعية إلى الهامش
- من يقود الوعي الجمعي... مراكز الدراسات أم السيرك السياسي وال ...
- احتلال العقول أخطر من احتلال الأوطان
- مونديال 2026... بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية
- الباحث السوسيولوجي... شاهد على الواقع أم ناقد له؟


المزيد.....




- شاهد.. فيضانات وانهيارات أرضية تضرب الصين وفيتنام
- إعلام إيراني: طهران تسعى للعودة إلى اتفاق يونيو مع أمريكا
- هل يحتوي الموز على نسبة خطيرة من الإشعاع؟
- -أكسيوس-: العقوبات الأمريكية ضد إيران لم تسبب -زلزالا- كان ي ...
- قطر: مسؤولون يعملون يوميا لإحياء محادثات أميركا وإيران وتدعو ...
- -تواجه مشكلة؟ اتصل بي-.. نتنياهو يزوّد الإسرائيليين برقمه ال ...
- من سوريا.. كاتس يؤكد بقاء قواته في جبل الشيخ والمنطقة الأمني ...
- تونس: كيف تؤثر حادثة بنقردان في المناخ العام ؟
- سوريا خارج القائمة الأمريكية للإرهاب: ماذا يعني القرار؟ وما ...
- إيران تتحدى عقوبات واشنطن وتؤكد ثقتها في شركائها -الكبار-


المزيد.....

- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية