أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم














المزيد.....

لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 14:05
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" المكانة التي تمنحها للآخرين ترسم حدود الطريقة التي يعاملونك بها، فحين تضع أحداً فوق قدره، قد يتعلم أن يضعك دون قدرك " (الكاتب).

يهدف المقال إلى توضيح أثر التقدير المفرط للآخر في إعادة تشكيل ميزان العلاقة تدريجياً، بحيث تتحول المكانة الاستثنائية التي يمنحها الإنسان إلى شعور بالاستحقاق لدى الطرف الآخر، ثم تنعكس على طبيعة التعامل وموقع كل طرف داخل العلاقة.

تقوم العلاقات الإنسانية على نوع من التوازن الدقيق الذي يمنح كل طرف إحساساً بقيمته وموقعه داخل العلاقة. ويأتي التقدير في مقدمة ما يحفظ هذا التوازن، لأنه يعترف بالآخر ويمنحه شعوراً بالأهمية. غير أن التقدير حين يتجاوز حدوده الطبيعية يمكن أن يغير بنية العلاقة نفسها، فالمكانة التي تمنحها لشخص بصورة متكررة قد تتحول من تعبير عن الاحترام إلى قاعدة غير معلنة تحدد الطريقة التي يرى بها نفسه ويرى بها موقعك منه. عند هذه النقطة يصبح الخلل في العلاقة نتيجة لمسار تدريجي يبدأ من فعل يبدو إيجابياً في ظاهره، ثم ينتهي بإعادة توزيع المكانة بين الطرفين.

تتكون صورة الإنسان عن نفسه داخل علاقاته بقدر ما تتكون في داخله، لأن نظرة الآخرين إليه تشكل جزءاً من الطريقة التي يفهم بها قيمته ومكانته. وحين يجد شخصاً يبالغ في تقديره، فقد يبدأ تدريجياً في اعتبار هذه المعاملة دليلاً على استحقاقه، خصوصاً عندما تتكرر دون حدود واضحة. يتحول الامتياز مع الزمن إلى أمر مألوف، ثم يتحول المألوف إلى حق متوقع، ويصبح أي تراجع عنه أشبه بانتقاص من المكانة التي اعتادها. هنا تظهر مفارقة في غاية الأهمية، فالإنسان الذي أردت أن ترفع من شأنه قد يعيد تفسير احترامك له باعتباره دليلاً على تفوقه عليك. فالمعنى الذي تمنحه لسلوكك قد يختلف تماماً عن المعنى الذي يبنيه الآخر منه، والعلاقات كثيراً ما تتغير بسبب هذه الفجوة بين النية والتفسير.

ويزداد هذا التحول وضوحاً عندما تصبح العلاقة قائمة على طرف يمنح باستمرار وطرف يتلقى باستمرار. فالتوازن الاجتماعي لا يتحدد بما يقوله الناس عن المساواة، وإنما بما تستقر عليه الممارسة اليومية من أدوار وتوقعات وحدود.
فالشخص الذي اعتاد أن يحصل على اهتمام استثنائي، أو قبول متكرر، أو تنازلات مستمرة، قد يبدأ في التعامل معها بوصفها جزءاً من موقعه الطبيعي في العلاقة. ومع كل تنازل جديد يتراجع الحد الفاصل بين الكرم والتنازل عن المكانة، وبين الاحترام والتبعية، وبين تقدير الآخر وإرضائه. لذلك فإن الخلل لا يحدث في لحظة واحدة، وإنما يتشكل عبر سلسلة صغيرة من المواقف التي تعيد تعريف ما هو مقبول وما هو متوقع. وما يبدو في البداية مجرد لطف زائد قد ينتهي إلى علاقة غير متكافئة يصبح فيها أحد الطرفين أكثر قدرة على تحديد شروط العلاقة من الآخر.

تكشف هذه الظاهرة أيضاً عن جانب أعمق يتعلق بالمكانة الاجتماعية التي يصنعها الإنسان لنفسه داخل علاقاته. فالمكانة ليست صفة ثابتة يحملها الفرد معه في كل سياق، وإنما تتشكل جزئياً من خلال الاعتراف المتبادل وحدود التعامل والتوقعات التي تستقر بين الأطراف. وحين يتنازل الإنسان بصورة مستمرة عن حقه في الاعتراض أو يبالغ في منح الآخرين ما لا تمنحه العلاقة فعلاً، فإنه يرسل رسالة اجتماعية عن موقعه في هذه العلاقة، حتى وإن كانت نيته مختلفة تماماً. وفي المقابل، قد يعتاد الطرف الآخر هذا الموقع ويعيد بناء سلوكه على أساسه. وهكذا تتحول العلاقة تدريجياً من مساحة للتبادل إلى مساحة لإعادة إنتاج تفاوت لم يكن موجوداً بالضرورة في بدايتها. والمشكلة هنا لا تكمن في أن الإنسان قدر الآخر، وإنما في أنه سمح للتقدير بأن يتحول إلى نظام من الامتيازات غير المتوازنة أو المستحقة.

في واقع الأمر يحمل التقدير الحقيقي معنى مختلفاً، فهو يمنح الآخر قيمته من دون أن ينتقص من قيمة الذات، ويعترف بالمكانة من دون أن يصنع تبعية، ويحافظ على المحبة من دون أن يلغي الحدود التي تجعل العلاقة متوازنة. فالإنسان يستطيع أن يرفع من شأن من يحب، وأن يمنحه مساحة واسعة من الاحترام، مع احتفاظه بموقعه وكرامته وحدوده. وتبقى العلاقات الأكثر استقراراً هي التي يتبادل أطرافها التقدير من موقع الندية، لأن احترام الآخر يصبح أكثر صدقاً حين لا يحتاج الإنسان إلى تصغير نفسه كي يثبت قيمة من أمامه.

وفي نهاية المطاف، تكشف العلاقات الإنسانية أن المكانة التي يمنحها الإنسان للآخرين تؤثر في الطريقة التي يتعاملون بها معه. وكل علاقة تستقر على صورة معينة من التوقعات تبدأ تدريجياً في حماية تلك الصورة وإعادة إنتاجها. لذلك يصبح الوعي بحدود التقدير جزءاً من الوعي بالذات، فاحترام الآخرين لا يحتاج إلى التخلي عن المكانة، والمحبة لا تتطلب التنازل عن الحدود، والكرم لا يعني أن يتحول الإنسان إلى الطرف الذي يقدم دائماً ويتنازل دائماً. إن القيمة الحقيقية للعلاقة تظهر عندما يستطيع الإنسان أن يمنح الآخر مكانته من دون أن يتخلى عن مكانته هو، لأن الاحترام الذي يقوم على التوازن يحفظ الطرفين، بينما الاحترام الذي يقوم على اختلال المكانة قد يتحول مع الوقت إلى سبب في إفساد العلاقة نفسها.

نصيحتي لك، قدّر الناس كما يستحقون، وامنحهم من الاحترام ما يليق بهم، لكن احتفظ دائماً بمكانك بينهم، فالعلاقة الناضجة تمنحك القدرة على أن تكون كريماً دون أن تستنزف نفسك، وقريباً دون أن تفقد حدودك، ومحباً دون أن تتخلى عن قيمتك. اجعل حضورك مع الآخرين إضافة إلى حياتك، لا ثمناً تدفعه كي يحافظوا على مكانتك في حياتهم.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا
- الاستقلال المادي والحرية... كيف تتسع مساحة الاختيار؟
- الظلم الاجتماعي المعاصر (الفقر وإعادة إنتاج التفاوت في مجتمع ...
- الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم
- كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟
- القوة والهيبة في العلاقات الإنسانية بين الخوف والاحترام
- لماذا يكبر بعض الناس قبل أوانهم؟ (تأمل في أثر التجربة والحيا ...
- سوسيولوجيا التبرير: كيف يعيد المجتمع إنتاج أخطائه؟
- قيمة الإنسان بين يقين الذات وسلطة الأحكام الاجتماعية
- متى يتعلم العرب من أخطائهم؟ (قراءة في البنية السياسية والاجت ...
- بين الوهم والوعي... رحلة العقل نحو الحقيقة
- الخصوصية في سوق الترند... عندما تصبح الحياة الشخصية سلعة تبا ...
- وهم الانتصار على الشيخوخة في المجتمع المعاصر
- أزمة القدوة في المجتمع المعاصر من المرجعية إلى الهامش
- من يقود الوعي الجمعي... مراكز الدراسات أم السيرك السياسي وال ...
- احتلال العقول أخطر من احتلال الأوطان
- مونديال 2026... بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية
- الباحث السوسيولوجي... شاهد على الواقع أم ناقد له؟
- الخيانة الوجه الآخر للمصلحة (حين تصبح الخيانة أقوى من الذاكر ...
- كيف يشيخ الطموح بين الأصدقاء؟


المزيد.....




- قتل طفلا في الخامسة وأحرق جثته.. الدرك الجزائري ينشر صورة ال ...
- الولايات المتحدة ترفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب و ...
- استطلاع: أكثر من نصف الإسرائيليين يخشون الإفصاح عن جنسيتهم ف ...
- تصعيد جديد في البحر الأحمر.. -الحوثيون- يعلنون استهداف ناقلة ...
- -حدث أمر لا يُصدّق-.. نتنياهو يتهم إيران بمحاولة اغتيال أحد ...
- بعد قرابة 5 عقود.. واشنطن ترفع سوريا من قائمة الدول الراعية ...
- إسرائيل تمنع نائبين سويديين في البرلمان الأوروبي من زيارة ال ...
- أرمينيا تستعد لتقديم طلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.. ومو ...
- الولايات المتحدة تجهز حملة تستهدف حوالي 200 ألف شخص
- موسكو تتهم لندن بالانخراط في حرب أوكرانيا


المزيد.....

- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم