حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)
الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 10:01
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
ترتبط مسألة التحولات الاجتماعية الراهنة في المجتمع الليبي بتبدل عميق في شبكة العلاقات والقيم التقليدية، سواء في مجتمعاته المدنية الحضرية، أو الريفية، أو البدوية. ويتجلى هذا التبدل في إعادة تشكيل الأسس الرابطة للعلاقات، والتي بدت في وقتنا الحالي وكأنها انفصلت عن جذورها السابقة. تسعى هذه المقالة إلى تسليط الضوء على مجتمع محلي يجمع في أسلوب حياته بين نمطي العيش الريفي والبدوي بنسب تختلف من منطقة لأخرى، وهو مجتمع الجبل الغربي في ليبيا؛ هذا الفضاء الجغرافي الذي يتميز باحتضانه لعدد من المناطق والقبائل المستقرة في سفوحه ومرتفعاته، حيث تنقسم كل منطقة إلى عائلات وقبائل تشترك في حيز مكاني وثقافي واحد.
وتجنبًا للتعميم السطحي، تتخذ هذه المقالة من منطقة الرحيبات نموذجًا ومكانًا للدراسة، وهي منطقة تضم وحدات وعائلات فرعية تُعرف محليًا باللحمات التي ترتبط بصلات نسب ودم مشتركة. ولا تهدف هذه القراءة إلى الاكتفاء بالوصف الظاهري للشكل الخارجي والتركيبي للبنى القبلية، بل تركز بالدرجة الأولى على تتبع مصير القيم والعلاقات الاجتماعية التي ضبطت الحياة لعقود، قبل أن تتراجع أو تتحول إلى مجرد ذكريات في الذاكرة الجماعية للناس. وفي هذا السياق، يُستحضر فضاء الكدوة البيضاء كظاهرة اجتماعية ومكانية دالة؛ وهي عبارة عن مصطبة ترابية مرتفعة ناتجة عن مخلفات الرمل الأبيض المستخرج أثناء حفر المغارات الجبلية للسكن، حيث تراكم هذا الرمل ليشكل مكانًا صالحًا للجلوس والالتقاء اليومي لأفراد اللحمة الواحدة، مما جعل منها أسلوب حياة ومؤسسة اجتماعية مصغرة تدير شؤونهم اليومية.
يمثل هذا الفضاء الاجتماعي والمكاني رمزية خاصة لإنتاج وممارسة قيم التضامن والضبط بين الناس؛ حيث يختص كبار السن بالحظوة والمكانة والتقدير في صدارة المجلس. ولم يكن الجلوس في الكدوة مجرد قضاءٍ عابرًا لوقت الفراغ ، بل كان فضاءً يجمع بين النشاط الاقتصادي عبر ممارسة الحرف اليدوية التقليدية كلف الحبال وتسوية الأحجار وبين النشاط الحواري من خلال فتح النقاشات والتبادلات اليومية. وتبرز في هذا المجلس قيم الاحترام القائمة على السن، وتقدير الشيوخ، ومنحهم سلطة الحديث والتوجيه، في مقابل إلزام الشباب والناشئة بقيم الاستماع وحصر مشاركتهم الكلامية في أضيق الحدود، مما يعكس آليات التربية الاجتماعية التقليدية الصارمة.
ولم تكن الكدوة البيضاء مجرد مكان عابر للجلوس، بل شكلت أسلوب حياة متكاملًا؛ إذ تولت وظيفة حل الأزمات وفض النزاعات والمشاكل المحلية داخل العائلة الكبيرة اللحمة. فقد مثلت الكدوة بيئة جاذبة ومحايدة تجمع الفرقاء والمتخاصمين تحت سقفها الاجتماعي، مما يتيح فرصة حتمية لكسر الجمود والخصام بين الأطراف المتنازعة. وتبدأ عملية المصالحة عبر عبارات توجيهية يطرحها كبار السن لفتح أبواب النقاش، وتحويل مسار التوتر نحو إعلاء قيم القرابة، الود، والتسامح، الأمر الذي يمنع ديمومة الخصومة ويحجم اتساعها ضمن النسيج الاجتماعي للمجتمع المحلي.
ومن جهة أخرى، برزت الكدوة كفضاء تفاعلي لاستثمار أوقات الفراغ وتفريغ الشحنات النفسية، وتحديدًا من خلال ممارسة كبار السن للعبة الشعبية التقليدية المعروفة بالخربكة. وتعد هذه اللعبة نموذجًا للممارسات الذهنية القائمة على هندسة الفراغ؛ حيث تتكون من مربعات وخطوط مرسومة على الأرض، يعتمد فيها كل لاعب على رموز مادية متمايزة من البيئة كالحصى الصغير أو النوى. وتدار اللعبة وفق قواعد حركية ترتكز على التقديم والتأخير والاستراتيجيات الذكية، وهي تشابه في أبعادها لعبة الشطرنج ولكن بشكل أبسط وتلقائي. وتمثل الخربكة أداة لإعمال العقل والذكاء الجماعي، ولها فاعلون محليون متميزون يُشار إليهم بالبنان كرموز مهارية داخل هذا الفضاء.
ويكتسي فضاء الكدوة البيضاء أبعادًا دينية وتضامنية أعمق خلال المناسبات، ولا سيما في شهر رمضان؛ إذ يتحول هذا المكان إلى مدخل رئيسي لتعزيز التماسك والاجتماع والترابط بين أفراد اللحمة الواحدة. ويتجسد هذا التضامن التلقائي في ممارسة جماعية يومية؛ حيث تأتي كل أسرة حاملةً قصعة الطعام الخاصة بها لتوضع في فضاء الكدوة المشترك. تتيح هذه المائدة المفتوحة للجميع تناول الطعام معًا وتبادل الوجبات، في سلوك رمزي يعزز روح المشاركة والمشاعر الجماعية ويمحو الفوارق الاقتصادية والطبقية بين العائلات.
وفي هذا السياق الديني والاجتماعي، يعاد تنظيم العلاقة بين الأجيال مؤقتًا لتدعيم آليات التربية والتنشئة؛ حيث يُسمح لصغار السن والشباب بالجلوس جنبًا إلى جنب مع كبار السن الذين يحتفظون بصدراة المكانة والحظوة. ولا تقتصر وظيفة هذا التلاقي بين الأجيال على الاستماع الفاعل للأحاديث والتوجيهات الشفهية، بل تتعداها إلى نمط تواصل رمزي وغير لفظي عالي الدقة. ففي فترات الصمت الطويلة، تتحول لغة العيون ونظراتها المتبادلة إلى أداة تواصلية بديلة ومشحونة بالمعاني والتوجيه أقرب ما تكون إلى شفيرة بصرية صامتة إذ تُمرر من خلالها الأوامر والنواهي والمواقف المطلوبة دون الحاجة للكلام اللفظي، مما يعكس نضج آليات الضبط الاجتماعي التقليدي وقدرتها على التوجيه الصامت وإلزام الجميع بالاحترام.
وامتدت الوظائف الاجتماعية لفضاء الكدوة البيضاء لتشمل صياغة المواقف الجماعية ورسم الحدود والروابط الاجتماعية والسياسية بين اللحمة والوحدات والعائلات الأخرى. فقد شكّلت الكدوة منبرًا توجيهيًا لتصنيف العلاقات الخارجية؛ حيث يتم عبرها تمرير خطابات النقد أو النصح بناءً على طبيعة العلاقات مع اللحمات والمناطق الأخرى. ويتم توجيه الأفراد إما بتوخي الحذر والابتعاد عن مجموعات معينة، أو بتدعيم أواصر التقارب والالتزام بالاحترام والمساندة في الشدائد مع المجموعات التي تجمعها صلات نسب وقرابة. وتسهم هذه الممارسة الجماعية في تذويب الفردانية، وحظر الانفراد بالعلاقات الشخصية خارج الإجماع القبلي، مما يعزز التماسك الداخلي للجماعة.
وفي المقابل، حفل هذا الفضاء بأنماط التفاعل الترويحي والتسلية الطرفة القائمة على الفكاهة الذكية وسرعة البديهة؛ إذ كان الشباب يستثيرون كبار السن بطرح أسئلة استنكارية أو استفسارات حول مواقف وأشخاص معينين، لمعرفتهم بقدرة الأجداد على تقديم ردود بلاغية مكثفة ومشحونة بالذكاء والخبرة الاجتماعية. ويتجلى ذلك في المأثورات الشفوية المحلية للمنطقة، كحوارية الشاب الذي سأل أحد الأجداد مستنكرًا سمرة بشرة ابنته الصغيرة، فجاء رد الشيخ المقتضب والحاسم: انظر إلى نفسك في المرآة؛ ويمثل هذا النمط الفكاهي أداة لترسيخ الروابط، وإعادة إنتاج السلطة المعنوية لكبار السن بأسلوب مرن ومحبب.
وتعد الكدوة البيضاء الحاضنة الأساسية التي تسجل فيها عقول الأطفال حركات الكبار وسلوكياتهم، لتشكل اللبنة الأولى لإدراكهم المعرفي وبداية تفاعلهم مع العالم الخارجي. ومن خلال السرديات والقصص الشفوية التي يحاكي فيها الأجداد والأعمام تضحيات اللحمة ومعاناتها أثناء النزاعات والشدائد السابقة، يتم تصنيف المواقف التاريخية للحمات الأخرى بين حليف وخصم . وتتحول هذه الروايات في وعي الناشئة إلى مسلمات وقيم اجتماعية مقدسة غير قابلة للتجاوز، مما يضمن توريث الذاكرة التاريخية والخصومات الرمزية للأجيال القادمة، ويحافظ على استمرارية البنية الاجتماعية التقليدية.
كما تجسد الكدوة البيضاء نموذجًا حيًا للمراقبة الاجتماعية وضبط الشارع والفضاء العام؛ حيث تبرز فيها ظاهرة التقييم والتحليل الفوري لشخصيات العابرين أمام هذا المجلس. وتبدأ هذه العملية بسؤال استكشافي حول هوية المار، لتبدأ إثره عملية تشريح اجتماعي تفصيلية تتناول أصوله العائلية والقبلية، ومكانته الوظيفية، وخلفيته السلوكية والأخلاقية. ويمثل هذا التشريح آلية غير رسمية لفرز الأفراد وتصنيفهم داخل المجتمع المحلي. وتخضع النساء أيضًا لهذا التقييم الرمزي مع مراعاة صارمة لخصوصية المرأة ومكانتها الاعتبارية في الثقافة المحلية. وتكشف هذه الممارسة عن معيار تواصل دقيق؛ إذ إن مبادرة العابر بإلقاء تحية السلام على الجالسين تشكل صك أمان ينهي عملية التشريح فورًا ويبدلها بالقبول والترحيب، وكان هذا السلوك مألوفًا بشكل خاص لدى النساء المتقدمات في السن من ذوات القربى اللحمة الواحدة.
وبناءً على هذه التفاعلات اليومية المستمرة، تلتحم الوظائف الضبطية للكدوة بوظيفتها الوجودية الأعمق باعتبارها مستودعًا لحفظ الذاكرة الجماعية للعائلة والقبيلة. فهي لا تكتفي بضبط الحاضر، بل تعمل كأرشيف حي تُودع فيه الأنساب، والبطولات، والمواقف التاريخية، والتحولات السلوكية للأفراد والجماعات، مما يجعل منها المرجعية الرمزية التي تعود إليها اللحمة لتعريف ذاتها وتأكيد استمراريتها عبر الزمن.
كذلك نهض فضاء الكدوة البيضاء بوظيفة مركزية كقناة اتصالية وشبكة إخبارية محلية لإدارة شؤون أفراد اللحمة وتتبع أوضاعهم الحياتية. ويتجلى هذا الدور التضامني في آليات الاستجابة الفورية عند غياب أحد الفاعلين الأساسيين خاصة من كبار السن حيث يُستعان بالناشئة كرسل ميدانيين لاستكشاف أسباب الغياب والاطمئنان عليه. وفي حالات المرض، تتحول الكدوة إلى غرفة عمليات تداولية مفتوحة لمتابعة الحالة الصحية للمريض، وتقييم وتيرة الزيارات الاجتماعية له، مستخدمة في ذلك لغة حوارية مقتضبة ومحددة.
وتكشف هذه التفاعلات عن ملمح اجتماعي غاية في الأهمية يتعلق بالنظام العاطفي الحاكم للجماعة؛ إذ يعد التعبير العلني عن المشاعر الوجدانية والود والتعاطف اللفظي الصريح نمطًا سلوكيًا غير مستساغ، بل ويُصنف كعلامة من علامات الهشاشة والضعف البنيوي للحمة. وتُفسر هذه الظاهرة بأن المنظومة القبلية هي ابنة بيئتها الجغرافية والاجتماعية؛ حيث تفرض ثقافة البداوة والريف شروطًا قاسية تستوجب ضبط المشاعر وصياغتها في قوالب جافة ومحسوبة لضمان صلابة المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات البيئية المحيطة. ومع ذلك، فإن هذا التصلب العاطفي الظاهري يخفي وراءه تضامنًا وجدانيًا عميقًا وحنانًا متدفقًا بشكل صامت كجريان الماء بين الصخور يُعبر عنه عمليًا من خلال كثافة السؤال ونظرات العيون الرعاية. وبذلك، شكلت الكدوة خزانًا قيميًا أنتج آليات تكافلية متينة لربط النسيج القرابي وحمايته.
كشفت السيرورة والتاريخ الطويل لمنطقة الرحيبات بالجبل الغربي عن تلاشي وأفول فضاء الكدوة البيضاء؛ إذ أضحى اليوم غائبًا عن وعي الناشئة ومتناسيًا في ذاكرة كبار السن، ولم يعد يشكل حيزًا تفاعليًا جامعًا لأفراد اللحمة. ولا يرتبط هذا الاختفاء بزوال البنية المكانية والرمال فحسب، بل بتغير بنيوي عميق في نمط الحياة ومنهجية التفكير داخل المجتمع المحلي. ويُعزى هذا التحول إلى تبدل الظروف الاقتصادية والاجتماعية؛ ففي الماضي، كان الفرد عاجزًا عن العيش منفردًا في ظل نمط حياة شبه بدوي يرتكز على العصبية القرابية والقبلية، وكان الالتقاء اليومي في الكدوة يمثل رسالة رمزية للحمات الأخرى تعكس وحدة الجماعة وتماسكها ضد أي تهديد خارجي.
ومع نشوء الدولة الحديثة وتمدد مؤسساتها الرسمية، انتقلت وظائف الدفاع، الحماية، وضمان سبل العيش من القبيلة واللحمة إلى الدولة، مما أضعف الحاجة الوظيفية للكدوة كأداة حماية وضبط. كما ساهم النمو السكاني وتوسع أعداد العائلات في انحسار مكانة كبار السن التقليدية في التوجيه والإرشاد، وغياب عقلية الكدوة حتى في المناسبات الكبرى لصالح النزعات الفردية المعاصرة.
وبناءً على ما تقدم، نخلص إلى أن التحولات الاجتماعية الراهنة قد أحدثت قطيعة مع الممارسات التضامنية السابقة. بالتالي تعد هذه المقالة في أحد سياقاتها دعوة إلى مراجعة المنظومة القيمية للكدوة واستلهام جوانبها الاجتماعية والأخلاقية الإيجابية التي جعلت منها يومًا منصة عليا لإذابة الفوارق وبناء السلم الأهلي ومناقشة الهموم المشتركة. وإذ نقر بصعوبة استعادة الكدوة بشكلها ومكانها القديم بفعل تغير نمط البناء والعمران الحداثي، فإننا نطرح بديلًا يتجه نحو الحداثة والتطوير عبر تأسيس فضاءات ومجالس تفاعلية معاصرة مثل المجالس الثقافية والنوادي الاجتماعية بحيث لا تقتصر على عائلة أو لحمة واحدة، بل تنفتح على كافة مكونات المجتمع المحلي لمناقشة القضايا الراهنة، وغرس قيم التسامح والضبط والتكامل الاجتماعي ضمن بيئة التحولات المعاصرة وبناء السلم المجتمعي في ليبيا.
##حسين_مرجين (هاشتاغ)
Hussein_Salem__Mrgin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟