حسن الشرع
الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 20:17
المحور:
قضايا ثقافية
الموسيقى الصوفية هي نمط نغمي وايقاعي يهدف إلى التسامي الروحاني الوجداني والوصول الى طبقة او حالة من الصفاء الداخلي عبر الانسداد والذكر والسماع ويستخدم فيها الشعر الذي ينظم ليحقق ذك الهيام والعشق الالهي واذا" فهو شغر وجداني اكثر من كونه نصا ثابتا حرفيا او مقدما..ولو تمسكنا بهذا التعريف فسنجد انه يمثل جانب روحياة في التراث
انه لانر طبيعي ان تتميز الموسيقى الصوفية بتنوع أشكالها بحسب المناطق والتقاليد والبلدان
اجد كن الضروري التطرق للمعتقدات والممارسات الصوفية قبل الخوض في الدخول في الموسيقى الصوفية على اعتبار ان الانغام والايقاعات ترافق الطقوس والممارسات
وبالنظر لتشعب الموضوع وسعته سيتم تناول نبذة عن الصوفية والتصوف ضمن هذا الجزء فقط كمقدمة ممهدة تؤسس للموضوع البحث في موسيقى التصوف .ويجب التنويه هنا بان هذه المقالة ليست فنية بالمعنى التحليلي والنغمي بل يقصد فيها الجوانب الثقافية العامة
لم يكن التصوف – بمعناه الحقيقي كعقيدةٍ روحيةٍ وطريقٍ إلى الى السماء احتكاراً إسلامياً، بل هو ظاهرةٌ إنسانيةٌ قديمةٌ ؛ فمن الحكمة الهندية القديمة إلى الفلسفة اليونانية القديمة ، ومن التراث المسيحي الصوفي إلى الباطنية اليهودية، ظلَّ الإنسان يبحث عن تجربةٍ تتجاوز مظاهر الدين لتصل إلى صلب الوجود. لكن التصوف الذي نعنيه بمنظومته الفقهية والفلسفية والطقسية تبلور اثناء انتشار الإسلام اذا تحول الى مدرسةً روحيةً عالميةً تخاطب الوجدان الإنساني بصرف النظر عن الحدود الجغرافية والمذهبية.
يمكن القول بان التصوف الاسلامي بشكله الشعي اقل موسسية وأكثر اضطرابا من نظيره التصوف السني الذي حاز على إجازات تعده طريقا لبراءة للتزكية الروحية رغم ان ابن تيمية حرمه باعتبارة احد البدع .ويرى البعض ان سبب ذلك الضعف في التصوف الشيعي هو التنافس بينه وبين المرجعية الشيعية التي ترى في نفسها مسؤولا ونائبا للأمام..حيث عدت ذلك سلطة موازية لسلطة الفقيه ومع ذلك فإن التصوف في المذهبين ظل بحثا واحدا مرتبطا بمعرفة الله معرفة تجريبية تتجاوز ظاهر الشريعة ..
ان الراي باجازة الصوفية كمتبنى اعتقادي او تعبدي او حرمته
ليس جديدا او طارئا انما هي مسألة فقهية تضمنتها عشرات ان لم نقل مئات المصادر التي حفلت بها الادلة والاسباب بمختلف الوجوده والتوصيفات، الا اننا سنتطرق اليها على نحو الاجمال من خلال الموسيقى الصوفية وقبل ذلك فان الخوض في نشأة الموسيقى الصوفية والموسيقى إجمالا لابد ان يكون سابقا لادلة طرفي الاجازة اوالتحريم.
نشاة الموسيقى
لم تُنشا الموسيقى بسببٍ واحد، بل ان حالها يشبه النار التي هي تتكون عبر اجتماع عدة شرارات. وقد قدَّم الباحون نظرياتٍ متعددةً لا تتناقض بل تتكامل .اذ ان هناك خمس نظريات شائعة الصيت تتكلم في تاريخ النشأة والأصول وهي :
1. نظرية جارلس داروين: الموسيقى غريزة تزاوجية
2. نظرية هربرت سبنسر: الموسيقى امتداد للخطاب لعاطفي.
3. نظرية التقليد: محاكاة الطبيعة.
4. نظرية الطقس والجماعة
5. نظرية التعبير عن الخوف والطلب.
نشأة الموسيقى الدينية والصوفية
اذا هنا ما الذي يميز الموسيقى الدينية عن الموسيقى الدينية ؟ باختصارعوامل الطقس والتجربة اي انه ليس اختلافات بالالات او الوسائل او الادوات لكنه فرق جوهري يتعلق بالغاية والسياق والعلاقة مع السلطة وعلى سبيل المثال فان غاية الموسيقى الدينية هو خدمة السلطة والمؤسسة الرسمية في ترسيخ الاعتقاد بالله اما في الموسيقى الصوفية فان غايتها
هي الوصول للوجد والفناء في الذات الالهية وهنا يرجح ان تجرى طقوس الموسيقى الدينية في المعبد او الكنيسة وبشكل جماعي في حين تقام طقوس الموسيقى الصوفية خارج الاطار الرسمي في حضرة او زاوية او تكية ذكر جماعي وربما فردي ، فضلا عن اختلافات اخرى في طبيعة نص الممارسات حيث يلزم ان يكون ثابتا ومقدسا اثناء تأدية الطقس الموسيقي الدينية اما الصوفي فلا يلزم ان يكون ثابتا ويستفاد من النصوص الكتي كتبها ابن الرومي او ابن الفارض او الحلاج. وقد تكت الاشارة الى العلاقة بالمحرم كالحركة والرقص فيندما سبق وربما وربما افردنا بابا خاصة ضمن الأجزاء الاخرى من هذا المقال .ولبيان الامر فان الامثلة التالية ستعطي صورة أوضح:
الترتيل الكريكوري في الكنيسة الكاثوليكية: هي موسيقى دينية لذ ان الترتيل يخدم القداس الإلهي، اما النص فهو في العادة من المزامير، وأداؤه يخضع للكنيسة . في حين ان السماع المولوي: عبارة عن موسيقى صوفية لا يخدم طقساً رسمياً، بل يُقصد به أن يُدخل الدرويش في حالة الفناء، ورقصُه لاتمثل عبادةة رسميةً بل انهاة تجربةٌ وجدانية.
هنا يجظر ملاحظة ان القارنة التي ذكراها لا تمثل قاعدة لا استثناء لها بل قد نجد في حالات خاصة ما يشير الى الخروج منها حيث لا وجود لحدٌّ صارمٌ دائماً. فالقوالي في باكستان ) ممارسة صوفية ( في الباكستان) قد يُؤدَّى في ضريحٍ صوفيٍّ (سياقٌ صوفيٌّ)، وقد يُغنَّى في حفلٍ موسيقيٍّ عالمي (سياقٌ فني). والترتيل الكنسي قد يُسمَع كموسيقى تأمليةٍ خارج الكنيسة. لكن ما يميز النشاطين هما الأصل والغاية .
السماع بين الطرب والوجد
لم يكن الغناءُ في العوالم الصوفية مجردَ نغمٍ يُطربُ السمع، او عزفا بالأوتار يُداعب الحسّ؛ ويثير الغرائز كما يرى خصوم الصوفية بل هو من وجهة نظر شيوخها ومريديها وجمهورهم بُعدٌ روحيٌّ عميقٌ في التراث الموسيقي الإسلامي، يتجاوز المتعةَ الحسيةَ متساميا عنها وليصل بالمستمع إلى حالةٍ من الانكشاف الروحي تُسمّى (الوجد) تلك الحالة التي يذوبُ فيها الحجابُ بين العبد وربِّه، فيغيبُ السامعُ عن ذاته ويُحضرُ في حضرةِ الحقيقة . وهذا ما يُميّزُ الموسيقى الصوفية عن سائر الأنغام فهي لا تُحاكي العاطفةَ البشريةَ فحسب، بل تسعى لاستحضارِ عهد ما قبل الخليقة ، ذلك الخطاب الأزلي الذي سمعتْ فيه الأرواحُ.
وتتنوعُ أشكالُ هذا السماع باختلاف البلدان واللغات. ففي الأناضول، يدورُ الدراويشُ في حلقةِ الذكرِ مع الناي والدف، فيُسمّى السماع المولوي. وفي شبه القارة الهندية، يصعدُ الإيقاعُ بالتكرارِ حتى يبلغَ القوالي غايةَ الانخطاف. وفي مصر، يُنشدُ الشيخ ياسين التهامي المديحَ والابتهالَ في الموالد، يخلطُ البكاءَ بالفرح. وفي المغرب، تجتمعُ الأصواتُ في الحضرة بالدفوفِ والذكرِ الجماعي. وتشتركُ هذه الأشكالُ في مَحاكاةِ المقامات الشرقية (كمقامي الحجاز والصبا) لما تحمله من طابعٍ حزينٍ روحاني، وتعتمدُ على التكرار الإيقاعي المتصاعد الذي يُدخلُ السامع في غيابٍ عن ذاته، مقرونةً بنصوصٍ شعريةٍ صوفيةٍ لابن الفارض والرومي والحلاج.
ونذكر هنا بان الفرقَ الجوهريَّ بين الموسيقى الصوفية وبين الطرب التقليدي يكون في الغاية لا في الأداة. فالطربُ يقصدُ به المتعةُ الحسية والانفعالُ العاطفي. أما السماعُ الصوفيُّ فيقصدُ به الوصول لحالة الوجد بهدف الفناء في الذات الهية عبرحالةُ انكشافٍ روحيٍّ تستحضرُ ذاكرةَ الروحِ الأزلية. وهذا مبنيٌّ على قاعدةٍ صوفيةٍ أعمق: أن الكونَ كله مُسبَّحٌ بالذكر، وأن الإنسان في أصله سمعَ ذلك الخطابَ فأقرَّ. فالسماعُ الموسيقيُّ إذا" ليس اختراعاً بشرياً، بل تذكيرٌ بذلك العهد الأول.
لكن من أين وُلد هذا السماع؟ لم يخرجْ من فراغ، بل نشا عبر أربعةِ مراحل زمنية تاريخية متداخلة. أولاً، الانفتاح الحضاري مع اتساع الفتوحات، فاستوعب التصوفُ عناصرَ موسيقيةٍ فارسيةً وهنديةً وبيزنطيةً سرعان ما رفضها الفقهُ الرسمي. ثانياً، الترفُ العباسي الذي دفع الزهادَ الأوائل للرفض، لكن الجيلَ اللاحقَ من الصوفية لم يرفضِ الموسيقى بل أعاد توجيهَ غايتِها من الطرب الحسي إلى الوجد الروحي. ثالثاً، بروزُ الطرق الصوفية المنظمة (القادرية والرفاعية والمولوية) التي احتاجت إلى شعائرَ جامعةٍ موازيةً للشريعة الرسمية. ورابعاً، التوترُ مع السلطة، إذ نشأ التصوفُ على الهامش وفي بعض الأحيان في صدامٍ معها، فكانت الموسيقى وسيلةَ تعبيرٍ لجماعةٍ تبحثُ عن مشروعيةٍ روحيةٍ مستقلة.
ولقد لبّت الموسيقى الصوفية أربعَ ضروراتٍ جوهرية.
معرفياً: تخلصها مقولة (الحال يفوق المقال)، فالموسيقى وسيلةٌ غيرُ لغويةٍ لنقلِ مراحلَ روحيةٍ يعجزُ الكلامُ عن حملِها.
دعوياً: حوّل الإنشادُ في الموالد الأفكارَ النخبويةَ المعقدةَ إلى تجربةٍ حسيةٍ مباشرةٍ للعامة.
اجتماعياً: وَّحد الذكرُ والسماعُ الجماعيُّ أعضاءَ الطريقةِ الصوفية في رابطٍ بمثابة رابطَ النسب.
وانفعالياً: ضبط الطقسُ الموسيقيُّ المنظمُ حالةَ الوجدِ داخل بنيةٍ مقبولة، بخلاف حالات عدم الانضباط الايقاعي والنغمي الفوضوية (الشطح ) التي أثارت اتهاماتٍ بالزندقة.
وهنا تبرز الإشكالية الفقهية التي ظلّت تلاحق السماع. انقسم الفقهاءُ بين رافضٍ مطلق، كابن الجوزي في ( تلبيس إبليس) الذي يرى في الغناءِ انزلاقاً نحو الشهوة. وبين مُجيزٍ( بالاباحة) بشروط، كالإمام الغزالي في( إحياء علوم الدين)، اذ قدّم تنظيراً محورياً: الصوتُ الموزونُ محايدٌ في ذاته، والحكمُ ينتقلُ من الفعلِ إلى أثرِه في القلب. فإن كان القلبُ صافياً حرّكَ السماعُ فيه محبةَ الله، وإن كان فاسداً حرّكَ الشهوة. بهذا المنطق، حوّل الغزاليُ السماعَ من "رخصةٍ استثنائية" في العيد أو الزفاف إلى "طريقٍ روحي" له آدابُه الخاصة.
أما المحطات التاريخية الكبرى، فتبدأ في القرنين الثالث والرابع الهجريين مع بدايات الجدل ومجالس السماع المبكرة في بغداد. ثم يأتي القرن السادس بتقنين الغزالي للسماع في الإحياء. وفي القرن السابع، يؤسّس جلال الدين الرومي في مدينة قونية الطريقةَ المولوية، ويجعلُ الرقصَ الدورانيَّ ركناً تعبدياً منظماً، مستنداً إلى فلسفةٍ تتناغم مع دورانَ الأفلاكِ والتي تشير الى دورانُ الكونِ حولَ الحق (الله). وبشكل مواز و تطوّرت في مصر والمغرب أشكالُ الإنشادِ في الموالد والحضرات لتقدم أداءً جماعياً أقربَ إلى الطقوسِ الشعبية العامة.
هكذا، لم تكن الموسيقى الصوفية مجردَ فنٍّ موسيقيٍّ تُطربُ الآذان، بل منظومةٌ روحانية / اجتماعية/ فقهية نشأت من إعادةِ توجيهِ أدوات حسيةٍ نحو غايةٍ تَسمو على الحواس. وقد واجه هذا المشروعُ منذ ولادته تحدياتَ فقهيةٍ وسياسيةً، تبلورت أشدُّها في موقفين متناقضين:
تبريرُ الغزالي الذي جعل السماعَ طريقاً للقرب من الله،
ورفضُ ابن تيمية وابن القيم اللذين اعتبراه بدعةً ومصيدةً شيطانية. وهو الجدلُ الذي سيشكّلُ مدارسَ الفكرِ الإسلامي لاحقاً، ويصلُ أصداؤه إلى مشهدِنا المعاصر.
#حسن_الشرع (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟