|
|
الاستثناء من كارل شميت إلى جورجيو أغامبن(الجزء الأول)
فيصل محيمدي
الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 16:41
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
دفعت كثرة الأزمات المعاصرة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو صحية، إلى تكرار تداول عبارات من قبيل: إعلان حالة الطوارئ، حظر التجول، سريان الأحكام العرفية، تعليق القانون... وكلها تنتمي إلى حقل دلالي قانوني–سياسي مشترك.
غير أنّ هذه المفردات ليست وليدة الحداثة السياسية، بل تمتدّ جذورها عميقًا في تاريخ الدولة والقانون. ففي روما الكلاسيكية، مثلًا، كانت الجمهورية تتيح في ظروف استثنائية تعيين دكتاتور تُمنح له صلاحيات واسعة ومؤقتة تتجاوز قواعد الحكم العادية. كما لم تكن الثورة الفرنسية غريبة عن مثل هذه الممارسة، التي استمرّت لاحقًا في دساتير أخرى، كالفصل 16 من دستور الجمهورية الخامسة في فرنسا، أو المادة 48 من دستور الرايخ الألماني (دستور فايمار) الصادر في 11 أغسطس 1919، ولا سيما فقرتها الثانية، التي خوّلت رئيس الرايخ اتخاذ التدابير اللازمة لاستعادة الأمن والنظام العام عند اضطرابهما أو تهديدهما بصورة خطيرة، بما في ذلك تعليق بعض الحقوق الأساسية مؤقتًا.
(دستور الرايخ الألماني، 11 أغسطس 1919، المادة 48، الفقرة الثانية).
وقد أثارت هذه الممارسات اهتمام عدد من الفلاسفة والمنظّرين، من أبرزهم كارل شميت وجورجيو أغامبن، حيث يبرز مفهوم الاستثناء كمفتاح نظري لفهم هذا النمط من الحكم.
فما دلالات هذا المفهوم ورهاناته؟
وهل أعاد أغامبن إنتاج البنية المفهومية التي صاغها شميت دون تعديل؟
أم أنّه استعان بالأدوات نفسها ليُنتج خطابًا مغايرًا بلغة مختلفة؟
جمهورية فايمار: من المعيار إلى سيادة الاستثناء
وُلدت جمهورية فايمار في قلب العاصفة، وسط توتّرات سياسية حادّة، بين مدٍّ ثوري ورجْع ثورةٍ مضادّة، وبين انبعاث جمهورية برلمانية ناشئة ومحاولات إجهاضها من الداخل والخارج.
كانت، في جوهرها، محاولة لتأسيس منطقة توازن هشّ بين قوى متضادّة تتنازع الشرعية والمصير.
ولم تكن وثيقة هويتها — أي دستورها — بمنأى عن هذا التناقض: فهي من جهة إعلان لحقوق المواطن وبناء لدولة القانون، ومن جهة أخرى اعتراف ضمني بإمكان عجز المعيار القانوني عن احتواء واقع الاستثناء السياسي المتكرّر.
هذا التوتّر بين القاعدة والاستثناء لم يمرّ دون أن ينتقل إلى الحقل النظري لفلسفة القانون، حيث شهد نقاشات حامية بين تيّارين كبيرين:
الأوّل هو الوضعية القانونية، التي تُمجّد المعيار وتسعى إلى تحييد القانون عن السياسة.
والثاني هو المذهب القراري، الذي يتشبّث بفكرة السيادة ويجعل من الاستثناء أصلًا في فهم السلطة.
«السيّد هو من يقرّر في حالة الاستثناء»؛ بهذه العبارة الشهيرة يفتتح كارل شميت كتابه اللاهوت السياسي، معلنًا انزياحه عن التعريفات القانونية التقليدية لمفهوم السيادة.
(كارل شميت، اللاهوت السياسي، ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2018).
فالسيادة، وفقًا لشميت، لا تختزل في كونها «السلطة العليا في الدولة»، كما تصفها النظريات الدستورية الكلاسيكية، بل تكمن في القدرة على الحسم في الحالة التي يتعذّر فيها تطبيق القواعد القانونية الاعتيادية. لا يتعلّق الأمر بمجرد سلطة تنفيذية تُطبّق القواعد، بل بقوة حاسمة تُقرّر متى نكون أمام وضع عادي ومتى نكون أمام حالة استثناء.
بهذا المعنى، تظهر السيادة بوصفها فعلًا تأسيسيًا يتجاوز الإجراء القانوني ويكشف عن الأصل السياسي للقانون نفسه. فليس كل قرار هو تعبيرًا عن السيادة؛ لا بدّ من التمييز بين القرار بوصفه تطبيقًا إجرائيًا لقاعدة قانونية قائمة، والقرار بوصفه لحظة حاسمة تتعلّق بإمكان النظام القانوني نفسه. في الحالة الثانية، يصبح القرار تعبيرًا عن جوهر الفعل السيادي، لأنه لا يستمد حسمه كله من قاعدة سابقة.
بناءً على هذا التصوّر، لا تُعرَّف السيادة من خلال الخضوع لسلطة القانون فحسب، بل من خلال القدرة على الحسم في الحالة التي تتعطل فيها القاعدة أو تصبح عاجزة عن استيعاب الوضع. وهنا لا يكون «الاستثناء» مجرد خروج عرضي أو اضطراري عن القاعدة القانونية، بل هو الذي يكشف عن حدودها ويضيء على أصلها السياسي. إنّ النظام القانوني، كما يراه شميت، لا يمكن فهمه بصورة مكتملة إذا تجاهلنا اللحظة التي يصبح فيها القرار سابقًا على التطبيق العادي للقاعدة.
هذا الفهم يضع شميت في تعارض جذري مع تصوّر هانز كلسن للنظام القانوني. وكما يذهب كلسن في كتابه النظرية الخالصة في القانون، فإن القانون يُفهم بوصفه نسقًا معياريًا تتحدد صلاحية قواعده داخل بنية قانونية متدرجة، بحيث تستمد القاعدة الأدنى صلاحيتها من قاعدة أعلى. وتنتهي هذه السلسلة إلى ما يسميه كلسن «القاعدة الأساسية»، التي لا تكون قاعدة قانونية موجبة أخرى، وإنما افتراضًا ضروريًا لفهم النظام القانوني باعتباره نسقًا معياريًا متماسكًا.
في المقابل، يشير شميت إلى أنّ هذه البنية لا تستطيع، في نظره، أن تستغني عن لحظة قرار تتجاوز المعيار القائم، وتمثّل أصلًا سياسيًا لا يمكن اختزاله في المعيارية القانونية وحدها.
من هنا يطرح سؤالًا فلسفيًا مفتوحًا: كيف حدث هذا التحوّل في التفكير القانوني والسياسي، من اعتبار القاعدة برهانًا على انتظام النظام، إلى رؤية الاستثناء باعتباره كاشفًا عن أساسه السياسي؟
كثيرًا ما يصف كارل شميت هانز كلسن بـ«الكانطي الجديد»، وفي ذلك دلالات كثيرة. فمشروع كلسن يتقاطع مع التراث الكانطي الجديد في سعيه إلى تحديد مجال مستقل للمعرفة القانونية، وإلى بناء علم للقانون لا يستمد معاييره من الأخلاق أو السياسة أو علم الاجتماع.
ولا يعني هذا أن كلسن يعيد إنتاج فلسفة كانط ببساطة، بل إن أثر الكانطية يظهر في محاولة بناء شروط معرفية ومنهجية تجعل من القانون موضوعًا مستقلًا للمعرفة. ومن هنا يمكن فهم الصلة بين مشروع كلسن وبين السؤال الكانطي عن شروط إمكان المعرفة.
وفي الآن نفسه، يتقاطع مشروع كلسن مع التمييز الذي أقامه هيوم بين «ما هو» و«ما يجب أن يكون»، أي بين وصف الوقائع وإقامة المعيار. غير أن هذا التقاطع لا يعني أن كلسن مجرد امتداد لهيوم؛ فكلسن يحوّل المشكلة إلى سؤال خاص بنظرية القانون: كيف يمكن تفسير إلزامية القاعدة القانونية دون ردّها إلى واقعة اجتماعية أو حكم أخلاقي؟
وكما يذهب كلسن في النظرية الخالصة في القانون إلى أن النظرية القانونية ينبغي أن تنصرف إلى القانون بوصفه نسقًا معياريًا، بعيدًا عن التفسيرات السياسية والأخلاقية والسوسيولوجية، فإنّ القانون لا يعود عنده مجرد انعكاس لواقعة اجتماعية أو لإرادة سياسية. إنّ «نقاء» النظرية هو، في جانب منه، عزل المعرفة القانونية عن العناصر التي لا تنتمي إلى موضوعها الخاص.
فكلسن ينطلق من قاعدة عليا يُفترض وجودها وتكون شرطًا لبناء النظام القانوني بأكمله. هذه القاعدة العليا ليست قانونًا مكتوبًا، بل افتراضًا منهجيًا ضروريًا لتمكيننا من فهم النظام القانوني باعتباره وحدة متماسكة. وهي كذلك نقطة مرجعية عقلية منهجية، لا حقيقة غيبية أو واقعة تاريخية.
وبناءً على هذا التمشّي، سعى كلسن إلى جعل القانون علمًا خالصًا، يتميّز بالاستقلال المنهجي عن الواقع السياسي والأخلاقي. ومن هنا يصبح التمييز بين الوقائع والمعايير حاسمًا: لا يمكن، في ذاته، الانتقال من مجرد وصف واقعة إلى إثبات معيار قانوني. وهذا هو أحد المواضع التي يتقاطع فيها مشروعه مع الإشكال الهيومي حول العلاقة بين «ما هو» و«ما يجب أن يكون».
وبالتالي يمكن القول إنّ كلسن أخذ مأخذًا جديًا من المشكلة التي طرحها هيوم، لكنه تجاوزها داخل مشروعه نحو بناء نظرية لمعيارية القانون. فالقانون عنده لا يستمد صلاحيته من مجرد وجود اجتماعي أو سياسي، بل من موقع القاعدة داخل نسق معياري.
وعليه، فالسيادة، في الأفق الكلسني، لا تظهر بوصفها إرادة بشرية مطلقة أو قرارًا شخصيًا خارج القانون، بل داخل إطار قانوني معياري. ومن هنا يمكن أن نفهم كيف تصبح سلطة القانون هي المرجع الأعلى، لا إرادة شخص أو قوة سياسية منفردة.
وهكذا يتمّ، منهجيًا، استبعاد ما هو سياسي من تعريف القانون نفسه، لا بمعنى إنكار وجود السياسة أو المجتمع، بل بمعنى عدم جعلهما مصدرًا لمعيارية القاعدة القانونية.
يعارض شميت هذه الرؤية. فالسيادة عنده ليست مجرد قانونية «تستنفد السياسة فتغتالها»، بل هي قرار سياسي حاسم ينكشف في لحظة الاستثناء. ففي النظم اللاهوتية ما قبل الحديثة، الله هو من يخرق النظام الطبيعي باسم المعجزة، أما في الدولة الحديثة فالاستثناء هو ما يخرق النظام القانوني.
وبالتالي، حسب شميت، لم تُلغِ الدولة الحديثة الاستثناء، بل نقلت مركزه من الله إلى السيادة، مع الإبقاء على بنيته الميتافيزيقية. فالتماثل الذي يقيمه شميت بين المعجزة والاستثناء ليس مجرد استعارة بلاغية؛ إنه جزء من أطروحته حول انتقال المفاهيم اللاهوتية إلى المجال السياسي الحديث.
وبهذا المعنى تنكشف إحدى رهانات شميت الكبرى: القانون لا يفسّر وحده لحظة تأسيس سلطته، لأن هناك قرارًا يسبق تطبيقه ويحدد إمكان سريانه في وضع معين. وهنا يصبح الاستثناء نافذة نرى من خلالها ما تحجبه حالة الانتظام: القرار الذي يقف خلف القاعدة.
يبدو من الوهلة الأولى أن قول شميت إنّ «كل قانون هو قانون مرتبط بوضع» هو إعادة إنتاج لرؤية الفقيه سافينيي المتمحورة حول أنّ القانون نتاج عضويّ لروح الأمة. إلا أنّ التحليل الجاد والدقيق يكشف عكس ذلك، فكارل شميت لا يقصد بذلك السياق الثقافي أو التاريخي وحده، بل يشير إلى ارتباط القانون بالوضع الذي يصبح فيه القرار السياسي حاسمًا في تحديد إمكان تطبيقه.
وهنا تكمن المفارقة: سافينيي يربط القانون بتاريخ جماعة وبنموها العضوي، بينما يدفع شميت العلاقة بين القانون والوضع باتجاه آخر، يجعل القرار السيادي حاضرًا في قلبها. فإذا كان القانون عند سافينيي ينمو مع الجماعة، فإن القانون عند شميت يكشف في لحظة الاستثناء عن القرار الذي يجعل انتظامه ممكنًا.
لقد فعل شميت بسافينيي كما فعل ماركس بهيغل: احتفظ ببنيته وغيّر اتجاهه. لم يُنكر أنّ القانون مرتبط بوضع، لكنه استبدل روح الأمة بالقرار السيادي لحظة الاستثناء.
وبالتالي، يُفرغ شميت البنية التاريخية من محتواها التراكمي ليملأها بمحتوى قراري، حيث يصبح القانون مرتبطًا بقرار الحسم في الوضع الذي يهدد انتظامه.
وهنا نصل إلى النقطة التي تجعل الاستثناء عند شميت أكثر من مجرد تقنية دستورية أو إجراء مؤقت: إنه لحظة كشف. ففي الاستثناء يظهر ما لا يظهر في حالة الانتظام؛ يظهر صاحب القرار، وتظهر حدود القاعدة، ويظهر الأصل السياسي الذي يستند إليه النظام القانوني.
ومن هنا لا يعود السؤال: كيف نطبّق القانون في حالة الاستثناء؟ بل يصبح السؤال الأعمق: من يملك حق تحديد أن هذه الحالة استثنائية أصلًا؟
وهنا تحديدًا يبدأ التوتر الحقيقي بين المعيار والقرار، وبين القانون والسيادة، وبين النظام والاستثناء.
إنّ ما انتهينا إليه من تحليل واستخلاص يقودنا إلى فهم حالة الاستثناء عند جورجيو أغامبن، من حيث رهاناتها النظرية وحقول اشتغالها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: ماذا أضاف أغامبن إلى مفهوم الاستثناء عند شميت؟ بل: هل فكّر أغامبن مع كارل شميت وضدّه في آن؟ أو، بصيغة أكثر حدّة: هل فكّر أغامبن بشميت ضد شميت نفسه؟
#فيصل_محيمدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
النموذج الليبرالي للتمثيل والسيادة الديمقراطية
-
ماذا يحدث في تونس؟
المزيد.....
-
فرنسا.. القضاء يُبطل مشروع قانون حظر استخدام وسائل التواصل ل
...
-
ما هي أضرار مكيّف الهواء على أجسادنا والبيئة؟ وما أفضل طريقة
...
-
ميلوني تدافع عن تعليق شنغن مع إسبانيا وتحدد -أولوية أوروبا-
...
-
الكوسا على مائدة الصيف.. فوائد صحية وطرق طهي تحافظ على قيمته
...
-
إرث النياندرتال.. جين قد يجعل حامليه أكثر قوة وكتلة عضلية
-
حروق الشمس لا تضر الجلد فقط.. تأثيرات خفية تطال المناعة والخ
...
-
لافروف: روسيا تسعى لتطوير التعاون الشامل مع تايلاند
-
أكسيوس: إدارة ترامب تقيم اتصالات غير معلنة مع المعارضة الإسر
...
-
تطورات محاكمة اللواء السوري عادل عيسى في لبنان بعد أنباء عن
...
-
مقاتلات الناتو تعترض وتُسقط طائرة مسيرة في أجواء لاتفيا
المزيد.....
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
-
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
/ علاء سامي
-
كتاب العرائس
/ المولى ابي سعيد حبيب الله
-
تراجيديا العقل
/ عمار التميمي
المزيد.....
|