|
|
التمييز بين هيدجر الوجود والزمان وهيدجر المنعطف، أو في تعقب الخيط الرابط بين أساسية الانطولوجيا وشاعرية التقنية
زهير الخويلدي
الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 12:08
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
مقدمة يشكل مشروع مارتن هيدجر من أكثر المشاريع الفلسفية تأثيرًا وتعقيدًا في القرن العشرين، إذ يتمحور بأكمله حول سؤال الوجود، لكنه يشهد تحولًا عميقًا يُعرف بـ«المنعطف». يتمثل هذا التحول في الانتقال من مرحلة «الوجود والزمان» (1927) التي تؤسس أنطولوجيا أساسية انطلاقًا من تحليل كينونة الموجود الإنساني (الدازاين)، إلى مرحلة لاحقة تتجاوز هذا الإطار نحو فكر تاريخي للوجود، يركز على انسحاب الوجود وتجليه في الميتافيزيقا والتقنية والشعر. يطرح هذا التحول إشكالية مزدوجة: هل هو قطيعة جذرية تقطع مع أساسيات المرحلة الأولى، أم هو استئناف وتعميق للسؤال ذاته بأساليب مختلفة؟ وكيف يرتبط الخيط الرابط بين «أساسية الأنطولوجيا» في العمل المبكر و«شاعرية التقنية» في الفكر المتأخر؟ تسعى هذه الدراسة إلى تتبع التمييز المفهومي والإجرائي بين المرحلتين، مع إبراز الاستمرارية الخفية التي تجعل المنعطف امتدادًا نقديًا وإعادة توجيه للمشروع الأصلي، لا مجرد انقطاعًا. ما الفرق بين هيدجر الاول والثاني؟ وما مضمون التطور الذي حصل له بعد المنعطف؟ وماهي تبعات ذلك على فلسفته؟ أولًا: الإطار المفهومي لـ«الوجود والزمان»: الأنطولوجيا الأساسية وتحليلية الدازاين في «الوجود والزمان» يطرح هيدجر سؤال الوجود بوصفه السؤال المنسي منذ الفلسفة اليونانية. الوجود ليس موجودًا من الموجودات، ولا مقولة عامة، بل هو ما يجعل الموجودات تظهر بما هي كذلك. وللوصول إلى هذا السؤال يقترح هيدغر طريقًا منهجيًا حاسمًا: البدء من الموجود الذي يفهم الوجود، أي الإنسان بوصفه «دازاين» (الوجود-هناك).الدازاين ليس ذاتًا ديكارتية ولا وعيًا مغلقًا، بل هو وجود-في-العالم، منفتح سلفًا على الموجودات وعلى وجوده الخاص. يحلل هيدغر هذا الوجود عبر البنى الوجودية: الوجدان، والفهم، والكلام، والهم بوصفه البنية الجامعة. الزمن هنا ليس تتابعًا خطيًا، بل هو الأفق الذي ينفتح فيه معنى الوجود. الوجود الأصيل هو الذي يستبق الموت ويفهم تناهيه، فيتحرر من السقوط في العالم اليومي للـ«هُم».الأنطولوجيا هنا «أساسية» لأنها تسبق كل أنطولوجيا إقليمية أو علم خاص، وتؤسس لإمكانية فهم الوجود عمومًا انطلاقًا من تحليل وجود الدازاين. المنهج فينومينولوجي هرمينوطيقي يصف البنى الوجودية كما تظهر في المعاش، مع طموح ترانسندنتالي يتمثل في الكشف عن شروط إمكان فهم الوجود. التقنية في هذه المرحلة لم تحتل موقعًا مركزيًا بعد؛ فهي تندرج ضمن الأدوات والموجودات الجاهزة للـيد، ضمن العالم المعاش، دون أن تُرفع إلى مستوى مصير تاريخي للوجود نفسه. ثانيًا: المنعطف بوصفه تحولًا مفهوميًا وإجرائيًا يبدأ المنعطف في ثلاثينيات القرن العشرين، ويتضح في النصوص حول العمل الفني، وهولدرلين، ونقد الميتافيزيقا، ومحاضرات التقنية، وفكر الحدث. لم يعد الدازاين المركز الذي يُسأل من خلاله عن الوجود، بل أصبح الوجود ذاته هو ما يُفكر في تاريخه وانسحابه وتجلياته. مفهوميًا، يتحول السؤال من «معنى الوجود» كما ينفتح للدازاين إلى «حقيقة الوجود» أو «تجلي الوجود في تاريخه». الميتافيزيقا تُفهم الآن بوصفها تاريخ نسيان الوجود، تاريخًا يتحدد فيه الوجود بوصفه حضوراً أو أساسًا أو إرادة قوة، وينتهي في العصر الحديث إلى التقنية. التقنية لم تعد مجرد أداة أو نشاط إنساني، بل هي مصير للوجود نفسه: إنها «الإطار» الذي يستدعي الموجودات كلها بوصفها مخزونًا قابلاً للطلب والحساب والتحكم. الإنسان نفسه يصبح جزءًا من هذا المخزون، ويُستدعى بوصفه موردًا بشريًا. إجرائيًا، يتغير المنهج جذريًا. يتخلى هيدجر عن التحليل الوجودي للدازاين وعن الطموح الترانسندنتالي لبناء أنطولوجيا أساسية مكتملة. يتحول التفكير إلى تفكير تاريخي-وجودي ، يتتبع العصور الميتافيزيقية بوصفها إرساليات للوجود. يصبح الشعر، وخاصة شعر هولدرلين، الموقع الامتيازي لإصغاء أصيل إلى نداء الوجود، لأن القصيدة تحفظ الانفتاح وتقاوم الحساب التقني. التفكير ذاته يصبح تفكيرًا تأمليًا أو إنصاتًا، أقرب إلى «التخلي» أو «السكينة» منه إلى التحليل البنيوي أو التأسيس الترانسندنتالي. الحدث يحل محل الزمن كأفق أساسي. الحدث هو الحدثان المتبادل بين الوجود والإنسان، حيث يُملك كل منهما للآخر في انتماء أصيل. لم يعد الإنسان هو من يطرح سؤال الوجود انطلاقًا من وجوده، بل أصبح الوجود هو ما يدعو الإنسان إلى حراسة انفتاحه. ثالثًا: التمييز المفهومي والإجرائي: نقاط القطيعة يتجلى التمييز أولًا في مركز الثقل: من الدازاين إلى الوجود ذاته. في المرحلة الأولى يبدو الدازاين شبه ترانسندنتالي، شرطًا لإمكان سؤال الوجود. في المنعطف يصبح الدازاين استجابة لنداء الوجود، لا مصدرًا له. ثانيًا، في مفهوم الزمن: الزمن الأصيل في «الوجود والزمان» أفق للدازاين، بينما في المنعطف يذوب الزمن في تاريخ الوجود والحدث. ثالثًا، في الموقف من الميتافيزيقا: المرحلة الأولى لا تزال تعمل داخل أفق يمكن وصفه بأنه تجاوز نقدي للميتافيزيقا عبر الأنطولوجيا الأساسية، أما المنعطف فيرى الميتافيزيقا كلها تاريخ نسيان، ويبحث عن بداية أخرى خارجها. رابعًا، في التقنية: من كونها نمطًا من الموجودات الأداتية إلى كونها اكتمال الميتافيزيقا ومصير العصر الحديث الذي يستدعي تفكيرًا شعريًا مضادًا. إجرائيًا، يتحول الخطاب من وصف فينومينولوجي هرمينوطيقي لبنية الوجود الإنساني إلى إنصات تاريخي-شعري للغة الوجود. اللغة نفسها تنتقل من كونها وجودية للدازاين إلى كونها «بيت الوجود». الشعر لم يعد تعبيرًا عن تجربة أصيلة فحسب، بل يصبح قولًا يكشف ويحفظ حقيقة الوجود في مواجهة الهيمنة التقنية. رابعًا: مفهوم الحدث يحتل مفهوم «الحدث» موقعًا مركزيًا في فكر مارتن هيدجر المتأخر، بعد المنعطف الذي شهد انتقالًا من الأنطولوجيا الأساسية في «الوجود والزمان» إلى فكر تاريخ الوجود. لم يعد الحدث مجرد وقوع أو حادثة ضمن الزمن الخطي، ولا مقولة من مقولات التجربة الإنسانية، بل أصبح الاسم الذي يفكر به هيدغر في العلاقة الأصيلة بين الوجود والإنسان، وفي كيفية تملّك كل منهما للآخر ضمن انفتاح يتجاوز الإطار الميتافيزيقي والتقني. الحدث عند هيدغر ليس ما يحدث داخل العالم، بل ما يجعل العالم والانفتاح ممكنين أصلاً. وهو المفهوم الذي يسمح بتجاوز نسيان الوجود، ويفتح أفقًا لفكر لم يعد يؤسس أو يحسب أو يسيطر، بل ينصت ويحرس. يسعى هذا التحليل إلى تفكيك أبعاد هذا المفهوم في مستوياته الأنطولوجية والتاريخية واللغوية والتقنية، مبرزًا كيف يشكل الحدث الذروة التي يلتقي فيها نقد الميتافيزيقا بشاعرية الفكر المقاوم للتقنية. الحدث بوصفه تملّكًا متبادلاً لا وقوعًا زمنيًا، اذ يرفض هيدغر الفهم العادي للحدث بوصفه شيئًا يقع في الزمن أو تغيرًا يطرأ على موجودات قائمة. الحدث ليس «ما يحدث»، بل هو الحدثان نفسه: الكيفية التي يتملك بها الوجود الإنسان ويتملك بها الإنسان الوجود في انتماء متبادل. كلمة Ereignis الألمانية تحمل دلالة التملك والإعطاء المتبادل، لا مجرد الحدوث. في هذا التملك لا يكون الإنسان ذاتًا تسيطر على الوجود، ولا يكون الوجود موضوعًا قائمًا أمام الإنسان. بل يُدعى الإنسان إلى أن يكون حارس الانفتاح، ويُعطى الوجود في الوقت نفسه فضاء تجليه. الحدث هو ما يجمع بينهما في انتماء أصيل يسبق أي فصل بين ذات وموضوع، أو بين إنسان وعالم. بهذا المعنى يتجاوز الحدث الثنائيات الميتافيزيقية كلها، ويعيد صياغة العلاقة من جذورها. لا ينفصل مفهوم الحدث عن تاريخ الوجود. يرى هيدغر أن الوجود يتجلّى وينحجب عبر عصور ميتافيزيقية متتالية، كل عصر منها إرسالية من إرسالياته. الميتافيزيقا منذ أفلاطون حتى نيتشه هي تاريخ تحديد الوجود بوصفه حضورًا أو أساسًا أو إرادة. والعصر الحديث يبلغ هذا التاريخ ذروته في التقنية، حيث يُستدعى كل موجود بوصفه مخزونًا قابلاً للطلب. الحدث هو ما يمكن أن يقطع مع هذا التاريخ أو يفتح إمكانية بداية أخرى. ليس الحدث حدثًا داخل التاريخ، بل هو ما يؤرخ للتاريخ نفسه، أي ما يجعل العصور الميتافيزيقية ممكنة بوصفها تجليات وانحجابات. التفكير في الحدث يعني التفكير في إمكانية تحول في مصير الوجود، تحول لا يصنعه الإنسان بإرادته، بل يستجيب له إذا أنصت. هنا يظهر البعد الزمني العميق للحدث: فهو ليس لحظة ضمن التتابع، بل هو الأصل الذي ينفتح منه الزمن ذاته بوصفه تاريخ تجلي الوجود. الزمن الميتافيزيقي يُختزل في الحضور والآن، أما زمن الحدث فهو زمن الانتماء المتبادل الذي يحفظ الماضي والمستقبل في انفتاح واحد. كما يرتبط الحدث ارتباطًا جوهريًا باللغة. اللغة عند هيدجر المتأخر ليست أداة تعبير ولا نسق علامات، بل هي « مسكن الوجود». في اللغة يتجلّى الوجود وينحجب، وفيها يُدعى الإنسان إلى الإصغاء. الحدث يقع أولًا في اللغة وبها. يحتل الشعر موقعًا امتيازيًا هنا. فالشاعر، وخاصة هولدرلين، ليس مبدعًا ذاتيًا، بل هو من ينصت إلى نداء الوجود ويحوّله إلى قول يحفظ الانفتاح. القصيدة ليست تمثيلًا ولا رمزًا، بل هي موقع حدوث الحدث اللغوي الذي يقاوم الاختزال التقني للحساب والتسمية الآلية. الشعر يقول ما لا يُقال بالحساب، ويحفظ ما يهدده النسيان. التفكير الفلسفي نفسه يقترب من الشعر في هذه المرحلة. لم يعد التفكير تأسيسًا أو تحليلًا بنيويًا، بل إنصاتًا إلى ما يُقال في الحدث. اللغة الحدثية لغة تتخلى عن الإرادة السيطرة، وتقترب من السكينة والتخلّي. تبلغ أهمية مفهوم الحدث ذروتها في مواجهة التقنية. التقنية الحديثة ليست مجموعة أدوات أو تطبيقًا علميًا، بل هي مصير الوجود في اكتمال الميتافيزيقا. الإطار التقني يستدعي الموجودات كلها، بما فيها الإنسان، بوصفها موارد قابلة للتخزين والتوزيع والتحكم. في هذا الاستدعاء يُغلق الانفتاح، ويُنسى الوجود نسيانًا يكاد يكون تامًا. الحدث هو الإمكانية المضادة لهذا الإغلاق. ليس بمعنى أن الإنسان يصنع حدثًا يقاوم التقنية، بل بمعنى أن التفكير في الحدث يحفظ إمكانية انفتاح آخر داخل العصر التقني نفسه. التقنية تحمل في داخلها مراوحة: فهي أقصى انحجاب، لكنها في الوقت نفسه قد تشير إلى ضرورة بداية جديدة إذا أُحسن الإصغاء. السكينة هي الموقف الفكري الذي يتوافق مع الحدث: تخلّ عن إرادة السيطرة والحساب، وانفتاح على ما يُعطى في التملك المتبادل. ليست السكينة هروبًا من التقنية ولا رفضًا لها، بل هي البقاء داخلها مع الحفاظ على مسافة تسمح برؤية حدودها وإمكانية تجاوز مصيرها المغلق. لذلك يرتبط الحدث بالفرق الأنطولوجي بين الوجود والموجود. الميتافيزيقا تنسى هذا الفرق حين تحدد الوجود انطلاقًا من الموجودات. الحدث يعيد إحياء الفرق لا بوصفه تمييزًا نظريًا، بل بوصفه حدثانًا حيًا يتملك فيه الوجود والموجود أحدهما للآخر ضمن انفتاح. حقيقة الوجود لم تعد مطابقة أو صحة قضية، بل انكشاف وانحجاب متزامنان. الحدث هو الموقع الذي يتجلّى فيه هذا التوتر الأصيل. كل تجلي هو في الوقت نفسه انحجاب، وكل انفتاح يحمل إمكانية الإغلاق. التفكير في الحدث يعني البقاء داخل هذا التوتر دون محاولة حسمه لصالح حضور كامل أو غياب مطلق. إجرائيًا، يتطلب التفكير في الحدث تحولًا في أسلوب الفلسفة نفسها. لم يعد المنهج وصفًا فينومينولوجيًا لبنية الدازاين، ولا بناءً ترانسندنتاليًا، ولا تحليلًا تاريخيًا بالمعنى الوضعي. التفكير يصبح مسيرة إنصات متكررة إلى اللغة والتراث والشعر والتقنية، مسيرة تتخلى عن الطموح إلى السيطرة على المعنى أو استنفاده. هذا التفكير دائري لا خطي: يعود باستمرار إلى ما سبق قوله ليسمعه من جديد. وهو تفكير يقاوم الترجمة السريعة إلى مفاهيم جاهزة أو برامج عملية. الحدث لا يُنتج «نتائج» قابلة للتطبيق المباشر، بل يغيّر كيفية وجود الإنسان في العالم وكيفية إصغائه إلى ما يحيط به. خامسا :الخيط الرابط بين أساسية الأنطولوجيا وشاعرية التقنية رغم هذه التمييزات الحادة، يبقى خيط رابطة عميق يمنع اعتبار المنعطف قطيعة مطلقة. السؤال عن الوجود يظل هو السؤال الواحد الذي يحرك المشروع كله. ما بدأ في «الوجود والزمان» بوصفه أنطولوجيا أساسية تكشف نسيان الوجود في التراث الميتافيزيقي، يكتمل في المنعطف بوصف هذا النسيان تاريخًا كاملًا يبلغ ذروته في التقنية. على هذا النحو التقنية ليست موضوعًا جديدًا طارئًا، بل هي التجلي الأقصى لما كان يُحلل في المرحلة الأولى بوصفه سقوطًا وحسابًا واهتمامًا أداتيًا بالعالم. الأساسية الأنطولوجية في العمل المبكر كانت محاولة لتأسيس فهم الوجود على تحليل الدازاين، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن محدودية هذا الطريق: فالدازاين نفسه ملقى في عالم يسوده النسيان، وتحليل بنيته لا يكفي لاستعادة الوجود. المنعطف يعترف بهذا الحد، فينتقل من التأسيس إلى الإصغاء، ومن البنية إلى التاريخ، ومن الدازاين إلى الحدث. شاعرية التقنية ليست نقيضًا للأساسية الأنطولوجية، بل هي امتدادها النقدي: فإذا كانت الأنطولوجيا الأساسية قد أظهرت أن الوجود يُفهم عبر الزمانية والتناهي، فإن الفكر المتأخر يظهر أن هذا الفهم مهدد بالاختفاء التام في العصر التقني، وأن استعادته تمر عبر الشعر والفكر التأملي اللذين يحفظان الانفتاح ضد الإغلاق الحسابي. الخيط الرابط يكمن أيضًا في مفهوم الحقيقة بوصفها انكشافًا. في المرحلة الأولى تكون الحقيقة انكشافًا مرتبطًا بفهم الدازاين، وفي المنعطف تصبح انكشافًا وانحجابًا متزامنين للوجود نفسه عبر العصور. التقنية هي أقصى أشكال الانحجاب المتخفي في هيئة أقصى انكشاف حسابي. الشعر هو المقاومة التي تذكر بالانكشاف الأصيل. هكذا تصبح شاعرية التقنية الوجه الآخر لأساسية الأنطولوجيا: الأولى تكشف البنية، والثانية تكشف المصير التاريخي والمقاومة الممكنة. خاتمة يكشف التمييز بين هيدجر «الوجود والزمان» وهيدغر «المنعطف» عن تحول مفهومي عميق ينقل مركز الثقل من الدازاين إلى الوجود، ومن التحليل الوجودي إلى الفكر التاريخي-الشعري، ومن الزمن كأفق إلى الحدث كتملّك متبادل، ومن الأدوات إلى التقنية بوصفها مصيرًا. غير أن هذا التحول لا يلغي الخيط الرابط الذي يجعل المنعطف استئنافًا نقديًا للمشروع الأصلي. أساسية الأنطولوجيا فتحت سؤال الوجود وكشفت نسيانه، وشاعرية التقنية تتبع هذا النسيان حتى اكتماله في العصر الحديث، وتبحث عن إمكانية إنصات آخر يحفظ الانفتاح. بهذا المعنى يكون المنعطف تعميقًا لا قطيعة، وإعادة توجيه لا هجرانًا. المشروع الهيدجري يظل واحدًا في سؤاله الجذري عن الوجود، متعددًا في طرق اقترابه منه. مفهوم الحدث عند هيدجر هو المحور الذي يلتقي فيه نقد تاريخ الميتافيزيقا بفكر ما بعد ميتافيزيقي يبحث عن بداية أخرى. الحدث ليس وقوعًا ولا لحظة ولا فعلًا إنسانيًا، بل هو التملك المتبادل بين الوجود والإنسان، الأصل الذي ينفتح منه تاريخ التجلي والانحجاب، والموقع الذي تقاوم فيه اللغة الشعرية الهيمنة التقنية. من خلال هذا المفهوم يتجاوز هيدجر إطار الأنطولوجيا الأساسية دون أن يهجر سؤال الوجود. فالأساسية الأنطولوجية كشفت النسيان، والحدث يتابع هذا الكشف حتى مصيره التقني، ويفتح إمكانية إنصات يحفظ الانفتاح ضد الإغلاق الحسابي. بذلك يصبح الحدث الاسم الذي يفكر به هيدغر في إمكانية فكر لم يعد يؤسس أو يسيطر، بل يحرس ويصغي، فكر يبقى وفيًا لسؤال الوجود في أكثر العصور نسيانًا له. الاستمرارية تظهر كذلك في رفض النزعات الذاتية والموضوعية على حد سواء. سواء في تحليل الدازاين أو في فكر الحدث، يرفض هيدجر اختزال الوجود إلى تمثل ذاتي أو إلى موضوع قائم أمام الذات. التقنية هي اكتمال هذا الاختزال، والشعر هو ما يقاومه بإعادة الإنسان إلى موقع الحارس لا السيد. ومن خلال تتبع هذا الخيط يتضح أن أساسية الأنطولوجيا وشاعرية التقنية وجهان لمتابعة واحدة: محاولة إنقاذ سؤال الوجود من النسيان، سواء عبر تحليل بنية الدازاين أو عبر مقاومة الهيمنة التقنية بالفكر والشعر. فكيف حرص هيدجر على تطبيق مفهومي الحدث والحقيقة على الأثر الفني؟ كاتب فلسفي
#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مفهوم الفعل عند بيير جانيه بين اللغة والذهن والذكاء، مقاربة
...
-
تلقي فلسفة فريدريك نيتشه في السياق الشرقي
-
علاقة الفرد بالمجتمع بين تأكيد الذات وفقدان الأصالة
-
من هم الفلاسفة الذين تاهوا عن الطريق الفلسفي الخاص بهم ؟ ولم
...
-
التمايز وإعادة الإنتاج والعنف الرمزي كعناصر في نظرية النسق ا
...
-
تغلغل الماوية في الفكر السياسي العربي، قراءات في أعمال ناجي
...
-
نانسي فرايزر وتصديها لاقتلاع الرأسمالية الكانيبالية المتوحشة
...
-
العمل السياسي الهادئ والبطيء والطوعي والذي يغلب عليه طابع ال
...
-
تحولات الفلسفة الوجودية بين العبثية المتمردة والعدمية اليائس
...
-
الاستحالة كمفهوم فلسفي أساسي
-
حدود الليبرالية كبضاعة فكرية رأسمالية
-
المقترحات الجديدة في الفلسفة السياسية المعاصرة
-
تحولات التجارب الماركسية بين التنظير والممارسة، دراسة توثيقي
...
-
تجربة الالتزام الوجودي في زمن الرداءة والفعل المقاوم بواسطة
...
-
الفلسفة والميتافيرس بين الشاشة الرقمية للعالم والهندسة التكن
...
-
التمشي النقدي في الممارسة المعرفية بين النزعة الاتصالية الدغ
...
-
عناصر اكتساب القدرة وقواعد السيطرة حسب روبرت جرين
-
التناقض محرك التاريخ
-
تفاعلات اللغة والعقل والمجتمع في الفلسفة المعاصرة بين التنظي
...
-
تاريخ الذهنية المهزومة بين الهشاشة السايكولوجية للذات الجمعي
...
المزيد.....
-
كنز أثري تحت البحر.. العثور على حطام سفينة رومانية عمرها أكث
...
-
رحلة تابعة لخطوط ألاسكا الجوية تضطر لإغلاق قمرة القيادة بسبب
...
-
خبراء: الحصار الأمريكي يشلَّ مركز تصدير النفط الرئيسي بجزيرة
...
-
رقم لم تسجله أوروبا الغربية من قبل.. يونيو ويوليو في صدارة ا
...
-
استعراض لوح التجديف: مشاركون متنكرون يطفون في نهر موسكو
-
إيران تعتزم فرض رسوم على مرور السفن عبر مضيق هرمز
-
-قبلة الشارع المريبة-.. سر المقطع الذي فجر غضبا في مصر
-
بلغاريا: انفجار وحريق في مصنع عسكري (فيديو)
-
تصعيد إسرائيلي واسع جنوب لبنان.. تفجيرات وقصف وتوغلات في الق
...
-
-كلاشنيكوف- تكشف عن أحدث مسيرة تكتيكية بمدى يتجاوز 100 كم
المزيد.....
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
-
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
/ علاء سامي
-
كتاب العرائس
/ المولى ابي سعيد حبيب الله
-
تراجيديا العقل
/ عمار التميمي
المزيد.....
|