|
|
النظام الدولي ومشكلة العراق المالية
مضر خليل عمر
الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 20:45
المحور:
قضايا ثقافية
معلومات من الذكاء الاصطناعي
اجد صعوبة في فهم ما يجري في العراق ، فمن يحكم العراق فعليا ؟ ولماذا تنهب ثرواته ؟ واين تدربت عصابات النهب قبل استلامها دفة الحكم فيه ؟ فاضافة الى دور ايران في الموضوع و كونها خبيرة تاريخيا في اسقاط الانظمة و التحكم بها بشكل غير مباشر ، ومباشر ، ورد الى ذهني تجربة ايطاليا كبلد عرف بعصاباته المنظمة ، وان هذه العصابات قد تحكمت في ايطاليا فترة من الزمن الى ان تمكن احد قضاتها بايجاد حل للوضع المنفلت فيها . و الغوص في موضوع معقد وشائك امر لا احسنه ، ولكن الفضول دفعني لايجاد شيئ من الاجابة عن طريق الذكاء الاصطناعي . فوجهت السؤال الاتي : عاشت ايطاليا فترة من الفوضى وغياب القانون وسيادة العصابات المنظمة ، (خلال القرن الماضي) ، وعاش العراق ظروفا مماثلة ، الى حدما ، وسادت سياسات لا تماثلها الا اساليب العصابات المنظمة ، بعد 2003 .ماهي اوجه التشابه والاختلاف ؟ وكيف تمكنت ايطاليا من اعادة هيبة الحكومة ؟ جاء الرد ، كما مبين في ادناه ، مع اشارات الى حالات مماثلة لدول العالم ، وكيفية معالجة الامور المعقدة . اسرد الاجابة دون تدخل ، كما وردتني . سؤال مهم ويستحق تحليلاً متأنياً. سأحاول تناول أوجه الشبه والاختلاف، ثم التجربة الإيطالية في استعادة هيبة الدولة. أوجه التشابه ١. غياب احتكار الدولة للعنف في إيطاليا (خصوصاً الجنوب، صقلية، كالابريا، نابولي)، لم تكن الدولة المركزية بعد توحيد إيطاليا (١٨٦١) قادرة على فرض سلطتها الفعلية في مناطق واسعة، فملأت المافيا والكامورا والأندرانغيتا هذا الفراغ كـ"سلطة بديلة" تحل النزاعات وتفرض "النظام" الخاص بها. في العراق بعد ٢٠٠٣، انهيار مؤسسات الدولة (الجيش، الشرطة، الأمن) بشكل مفاجئ خلق فراغاً مشابهاً ملأته الميليشيات والجماعات المسلحة. ٢. التداخل بين الجريمة المنظمة والسياسة في إيطاليا، لم تكن المافيا مجرد عصابات إجرامية بل شبكة تتغلغل في الأحزاب والبلديات والمقاولات العامة، وتقايض الأصوات الانتخابية بالحماية والنفوذ. في العراق، برزت ظاهرة مشابهة إلى حد ما: جماعات مسلحة تتحول إلى قوى سياسية شرعية (أو شبه شرعية) لها كتل برلمانية، بينما تحتفظ بأذرع مسلحة خارج سيطرة الدولة الكاملة. ٣. الاقتصاد الموازي كلا الحالتين شهدتا اقتصاداً موازياً : عقود مقاولات، جمارك، ابتزاز تجاري ("الحماية")، تهريب، يديره من هم خارج الأطر الرسمية أو يتحكمون بها من الداخل. ٤. الترهيب والاغتيالات السياسية استهداف القضاة والصحفيين والسياسيين المصلحين كان سمة مشتركة (اغتيال فالكوني وبورسلينو في إيطاليا، واغتيالات مماثلة طالت نشطاء وصحفيين وقضاة في العراق).
أوجه الاختلاف • الطابع الطائفي/العرقي: الصراع العراقي متشابك مع بنى طائفية وعرقية وإقليمية (تدخل إيراني، تركي، وغيره) بشكل يتجاوز البعد الإجرامي البحت الذي طبع المافيا الإيطالية. • حداثة الدولة: إيطاليا كانت دولة موحدة حديثاً تحاول بناء هوية وطنية، بينما العراق دولة قائمة انهارت مؤسساتها فجأة بفعل غزو خارجي، وهو سياق مختلف جذرياً في المنشأ. • البعد الدولي: الاحتلال الأمريكي وإعادة هيكلة الدولة العراقية بالكامل (حل الجيش، اجتثاث البعث) لا يقارن بشيء في التجربة الإيطالية. • حجم السلاح المنفلت: انتشار السلاح الثقيل والميليشيات المسلحة عسكرياً في العراق يفوق بكثير ما كانت عليه العصابات الإيطالية التي اعتمدت أساساً على الابتزاز والفساد والاغتيال الانتقائي أكثر من الحرب المسلحة المفتوحة. كيف استعادت إيطاليا هيبة الدولة (نسبياً)؟ ١. الإصلاح القضائي والتحقيقات الكبرى ، "محاكمة الحد الأقصى" (Maxiprocesso) في باليرمو (١٩٨٦١٩٩٢)، بقيادة القاضيين جيوفاني فالكوني وباولو بورسلينو، أدانت مئات من قادة المافيا اعتماداً على أدلة منهجية وشهادات "التائبين" (pentiti) الذين تعاونوا مع القضاء مقابل حماية وتخفيف أحكام. ٢. تشريعات خاصة لمكافحة الجريمة المنظمة ، قانون "روغناتي-لا تورتي" (١٩٨٢) جرّم الانتماء للمافيا كجريمة قائمة بذاتها، وسمح بمصادرة أموال وممتلكات المشتبه بهم دون الحاجة لإثبات جريمة محددة لكل قطعة مال - أداة قوية لضرب الاقتصاد الإجرامي من قاعدته. ٣. استغلال صدمة الاغتيالات اغتيال فالكوني وبورسلينو عام ١٩٩٢ (بالقنابل) صدم الرأي العام الإيطالي، وحوّل التعاطف الشعبي بشكل حاسم ضد المافيا، مما أعطى الدولة غطاءً سياسياً وشعبياً لتصعيد المواجهة. ٤. وحدات متخصصة وتنسيق استخباراتي إنشاء هيئات مثل DIA) -dir-ezione Investigativa Antimafia) التي تجمع الشرطة والدرك والاستخبارات المدنية تحت مظلة واحدة لملاحقة الجريمة المنظمة. ٥. الحركة المدنية المناهضة للمافيا لم تكن المعركة حكومية فقط؛ نشأت حركات مجتمعية (مثل "Addiopizzo" التي شجعت التجار على رفض دفع "الحماية") وتعليم مدني في المدارس يربط الأجيال الجديدة بقيم الشرعية بدل التعايش مع المافيا كأمر واقع. ٦. تفكيك تدريجي لا حاسم من المهم التوضيح أن إيطاليا لم "تقض" على المافيا نهائياً - فهي ما زالت موجودة، خصوصاً الأندرانغيتا الكالابرية التي باتت أقوى شبكة إجرامية أوروبية اليوم في تجارة المخدرات - لكن الدولة نجحت في كسر هيمنتها العلنية على الحياة السياسية والاقتصادية اليومية، وفرض حد أدنى من سيادة القانون. الدرس الأهم للحالة العراقية ربما يكمن في نقطتين: أن المواجهة القضائية الجادة (لا الأمنية فقط) كانت المحرك الحقيقي للتغيير في إيطاليا، وأن استقلالية القضاء وحمايته كانت شرطاً لا غنى عنه - وهو تحدٍ أكبر بكثير في السياق العراقي حيث التداخل بين السلاح والسياسة والقضاء أعمق بكثير مما كان عليه في إيطاليا. أين وصل الملف العراقي فعلياً؟ المعطيات الأخيرة (منتصف ٢٠٢٦) تعطي صورة واقعية غير مبشّرة كثيراً بالسرعة، لكنها ليست عدمية: - أعلن صندوق استرداد أموال العراق في آذار/مارس ٢٠٢٦ أنه استعاد نحو ٣٧٩ مليون دولار من الخارج، مع وجود أموال عراقية مجمدة أو قيد التحقيق بقيمة نحو ١٩٣ مليون دولار في تركيا، ونحو ٧٠٠ مليون دولار في الأردن، ونحو ١.٤٥ مليار دولار في سوريا. - أعلنت وزارة العدل استرداد أكثر من ٢٥ مليون دولار خلال عامي ٢٠٢٥ و٢٠٢٦، مع مكاسب قضائية منها إسقاط دعاوى وحجوزات على أموال عراقية في الأردن، ورد دعوى أمام القضاء الأمريكي بالاستناد إلى مبدأ الحصانة السيادية. - الأهم من الأرقام نفسها هو الاعتراف الرسمي بالزمن المطلوب: مدة استرداد الأموال تتراوح عادة بين سنتين وسبع سنوات، بسبب تعقيدات الإثبات القانوني واختلاف التشريعات بين الدول، إضافة إلى تمويه الأموال عبر شركات وهمية أو بأسماء أشخاص آخرين. - صدر أيضاً قرار باسترداد مليار و٧٠٦ ملايين دولار من مدان هارب في الأردن، مع استمرار إجراءات التنفيذ على أمواله المحجوزة — وهذا مثال جيد على الفارق بين "صدور حكم" و"تحصيل فعلي". بمعنى آخر: هذه المبالغ (مئات الملايين المستردة فعلياً) صغيرة جداً مقارنة بحجم النهب المقدّر منذ ٢٠٠٣ (الذي يُقاس بعشرات أو مئات المليارات في تقديرات متفرقة)، لكنها ليست صفراً، وهناك بنية مؤسسية بدأت تعمل. لماذا استرداد الأموال أصعب بنيوياً من إدانة الأشخاص؟ ١. المال يهرب أسرع من القانون ، بحلول وقت صدور حكم الإدانة، تكون الأموال غالباً قد مرّت عبر عدة ولايات قضائية (بنوك، عقارات، شركات واجهة)، وكل انتقال يضيف طبقة قانونية جديدة يجب اختراقها. ٢. مبدأ الحصانة السيادية وتعقيدات التعاون الدولي ، كما رأينا في قضية الأردن، حتى الدول المتعاونة نسبياً تطبق مبادئ قانونية (كالحصانة السيادية) قد تُستخدم لصالح العراق أحياناً، وضده أحياناً أخرى حين يحاول أطراف أخرى ملاحقة أصول عراقية. ٣. عدم تجانس التشريعات ، كل دولة لديها معايير إثبات مختلفة لتجميد الأصول ومصادرتها؛ ما يُعتبر دليلاً كافياً في العراق قد لا يكون كافياً أمام قاضٍ أردني أو أمريكي أو سويسري. ٤. غياب اتفاقيات ثنائية قوية مع بعض "الملاذات" التقليدية ، دول معينة (تاريخياً: الإمارات، لبنان قبل الأزمة، بعض الدول الأوروبية) لم تكن دائماً متعاونة بالسرعة المطلوبة، وإن كان هناك تحسن ملحوظ.
أدوات عملية أثبتت جدواها دولياً (ومحلياً بدرجات متفاوتة) | الأداة | كيف تعمل | وضعها في العراق | - مصادرة غير القائمة على الإدانة (Non-Conviction-Based Confiscation) | تصادر الدولة الأصول إذا أثبتت أنها متحصلة من فساد، دون إدانة جنائية شخصية (يكفي إثبات مدني بمعيار أدنى) | نموذج إيطاليا الأصلي؛ العراق ما زال يعتمد أساساً على أحكام إدانة كاملة، ما يبطئ العملية | - اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) - الفصل الخامس | آلية دولية لاسترداد الأصول بين الدول الموقّعة | العراق طرف فيها، لكن التفعيل يعتمد على تعاون كل دولة بمفردها | "- وحدات الاستخبارات المالية" (FIU) | تتبع التحويلات المصرفية المشبوهة عبر SWIFT وشبكة عالمية من نظيراتها | موجودة في العراق لكن فعاليتها مرتبطة بمدى استقلاليتها عن الضغوط السياسية | - مكافأة "التائبين" المالية | تخفيف عقوبة أو حصانة لمن يكشف حسابات ويعيد أموالاً | غير مفعّلة بشكل ممنهج في العراق حتى الآن | - قانون "ماغنتسكي" ونظائره | عقوبات أمريكية/أوروبية تستهدف أفراداً بعينهم بتجميد أصول دون محاكمة كاملة | يُستخدم أحياناً ضد شخصيات عراقية لكنه أداة خارجية وليست عراقية |
أين تكمن نقطة الضعف الأعمق في الحالة العراقية؟ المشكلة الأهم — وهذا ما يجعل الملف مختلفاً جوهرياً عن التجربة الإيطالية — أن كثيراً ممن نهبوا المال ما زالوا داخل المنظومة السياسية أو محميين بها، وليسوا هاربين خارجها فقط. في إيطاليا كانت الدولة (بعد إصلاحات ٨٠٩٠) تلاحق شبكة "خارجية" نسبياً عن مركز القرار الرسمي. في العراق، جزء كبير من التحدي هو أن جهاز الملاحقة نفسه (قضاء، نزاهة، برلمان) يحتاج أولاً لاستقلالية كافية عمّن يُفترض ملاحقتهم — وهذا يعيدنا لنقطة "استقلال القضاء" التي ذكرناها سابقاً كشرط جوهري وليس تفصيلاً تقنياً. من خلال فهم النظام المالي الدولي، يبدو أنه مصمم لحماية السيولة المالية أكثر من استعادة الأموال المسروقة — وهذه ملاحظة واقعية : البنوك والملاذات المالية لديها حوافز تجارية للاحتفاظ بالودائع، لا لإعادتها لحكومات المنشأ.
أبرز التجارب الدولية الناجحة (نسبياً) ١. نيجيريا وقضية أباتشا — الحالة الأكثر استشهاداً الجنرال ساني أباتشا حكم نيجيريا ١٩٩٣١٩٩٨ ونهب ما يُقدَّر بـ٣٥ مليارات دولار. القصة تستحق التفصيل لأنها الأقرب من حيث الطبيعة السياسية للحالة العراقية: - الأداة القانونية الحاسمة : مرسوم الجنرال أبو بكار رقم ٥٣ الصادر عام ١٩٩٩ في نيجيريا أدى إلى مصادرة ما يقارب ٨٠٠ مليون دولار من الأصول التي سرقها أباتشا وأعوانه — أي أن الخطوة الأولى الحاسمة كانت داخلية : تشريع طارئ يجرّم ويصادر قبل أي ملاحقة خارجية. - آلية "المساعدة القانونية المتبادلة" مع سويسرا : بدأت نيجيريا تحقيقاً أمنياً واسعاً عام ١٩٩٨، واستعانت بمكتب محاماة سويسري متخصص لتعقب الأموال، وبحلول ديسمبر ١٩٩٩ قبلت السلطات السويسرية أول طلب مساعدة قانونية متبادلة سمح بتجميد الأموال. - الاختراق القانوني الأهم : اشترطت سويسرا في البداية حصول نيجيريا على حكم مصادرة نهائي من محاكمها، وهو ما كان صعباً سياسياً وقانونياً، إلى أن نجح المحامون في الحصول على حكم تاريخي يقضي بعدم الحاجة لحكم مصادرة نهائي لوجود أدلة كافية على الفساد — هذه بالضبط آلية "المصادرة غير القائمة على الإدانة" التي ذكرتها سابقاً. - النتيجة : استردت نيجيريا نصف مليار دولار بين ٢٠٠٥ و٢٠٠٦، ثم ١.٩ مليار دولار إضافية عام ٢٠١٣. لكن الأمر استغرق نحو سبع سنوات حتى استردت نيجيريا أول دفعة من الأموال. - الحصيلة الإجمالية متواضعة نسبياً مقارنة بحجم النهب : من أصل ٣٥ مليارات دولار قُدّر أنها نُهبت، لم تتمكن نيجيريا من استرداد أكثر من ٨٠٠ مليون دولار من الداخل و٥٠٥ ملايين من الخارج — أي نسبة استرداد حقيقية لا تتجاوز ٢٥٣٠٪ تقريباً، رغم أنها تُعتبر "قصة نجاح". ٢. بيرو — النموذج المؤسسي الأنظف تجربة استرداد أموال نظام فوجيموري/مونتيسينوس تُعتبر من أفضل النماذج من ناحية الحوكمة اللاحقة للاسترداد ، لا فقط الاسترداد نفسه: - أنشأت الحكومة البيروفية عام ٢٠٠١ صندوقاً وطنياً لإدارة الأموال المنهوبة المستعادة، بهدف ضمان إنفاقها بشفافية تامة وتفادي وقوعها مجدداً في أيدٍ فاسدة. - الآلية التشريعية: حُوّلت أموال الصندوق إلى الميزانية العامة، لكن مسؤولية تخصيصها بقيت للجنة الصندوق المكوّنة من ممثلي خمس مؤسسات وطنية متخصصة بمكافحة الفساد — أي فصل بين "من يسترد المال" و"من يقرر إنفاقه"، لمنع تكرار الفساد في مرحلة التوزيع. - الاعتماد أيضاً على طلبات المساعدة القانونية المتبادلة مع سويسرا كان محورياً في نجاح تجارب نيجيريا وبيرو والفلبين على حد سواء. - المدة الزمنية : أسرع نسبياً من نيجيريا، حوالي ٣٥ سنوات مقارنة بسبع سنوات في الحالة النيجيرية. ٣. الفلبين وثروة ماركوس — التحذير من الإفراط في التفاؤل هذه التجربة هي الدرس الأهم في "الصبر": - استغرقت عملية استعادة تركة ماركوس المنهوبة في الفلبين نحو ١٨ سنة كاملة — أي جيل كامل تقريباً، رغم أن ماركوس نفسه هرب من السلطة عام ١٩٨٦. ٤. مصر مقابل نيجيريا — درس سلبي مهم لماذا فشلت مصر حيث نجحت نيجيريا هذه المقارنة تلامس نقطة جوهرية للحالة العراقية: - اشترط الحكم السويسري بشأن الأموال المصرية استمرار وضع قانوني معين مرتبط باستقرار مؤسسات الدولة المصرية، بوجود رئيس منتخب وبرلمان منتخب واستقرار مؤسسي — أي أن الدول المستضيفة للأموال (سويسرا هنا) تشترط أحياناً استقراراً سياسياً وشرعية مؤسسية واضحة في الدولة الطالبة قبل تسليم الأموال، خوفاً من أن تعود لنفس دوائر الفساد أو الفوضى. هذا نقطة حساسة للعراق: مدى الاستقرار المؤسسي والشرعية القضائية المُدركة دولياً قد يكون عاملاً في تسريع أو تعطيل تعاون الدول المضيفة للأموال، بصرف النظر عن قوة الملف القانوني نفسه.
القواسم المشتركة بين التجارب الناجحة (نيجيريا، بيرو، جزئياً الفلبين) 1. تشريع داخلي طارئ وحاسم أولاً (كمرسوم أبو بكار في نيجيريا) قبل أي حراك خارجي — إشارة واضحة للخارج بجدية الداخل. 2. الاستعانة بمكاتب محاماة دولية متخصصة بدل الاعتماد فقط على الجهاز القانوني المحلي، لأن تتبع الأموال عبر الحدود يتطلب خبرة قانونية في كل ولاية قضائية على حدة. 3. بناء علاقة خاصة مع سويسرا تحديداً كنقطة عبور رئيسية، لأنها كانت ولا تزال ملاذاً مالياً تاريخياً لأموال الفساد من دول عديدة. 4. آلية "المصادرة غير القائمة على الإدانة الكاملة" حين توفر أدلة كافية دون انتظار حكم جنائي نهائي طويل الأمد. 5. صندوق مستقل لإدارة الأموال المستردة (نموذج بيرو) لمنع "إعادة تدوير" الفساد.
أين موقع العراق من هذه المعادلة؟ العراق يسير فعلياً على مسار مشابه جزئياً — التعاون مع الإنتربول، طلبات المساعدة القانونية المتبادلة مع الأردن ولبنان وتركيا وسوريا كما رأينا سابقاً — لكن الفارق الأساسي عن نيجيريا وبيرو هو غياب المرسوم/القانون الحاسم الأول الذي يجرّم الإثراء غير المشروع بمعيار إثبات مخفّف (كما فعل مرسوم أبو بكار)، إضافة إلى استمرار نفوذ بعض الشبكات المتهمة داخل مفاصل الدولة نفسها — وهو عائق لم تواجهه نيجيريا بنفس الحدة بعد رحيل أباتشا (بالموت) عن السلطة فعلياً. العقبات السياسية الجوهرية أمام استرداد الأموال في العراق هذه النقطة هي في الحقيقة العقبة الأم التي تحكم كل العقبات الفنية والقانونية الأخرى، لأن المشكلة ليست في نقص الأدوات القانونية بقدر ما هي في غياب الإرادة السياسية القادرة على استخدامها ضد أصحاب النفوذ أنفسهم. ١. معضلة "إنقاذ الدولة أم النظام السياسي؟" هذه أدق صياغة للمأزق العراقي: يواجه السياسيون معضلة بين إنقاذ الدولة أو الحفاظ على النظام السياسي، فمحاسبة الفاسدين قد تقوّض النظام السياسي القائم، بينما التغاضي عن المحاسبة يقوّض الدولة ومؤسساتها ذاتها. بمعنى آخر: كثير من المتهمين بالفساد ليسوا أفراداً معزولين، بل جزء عضوي من التحالفات والتوازنات التي يقوم عليها النظام السياسي بعد ٢٠٠٣ (المحاصصة الحزبية والطائفية)، فملاحقتهم جدياً قد تُسقط توازنات حكومية بأكملها. ٢. "التفاوض مع الفاسدين" كبديل عن المحاسبة برز في العراق مساراً مثيراً للجدل: تتصاعد الدعوات لرفض التسويات مع الفاسدين مع مطالبات بتغليظ العقوبات واعتبار الاستيلاء على المال العام جريمة تعادل الإرهاب، بينما يرى بعض القانونيين أن التسوية ممكنة إذا كانت تحقق منفعة للبلاد — أي مقايضة "أعد جزءاً من المال مقابل تخفيف الملاحقة". هذا النهج قد يسرّع الاسترداد المالي، لكنه يُضعف الردع ويُرسّخ فكرة أن الفساد "قابل للتفاوض" لا جريمة تستوجب المساءلة الكاملة. ٣. ضعف وترهيب مؤسسات إنفاذ القانون هذه نقطة حاسمة وخطيرة: تعرضت مؤسسات إنفاذ القانون للترهيب، وفقدت شخصيات جيدة كثيرة بسبب تهم مفبركة أو تهديدات أو حتى القتل أو الإبعاد عن المناصب، وما دامت هذه المؤسسات ضعيفة وموظفوها خائفين، فلن تتحقق الأهداف المرجوة من ملف الاسترداد. هذا يعيد التذكير بالمقارنة مع إيطاليا: اغتيال فالكوني وبورسلينو كان صدمة حوّلت الرأي العام ضد المافيا؛ لكن في العراق، الاغتيالات والتهديدات تُنتج أثراً معاكساً غالباً — ترهيب القضاة والمحققين بدل تحفيز مواجهة أوسع. ٤. تعاقب الحكومات دون استمرارية حقيقية للملف على امتداد الحكومات المتعاقبة، لم يخلُ أي برنامج حكومي أو خطاب رسمي من التعهد باسترداد الأموال المهربة، إلا أن هذه الوعود غالباً ما كانت تتراجع تدريجياً بعد انتهاء الزخم الإعلامي، لتبقى الملفات معلقة دون نتائج ملموسة. هذا نمط متكرر: كل حكومة جديدة تطلق حملة "استرداد" جديدة، لكن دون آلية مؤسسية دائمة تنتقل بالملف عبر التغيرات الحكومية، فتفقد القضايا زخمها القانوني والسياسي مع كل تغيير وزاري. ٥. اقتصار المحاسبة على الأفراد دون تفكيك المنظومة لن تؤدي حملات الاعتقال بذاتها إلى الإصلاح السياسي في العراق ما لم تتجاوز معاقبة الأفراد إلى تفكيك النظام المنظّم للفساد نفسه. أي أن ملاحقة موظف أو وزير سابق بعينه، مهما كانت قيمة المبلغ المسترد، لا تغيّر الآلية التي تنتج الفساد أصلاً (نظام العقود، آليات مزاد العملة، التوظيف الحزبي في المؤسسات الرقابية). ٦. تشابك الفساد المحلي بشبكات دولية منذ التأسيس جذر تاريخي مهم يفسر تعقيد المشكلة اليوم: سلطة الائتلاف المؤقتة مُنحت بموجب قرارات أممية حق التصرف بإيرادات النفط العراقية، ومُنحت عقود إعادة الإعمار لشركات أجنبية بينما كان العراق يُثقل بديون جديدة، ما يشير إلى أن الفساد لم يقتصر على مسؤولين عراقيين بل شمل شبكة دولية معقدة من شركات أجنبية وسلطات إدارة آنذاك — أي أن جزءاً من "الشركاء" في النهب المبكر ليسوا عراقيين أصلاً، ما يُعقّد فرص الملاحقة القانونية لأنها تتطلب تعاون دول لم تكن بالضرورة متحمسة لكشف أدوار شركاتها الخاصة. الخلاصة: لماذا هذه أخطر من العقبات الفنية؟ في نيجيريا وبيرو، جاءت اللحظة الحاسمة بعد سقوط كامل للنظام الذي أنتج النهب (وفاة أباتشا، سقوط فوجيموري)، فتحرّر جهاز الدولة نسبياً من الحاجة لمجاملة الشبكة القديمة. أما في العراق، فالنظام السياسي الذي أُنتج الفساد بعد ٢٠٠٣ لم يسقط ولم يتغيّر جذرياً — بل هو ذاته المطالَب بمحاسبة نفسه، وهذا يُفسّر لماذا يبقى الملف حبيس دورة "زخم إعلامي ثم تراجع" كما رأينا في نقطة (٤)، ولماذا معضلة "الدولة أم النظام" في نقطة (١) هي جوهر المأزق لا مجرد تفصيل منه.
التجربة التونسية: نموذج "الإنجاز الجزئي والإحباط المزمن" هذه التجربة هي الأقرب فعلاً للحالة العراقية من بين كل الأمثلة السابقة، لأن تونس — مثل العراق — لم تشهد سقوطاً كاملاً للنظام القديم، بل انتقالاً سياسياً معقداً بقيت فيه شبكات النفوذ القديمة حاضرة بأشكال متجددة. الأرقام: فجوة هائلة بين المنهوب والمُسترد - حجم النهب المقدّر : تونس تسعى لاسترداد نحو ٢٣ مليار دولار من الأموال المنهوبة (تقدير شامل يمتد عبر عقود حكم بن علي). - ما تم تجميده فعلياً في الخارج بعد الثورة مباشرة : تم تحديد أكثر من ٨٠ مليون دولار وطائرتين وقاربين، وتم تجميدها أو مصادرتها في سويسرا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا، من بينها طائرة أعيدت إلى تونس في يوليو ٢٠١١ بأمر من مكتب المدعي العام في باريس. - الاسترداد الفعلي بعد أكثر من عقد : مبلغ متواضع جداً — استعادت تونس ٢٨.٨ مليون دولار كانت مخبأة في حساب بنكي لبناني تحت سيطرة زوجة بن علي، وفي حالة أخرى من أصل ٦٦٠ مليون دولار مجمدة بأمر قضائي، لم تسترد تونس حتى الآن سوى ٤.٢٧ ملايين دولار فقط. - بمعنى آخر: نسبة الاسترداد الفعلي إلى النهب المقدّر لا تتجاوز أجزاء من الواحد بالمئة — أسوأ بكثير من التجربة النيجيرية.
لماذا فشلت تونس حيث نجحت نيجيريا نسبياً؟ — الأسباب السياسية الجوهرية ١. غياب الإرادة السياسية بسبب تشابك المصالح مع النظام القديم هذا هو التشخيص الأكثر صراحة ومباشرة: لا توجد إرادة سياسية حقيقية لاسترجاع هذه الأموال، لأن معظم من حكموا بعد الثورة كانت لهم مصالح مباشرة وغير مباشرة مع عائلة بن علي نفسها. هذا يطابق تماماً معضلة "الدولة أم النظام" التي ناقشناها في الحالة العراقية — لكن هنا مُصرَّح بها بشكل أوضح. ٢. التوافقات السياسية "أضرّت" بالملف عمداً أو ضمنياً التوافقات السياسية التي تمت في تونس سنة ٢٠١٤ أضرّت بملف استرداد الأموال المنهوبة — أي أن التسويات السياسية بين الفرقاء لإنهاء الأزمة الدستورية والانتقالية جاءت أحياناً على حساب الجدية في ملاحقة الفساد القديم، إذ تطلبت التوافقات إشراك أو تهدئة أطراف كانت لها صلات بالمنظومة السابقة. ٣. عدم الاستمرارية المؤسسية وضعف المتابعة عبر الحكومات المتعاقبة أقرّ خبراء اقتصاديون بفشل الحكومات المتعاقبة بعد ٢٠١١ في استرداد الأموال المنهوبة رغم بعض المحاولات الجادة، مرجعين ذلك لضعف المتابعة اللازمة لهذا الملف المعقد — نفس النمط الذي رأيناه في العراق: "زخم إعلامي ثم تراجع" مع كل تغيير حكومي. ٤. الدول المضيفة تشترط ضمانات قانونية "صلبة" لا توفرها الحالة السياسية المتقلبة البلدان التي توجد فيها الأموال المنهوبة تطالب باحترام إجراءات القانون، ولا يمكنها أن تُرجع تلك الأموال دون ضمانات قانونية مشروعة — وهنا يتكرر ما رأيناه سابقاً في مقارنة مصر/نيجيريا: عدم استقرار المسار السياسي التونسي (انقلابات دستورية متعاقبة، تغييرات حكومية متكررة) جعل الشركاء الأوروبيين والسويسريين أكثر حذراً وبطئاً. ٥. تعقيد الملفات القضائية وضعف الإعداد الفني واجهت تونس منذ سنوات صعوبات في استكمال الملفات القضائية المطلوبة، ما أدى إلى بطء ملحوظ في استرجاع الأموال رغم مرور أكثر من عقد على فتح الملف — إشارة إلى أن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي؛ فالنقص في القدرة الفنية على بناء ملفات إثبات متينة يُبطئ حتى المساعي الجادة.
تحوّل لافت في ٢٠٢٦: من المسار القضائي إلى المسار الدبلوماسي/السياسي هذا تطور مهم يستحق الانتباه لأنه اعتراف رسمي بفشل النهج القضائي البحت: أوصى الرئيس التونسي قيس سعيّد بمضاعفة الاتصالات والمساعي الدبلوماسية لطرح ملف الأموال المنهوبة في مختلف المنابر الدولية، وخاصة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لأن الإجراءات القضائية المتبعة منذ ٢٠١١ أثبتت محدوديتها، والأولى هو التنسيق السياسي المباشر مع الدول بدل انتظار نتائج لن تتحقق. كما شدد وزير الخارجية التونسي على أن قضية الأموال المنهوبة ليست فقط مالية بل مسألة عدالة انتقالية مرتبطة بمحاسبة الفساد، ولا تسقط بالتقادم. هذا يعكس إدراكاً متأخراً بأن "الملف القانوني الفني" وحده — دون غطاء سياسي ودبلوماسي دولي مستمر ومتصاعد — يبقى عالقاً في التعقيدات الإجرائية إلى ما لا نهاية.
الدرس المقارن الأهم للعراق مقارنة تونس بنيجيريا تكشف متغيراً حاسماً لم نُبرزه بما يكفي سابقاً: نيجيريا استفادت من موت أباتشا المفاجئ الذي قطع الحبل السري بين النظام القديم والجديد فوراً، بينما تونس ظلت تُدار جزئياً بواسطة نخب امتدت جذورها في عهد بن علي نفسه رغم رحيله. العراق أقرب لتونس من هذه الزاوية تحديداً: لا يوجد "قطع حاسم" مع الشبكات التي أنتجت الفساد بعد ٢٠٠٣، بل استمرارية وتجدد لنفس الفاعلين ضمن أطر انتخابية وحزبية شرعية شكلياً.
#مضر_خليل_عمر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
لماذا شوارع مدننا حرارتها لاهبة ؟
-
هل العراق محافظة ايرانية ؟
-
مسرحية الدرس ومضامينها
-
ثقافة الفقر وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية
-
الجغرافيا ومهارات القرن 21
-
الجامعة في الالفية الثالثة
-
لماذا التاكيد على ثقافة البحث الجغرافي ؟
-
التاريخ والجغرافيا توأم السطو على مصائر الامم
-
الجغرافيا في منظور الذكاء الاصطناعي
-
ثقافة البحث الجغرافي في الميزان
-
التعليم من اجل التعلم
-
التعليم الجامعي في الالفية الثالثة
-
ثقافة البحث العلمي
-
علة الجغرافيا كما حددها الذكاء الاصطناعي
-
بناء المواطن الصالح
-
مثالب النظام التعليمي في العراق
-
العلاقة الجدلية بين مكامن الخلل في التعليم في العراق
-
التعليم في عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي
-
التعليم العالي مقابل التعليم الثانوي: استيعاب الفروقات
-
ما كان عليه التعليم في عقدي الخمسينات والستينات
المزيد.....
-
أردوغان ورئيس وزراء باكستان يعلقان على اتفاقية الدفاع المشتر
...
-
النصف في بلا قيود: إيران عدونا لأنّها تعتدي علينا
-
تقرير يصف -اتفاقية مكة- بـ-رسالة تحذير لطهران-.. وإيران للسع
...
-
ترامب يوليها اهتمامًا خاصًا.. محكمة استئناف أمريكية تؤيد وقف
...
-
بعد أزمة أطاحت بعلاقاتهما.. المكسيك والبيرو تعاودان العلاقات
...
-
-رغم ترسانتها المتطورة-.. مسؤول أمني إسرائيلي سابق: السعودية
...
-
لدغات الأفاعي ليست عشوائية.. دراسة تكشف مَن هم الأكثر عرضة ل
...
-
الشيوخ الأمريكي يصادق على تشديد العقوبات ضد روسيا
-
رئيس وزراء العراق لرئيس الاستخبارات السعودية: نرفض استخدام أ
...
-
أنقرة: -اتفاقية مكة للدفاع المشترك- لا تتعارض مع التزامات ال
...
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|