حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث
(Hossam Aldin Fayad)
الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 14:15
المحور:
العولمة وتطورات العالم المعاصر
" الأمم لا تنهض لأنها أقل وقوعاً في الأخطاء، وإنما لأنها تمتلك الشجاعة لتحويل أخطائها إلى معرفة، ومعرفتها إلى مؤسسات، ومؤسساتها إلى ثقافة تمنع تكرار الإخفاق والفشل " (الكاتب).
ليست المشكلة التي تواجه العالم العربي أنه أكثر المجتمعات ارتكاباً للأخطاء، فالتاريخ لا يعرف أمة تقدمت دون أن تدفع ثمن قرارات خاطئة أو تجارب فاشلة. كما أن الأمم التي تتصدر اليوم مؤشرات التنمية والابتكار والاستقرار السياسي لم تصل إلى ما هي عليه عبر طريق مستقيم، بل عبر حروب مدمرة، وأزمات اقتصادية، وانقسامات اجتماعية، وإخفاقات سياسية كبرى. غير أن الفرق الجوهري بينها وبين غيرها لا يكمن في حجم الأخطاء التي ارتكبتها، وإنما في الطريقة التي تعاملت بها مع تلك الأخطاء. فهناك مجتمعات اعتبرت الفشل مختبراً لإعادة بناء الدولة، ومجتمعات أخرى تعاملت معه بوصفه حادثة عابرة ينبغي تجاوزها دون مراجعة عميقة، أو مسؤولية تلقى على الآخرين، أو قدراً تاريخياً لا سبيل إلى تغييره.
ومن هذا المنطلق، فإن سؤال " متى يتعلم العرب من أخطائهم؟ " ليس سؤالاً يهدف إلى جلد الذات أو التقليل من شأن التجربة العربية، بقدر ما هو محاولة لفهم منطق سياسي واجتماعي ظل حاضراً في عدد من التجارب العربية الحديثة. فالقضية لا تتعلق بوقوع الخطأ، لأن ذلك جزء من الطبيعة البشرية وحركة التاريخ، وإنما تتعلق بقدرة المجتمع والدولة على تحويل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى إصلاح، والإصلاح إلى ثقافة مؤسسية تمنع إعادة إنتاج الأخطاء ذاتها. وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية، إذ يبدو أن كثيراً من الأزمات العربية، على اختلاف سياقاتها، لا تنتهي تماماً، وإنما تتغير أشكالها، بينما تبقى الآليات التي صنعتها فاعلة وقادرة على إنتاجها من جديد.
إن قراءة الواقع العربي من خلال الأحداث وحدها تفضي غالباً إلى استنتاجات ناقصة، لأن الأحداث ليست سوى المظهر الخارجي لبنى أعمق تتحكم في إنتاجها. فالأزمات السياسية، والاختلالات الاقتصادية، والتوترات الاجتماعية، لا تنشأ فجأة، ولا تستمر بفعل المصادفة، بل تتكون داخل منظومات من القيم، والمؤسسات، وأنماط التفكير، والعلاقات بين الدولة والمجتمع. ومن هنا فإن السؤال الذي يستحق الطرح ليس لماذا وقع الخطأ؟ وإنما، لماذا أصبح الخطأ قابلاً للتكرار؟ وكيف تتحول بعض المجتمعات إلى بيئات تعيد إنتاج الأزمات أكثر مما تنتج حلولها؟
وحسب علم الاجتماع السياسي، لا يفسر استمرار الأزمات بإرادة الأفراد وحدها، لأن الفرد يعمل داخل بنية تسبق وجوده وتؤثر في خياراته. فالمؤسسات، والثقافة السياسية، وشبكات المصالح، وآليات صناعة القرار، كلها عناصر تحدد ما هو ممكن وما هو مستبعد، وتؤثر في طبيعة السياسات العامة أكثر مما تؤثر فيه النيات الفردية. ولهذا قد تتغير الحكومات، وتتبدل القيادات، وتتعاقب النخب، بينما تستمر النتائج متقاربة، لأن القواعد التي تدار بها الدولة لم تتغير. فالأشخاص يرحلون، أما البنية التي تصنع طريقة تفكيرهم، وتحدد أسلوب عملهم، وتمنح الشرعية لقراراتهم، فإنها غالباً ما تبقى، لتعيد إنتاج المنطق نفسه بأسماء مختلفة.
وهنا تبرز إحدى أهم الإشكاليات في التجربة العربية المعاصرة، وهي الميل إلى معالجة نتائج الأزمات أكثر من معالجة أسبابها. فعندما ينظر إلى كل أزمة باعتبارها حالة استثنائية، يجري التعامل معها عبر حلول مؤقتة تخفف آثارها الآنية، لكنها لا تمس الجذور التي أنتجتها. ومع مرور الزمن، تتحول المعالجات المؤقتة إلى أسلوب دائم في إدارة الشأن العام، ويصبح تأجيل الإصلاح أكثر شيوعاً من الإقدام عليه، لأن كلفة التغيير تبدو، في المدى القصير، أعلى من كلفة الإبقاء على الواقع. غير أن هذا المنطق لا يلغي الأزمة، بل يؤجل انفجارها، ويمنحها وقتاً إضافياً كي تتجذر داخل بنية الدولة والمجتمع.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس كثرة الإخفاقات، وإنما اعتياده عليها. فحين تتكرر الأزمات إلى الحد الذي تفقد معه قدرتها على إثارة الدهشة، يبدأ الوعي الجمعي بالتكيف معها بدلاً من مقاومتها. وعندئذٍ لا يعود السؤال المطروح هو كيف نمنع تكرار الخطأ؟ بل كيف نتعايش معه؟ وهنا تنشأ ثقافة صامتة تطبع الفشل، وتجعل من إدارة الأزمات هدفاً بحد ذاته، بدل أن يكون الهدف هو بناء مؤسسات تمنع نشوء الأزمات أصلاً. وفي هذه اللحظة تتحول الأزمة من حدث عابر إلى جزء من الحياة السياسية والاجتماعية، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة، بينما يغيب التفكير في البدائل بعيدة المدى.
غير أن استمرار هذه الحلقة لا يرتبط بالمؤسسات الرسمية وحدها، بل يرتبط أيضاً بالثقافة السياسية التي تتشكل داخل المجتمع نفسه. فالثقافة السياسية ليست مجرد مواقف تجاه السلطة، وإنما هي منظومة من التصورات التي تحدد كيف يفهم الأفراد معنى الدولة، والقانون، والشرعية، والمساءلة، والاختلاف. فإذا كانت هذه الثقافة ترى في النقد تهديداً للاستقرار، وفي الاعتراف بالخطأ انتقاصاً من المكانة، وفي المحافظة على المألوف ضمانة للأمن، فإنها تصبح، من حيث لا تشعر، شريكاً في إعادة إنتاج الإخفاق. لأن المجتمعات التي لا تمنح المراجعة مكانتها الطبيعية، تضعف قدرتها على التعلم، حتى وإن امتلكت الخبرات والإمكانات.
وفي هذا السياق، لا تبدو النخب السياسية معزولة عن المجتمع، كما لا يبدو المجتمع ضحية سلبية لخيارات النخب. فكلاهما يؤثر في الآخر ضمن علاقة متبادلة، فالمؤسسات تنتج النخب وفق القواعد التي تعمل بها، والنخب تعيد تشكيل المؤسسات من خلال السياسات التي تعتمدها، بينما تمنح الثقافة الاجتماعية الطرفين معاً شرعية الاستمرار أو التغيير. ولهذا فإن الاقتصار على تحميل المسؤولية للأفراد يغفل حقيقة أن الأشخاص غالباً ما يتحركون داخل منظومة تفرض عليهم منطقها قبل أن يفرضوا هم منطقهم عليها.
ولعل هذا ما يفسر لماذا لا يؤدي تغير الأشخاص دائماً إلى تغير النتائج. فحين تنتج المؤسسات النخب وفق معايير لا تجعل الكفاءة، والابتكار، والاستقلالية الفكرية في مقدمة أولوياتها، فإنها تعيد إنتاج أنماط التفكير ذاتها، حتى وإن حملتها وجوه جديدة. وعندما تصبح المحافظة على التوازنات القائمة أكثر أهمية من مراجعة السياسات، يفقد التجديد فرصته، لأن المؤسسة تميل بطبيعتها إلى الدفاع عن القواعد التي ضمنت استمرارها. وهكذا يصبح الإصلاح محصوراً في تغيير الأسماء، بينما تبقى البنية التي صنعت الأزمة على حالها، لتبدأ دورة جديدة من التوقعات الكبيرة، يعقبها الإحباط نفسه، ثم العودة إلى نقطة البداية.
ولا تقف آثار هذه الثقافة عند حدود السياسة، بل تمتد إلى الاقتصاد والتعليم والإدارة العامة. فحين يغيب التفكير الاستراتيجي، ويحل محله منطق ردود الأفعال، تتراجع الأولوية لبناء الإنسان، ولمراكمة المعرفة، وللاستثمار في الابتكار، لصالح حلول سريعة تحقق مكاسب آنية، لكنها لا تؤسس لقدرة المجتمع على مواجهة تحديات المستقبل. وعندها يصبح الاقتصاد أكثر اعتماداً على الريع من الإنتاج، ويصبح التعليم أكثر اهتماماً بالحفظ من تنمية التفكير النقدي، وتصبح الإدارة أكثر انشغالاً بتسيير الواقع القائم من إعادة بنائه. وبهذا تتكامل حلقات البنية المنتجة للأزمة، فلا يعود الخطأ مجرد قرار سياسي، بل يصبح انعكاساً لطريقة تفكير عامة تتسلل إلى مختلف مؤسسات المجتمع.
وهكذا، فإن الأزمة العربية المعاصرة لا يمكن اختزالها في سوء إدارة أو ضعف إمكانات أو تعاقب ظروف خارجية ضاغطة، لأن هذه العوامل، على أهميتها، لا تفسر وحدها استمرار الحلقة المغلقة. إن جوهر المشكلة يكمن في وجود بنية سياسية واجتماعية وثقافية تجعل تكلفة الاعتراف بالخطأ أعلى من تكلفة الاستمرار فيه، وتجعل التغيير أكثر صعوبة من المحافظة على المألوف، وتمنح الحلول المؤقتة أولوية على الإصلاحات العميقة. وما دامت هذه البنية قائمة، فإن الأخطاء لن تبقى أحداثاً منفصلة، بل ستستمر في إعادة إنتاج نفسها، ولو تغيرت الحكومات، وتبدلت القيادات، وتعاقبت الأجيال.
غير أن فهم آليات إعادة إنتاج الخطأ لا يكتمل من دون التوقف عند عنصر آخر لا يقل أهمية عن المؤسسات والثقافة السياسية، وهو طريقة تعامل المجتمع مع ذاكرته التاريخية. فالأمم لا تتشكل بالماضي وحده، وإنما بالطريقة التي تقرأ بها ذلك الماضي. وهناك فرق جوهري بين مجتمع يستحضر تاريخه ليبحث فيه عن الدروس، ومجتمع يستحضره ليبحث فيه عن المبررات. الأول يجعل التاريخ مختبراً دائماً للمراجعة والتصحيح، أما الثاني فيحوله إلى سردية مغلقة تستدعى منها الأمجاد عند الحاجة، بينما تهمش الإخفاقات أو تفسر بعوامل خارجية وحدها، دون مساءلة الذات أو تفكيك الأسباب البنيوية التي أسهمت في صنعها.
ولذلك، لا تبدو المشكلة في العالم العربي أن الذاكرة التاريخية ضعيفة، بل ربما تكمن المشكلة في أنها قوية بوصفها ذاكرة، وضعيفة بوصفها أداة لإنتاج الوعي. فالأحداث الكبرى محفوظة في الوجدان الجمعي، والشخصيات التاريخية حاضرة في الخطاب العام، والهزائم والانتصارات تستعاد باستمرار، لكن السؤال الذي نادراً ما يطرح هو ماذا تعلمنا من كل ذلك؟ إن حفظ الوقائع لا يعني بالضرورة فهمها، كما أن استدعاء التاريخ لا يعني القدرة على توظيفه في بناء المستقبل. فالتاريخ الذي لا يتحول إلى معرفة نقدية يبقى مجرد مادة للاستذكار، لا قوة فاعلة في صناعة القرار.
ومن هنا يمكن تفسير ظاهرة تتكرر في عدد من التجارب العربية، وهي الميل إلى قراءة التاريخ بمنطق التبرير أكثر من منطق التفسير. فعندما تعزى الإخفاقات دائماً إلى المؤامرات الخارجية وحدها، أو إلى الظروف الاستثنائية وحدها، يفقد المجتمع القدرة على مساءلة ذاته، ويصبح الإصلاح مؤجلاً إلى أن تتغير الظروف، لا إلى أن تتغير البنية الداخلية. ولا شك أن العوامل الخارجية تؤثر في مسار الدول، بل قد تكون حاسمة في بعض المراحل، غير أن الأمم التي استطاعت النهوض لم تفعل ذلك لأنها أنكرت تأثير الخارج، وإنما لأنها رفضت أن تجعل هذا التأثير مبرراً دائماً لتعطيل النقد الذاتي أو تأجيل الإصلاح.
إن أحد الفروق الأساسية بين المجتمعات التي تتقدم والمجتمعات التي تراوح مكانها يكمن في طبيعة العلاقة بين الخبرة والمؤسسة. فحين تمر الدول المتقدمة بأزمة كبرى، تتحول تلك الأزمة إلى موضوع للبحث، والتقييم، والمحاسبة، وإعادة النظر في السياسات، فتخرج المؤسسات أكثر خبرة مما كانت عليه قبل الأزمة. أما حين تغيب هذه الثقافة، فإن التجربة تنتهي بانتهاء الحدث، ويعود الجميع إلى الممارسات نفسها، وكأن شيئاً لم يكن. وهكذا لا تتراكم الخبرة، بل تتراكم الوقائع، ويبقى المستقبل أسيراً لأخطاء الماضي، لأن الدرس لم يتحول إلى قاعدة مؤسسية.
ولا يقل التعليم أهمية عن ذلك، لأنه يمثل المجال الذي تتشكل فيه طريقة التفكير قبل أن تتشكل المواقف السياسية. فالتعليم الذي يكتفي بتلقين المعلومات، ويعلي من قيمة الحفظ على حساب التحليل، ينجح في إنتاج حافظين للمعرفة، لكنه لا ينجح بالضرورة في إنتاج عقول قادرة على مساءلة المعرفة نفسها. والمجتمع الذي لا يربي أبناءه على التفكير النقدي، وعلى اختبار الأفكار بالحجة والدليل، يجد صعوبة في بناء ثقافة عامة تتقبل المراجعة، لأن العقل الذي اعتاد تلقي الإجابات الجاهزة لن يكون ميالاً إلى طرح الأسئلة التي تنتج الإصلاح.
ويمتد الأمر إلى المجال الاقتصادي، حيث تكشف التجارب الحديثة أن الاقتصادات التي تعتمد بصورة مفرطة على الريع، مهما كانت موارده، تكون أقل ميلاً إلى الابتكار، لأن الريع يوفر حلولاً سريعة، بينما تفرض الاقتصادات الإنتاجية على المجتمع تطوير المعرفة، والاستثمار في الإنسان، وبناء مؤسسات قادرة على المنافسة. ومن هنا فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من الموارد الطبيعية، بل من بناء الإنسان القادر على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قوة اقتصادية وسياسية. فالثروة قد تمنح الدولة قدرة على الإنفاق، لكنها لا تمنحها بالضرورة قدرة على التعلم، إذا لم تترجم إلى مؤسسات تعليمية وبحثية واقتصادية تراكم الخبرة جيلاً بعد جيل.
ولهذا فإن السؤال الذي بدأ به هذا المقال لا يمكن أن تكون له إجابة زمنية، لأن التعلم ليس لحظة تاريخية تنتظرها الأمم، بل هو ثقافة تبنى بالتدريج داخل مؤسساتها. فالعرب سيتعلمون من أخطائهم عندما يصبح الاعتراف بالخطأ فضيلة سياسية لا تهمة، وعندما تتحول المراجعة إلى ممارسة مؤسسية لا استجابة استثنائية للأزمات، وعندما تبنى السياسات العامة على المعرفة والبحث والتقييم، لا على الانطباعات وردود الأفعال، وعندما يصبح القانون مرجعية تعلو على الأشخاص، وتصبح المؤسسة أقوى من الفرد، ويصبح معيار النجاح هو جودة النتائج لا قوة الخطاب.
كما أن التحول الحقيقي يبدأ عندما تدرك النخب، كما يدرك المجتمع، أن الحفاظ على الهيبة لا يكون بإنكار الخطأ، وإنما بسرعة تصحيحه. فالدول الواثقة من مؤسساتها لا تخشى النقد، لأنها تعلم أن النقد يحميها من تكرار الإخفاق، والمجتمعات الواثقة من نفسها لا تنظر إلى المراجعة بوصفها انتقاصاً من تاريخها، بل باعتبارها الطريق الوحيد لصناعة مستقبل أكثر استقراراً. فليس في التاريخ أمة بلغت النهضة لأنها ادعت الكمال، وإنما لأن مؤسساتها امتلكت من الشجاعة ما يكفي للاعتراف بالنقص، ثم العمل على تجاوزه.
ولعل أهم تحول يحتاج إليه العالم العربي اليوم ليس تغيير الأشخاص بقدر ما هو تغيير المنطق الذي تدار به الدولة والمجتمع. فالنهضة لا يصنعها تداول الوجوه إذا بقيت القواعد ثابتة، ولا تصنعها كثرة الشعارات إذا ظل التفكير أسير الأدوات القديمة. إن التحول الحقيقي يبدأ عندما يصبح السؤال الدائم داخل مؤسسات الدولة ماذا تعلمنا؟ قبل أن يكون كيف نبرر ما حدث؟ وعندما يصبح تقييم السياسات جزءاً من ثقافة الحكم، لا فعلاً يفرض تحت ضغط الأزمات أو تبدل موازين القوى.
وفي ضوء ذلك كله، يمكننا القول إن القضية ليست أن العرب عاجزون عن التعلم، ولا أن تاريخهم محكوم بتكرار الإخفاق، فالتاريخ لا يصدر أحكاماً نهائية على الأمم، وإنما يفتح أمامها باستمرار فرصاً جديدة لإعادة بناء ذاتها. غير أن هذه الفرص لا تتحول إلى واقع إلا عندما تمتلك المجتمعات شجاعة مراجعة أفكارها قبل مراجعة خصومها، ومؤسساتها قبل لوم ظروفها، وأدواتها قبل اتهام الآخرين. فالمستقبل لا يصنع بالأمنيات، ولا بالحنين إلى أمجاد الماضي، وإنما بإرادة واعية تدرك أن الخطأ لا يصبح خطراً إلا عندما يتحول إلى عادة، وأن أعظم إنجاز يمكن أن تحققه أي أمة ليس أن تتجنب الخطأ، فهذا مستحيل، بل أن تمنع تكراره.
إن سنن الحضارة لا تمنح الأمم فرصة واحدة، بل تفتح أمامها مسارات متعددة للتجدد بقدر ما تمتلك من شجاعة في مراجعة ذاتها وإعادة تقويم خياراتها. فالمجتمعات لا تقاس بما ترتكبه من أخطاء، لأن الخطأ جزء من التجربة الإنسانية، وإنما تقاس بقدرتها على تحويل التجربة إلى وعي، والوعي إلى إصلاح، والإصلاح إلى بناء جديد أكثر نضجاً. ومن يمتلك شجاعة الاعتراف بأخطائه، يمتلك في الوقت ذاته القدرة على إعادة تشكيل مستقبله وفق رؤية أكثر اتزاناً وواقعية، لأن المراجعة النقدية ليست اعترافاً بالهزيمة، بل إعلاناً عن بداية مرحلة جديدة من النضج الحضاري. أما المجتمعات التي تكرر الخطأ ثم تنشغل بتبريره أو تجميله، فإنها لا تعيد إنتاج أزماتها فحسب، بل تعيد إنتاج البنية الذهنية والثقافية التي أنشأتها، فتدور في الحلقة التاريخية ذاتها، ويغدو الزمن فيها تكراراً للأحداث لا مساراً للتقدم، لأن المستقبل لا يصنعه مرور السنوات، وإنما تصنعه القدرة على التعلم من التجربة وتجاوزها نحو أفق أكثر وعياً وفاعلية.
#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)
Hossam_Aldin_Fayad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟