أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أوزجان يشار - هل الرفاهية قيدًا والراحة تكاسل… كيف نصنع سجوننا بإرادتنا؟















المزيد.....

هل الرفاهية قيدًا والراحة تكاسل… كيف نصنع سجوننا بإرادتنا؟


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 09:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ليست أخطر السجون تلك التي تُغلق أبوابها علينا، بل تلك التي نختار البقاء داخلها ونحن نظن أننا أحرار. فالإنسان لا يُهزم دائمًا بسبب نقص الفرص، ولا يتوقف فقط عندما تسد الطرق أمامه، بل قد يحدث العكس تمامًا؛ قد يهزمه فائض الراحة، وقد تخدعه السهولة حتى ينسى قدرته على المحاولة.

هناك قيود تُصنع من الحديد، وهناك قيود أكثر خفاءً تُصنع من العادة. الأولى نراها فنحاول كسرها، أما الثانية فقد ندافع عنها لأنها تمنحنا شعورًا بالأمان. ولهذا كان الخطر الأكبر في الحياة أحيانًا ليس أن نُحرم مما نريد، بل أن نحصل على ما يكفي ليمنعنا من البحث عما نستطيع أن نكون.

تروي إحدى الحكايات الرمزية أن فأرًا سقط داخل وعاء مليء بالأرز. في اللحظة الأولى لم يشعر بالخوف، بل ربما شعر أنه وجد المكان المثالي. الطعام يحيط به من كل جانب، لا مطاردة، لا تعب، لا بحث طويل عن لقمة. كل ما يحتاجه موجود أمامه.

كان أعلى الوعاء مفتوحًا، وكان يستطيع أن يقفز خارجه في البداية، لكنه لم يفعل. لم يكن هناك سبب ظاهر يدفعه للمغادرة. لماذا يهرب من مكان يمنحه الطعام بلا جهد؟ لماذا يعود إلى عالم مليء بالمخاطر بينما يعيش داخل وفرة سهلة؟

ومرت الأيام.

كان الفأر يأكل من الأرز، لكنه لم ينتبه إلى أن شيئًا آخر كان يُستهلك معه: قدرته على النجاة. مع كل يوم من الراحة كان يفقد جزءًا من حاجته للحركة، ومع كل وجبة سهلة كان يبتعد أكثر عن غريزة البحث.

بدأ مستوى الأرز ينخفض تدريجيًا، ومعه كان الفأر يهبط نحو قاع الوعاء. المسافة التي كانت قفزة بسيطة أصبحت جدارًا عاليًا، والطريق الذي كان مفتوحًا أصبح صعبًا. وحين انتهى الأرز، اكتشف الحقيقة متأخرًا: الوعاء لم يحبسه، الراحة هي التي فعلت.

هذه القصة ليست تجربة علمية مخبرية، لكنها مرآة دقيقة لحالة إنسانية متكررة. كم من إنسان يعيش داخل وعاء غير مرئي؟ وظيفة لا تمنحه نموًا لكنه يخاف مغادرتها، عادة تستنزف عمره لكنه يكررها لأنها مألوفة، حياة لا تشبه أحلامه لكنه يفضلها لأنها لا تطلب منه مواجهة المجهول.

قال عالم النفس أبراهام ماسلو: “إما أن تتقدم نحو النمو، أو تتراجع نحو الأمان”. فالإنسان يعيش دائمًا بين صوتين داخله؛ صوت يدعوه إلى التطور، وصوت آخر يطلب منه البقاء حيث يعرف كل شيء.

لكن الراحة ليست عدوًا بحد ذاتها. الإنسان يحتاج إلى الراحة كما تحتاج الأرض إلى المطر. المشكلة تبدأ عندما لا تكون الراحة محطة نستعيد فيها قوتنا، بل تصبح المكان الذي ندفن فيه إمكاناتنا.

وهنا تأتي حكاية رمزية أخرى تكمل المعنى؛ حكاية الشمبانزي والقفص المفتوح.

يُروى أن شمبانزي عاش داخل قفص لفترة طويلة، وكان يحصل كل يوم على عشر موزات جاهزة. لم يكن بحاجة إلى تسلق الأشجار، أو البحث في الغابة، أو اختبار مهاراته الطبيعية. الطعام يأتي إليه، والحياة منظمة، وكل شيء مضمون.

ثم قرر الباحثون نقل القفص إلى الغابة. أصبح الشمبانزي محاطًا بعالمه الحقيقي: الأشجار، الثمار، الحرية والمساحات المفتوحة. وبعد ذلك فتحوا باب القفص.

كان يستطيع الخروج.

لكنه بقي في مكانه.

لم يكن هناك قفل يمنعه، ولا حاجز يوقفه. المشكلة لم تعد في الباب، بل في الفكرة التي تكونت داخله. لقد اعتاد أن ينتظر ما يأتي إليه بدل أن يسعى لما يستطيع الحصول عليه.

استمروا في منحه عشر موزات يوميًا، فبقي داخل القفص المفتوح. ثم خفضوا العدد إلى ثماني موزات، لكنه بقي. ثم أصبحت ستًا، ومع ذلك لم يغادر. لم يبدأ بالتفكير بالخروج إلا عندما وصل العدد إلى أربع موزات فقط.

السؤال العميق هنا ليس: لماذا خرج؟

بل: لماذا تأخر كل هذا الوقت؟

لماذا لم يغادر عندما كان قويًا؟ لماذا لم يستكشف الغابة عندما كان لديه طاقة وخيارات؟ لماذا انتظر حتى أصبحت الظروف أقل راحة؟

إنها ليست قصة شمبانزي فقط، بل قصة بشر كثيرين. هناك من لا يبدأ الاهتمام بصحته إلا بعد المرض، ولا يبحث عن فرصة أفضل إلا بعد فقدان الفرصة القديمة، ولا يغير طريقه إلا عندما يصبح الألم أكبر من الخوف.

قال الكاتب جيم رون: “نحن نتغير لسببين: الإلهام أو اليأس”. هناك من يتحرك لأنه يرى مستقبلًا أفضل، وهناك من ينتظر حتى يصبح الماضي غير قابل للاستمرار.

وهنا يلتقي الفأر والشمبانزي عند الحقيقة نفسها. الفأر امتلك الطعام حتى فقد قدرته على القفز، والشمبانزي امتلك الباب المفتوح لكنه لم يمتلك قرار الخروج.

الأول كان محاصرًا بالوفرة، والثاني كان محاصرًا بالاعتياد.

وهذه من أكثر الحقائق قسوة في حياة الإنسان: أحيانًا لا نحتاج إلى من يمنعنا، لأننا نتعلم كيف نمنع أنفسنا.

كثيرون يعتقدون أن الحرية تعني غياب القيود الخارجية، لكن الحرية الحقيقية تبدأ عندما تتحرر طريقة التفكير. فالعبد الذي اعتاد القيود قد يخاف من المساحات المفتوحة، والإنسان الذي عاش طويلًا داخل منطقة مألوفة قد يرى الفرص الجديدة كتهديد لا كاحتمال.

قال الفيلسوف فريدريك نيتشه: “ما لا يقتلني يجعلني أقوى”. فالإنسان لا يكتشف قوته وهو مختبئ دائمًا من التحديات، بل حين يواجهها.

فالطائر لا يعرف معنى الجناحين داخل العش، والبحّار لا يصبح ماهرًا في ميناء هادئ، والإنسان لا يعرف حجم إمكاناته وهو يعيش فقط داخل حدود ما اعتاد عليه.

إن أخطر لحظة ليست عندما نفشل، بل عندما نتوقف عن المحاولة. فالفشل يخبرنا أننا حاولنا، أما الجمود فيقنعنا أننا لا نحتاج إلى المحاولة أصلًا.

قال مارك توين: “بعد عشرين عامًا ستكون أكثر ندمًا على الأشياء التي لم تفعلها من ندمك على الأشياء التي فعلتها”. لأن الإنسان غالبًا لا تطارده أخطاؤه بقدر ما تطارده الاحتمالات التي لم يمنحها فرصة.

الحياة تمنحنا أبوابًا مفتوحة كثيرة، لكن بعضنا يبقى منتظرًا داخل القفص. ينتظر الظروف المثالية، اللحظة المناسبة، الضمان الكامل. لكن الحقيقة أن النمو لا يحدث عندما تختفي المخاطر، بل عندما نقرر أننا أكبر من خوفنا منها.

في النهاية، لم تكن مأساة الفأر في الوعاء، ولم تكن مشكلة الشمبانزي في القفص. كلاهما كان يملك فرصة للخروج قبل أن تضيق الخيارات.

والدرس الذي تتركه لنا هذه الحكايات الرمزية واضح وحاسم:

لا تنتظر حتى ينفد الأرز لتبحث عن الطريق.

ولا تنتظر حتى تصبح الموزات أربعًا لتدرك أن الغابة كلها كانت تنتظرك.

ابدأ اليوم بخطوة واحدة خارج حدود ما اعتدت عليه. غيّر عادة تؤخرك، تعلّم شيئًا جديدًا، اتخذ قرارًا كنت تؤجله، أو اقترب من الحياة التي تعرف في داخلك أنك تستحقها.

فالقيود التي صنعناها بأيدينا نستطيع أن نكسرها بأيدينا أيضًا. والحرية لا تبدأ عندما تختفي كل العوائق، بل في اللحظة التي نقرر فيها ألا نبقى أسرى للراحة والخوف من التجربة. افتح بابك الآن، فالخطوة الأولى نحو التغيير لا تحتاج إلى ظروف مثالية، بل إلى قرار شجاع في الوقت المثالي.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 15 شيئًا يتخلص منه اليابانيون: كيف تعكس مقتنيات المنزل الياب ...
- النباتات الداخلية… ديتوكس المنازل وحلفاؤنا الخضر في مواجهة ا ...
- دروع العقل: كيف تبني شخصية مؤثرة وتحمي ذاتك من فخاخ الأفكار ...
- متلازمة “وهم القمة المعرفية”: حين يعتقد العقل وهمًا بأنه لا ...
- أسطورة الجلد والكبرياء: سيالكوت والنساء اللواتي صنعن مجد كأس ...
- الخوف من الرفض… السجن الخفي الذي يصنعه المجتمع داخل الإنسان
- حين تصبح حياة الآخرين مرآة تحطّمنا: لماذا نقارن أنفسنا بغيرن ...
- قراءة شاملة لكتاب “كن أنت” للكاتبة إيلين لامب
- فن التجاهل: عندما يصبح الصمت أقوى سلاح واللامبالاة أسمى درجا ...
- حين تُستدعى الحقيقة: العنف ليس دينًا، والعدالة لا تعرف الانت ...
- قراءة في كتاب -المجد الرئيسي- للكاتب ستيفن آر. كوفي
- من الدعم إلى الشراكة المشروطة: لماذا تغيّر موقف الخليج من إد ...
- حين يصنع التخطيط مصير الأمم: من إدارة الأزمات إلى هندسة المس ...
- بين القبول والنفور: جسور العلاقات البشرية
- حين تتحول السياسة إلى مقامرة… قراءة في إدارة المشهد السياسي ...
- مهارة إدارة المخاطر: بين حدس المغامر وانضباط المثابر
- اضطراب ثنائي القطب: حين لا يكون الألم صاخباً… لكنه لا يتوقف
- شخصية الضحية المزمنة: بين قناع الضعف وحقيقة الاستنزاف
- ترامب والسياسة كمسرح عبثي: لو لم يكن رئيساً… لكان نجم “ستاند ...
- الحرب مع إيران: بين التصريحات المريبة والحقيقة المدفونة


المزيد.....




- مواجهة بين سياح في إندونيسيا تثير جدلا واسعًا بسبب القواعد ا ...
- غوتيريش يختتم زيارته إلى سوريا بكلمات مؤثرة.. ماذا قال؟
- موسكو: الغرب متواطئ في إرهاب كييف ونشر قوات أجنبية بأوكرانيا ...
- تغييرات واسعة في قيادات الأمن بمصر
- ما قصة المرض المعوي الذي حير السلطات الأمريكية؟
- بيرلو ينسحب من سباق تدريب منتخب إيطاليا بعد انتقادات بشأن صل ...
- احتجاجات في طرابلس بسبب انقطاع الكهرباء... والنقاش يمتد إلى ...
- كيف وصلت الحرب من غزة إلى إيران؟ تقرير أمريكي يكشف ما جرى خل ...
- وثائقي يكشف كواليس غراهام.. لماذا أراد إبعاد كوشنر وويتكوف ع ...
- نقرير يكشف مصالح مالية.. الاتفاق النووي مع السعودية قد يدرّ ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أوزجان يشار - هل الرفاهية قيدًا والراحة تكاسل… كيف نصنع سجوننا بإرادتنا؟